المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : على منهاج النُّبوَّة


أم حذيفة
01-11-2020, 12:08 AM
✍على منهاج النُّبوَّة

🟢 إنه قد شَهِدَ بدراً!

كانتْ مكة على موعد قريب مع الفتح، رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حسم أمره بالسير إليها، وأخبر الجيش بالاستعداد، ولأن الحرب خِدعة، ولأن من يملك عنصر المفاجأة نادراً ما يُهزم، أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بكتمان أمر المسير إلى مكة.
كان كل شيء يسير كما هو مُخطط له، الصحابة من أهل مكة يحلمون باللحظة التي سيُقبِّلون فيها ترابها، والصحابة من أهل المدينة ما زالوا يحلمون بعُمرةٍ رُدُّوا عنها يوم الحُديبية! وبقية الصحابة من جزيرة العرب يحلمون باللحظة التي سيرتفع فيها أذان مكة مُعلِناً أنَّ الله أكبر! غير أنَّ شيئاً لم يكن بالحسبان قد وقع… يستدعي النبيُّ صلى الله عليه وسلم الفرسان الثلاثة علي والزبير والمقداد ويأمرهم بالتوجه على الفور إلى "روضة خاخ" حيث هناك امرأة تحملُ رسالةً عليهم إحضارها إليه مهما كلَّف الأمر!
توجَّه الثلاثة مُسرعين فوجدوا المرأة هناك، فطلبوا منها أن تُعطيهم الرسالة، فأنكرتْ وجودها، فقالوا لها: إما أن تُخرجي الكِتاب أو لنضعنَّ الثياب!
فلما علمتْ أنهم عازمون على تفتيشها، أعطتهم الرسالة وعادوا بها إلى المدينة، وهناك فتح النبيُّ صلى الله عليه وسلم الرسالة فإذا هي من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يُعلِمهم فيها بعزم النبي صلى الله عليه وسلم السير إلى مكة لفتحها!
👈🏻خرقٌ أمني خطير! وإن شئتَ فقُلْ: خيانة عُظمى!
ويُبرر حاطبٌ فعلته بأنَّ له أهلاً ضعفاء في مكة، وأنه ما أراد برسالته غير أن تكُفَّ قريش أذاها عنهم!
ويقبلُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عُذره… غير أن عمر بن الخطاب بحزمه المعتاد، إذا ما تعلَّق الأمر بهذا الدين يقول: يا رسول الله ائذن لي أن أضربَ عنق هذا المنافق!
👈🏻فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يا عمر، إنه قد شهد بدراً، وما أدراك لعلَّ الله قد اطلعَ على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم!
إنه قد شهد بدراً!

▪يا تُرى هل نتذكر ماضي الناس المشرق عندما يقعُ منهم خطأ، أم أننا ننسى كل المعروف، واللحظات الحلوة، والمشاعر الجميلة التي عشناها عند أول زلة قدم؟!
في حياة كل إنسان "بدر قد شهدها" فلماذا لا نمحو الخطأ ببدر تلك بدل أن نمحو بدراً بهذا الخطأ!
لماذا نُريد من الناس أن يكونوا ملائكة على الدوام؟! أليس لكل جواد كبوة، ولكل قدم زلة، ولا بد للنبيل أحياناً أن يخونه نُبله، وقد قال علي بن الجهم:
ومن ذا الذي تُرجى سجاياه كلها
كفى المرءُ نُبلاً أن تُعدَّ معايبه!

تجد الزوجة تخوضُ كل يومٍ بدراً، تربيةً للأولاد، وطبخاً ونفخاً، وتدريساً واهتماماً، وعند أول خطأ ينسى الزوج ذلك كله وكان بإمكانه أن يقفز عنه!
وتجدُ الزوجَ محباً حنوناً رحيماً فإذا أخطأ قامت الدنيا ولم تقعد، تنسى الزوجة عُمراً من المعروف بموقف كان بإمكانها التغاضي عنه!
لماذا على المدير أن ينسى كل ماضي الموظف المشرق عند خطأ عابر، وعلى الموظف أن ينسى لُطف المدير السابق عند أول موقف حزم!
لماذا ينسى الوالدان سنوات ابن في البِر لموقف عقوق واحد، وينسى الأولاد إحسان الدهر من الوالدين للحظة ضعف إنساني واحد!
احفظوا لكل أَحدٍ "بدره" ولا تمحوا كل المعروف بموقف واحد!

منقول

أم حذيفة
01-11-2020, 06:28 PM
✍على منهاج النُّبُوَّة

2⃣

🟢 فهل تستطيع أن تُغيِّبَ وجهكَ عني؟!

كان يوم بدر يوم حمزة بن عبد المطلب بامتياز، صالَ فيه الأسدُ الهصور وجالَ، ما مرَّ بفارسٍ إلا وصرعه، ولا أتى على محاربٍ إلا أهلكه، كيف لا وهو الذي كانت تُلقبه قريش في الجاهلية بِصائِدِ الأُسود، ولقَّبه النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في الإسلام بأسدِ الله وأسدِ رسوله!
لقد أصابَ قريشاً في مقتلها، واعتبرته المسؤول الأول عن هزيمتها في بدر، وكان لأكثر من بيتٍ قرشي ثأرٌ عنده!
وكان وحشي بن حربٍ عبداً رامياً بالحربة، مُجِيداً فيها، فوُعِدَ إن هو قتل حمزة يوم أُحد أن يصير حراً، وهكذا كان، استشهد أول قائد هيئة أركان في تاريخ الإسلام، وصار وحشيٌ حراً طليقاً! ولما فتح النبيُّ صلى الله عليه وسلم مكة، هربَ وحشيٌ إلى الطائف خوفاً من فِعلتِه، ثم إنه قد قيل له: إن الرجلَ لنبيٌّ، وإنه لا يثأر لنفسه، وقد قال: الإسلام يجُبُّ ما قبله، فلو أتيتَه وأسلمتَ، لَقَبِل منك، وعفا عنك!
فجاء وحشيٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولما رآه قال له: أنتَ وحشي؟
قال: نعم
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنتَ قتلتَ حمزة؟
فقال: قد كان من الأمر ما بلغكَ، وقد جئتُ أشهد أن لا إله إلا الله، وأنكَ رسول الله!
فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فهل تستطيع أن تُغيِّبَ وجهكَ عني؟!
ولم يلتقيا بعدها، فلما قُبِضَ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وادعى مُسيلمة الكذاب النبوة، خرج وحشي في جيش المسلمين، وقتل بحربته مُسيلمة! وكان بعدها يقول: قتلتُ بحربتي هذه خير الناس وشر الناس، حمزة بن عبد المطلب ومُسيلمة الكذاب!

فهل تستطيع أن تُغيِّبَ وجهكَ عني؟!
هنا مربط الفرس، وإسطبلُ الكلام!
الإسلام يجبُّ ما قبله، ولا يستطيعُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يردَّ إسلامَ من جاءه مسلماً لأي فعلة فعلها في الجاهلية حتى لو كان قد قتلَ عمّه! لهذا قبلَ إسلامَ وحشي! ولكنه بأبي هو وأمي لا يستطيع أن يخرجَ من قفص بشرِيَّتِه، إنه يُحبُّ ويكره، ولا يُريدُ أن يرى وجه وحشي طالما فيه جفن يطرف!
لقد طبَّق شرع ربه بقبوله إسلام وحشي، ولكن حقه الشخصي رفضَ أن يتنازل عنه، ما زال موجوعاً لفقد عمه وقائد جيشه وأحد أشرس جنود الإسلام!
العفو عند المقدرة من شِيَمِ النُّبلاء، وقد كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم نبيلاً فعفا، ولكن العفو شيء والودُّ شيء آخر!
أحياناً يجرحنا الآخرون عميقاً، يُسبِّبون لنا جروحاً غائرة لن تُشفى ما دامت السماوات والأرض، وقد يدخل الناس للصلح، وقد نسامح، ولكننا لا نُريدهم بجانبنا مرةً أُخرى، ولا نُريد رؤية وجوههم حتى، لأننا كلما رأيناهم سنتذكر طعم الطعنة التي طعنونا إياها، ونتحسس الجرح الذي أحدثوه فينا ولم يبرأ بعد!
تفهموا أن الذي لا يريدُ عودة الأمور إلى مجاريها مجدداً رغم مسامحته ليس بالضرورة أن يكون حقوداً، فلو كان حقوداً ما طوى الصفحة أساساً، ولكن جرحه له وحده، وعلينا أن نحترم خصوصية الجُروح!
وقريباً من هذا قال الأديب الروسي ليو تولستوي: عندما يخونونك فكأنما قطعوا ذراعيك، تستطيع أن تُسامحهم، ولكنك لا تستطيع أن تُعانقهم!

~~

أم حذيفة
01-13-2020, 01:51 AM
3⃣

وهذه يد عثمان!


✍لمَّا كان عام الحديبية وسار النبي صلى الله عليه وسلم بالمُسلمين يُريدون مكة للعمرة فقط، أُشيع في مكة أن المسلمين إنما جاؤوا للحرب، فقرر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُرسل إليهم رسولاً يُخبرهم أنه ما أراد إلا العمرة، ولن يمكث في مكة أكثر من يوم وليلة! ووقع أول الأمر اختياره على عمر بن الخطاب، ولأنَّ بني عدِي يومئذ قلة في مكة ولن يقدروا أن يحموه إذا أرادت قريشٌ الغدر، اقترح الفاروق على النبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يرسل مكانه عثمان بن عفان، فهو من بني أُمية، الفخذ القوي والثريُّ من قريش ولن يتجرأ عليه أحد…
ويقبلُ النبي صلى الله عليه وسلم رأي عمر، ويُرسلُ عثمان بن عفان مُوفداً منه إلى قريش برسالةٍ مفادها ما أتينا للحرب، إنها العمرة فقط!
فأتى عثمان مكة، وأبلغ أبا سفيان وسادة قريش رسالة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فأخبروه أنهم سينظرون في أمرهم، وقال أبو سفيان لعثمان: إن شئتَ أن تطوف بالبيت فطفْ!
فقال له عثمان: ما كنتُ لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبقته قريش عندها ريثما تستقر على رأي تبعثه معه إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وعندما تأخر عثمان أُشيع أنه قد قتل، وكانت الأعراف الدبلوماسية وقتذاك تقتضي أن الرُّسل لا تُقتل، لهذا غضب النبيّ صلى الله عليه وسلم، وطلب من المُسلمين أن يُبايعوه على الموت لقتال قريش عند الشجرة بما عرف فيما بعد ببيعة الرضوان!
ووضع النبي صلى الله عليه وسلم يده، وبدأ الصحابة يضعون أيديهم فوق يده الشريفة ويُبايعونه على الموت، ثم لما اجتمعت الأيدي فوق يده، رفع يده الشريفة الأخرى وقال: وهذه يد عثمان!
صحيح أن هذه البيعة ما كانت لتكون لولا غياب عثمان، ولكن عثمان كان حاضراً رغم غيابه، سيد الناس ينوب عنه، ويده الشريفة تسدُّ فراغ يد عثمان!
علمَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن بيعة الموت لو كانت لسبب آخر وكان عثمان حاضراً ما تخلَّف عن البيعة لهذا سدَّ غيابه
فهل حفظنا نحن غيبة بعضنا؟!

هل تمَّ جمع صدقةٍ لفقير فقال أحدنا هذه عن صديقي الغائب فلو كان حاضراً لتصدَّق؟!

هل اصطحبَ أحدنا أباه أو أمه إلى المستشفى وفي لحظة خلوة قال لأحدهما: إن أخي غاب لعذر ولو كان معنا لكان هنا مكاني وما سبقته إلى بِرِّكما؟!

عندما كانت غزوة تبوك، افتقد النبيُّ صلى الله عليه وسلم كعبَ بن مالك، فسأل: ما فعلَ كعبُ بن مالك!
فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه بُرداه والنظرُ في عِطفيه!
فقام مُعاذ بن جبل وقال: بئسَ ما قلتَ، واللهِ يا رسول الله ما علمنا عنه إلا خيراً!
نعم غاب كعب، ولكنه كان حاضراً في قلب معاذ، فحفظ له غيبته!
وقال رجل للمُبرِّد النحوي الشهير: شتمني فلان فحلمتُ وسكتُّ عنه، ثم شتمكً، فساويتكَ بنفسي، وسكتُّ عنه!
فقال له المُبرِّد: ليسا سواء، إنَّ احتمالك في نفسك حِلْم، واحتمالك في صديقك غدر!

📍كلما غاب صديق تعرف مروءته، سُدَّ مكانه، وتذكَّرْ: هذه يد عثمان

أم حذيفة
01-13-2020, 09:14 PM
4⃣

✍شُهداء الله في الأرض!

كانتْ جلسةً رائعة، وكيف لا تكون كذلك والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فيها! والصحابة يُكحِّلون أعينهم بالنظر إلى وجهه، يا لحظِّهم!
وتمُرُّ جنازةٌ… فيُثني الصحابة عليها خيراً، ربما قالوا يومها: كان الميت صديقاً وفياً، وزوجاً مُحباً، وابناً باراً، وجاراً كريماً، كان يُصلح بين المتخاصمين، ويتصدق على المساكين، ويُسامح من أخطأ بحقه، وكان قلبه معلقاً بالمساجد!
فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَجَبَتْ!

ثم بعد قليل مرَّتْ جنازةٌ أخرى، فأثنى الصحابة عليها شراً، ربما قالوا يومها: كان الميت صديقاً غادراً، وزوجاً لئيماً، وابناً عاقاً، وجاراً مُؤذياً، كان لا يحترم كبيراً ولا يعطف على صغير، والطريق إلى المسجد لا يعرفها ولا تعرفه!
فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَجَبَتْ!

فسأل الصحابة: ما وَجَبَتْ يا رسول الله؟
فقال: من أثنيتم عليه خيراً وجبتْ له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبتْ له النار، أنتم شُهداء الله في الأرض!

كلنا سنُحمل يوماً على الأكتاف، فكل نفسٍ ذائقة الموت، وما نحن إلا جنائز مُؤجلة، وكما قال كعب بن زهير:
كلُّ ابنِ أُنثى وإن طالتْ سلامته
يوماً على آلةٍ حدباء محمولُ!

فهل فكرنا ماذا سيقول شهداء الله في الأرضِ عنا يوم نُحملُ في التوابيت؟!

كل إنسان تتعامل معه اليوم هو شاهد لكَ أو عليكَ، تذكر هذا جيداً وأنتَ تُخالط الناس، وانسَ ما شئتَ ولكن إياك أن تنسى: وَجَبَتْ!

ماذا سيقول أبواك عنك؟ اللهم اغفرْ له فقد كان نعم الابن، أم سيقولان اللهم إنك تعلم ما كان من أمر عقوقه!

ماذا ستقول زوجتك عنك؟ اللهم إنه كان خير زوج، أم ستقول خُذْ بحقي منه يا الله!

ماذا سيقول أبناؤكَ عنك؟ اللهم إنه كان أباً عادلاً لم يُفضِّل ابناً على بنتٍ، ولا ولدٍ على ولد، أم سيقولون يا الله إنه قد ظلمَ وميَّزَ وأضاع الأمانة ولم يُحسن التربية!

ماذا سيقول جيرانك عنك؟ اللهم أنزله في جوارك فقد كان خير جار، أم سيقولون وأخيراً استرحنا من أذاه!

ماذا سيقول زملاؤك في العمل عنك؟ اللهم ارحمه فقد كان طيباً ينصحُ ويُساعد، ويحفظ السر، أم سيقولون اللهم إنك تعلم أنه كان واشياً لا يُؤتمن، ومُؤذياً لا يُحتمل!
كل مُتعثِّر أقمته وأخذت بيده هو شاهد لك
كُلُّ دمعةٍ مسحتها هي شاهدة لكَ
كل فقير رأى منك دفء ابتسامتك قبل دفء درهمك هو شاهد لكَ
كلُّ مسكين أعنته، وجائع أطعمته، وتائه أرشدته، ومظلوم نصرته، شهود لكَ،
فكثِّرْ شهودكَ، فجنائز الغد تتنفسُ اليوم!

أم حذيفة
01-16-2020, 09:29 PM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

5⃣

✍أَجِب عني!

مر عمر بن الخطاب يوماً بالمسجد، فإذا حسان بن ثابت ينشد فيه شِعراً، فانتهره عمر لا تحريماً للشعر، ولا انتقاصاً من قيمة الشعراء، كيف لا وهو القائل: خذوا لُغتكم من كتاب ربكم وقديم شِعركم! وإنما كان نهيه إعلاءً لقيمة المسجد، وتنزيهه أن لا يقال فيه إلا قرآن كريم وحديث نبوي.

ولكن حسان بن ثابتٍ قال له: يا أمير المؤمنين كنتُ أُنشد في المسجد شِعراً وفيه من هو خير منك!
ثم التفت إلى أبي هريرة وقال له: يا أبا هريرة أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لي: يا حسَّان أَجِبْ عني، اللهم أيده بروح القُدُس؟!
فقال أبو هريرة: نعم
فمضى عمر وتركه!

واستطراداً، إني لو كنت محدثاً، وأردت أن أجمع الأحاديث الواردة في فضل عمر بن الخطاب، لأوردتُ هذا الحديث في فضائله، فليست الفضيلة في أن يكون المرء على صواب دوماً،
👈🏻 إنما أن يكون وقافاً عند الحق إذا تبين له أنه مخطئ!

👈🏻أَجِب عني!
هنا مربط الفرس، وبغية الكلام!
هذا الدين الذي احتاج يوماً إلى سيف خالد حين احتدمتْ المعارك الحربية احتاج أيضاً إلى قصائد حسان حين احتدمتْ المعارك الفكرية، خالد لم يكن بإمكانه أن يسد مكان حسان، وحسان لم يكن بإمكانه أن يسد مكان خالد! لقد وضع الله سبحانه كل واحدٍ منا على ثغر، وعليه أن يحرس هذا الثغر بكل ما أُوتي من قوة، دون أن يستصغر الثغر الذي يحرسه، ودون أن يتفاخر بأن ثغره أهم من بقية الثغور!
مال عثمان بن عفان كان يوم جيش العسرة أهم من قراءة أُبي بن كعب، وعند جمع المصحف الشريف كانت قراءة أُبي بن كعب أهم من مال عثمان، وسيف خالد، وقصائد حسان، فكن أسداً عندما يحين دورك!

سيف علي بن أبي طالب يوم تصدى لمرْحبٍ في غزوة الخندق، يوازي مال أبي بكرٍ الذي أعتق به بلالاً، ما كان لسيف علي أن يحرر عبداً مسلماً من قيده، تماماً كما لم يكن لمال أبي بكر أن يقضي على مرحبٍ!
⚡هذا الدين تكامل بين أتباعه، لا تنافس وتفاضل!
وهذا هو حال الإسلام اليوم، ثغور شتى، وكل واحد منا على ثغر!
الأم في بيتها على ثغر، لأن صناعة الرجال مهمة عظيمة!
والمدرس في صفه على ثغر، لأن الأمة الجاهلة تُقاد ولا تقود!

المجاهد على ثغر لا يسده إمام المسجد، وإمام المسجد على ثغر لا يسده التاجر الثري، غير أن ثغر التاجر الثري صدقة وإنفاقاً وإعانة للناس لا يقل أهمية عن دور المجاهد الذي يجود بدمه، وإمام المسجد الذي يأخذ بأيدي الناس إلى الله!
⚡أُنظر أين أقامك الله، هذا هو ثغرك الذي عليكَ أن تحميه، وتجاهد فيه، وعندما يقوم كل واحد منا بدوره، تستعيد هذه الأمة مجدها!
▪مرِضتْ زوجة الملك، فأوصى الأطباء أن تستحم كل يوم بالحليب، فتساءل الملك كيف يملأ الحوض حليباً كل يوم، فاقترح وزيره أن يحضر كل راعٍ في المملكة دلو حليب في الليل يفرغه في الحوض، وهكذا تحل المشكلة!
قال كل راعٍ في نفسه، لو وضعت دلو ماء، سيضيعُ بين دلاء الحليب، ولن يعرف الملك، وفي صبيحة اليوم التالي، وجد الملك الحوض مملوءاً ماءً!
لم يبدأ كل واحدٍ بنفسه، لقد انتظر أن يقوم الآخرون بدوره، وهذا باختصار هو حالنا اليوم!

~~

أم حذيفة
01-18-2020, 08:57 PM
6⃣

✍لم أستفِق إلا وأنا في قرن الثعالب!

ضاقت عليه مكة، أبو طالب الذي كان يحوطه ويرعاه قد مات، وخديجة جبهته الداخلية ومتراسه قد ماتت أيضاً، ولم يتغير شيء في مكة، ما زالت غارقة في الضلال، تكذِّب نبيَّها، وتسوم أصحابه أصناف العذاب، فقرَّر المسير إلى الطائف، علَّه يجد فيها قلوباً أرحم من تلك القلوب القاسية في صدور سادة قريش، وفي الطائف عرض دعوته على سيدها ابن عبد ياليل، فوجده كأبي جهل غلظة، وكأبي لهب تكذيباً، وكأُمية بن خلف أذيةً، فأطلق خلفه سفهاء الطائف وغلمانها يرشقونه بالحجارة حتى سال الدم من قدميه الشريفتين!

بعد سنوات من هذه الحادثة، كانتْ جزيرة العرب تدين بالإسلام، فقد جاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجاً! وتسأله عائشة: هل أتى عليكَ يوم أشد من يوم أُحد؟!
كانت تعرفُ كم كان موجعاً ذلك اليوم، فقد فيه عمه حمزة، المُقاتل الشرس، ورئيس هيئة أركانه! وفقد سبعين من خيرة أصحابه، وشجَّ رأسه، وكُسرتْ مقدمة أسنانه!
👈🏻ولكنه حدثها عن يوم الطائف، لقد كان عليه أشد من يوم أُحد، فبعد أن رجموه وأخرجوه، يقول لها: فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفِق إلا وأنا في قرن الثعالب! فرفعت رأسي فإذا بسحابة فيها جبريل، فناداني، فقال: إنَّ الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعثَ إليكَ ملك الجبال لتأمره بما شئتَ فيهم! فناداني ملكُ الجبال، وقال: إن شئتَ أطبقت عليهم الأخشبين!
فقلت: بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يُشرك به شيئاً!

⚡الشاهد في القصة:
فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا في قرن الثعالب!

هو يعلم أنه نبي، ويعلم أنَّ دينه سينتصر نهاية المطاف، ويعلم أن الله معه ولن يخذله، ولكنه إنسان يحزن، ويضيق صدره، ويصيبه الهم، بل ويسير هائماً على وجهه لا يدري أين تأخذه قدماه بأبي هو وأمي، ثم ينتبه فإذا هو في قرن الثعالب قد مشى مسافة بعيدة عن الطائف!
فما بالك بنا نحن الذين لو جمع إيماننا جميعاً في كفة وإيمانه هو في كفة لرجح إيمانه على إيماننا، ولفاق يقينه بالله يقيننا، ولغلبَ صبره صبرنا، أليس من حقنا نحن أيضاً أن ننكسر أحياناً، ونمشي لا ندري أين تأخذنا أقدامنا؟!
فهل قدرنا هذا لبعضنا، وعرفنا أنه تمر بالإنسان لحظات يخرج فيها عن طبعه الطيب، واتزانه الذي عرفناه به، وعقله الراجح الذي ألِفناه عليه؟!

تمر بالإنسان لحظات لا يطيق فيها أن يقول كلمة، أو يسمع نصيحة، أو يقابل إنساناً، فلماذا نعتبر الأمر شخصياً، ونزيد هموم بعضنا البعض بدل أن نراعي أنَّ النفس في إقبال وإدبار، وأن الروح تمرض تماماً كما يمرضُ الجسم؟

إذا رأيت صديقك ضجِراً فلا تكن له هماً فوق همه، كُن له قرن الثعالب الذي يستفيق عنده!
احترم حزنه، وحاجته في أن يبقى وحده، ثم حين يهدأ، اِربت على كتفه، وامسح على صدره، وواسِ قلبه، حدثه حديث القلب للقلب، والروح للروح، دعكَ من المنطق قليلاً، فالنفس لحظة انكسارها تحتاج احتواءً لا درساً، والروح لحظة تيهها تحتاج احتضاناً لا محاضرة!

نحن نضعف لا من قلة الإيمان ولكن من قسوة الحياة، ما كان إيمان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قليلاً يوم الطائف، ولكن الحياة كانت قاسية، ولقد علِم الله حجم وجعه وانكساره، فلم يعاتبه لأنه هام على وجهه، ولم يقل له أين إيمانك بي، بل أرسل له ملائكةً، تحفه وتنصره، علم الله تعالى أن رسوله نهاية المطاف إنسان، وأن الناس تمر بهم لحظات ضعف تحتاج عندها قلباً حنوناً لا عقل فيلسوف أو لسان خطيب!

منقول

أم حذيفة
04-01-2020, 04:10 AM
7⃣

✍إِن تَصْدِقِ اللهَ يصدُقُكَ!

لم يكن أحد من الصحابة يعرفه، مجرد أعرابي جاء من الصحراء وبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة والجهاد. ثم كانت غزوة، وخرج الأعرابي مدافعاً عن هذا الدين في جملة من خرج، ثم منَّ الله على المسلمين بالنصر، وقسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم بين أصحابه، وترك للأعرابي نصيبه، فلما جاء وقيل له ترك لك رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، أخذ الغنيمة وتوجه إليه، وقال له: يا رسول الله ما هذا؟

فقال له: قسمته لكَ
فقال: ولكن ما على هذا اتبعتكَ يا رسول الله، ولكني اتبعتكَ على أن أُرمى بسهم هاهنا -وأشار إلى رقبته- فأموت فأدخل الجنة!
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إِنْ تصدق اللهَ يصدقك!
فلما كانت جولة أُخرى من القتال، أُتِيَ به إلى النبي صلى الله عليه وسلم محمولاً، والسهم مغروز في رقبته حيث أشار سابقاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أهو هو؟
فقالوا: نعم يا رسول الله
فقال: صدقَ اللهَ فصدقه الله!
ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبته، وصلى عليه، وكان مما سمعوا من دعائه يومها أنه قال: اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك، فقتِلَ شهيداً وأنا شهيد على ذلك!

إِنْ تصدِقِ الله يصدقُك!
يُمكنك أن تتحدث طويلاً عن رغبتك في الجهاد، وعن نيتك في الالتزام بصلاة الفجر، وعن أُمنيتك في حفظ القرآن الكريم، وعن عزمك على الصدقة كثيراً لو كنت غنياً، ونحن لا يمكن أن نحكم عليكَ إلا بظاهركَ، ولكن الله سبحانه يراك من الداخل، ينظر إلى قلبك عارياً من فنون الخطابة، وحسن البلاغة، وضجة الإعلام والبيانات، وعلى ما في قلبك سيعطيك!
إنَّ الله يعطي على نية العمل أجر عمل كامل لم يعمل حين يعلم في قلب عبده صدقاً أنه لو استطاع لعمل، ولا يقبل الطاعة على حسن ظاهرها إن علم أن وراءها رياء وحب شهرة ونفاقاً، وقد كان عبد الله بن سلول يصلي الفجر جماعة خلف النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الدرك الأسفل من النار، لقد عمل بجوارحه عمل الصالحين وعمل بقلبه عمل المنافقين، وإنما المرء بقلبه!
وقد جاء في الأثر أنه قد أصاب بني إسرائيل زمن موسى عليه السلام فاقة ومجاعة، وأنَّ راعياً بسيطاً نظر إلى الجبال حيث يرعى غنم الناس، وقال: اللهم إنك تعلم أنه لو كان لي مثل هذه الجبال ذهباً لتصدقت بها على عبادك!
فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن يا موسى قُل لعبدي أني قبلت منه صدقته!
تذكروا دوماً أن الله لا ينظر إلينا من أعلى فحسب، ولكنه ينظر إلينا من الداخل أيضاً، وعلى قدر النوايا تكون العطايا!

~

أم حذيفة
04-02-2020, 01:42 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

8⃣

✍ ما لي أراك منكسراً؟

عاد المسلمون من أُحدٍ بالهزيمة، وهزيمةٌ تُربيك وتكسرك وتُريك خطأك خير من نصرٍ يُطغيك! أراد الله سبحانه أن يربي هذه الأمة ويخبرها أن لا نصر إذا لم يطع عبده ورسوله!

ولأن فقد الأحبة موجع، والفراق أليم، والصحابة بشر، خيَّم عليهم الحزن، حتى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم كُلِمَ بفقد عمه، وظلَّتْ خسارة حمزة جرحاً ينزُّ داخله إلى أن فارق الدنيا! ولكن على الحياة أن تمضي، فلملموا جراحاتهم، وطيَّب بعضُهم خاطر بعض،
وكان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الأكثر تطييباً للخواطر رغم أنه كان الأكثر ألماً! ولقي يوماً جابر بن عبد الله بن حرام، فقال له: يا جابر، ما لي أراك منكسراً؟
فقال له: يا رسول الله قتل أبي يوم أُحد، وتركَ عيالاً ودَيناً!
فقال له النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: أفلا أُبشركَ بما لقي الله به أباك؟
قال: بلى
فقال له: ما كلَّم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، ولكنه أحيا أباك فكلَّمه كِفاحاً، وقال له: عبدي تمنَّ عليَّ أُعطِكْ! فقال: يا رب أن تحييني فأُقتلَ فيك ثانية! فقال الربُّ عزَّ وجل: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يُرجعون!

ما أعذبها من عبارة: يا جابر ما لي أراك منكسراً؟!
أحياناً لا يريد الناس أكثر من كلمة حلوة، وتربيتة على الكتف، وأن تخبرهم أنكَ تهتم، وأنه يوجعك حزنهم.
👈🏻إن الكرم ليس مالاً فقط، الاهتمام كرم أيضاً، والمواساة أحياناً تُساوي مال الدنيا كلها! فهل طبقناها في حياتنا، هل رأينا حزناً بادياً على وجه صديق فسألناه ما به، هل أشعرناه أننا نهتم، وأننا بجانبه وعلى استعداد لفعل أي شيء لنُزيل عنه بعضاً مما نزل به، أم تعاملنا مع الناس على مبدأ: لا يهمني أحد ما دمت أنا بخير!

كان جابر يعرف أنَّ أباه قد ماتَ شهيداً دفاعاً عن دينِ الله وشريعته، وأن آخر لحظات عمره كانت تحت راية النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ويا لها من خاتمة، ولكن كل هذا لم يلغِ أنه يحتاج من يذكره بفضلَ أبيه، فلا شيء يرمم فقد الدنيا سوى معرفة أن الآخرة خير منها وأبقى، فإذا عزيت أهل عزاء بفقيدهم ذكرهم بحسناته وأخلاقه في الدنيا، وأن المؤمن إنما ينتقل من جوار الناس إلى جوار الله، هذا وحده يبلسم الجرح!

في الحديث لا يذكر جابر أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قضى دين أبيه، ولكنه عليه السلام قد فعلَ، ليس مع جابرٍ فقط، وإنما حين كثر المال كان يقول للمسلمين: من تركَ مالاً فلورثتِه، ومن تركَ ديناً فعلينا!

أحياناً يموت الناس في المستشفيات، ويتركون وراءهم حساباً ثقيلاً لا يستطيع الأهل تسديده، وأنت أعلم بحال الميت وأهله، فإن علمت فيهم فقراً، وقلة ذات يد، سلهم إذا ما كانوا يحتاجون شيئاً، والأنبل لو بادرت بالمساعدة من غير سؤال إذا غلب على يقينك أنهم أهل حاجة، فلا يجتمع عليهم ألم الفقد، وثقل الدَّين!

~~

أم حذيفة
04-03-2020, 01:53 AM
9⃣

✍قُمْ أبا تُراب!

كان وصَّالاً للأرحام، يزور بناته، ويُلاعب أحفاده، ويُلاطف أصهاره، ويُكرم أنسباءه، وجاء مرةً لزيارة فاطمة ابنته وقطعة قلبه الفُضلى، فلم يجد علياً في البيت، فسأل عنه، فأخبرتْه أنه قد حدث بينهما خلاف فخرجَ من البيت!
فتركها ومضى، وطلب من رجل أن يبحث له عن علي، فعادَ إليه وأخبره أنه نائم في المسجد، فذهب إليه، فإذا هو نائم واضع خده على الأرض وعليه بعض التراب،
فقال له: قُمْ أبا تُراب! وجعلَ يمسح بيده الشريفة التراب عن وجهه!

لم يسأل فاطمة عن الخلاف الذي وقع بينها وبين زوجها، ولم يطلب منها أن تُخبره بما قالت له، ولا ما قال لها، أراد أن يعلِّمنا أن البيوت أسرار، وأنّ تدخُّل الأهل في كل صغيرة وكبيرة في حياة الزوجين يفاقم المشاكل، فلا تُحاولوا كشف ما ستره الله، دعوا الأزواج تتخاصم وتتصالح!

الخلافات الزوجية تقع في كل البيوت وهذا شيء طبيعي وعادي جداً، هذه فاطمة سيدة نساء العالمين، وهذا علي خليفتنا الراشد، ومع هذا وقع بينهما خلاف فما بالك بنا نحن الذين دونهم، فانظروا إلى المشاكل على أنها جزء من الحياة، تقع وعلينا أن نحلها ونتعلم دروساً منها، لا أن نفرط عرى الأُسرة، ونُشرد الأولاد، ونصبح علكةً في كل فم!

وانظُر إلى حكمة النبي صلى الله عليه وسلم، يذهبُ إلى علي ويترفَّق به ويسترضيه، ولا يُعاتبه عما حدث بينه وبين ابنته، حتى أنه لم يسأل ما الذي حدث، وهذا درس بليغ للأهل في أن لا يتحزَّبوا لأولادهم عندما تقع الخلافات الزوجية، ولا يصبوا الزيت على النار، على العكس يجب أن لا ينسى أهل الزوج معروف كِنتهم السابق وماضيها ومواقفها النبيلة معهم، ويجب على أهل الزوجة أن لا يجعلوا من زوج ابنتهم شيطاناً رجيماً لمجرد خلاف وقع بينه وبينها!

ويُعلِّمنا عليُّ درساً هاماً أيضاً في أدب الخلاف، ومشاكل البيوت، لقد خرجَ من البيت تاركاً فاطمة لتهدأ، نحن في غضبنا نقول أشياء مُؤذية، ونسمع من الآخر أشياء تُحزننا، فالأفضل إذا وقع الخلاف أن لا نقف كالديوك المُتصارعة قبالة بعض، هذا يسمع ويرد، وذاك يسمع ويرد!

ويُعلِّمنا عليُ درساً آخر أيضاً، لقد خرج هو من البيت ولم يطرد زوجته منه كما يفعل كثير من الأزواج اليوم جاهلين أن خروج الزوجة من البيت يُفاقم المشاكل، وهو أمرٌ جارحٌ لها ولأهلها، ناهيك عمَّا فيه من فضح الأُسرة ونشر غسيلها أمام الرائح والغادي! فإذا وقع بينكما خلاف واحتدم اتركها في البيت واخرج، وعد في المساء، أو نَمْ في بيت صديق لك أو في فندق إن بدا لكَ أنَّ هذا أفضل. وهي حتماً ستهدأ ويعز عليها غيابك، وتُقدِّر لك أنك تركتها في بيتها مُعزَّزة مُكرَّمة!
~

أم حذيفة
04-04-2020, 12:36 AM
🔟
✍ إنها كانت تُحبُّ خديجة!

كانتْ في الأربعين من عمرها وكان هو في الخامسة والعشرين! كانتْ حنونة تُغدِقُ عليه كلَّ قلبها فتُشعره أنها في مثل سنِّه، وكان حكيماً ناضجاً إلى الحد الذي يُشعرها أنه في مثل سنِّها!
كانتْ ثرية جداً ولكنها كانت تُشعره أنه عندها أغلى ممَّا تملك، وكان فقيراً ولكن كان يُشعرها أنها أغلى عنده ممَّا تملك!
فإن قيل لك أنَّ الحُبَّ يصنع المُعجزات فصدِّقْ!

وينزلُ الوحي، ويا لهول الموقف، لا بُدَّ له من ملجأ بعد هذا الذهول والبرد الذي أصابه، فلم يذهب إلى عمِّه الشجاع حمزة، ولا إلى عمِّه الحنون أبي طالب، ولا إلى صديقه الوفي أبي بكر، وإنما ذهب إلى خديجة، كان يعرفُ أنَّ عنده امرأة تُساوي جيشاً كاملاً ولقد كانتْ عند حُسنِ ظنه بها! هدَّأته، وذكَّرته فضائله، ثم أخذته إلى ورقة بن نوفل، فلما علمتْ أنه نبي كانت أول من أسلمَ من أهل الأرض!

وتموت خديجة… وتضيقُ الأرضُ عليه، فيأخذه ربُّه إلى السماء فيما يُشبه عزاءً لرجل مكلوم فقدَ حبيبته الحنون، وصديقته الرؤوم، وزوجته الوفيَّة! ويُهاجر ويتزوج ويبقى مكان خديجة في قلبه شاغراً لا يملأه أحد!

كان قد شارف على الستين حين رأى عجائز قد شارفنَ الثمانين فخلعَ رداءه ليجلسنَ عليه، وقال لمن حوله يُبدِّد استغرابهم: هؤلاء صُويحبات خديجة!

وتأتيه امرأة عجوز في بيته، فيهشُّ لها ويبشُّ، فتستغربُ عائشة كل هذا الترحاب، فيُعلِّل قائلاً: إنها كانت تأتينا زمان خديجة!
زمان خديجة! ألاحظَ أحدكم أنه كان يُؤرِّخ حياته بها!

وكان يذبحُ الشاة، ويُقطِّع لحمها ثم يقول: أعطوا منه صُويحبات خديجة!
ويقول أنس كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا أُتِيَ بالشيء يقول: "اذهبوا به إلى بيت فُلانة فإنها كانت تُحِبُّ خديجة"!
إنه لا يُحبها فقط، بل يُحبُّ كل من أحبَّها!

مُخطئ من يعتقدُ أن الحُبَّ منقصة للرجولة، وأن إظهار الحُبِّ والاهتمام والوفاء ضعف في الشخصية، ها هو سيد الرجال يحبُّ خديجة حيةً وميتة، فلا تخجلوا بمشاعركم، عيشوها حتى آخر رمق، لا شيء في الدنيا أجمل من الحُبِّ الحلال!
مُخطئ من يعتقد أن القسوة هي التي تصنعُ منه رجلاً، بل الرجل بمقدار ما يلينُ ويعطِف ويُكرم ويُدلِّل، وإن حُسْنَ العهدِ من الإيمان كما قال سيدنا!
مُخطئ من يعتقد أن النساء لا يمشين إلا بالصوت والسوط، بالحُبِّ وحده يمكن امتلاك المرأة، بالحُب وحده!

~~

أم حذيفة
04-05-2020, 02:45 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

1⃣1⃣

ربِح البيع أبا يحيى!

كان الوقتُ قد حانَ للخروج من ضِيق الدَّعوة المكيَّة إلى سِعة الدولة المدنيّة، لقد تربُّوا فيها بما يكفي، وجازوا الامتحان الصَّعب، جعفرٌ خرج إلى الحبشة بمن معه مُؤثرين الدِّين على الوطن، وبلال مرَّغ كبرياء أمية بن خلف في التراب، وحمزة صفعَ أبا جهلٍ على وجهه، وعلي يفتدي النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ويبيتُ في فراشه، وأبو بكرٍ يشتري رقيقَ المسلمين ويُعتقهم، ثم يسير رفقة صاحبه إلى المدينة إيذاناً ببدء مرحلةٍ جديدة ستُغيِّرُ وجه الأرض إلى الأبد!

لم تعُدْ مكة تُغري المسلمين بالبقاء فيها، حبيبهم في المدينة، وما يفعل المرءُ وحيداً دون محبوبه! بدأوا يخرجون واحداً تلو الآخر على غفلةٍ من قُريش، وها هو صهيبٌ يخرجُ قاصداً المدينة، غير أنَّ قُريشاً قد أحسَّتْ بخروجه فأرسلتْ في إثره نفراً يُعيدونه، فوقف قبالتهم وأخرجَ سهامه من كنانته، وقال لهم: يا معشر قُريش تعلمون أني أرماكم، واللهِ لا تصلون إليَّ حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي ما بقيَ بيدي منه شيء!
فقالوا له: أتيتَنا صعلوكاً فكثُر مالك عندنا، ثم تُريدُ أن تخرجَ بنفسك ومالك، واللهِ لا يكون ذلك!
فقال: أرأيتم إن تركتُ لكم مالي هل تخلُّون سبيلي؟
قالوا: نعم

فدلَّهم على الموضع الذي خبَّأ فيه ماله بمكَّة، فتركوه يمضي في سبيله!
وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم على علم بالحدث، جبريلُ ينقلُ إليه الواقعة، وينزلُ عليه بقول الله تعالى: "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد"!
ولما وصل صهيبٌ إلى المدينة، تلقَّاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بوجهٍ باسمٍ كأنه فلقة قمر، وقال له: ربح البيع أبا يحيى، ربحَ البيعُ أبا يحيى!

👈🏻ربحَ البيعُ لأنه التَركُ لله!
كل معصيةٍ تزينتْ لكَ، ولا يحول بينك وبينها إلا أنكَ ستتركها للهِ فاستشعر معها ربِحَ البيعُ، يُصبحُ التَّركُ وقتها لذةً أجمل من لذة الأخذ!
كل انتقام كان بإمكانك أن تنتقمه ولا يحول بينك وبينه إلا أنك ستتركه لله، استشعر معه ربحَ البيعُ، يُصبحُ العفو لذةً أجمل من لذة الانتقام!
كل مديون عجزَ أن يُسدد لكَ ما تبقى لكَ عنده، فآثرتَ أن تُسامح وتتصدَّق وتستر، بدل أن تفضحَ وتشكو، استشعرْ عندها ربِحَ البيعُ، ستُصبح لذة الصَّدقة أجمل من لذة استرداد المال!
كل مالٍ وضعته في يد فقير، وأنت تعلمُ أنك تضعه في يدِ الله أولاً، استشعرْ معه ربِحَ البيعُ، ستفوق لذة العطاء لذة الأخذ!
كل موقفٍ امتلأتَ فيه غضباً على زوجةٍ أو ولد، ثم استعذتَ باللهِ، وكتمتَ غيظكَ لوجه الله، استشعر معه ربِحَ البيع، ستصبح لذة العفو نصراً أجمل ألف مرةٍ من لذة أن تأخذ حقك بيدك!

~~~

أم حذيفة
04-06-2020, 01:36 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

1⃣2⃣

✍بئس أخو العشيرة!

كل كلامه حكمة، وكل موقف له درس، وكل لحظة من لحظات عمره يجب أن تُدوَّن بحبر من ذهب على صحائف من فضة، هو الرجل الذي لا يوجد منه في تاريخ البشرية إلا نسخة واحدة، وهذه حكمة أخرى، ودرس آخر، ولحظة يجب أن تُدوَّن!

كان يوماً جالساً في بيت عائشة، فاستأذن رجلٌ في الدخول عليه، فقال:

اِئْذنوا له بئس أخو العشيرة!
فلما دخلِ عليه ابتسم في وجهه، وألانَ له الكلام، فلما غادر الرجلُ، قالت له عائشة: يا رسول الله: حين استأذنَ عليك قلتَ الذي قلتَ، ثم تبسَّمتَ له وانبسطتَ إليه!
فقال لها:
يا عائشةُ ! متى عهِدتِّنِي فحَّاشًا ؟ إِنَّ شَرَّ الناسِ عندَ اللهِ منزلةً يومَ القيامَةِ مَنْ تَرَكَهُ الناسُ اتقاءَ شرِّهِ(!)

👈🏻هذا درس بليغ في المُداراة! ويخلطُ الساذجون بين المُداراة والنفاق، وهذا خلطٌ مذمومٌ، وفهمٌ عقيمٌ لأدبيات التعامل مع الناس!
هناك تصرفات متشابهة قد تبدو لِلوهلة الأولى متطابقة، ولكن إذا ما تأملناها بعين الفراسة بدا لنا البون شاسعاً، وأن بينهما شعرةً رقيقة يا لحظ من أدركها فقد فهم الحياة!
👈🏻إن من يخلط بين المُداراة والنفاق كالذي يخلط بين البخيل والاقتصادي، وبين الجبان والحذِر، وبين المتهور والشجاع، وبين الوقح والجريء، وبين المُبذِّر والكريم!

▪قد يمنعك ظرف ما أن تقول للظالم أنه ظالم وهذه مُداراة، ولكن النفاق أن تصفق لظلمه!

▪ عدم قول الحق لا يعني الرضى بالباطل، الرضى بالباطل هو التصفيق له، والشد على يد أهله، على أنَّ الأصل هو قول الحق، ولكن الله أعلم بظروف العباد!

والأهم من هذا كله، احذر أن تكون أنت بئسَ أخو العشيرة!

أن يُداريك أبواك وينتقيا كلامهما معك خوفاً من سلاطة لسانك وسوء طبعك وقلة أدبك!
وأن تُداريك زوجتك لطول يدك!
وأن يُداريك أولادك لسوء خلقك!
وأن يُداريك جارك لأنه يعرف أنك كالعبوة الموقوتة لا أحد يعرف متى تنفجرُ في وجهه!
وأن يُداريك زملاؤك في العمل لأنك مؤذٍ وشرير لا يُؤتمن جانبك!
وأن يُداريك جلساؤك خوفاً من كلمة قد تصدر منهم عن أحدٍ فتحملها إليه لأنهم عهدوا فيك أنك تمشي بالنميمة بين الناس!

◻عندما يتحدث معك أبواك بأريحية، وتُجادلك زوجتك بأمان، ويُناقشك أولادك بسلام، ويتعامل معك جارك بتلقائية، ويتصرف معك زملاؤك ببساطة فأنتَ إنسان عظيم، وما كان هذا منهم إلا لأنهم علِموا حسن أخلاقك، المُهابُ أحياناً سيء الخُلق!

▪يُروى أن الخليفة المأمون نادى يوماً على غلامه ووجوه الناس وأعيانهم عنده، فلم يُجبه، فنادى ثانية فلم يُجبه، ثم في الثالثة خرج الغلام وقال: ما هذا القصر كلما غبتُ عنكَ ناديتَ يا غلام يا غلام!
فقبض المأمون على لحيته وصمت، وغطى الحاضرون وجوههم خوفاً من أن يضرب عنقه فيُصيبهم دمه! ولكنه رفع رأسه وقال: إن الملوك إذا حسنت أخلاقها ساءت أخلاق عبيدها، وإذا ساءت أخلاقها حسنت أخلاق عبيدها، وإني لا أشتري سوء خلقي بحسن أخلاق عبيدي!


1 - الراوي : عائشة أم المؤمنين | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الجامع

الصفحة أو الرقم: 7931 | خلاصة حكم المحدث : صحيح |

~~~

أم حذيفة
04-07-2020, 12:44 AM
على منهاج النُّبُوَّة

1⃣3⃣

✍غارت أُمكم!

كان يقسِمُ المبيت بين نسائه، لكل واحدة منهنَّ ليلة، وكانتْ تلك الليلة ليلة عائشة، كان يجلس في بيتها وعنده بعض أصحابه الذين كانوا على موعد مع درس عظيم في الحياة الزوجية!

وتطبخ زينب بنت جحشٍ طعاماً، ولا تطيب نفسها أن تأكل حتى تطعمَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم منه، فتسكب له الطعام في صحنٍ لها، وتنادي على خادمها ليذهب به إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وهناك أصاب عائشة ما يُصيب الضرائر من الغِيرة، إنه بِعرفِ النساء اعتداءٌ على ليلتها، فتضرِب يد الخادم، ويقع الصحن وينكسر، وينسكبُ ما فيه على الأرض!

ضعْ نفسك مكانه! يا له من موقف محرج، زوجتك ترمي بصحنِ طعام أرسلته إليك زوجتك الأخرى أمام ضيوفك! لا شكَّ أنكَ قد شعرت بالإهانة، وأول ما ستفكر به أن تثأر لرجولتك، وستُعنِّفها أمامهم محاولاً أن تخبرهم بطريقة غير مباشرة أنك سيد البيت ولا ترضى بهذه المهزلة!
ولكن اُنظر إليه كيف تصرَّف، وتعلّم الدرس!

جلسَ على ركبتيه، وجمع أجزاء الصحن المكسور، ولملم الطعام عن الأرض، وقال لمن حوله مبتسماً: غارت أُمكم! ثم أبقى الخادم عنده قليلاً، ريثما تحضر عائشة صحناً بدل الذي كسرته وترسله مع الخادم إلى زينب!

حرب زوجية كانتْ على وشك أن تقع أطفأها بهدوئه واتزانه وفقهه، علِم أن المرأة تغار في مثل هذه المواقف، وأنها متى غارت تفقِد شيئاً من لياقتها وحسن تصرفها!

لم يُعنِّفها ليثبت رجولته، لقد أثبتها بطريقة أخرى، باستيعابه للموقف، باتزانه، وبرجاحة عقله!

إنّ الحياة تضعنا كل يوم أمام مشروع مُشكلة وقطيعة، ردُّ فعلنا هو الذي يجعلها مشكلة، أو يطفئ النار قبل أن تشتعل، ومخطئٌ من يظنُّ أن الحياة الزوجية ساحة حرب عليه أن ينتصر في كل معركة فيها، على العكس إن الحياة الزوجية لا تستمر إلا بالتغاضي، تغاضي الرجل وتغاضي المرأة، فلو وقفنا عند كل تصرف، ولو انفعلنا عند كل كلمة لأصبحت الحياة جحيماً لا يطاق!

ثم اُنظرْ إليه، إنه لا يتغاضى عنها فقط، وإنما يلتمسُ لها العذر، لقد كسرت الصحن بدافع الغيرة! لقد راعى طبعها، فالذي يريد أن ينجح في الحياة عليه أن يفهم طباع الناس، أن لا يعامل الزوجة بنفس العقلية التي يعامل بها صديقه، وأن لا يعامل أولاده بنفس العقلية التي يُعامل بها زملاءه في العمل، لكل فئة عمرية، وكل طبقة اجتماعية، طبع ومشاعر مختلفة عن الأخرى، والذي يتعامل مع الجميع بعقلية واحدة كالطبيب الذي يعالج جميع المرضى بدواء واحد!

الغضب يعمي العقل، فلا تتحاورا في لحظة غضب، فالحوار في لحظة الغضب كمحاولة رؤية الإنسان وجهه على صفحة الماء وهو يغلي، دع الماء يبرد ويصفو ثم اُنظرْ إليه، وهكذا هي الحياة الزوجية!

~~

أم حذيفة
04-08-2020, 01:44 AM
على منهاج النُّبُوَّة

1⃣4⃣

✍ لكني أفقِد جليبِيباً!

كان جُليبيبُ دميم الوجه، قصير القامة، لا مال له! أي امرأةٍ تقبلُ بهذه المواصفات؟! لا حسن وجه يغطِّي على الفقر، ولا غنى يخفِّف شيئاً من الدمامة! كل ثروته في الحياة أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يُحبه، ويا لها من ثروة، لو حازها المرءُ ما ضرَّه ما خسِرَ بعدها، فالمرءُ مع من أحبَّ!

ثم ارتأى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يبحثَ لجُليبيبَ عن زوجة، فقال لرجلٍ من الأنصار: زوجني ابنتك! فقال الأنصاري: نِعمَ عيني يا رسول الله!
فقال له: إني لستُ أُريدها لنفسي!
قال: فلمن يا رسول الله؟
قال: لجُليبيب!
فقال: حتى أُشاور أمَّها! فأتى زوجته، وأخبرها بالخبر، فقالتْ: لا واللهِ ما نُزوِّجه! فلمَّا أراد أن يقوم ويُبلغَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قرارهما برفض جُليبيب، قالت لهما البنت: من خطبني منكما؟
فقالا: رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقالت: أتَرُدُّون أمرَ رسول الله، قبلتُ، ولن يُضيِّعني الله!
وتمَّ الزواج، ثم كانت غزوة، وكان من عادة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا انتهتْ المعركة أن يقول: هل تفقدون أحداً؟ فقالوا: لا يا رسول الله
فقال: لكني أَفقِدُ جُليبيباً،
فابحثوا عنه بين القتلى!
فبحثوا عنه، فوجدوه إلى جانب سبعةٍ قد قتلهم، ثم قتلوه، فقالوا: ها هو يا رسول الله!
فأتاه، ووقف عند رأسه وقال: قتلَ سبعةً وقتلوه، هذا مِنِّي وأنا منه، هذا مِنِّي وأنا منه! ثم وضعه على ساعده ريثما يُحفر له قبر، فلما انتهوا، أنزله في قبره.

يُحسبُ للبنت أنها قبِلتْ طلب رسول الله وإن خالفَ هواها، ولكن هذا لا يُلغي أن من حق البنت أن تشترط الوسامة أو شيئاً منها في الذي ستتزوجه، وقد كان عمر بن الخطاب يقول: لا تُكرهوا فتياتكم على الرجل القبيح، فإنهنَّ يُحببنَ ما تُحبون! وليس في هذا لا قلة أدبٍ ولا قلة دين، بالمناسبة عندما وافقتْ البنت على الزواج من جُليبيب، دعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم لها وقال: اللهمَّ صُبَّ الخير عليها صباً ولا تجعل عيشها كداً كداً! فكانتْ من أكثر النساء مالاً بعد جُليبيب!
أيضاً من حق الأهل أن يختاروا لبناتهم الأفضل وظيفةً وتعليماً، صحيح أننا أُمرنا أن نبحث عن الدِّين أولاً، ولكن إذا اجتمعتْ كل الصفات فنورٌ على نور، وهؤلاء صحابة، ولو رفضوا تزويج ابنتهم لجُليبيب ما أجبرهم النبي صلَّى الله عليه وسَّلم، ولا غضبَ منهم، لكل أُسرة معاييرها، فاحترموا معايير الناس!
على أهمية الشكل والأناقة والمال، إلا أنه هناك فارق شاسع بين البحث عن هذه الأشياء حين الارتباط، وبين جعلها معياراً للتفاضل بين الناس، ليس بالضرورة أن الأغنى هو الأفضل، فقد خسفَ الله بقارون الأرض، وليس صاحب المهنة مُستقبحاً وقد كان زكريا عليه السلام نجاراً. وكم من وسيم سيدخل النار، وكم من دميم هو من أهل الجنة! أن لا نقبل الارتباط بصفات دنيا شيء، وأن نحتقر الناس شيء آخر، الأمر أشبه بأنك تريدُ لابنك وظيفةً غير كناسٍ للطريق، ولكنك بالمقابل لا تحتقر كنَّاس الطريق!

أم حذيفة
04-09-2020, 12:42 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

1⃣5⃣

✍ لا تبرحوا أماكنكم!

خرجتْ قريش من غزوة بدر مثخنة، ومرَّغ الإسلام كبرياءها في التراب، وقتل أبرز رؤوس الكفر فيها، لهذا لم تكن غزوة أُحد مجرَّد جولة ثانية من صراع الحق والباطل، كانتْ بالنسبة إلى قُريش تعني الثأر، أما المُسلمون فقد كانوا على موعد مع واحد من أبلغ الدروس في تاريخ الإسلام!

لاحظَ النبي صلى الله عليه وسلم ميمنة جيش قريش بقيادة خالد بن الوليد، فخشِي أن يلتفَّ بفرسانه من وراء الجبل ويصبح المسلمون بين فكَّي كماشة، فوضع سبعين من الرماة على الجبل، وأصدر إليهم أمراً عسكرياً واضحاً:
لا تبرحوا أماكنكم، إن رأيتمونا نُهزم فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا ننصر فلا تُشاركونا!

وبدأت المعركة، وأبلى المسلمون بلاءً حسناً، وذاقتْ قُريش بعض الذي ذاقته في بدر، فرَّ جنودها، وتبعهم المسلمون، ثم ظنَّ الرُّماة على الجبل أن الأمر انتهى، فنزلوا يُريدون الحظ من النصر والغنائم! عندها حدث ما كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يخشاه، التفَّ خالد بفرسانه وصار المسلمون بين فكَّي كماشة، وتحوَّل نصرهم إلى هزيمة، وتعلَّموا الدرس البليغ:

هذه الأُمة لن تُحقِّق النصر ما لم تلتزم بأوامر نبيِّها وقائدها!

فإن كانتْ غزوة أُحد قد انتهتْ فإنَّ مهمة الرُّماة الذين يحفظون ظهور المسلمين لم تنتهِ بعد، فطوبى للمُدافعين عن هذا الدين كل في مجاله، طوبى للقابضين على الجمر رافضي الانحناء والتلوُّن، كلما وهنوا قليلاً تعزّوا بصوت النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يُنادي فيهم: لا تبرحوا أماكنكم!
فلا تبرحوا أماكنكم!

الأمهات اللواتي يربين أولادهن على الصلاة والصيام والأخلاق، أنتنَّ تحمين ظهورنا فلا تبرحن أماكنكن!

الآباء الذين يسألون أولادهم عن جزء عمَّ كما يسألونهم عن علاماتهم المدرسية، أنتم تحمون ظهورنا فلا تبرحوا أماكنكم!

المُدرِّسون الذين يُؤمنون أنَّ هذا الجيل إذا تربَّى جيداً يُمكن أن يخرج منه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي مرة أخرى، أنتم تحمون ظهورنا فلا تبرحوا أماكنكم!

المُوظفون الذين يُؤدون أعمالهم بمهنية وضمير، ويُراقبون الله قبل مدرائهم أنتم تحمون ظهورنا فلا تبرحوا أماكنكم!

المهندسون الذين يُشيِّدون الجسور ويشقون الطُرُق دون غش واحتيال وصفقات مشبوهة أنتم تحمون ظهورنا فلا تبرحوا أماكنكم!

فتيات الحجاب والعفة اللواتي يربين أنفسهن استعداداً لتربية أولادهن أنتن تحمين ظهورنا فلا تبرحن أماكنكن!

شباب صلاة الفجر، ومجالس الحديث، ودُور القرآن، أنتم ترسانة الإسلام الأفتك والأقوى، فلا تبرحوا أماكنكم!
كل واحد فينا لو تأمَّل موضع قدميه لاكتشف أنه جندي لأجل هذا الدين، وأنه لو حارب بشراسة وأمانة فإنه سيسد ثغراً هاماً، ويدفع خطراً عظيماً، كل واحد منا في مكان وضعه الله فيه، وألقى على كتفه مسؤولية وأمانة، فلا تبرحوا أماكنكم!

~~

أم حذيفة
04-10-2020, 07:32 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

1⃣6⃣

✍إنما أنا شافع!

كانتْ "بريرة" عبدةً مملوكة لأُناسٍ من الأنصار، وكان لها زوج اسمه مغيث، واشتاقتْ نفس بريرة للحرية فكاتبت أسيادها لأجل إعتاقها، وبعد أن تمَّتْ المكاتبة، وسدَّدتْ بريرة ثمن حريتها، كان أول قرار اتخذته أن تفارق زوجها مغيثاً! فالشرعُ يعطي الأَمَة خيار أن تبقى مع زوجها أو تفارقه إن هي تحرَّرتْ وبقيَ هو عبداً، وقد اختارتْ بريرة أن يكون فِراقاً!

وكان مغيث يُحبها حباً جماً، ويمشي خلفها في طرقات المدينة يستعطفها أن ترجع إليه فلا تلتفتُ له!

وكان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يسير في الطريق رفقة عمه العباس فرآهما على هذه الحال، فقال لعمِّه: يا عباس ألا تعجب من حب مغيثٍ بَريرة ومن بغض بريرة مغيثاً؟
وعندما يئِس مغيث من عودة بريرة إليه قصدَ النبي صلى الله عليه وسلم ليكلِّمها أن ترجع إليه، فأرسل النبيُّ صلى الله عليه وسلم في طلب بريرة وقال لها: يا بريرة لو راجعته فإنه زوجكِ وأبو ولدكِ

فقالت له: يا رسول الله تأمرني؟
فقال: إنما أنا شافع
فقالت: لا حاجة لي فيه!

من ناحية دينية فإن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم هو نبي هذه الأمة، ومن ناحية سياسية فإنه رئيس الدولة، ورغم هاتين المكانتين الساميتين لا يردُّ عبداً مملوكاً طلب منه خدمة! فهل مشينا نحن في حاجة ضعفاء المسلمين وفقرائهم أم تذرَّعنا بانشغالنا تارة، وبأنهم ليسوا على قدر مقامنا تارةً أخرى، ناسين أو مُتناسين أن كلنا لآدم وآدم من تراب!

وانظر لأدب بريرة لو أمرها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن ترجع إلى مغيث فإنها كانت سترجع رغم إنَّ رجوعها على غير هواها، فهل قدَّمنا شرع الله وأوامر النبي صلَّى الله عليه وسلَّم على أهوائنا ومشاعرنا ورغباتنا، هل فعلنا الحلال الصعب على النفس، وتركنا الحرام الذي نميل إليه بنزعتنا الإنسانية لا لسببٍ سوى أن الله ورسوله أرادا أن نفعل ففعلنا وأن نترك فتركنا؟!

أنتَ مأجور على سعيك للإصلاح بين الناس ولو لم يتم الصلح، نحن لن نُحاسَب على النتائج إنما سنحاسب على ما فعلناه، ثواباً للخير ووِزراً للشر بغض النظر أثمر الخير أم لا، وآذى الشر أم لا، فلا يقُل لك الشيطان لا تمشِ في الصُّلح بين فلان وفلان لأنهما لن يقبلا وساطتك! ما ضرَّك إن لم يقبلا، لا تأخذ الأمر على محمل شخصي

هذا نبيُّ الأُمَّة لم تقبل امرأة كانت بالأمس مملوكة شفاعته، فلم يغضب ولم يحمل عليها!

هذا الدين كرَّم النساء، واحترم رغبات قلوبهنَّ، امرأة لا تُريد رجلاً فلم يُجبرها النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عليه، فعندما ترفضُ ابنتك عريساً فلا تُجبرها عليه، لأنَّ في هذا ظلم لها وله! وفيه عدم حفظ أمانة فالله سبحانه وضع ابنتك عندك أمانة وهو ينظر إليك ما تفعل بهذه الأمانة، فالله الله في قلوب النساء!

أم حذيفة
04-11-2020, 02:23 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

1⃣7⃣

✍أومخرِجِي هم؟!

كانت الارض غارقةً بالضلال حتى أخمص قدميها، اللهُ يخلقُ ويعبد غيره، ويرزقُ ويُشكرُ سواه، أعراضٌ تُنتهك، وبنات توْأَدُ، وأُناس يُباعون في الأسواق! ثم شاء الرحيم أن يتلطَّفَ بالبشرية!

على مرمى سهم من الكعبة التي تعج بالأصنام، كان هناك رجل وحيد في غار حراء يتأمل السماوات والأرض، و يَعرفُ أنَّ دينَ قريشٍ باطل، و أنّ الله أجلُّ وأعلى من أن يرضى ديناً كدينها! كان مهيأً بإتقان ليستلم لواء البشرية و يغيِّر وجه العالم، ثم حانت اللحظة، وأُوقِدت أول شمعة في ظُلمة الأرض "إقرأْ"!

ويا لهول الوحي، ويا لرهبة الموقف! وينزل النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى بيته مرتجفاً يقول: دثِّروني، دثِّروني!

وعند خديجه المرأة التي لا يوجد منها في تاريخ البشرية إلا نسخة واحدة، يتلقَّى الحبيبُ أول سلوى! ضمَّته إلى صدرها،
وقالتْ له بقلبها على هيئة كلمات: واللهِ ما يخزيك الله ابداً، إنك لتصِلُ الرَّحم، وتصدُقُ الحديث، وتحملُ الكلَّ، وتكسب المعدوم وتُقري الضيفَ، وتُعين على نوائب الحق!

ثم أخذته إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان رجلاً طاعناً في السن والحكمة، عالِماً بالتوارة و إلانجيل، حنيفاً على مِلَّةِ إبراهيم عليه السلام، وقالتْ له اسمع من ابن اخيك!
فلما حدثه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بما كان بينه وبين جبريل، أخبره ورقة أن هذا هو الوحي الذي كان يأتي الأنبياء من قبله، وأنه سيكون النبيَّ لهذه الأمة! ثم قال له قولة الحكيم الذي يعرف سنَّة الله في الناس، وصراع الحق و الباطل على مرَّ التاريخ: ليتني فيها جذعاً، ليتني أكونُ حياً إذ يُخرجكَ قومُكَ!
فيسأله النبيُّ صلى الله عليه وسلم بدهشة:

👈🏻أومُخرِجيَّ هُمْ؟!
فقال له: نعم، لم يأتِ رجلٌ بمثلِ ما جئتَ به إلا عوديَ!

وكأنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم يومها يسأل: لمَ سيُخرجونني؟ ما الذنبُ الذي اقترفته، وما الجريمة التي ارتكبتها، أيُّ مالٍ أخذتُ، وأيُّ دمٍ سفكتُ حتى يُحال بيني وبين وطني!
ثم دارت الأيام، وأخبرتنا سيرته، أنه ما عودِيَ إلا لأنه جاء بالحقِّ، والحقُّ أثقل على الطغاة من
الجبال!

👈🏻ونحن اليوم بضعة منه، وبقية رسالته، وما تكالبتْ علينا الأمم إلا للحقِّ الذي معنا، وما أثقله عليهم!
فكلَّما ضاقتْ عليكم، كلَّما رأيتم البلاد تحاصر، والصورايخ تهدِم البيوت وتحصدُ الأرواح، كلما رأيتم الإعلام قذراً يريد أن يطفئ شمعتكم، ويُحرِّض عليكم، ويرميكم بِتُهمِ الإرهاب والرجعية والتخلُّف تعزُّوا بالنبي صلَّى الله عليه وسلَّم!
تخيلوه نازلاً من غار حراء يرتجفُ من هول الوحي، مُحاصَراً في شِعب أبي طالب، مرجوماً في الطائف، ممنوعاً من دخول مكة، مُتآمراً عليه ليُقتل ويتفرق دمه بين القبائل، مُطارَداً يوم الهجرة، مَاسحاً الدم عن وجهه يوم أُحد، شاكياً سُمَّاً دسَّته له امرأة يهودية، كم تعبَ ليكون لكم دين، فعُضُّوا عليه بالنواجذ!

~~

أم حذيفة
04-12-2020, 01:42 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

1⃣8⃣

✍إنها جرَّتْ بالرَّحى!

شكتْ فاطمة ريحانة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى عليٍّ تعبها من عملها في البيت، فأخبرتْهُ أنها جرَّتْ بالرَّحى حتى أثَّرتْ في يدها، واستقت بالقِربة حتى أثَّرتْ في عنقها، وكنستْ البيت حتى اغبرَّتْ ثيابها!
فقال لها: لقد جِيء لأبيكِ بِسبي، فلو ذهبتِ إليه وسألتِهِ خادماً! فذهبتْ فاطمة إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فوجدتْ عنده أُناساً، فلم تُحدِّثه أمامهم، ولكنها أسرَّتْ لعائشة بسبب مجيئها، وعادت إلى بيتها!
فلما انفضَّ مجلس النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، أخبرته عائشة بسبب مجيء فاطمة، فذهب إلى بيتها، وكانت وعلي قد أخذا مضجعهما للنوم، فاستأذن ثم دخل
فقال: ألا أدلّّكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أخذتما مضاجعكما، فكبِّرا ثلاثاً وثلاثين، وسبِّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، فهو خير لكما من خادم!

هذه فاطمة سيدة نساء العالمين، وقطعة قلب أبيها، تطحن الحبوب بالرحى حتى تترك الرحى أثرها في يدها، وتحمل الماء إلى بيتها بالقرِبة حتى تترك القِربة أثرها في عنقها، وتكنس بيتها حتى يكسو الغبار ثيابها، فهل أنقص هذا من قيمتها عند زوجها، أو عند أبيها، أو عند ربها؟!

طبعاً لا شيء في أن تحصل المرأة على خادمة تعينها على عمل البيت، فهو والله عمل شاق صعب! ونبيلٌ هو الزوج الذي يكون في سعة مادية، وبحبوحة اقتصادية، فيحضر لزوجته خادمة تساعدها، والأنبل هو الأب الذي نظر في حال ابنة له، فرق لها وأحضر هو لها الخادمة، على أنَّ هذا لا يلغي أن عمل البيت هو واجب الزوجة، تماماً كما واجب الزوج العمل خارجه والإنفاق عليها، بل وإِعانتها في أعمال البيت أيضاً لأنَّ هذا من العشرة بالمعروف!

ولكن مما ٱبتلينا به في هذه الأيام هذه الأصوات الناعقة التي تحاول باسم حرية المرأة أن تهدم البيوت القائمة على الستر، وتمشية الحال بما هو متاح! وتصوير عمل المرأة في بيتها نوع من أنواع الرق، وإهانة النفس البشرية! ولست أدري أين الإهانة في أن تطعم الزوجة عائلتها من صنع يدها، وأن تغسل ملابسهم، وتنظف بيتها!
إن قيل أن الأمر شاق وصعب، فهذا نبصم به بالأصابع العشرة، ولكن هذه هي الحياة، لكل إنسان دوره، ولكل عمل مشقته! أما طرح الموضوع وجعله عبودية، وإهانة للمرأة فهذه دعوى سخيفة! إن حرية المرأة ليست بتجريدها من فِطرتها في أن تكون أماً وزوجةً وربة منزل، وإنما بتقدير وتبجيل ما تقوم به، كلاماً وفعلاً، كلاماً حلواً، وإشادة بدورها وأهميته، بهدية بين الحين والآخر، بضمة، وقبلة جبين ويد!
لم تكن فاطمة رقيقة ولا ممتهنة الكرامة وإن كانت تتعب في عمل بيتها، ولم يحضر لها علي خادمة لأنه أراد أن يتعبها وإنما لأنه لا يملك المال، ولم يعطها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم خادمة لأنه عادل ولو أعطاها لكان عليه أن يعطي كل امرأة في المدينة مثل ما أعطى ابنته!

افخرن بأنفسكنَ، أنتن اللواتي لولاكن ما كانت البيوت وما استمرت، واستشعرن الأجر في كل عمل، فإذا كانت اللقمة التي يضعها الزوج في فم زوجته صدقة، فكيف بالتي تطبخ لتطعم عائلة، وتغسل لتكسوها!
وأنتم معاشر الرجال، لا تكونوا والدنيا عليهن، أعينوهنَّ، ليست منقصة أن تجلي صحناً عنها، ولا سبة أن تجمع لها الغسيل، وقد كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في حاجة أهله يرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته، وهو سيد الرجال!

~

أم حذيفة
04-13-2020, 12:14 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

1⃣9⃣

✍من دخلَ دار أبي سفيان فهو آمن!

حاولتْ قريش أن تثنيه عن دعوته فلم تفلح، لا الترغيب آتى أُكله، ولا الترهيب أثمر! ولأنَّ العربَ تقولُ: آخرُ العلاج الكي!
حزمت قريش أمرها على قتله! خطة محكمة، من كل قبيلةٍ رجلاً ليتفرق دمه بين القبائل، فيعجز بنو هاشم عن الأخذ بالثأر ويرضون بالدية! ولكن النبيَّ المحفوف بالعناية الإلهية أُوحي إليه أن يتركَ علياً في فراشِه تلك الليلة ويصحب أبا بكرٍ خلسةً تحت جنح الظلام في هجرةٍ غيرتْ وجه الأرض إلى الأبد!

👈🏻ودارتْ الأيام، الرجل الذي نزل يوماً وحيداً من الغار صار أُمة، عنده جيش يأتمر بأمره، وأصحاب يفدونه بالعيون والمهج، تغيرت موازين القوى في بضع سنين، وها هو اليوم على أعتاب مكة يوشك أن يدخلها في وضح النهار!
ما جاء للثأر، ولكن على هذه المدينة أن تستردَّ هويتها، وعلى البيت المعمور أن يلفظ أصناماً غزته ذات شِركٍ وجاهلية!

▪وقبل الدخول إلى مكة، قال العباس للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فلو جعلت له شيئاً!

فلمَّا دخل مكة، أمر المنادي أن يقول: من دخلَ الكعبة فهو آمن، ومن دخلَ داره فهو آمن، ومن دخلَ دار أبي سفيان فهو آمن!
لم تكن هذه الجملة إلا استمالةً لأبي سُفيان وإلا ما حاجة أحدهم لدخول دار أبي سفيان ما دام بإمكانه أن يدخل داره هو ليكون آمناً!

درس عظيم من دروس الحياة مفاده: أعطِ الناس ما يحبون أن يعطى إليهم، ما لم يكن في هذا العطاء إثماً، لأن هذا أثبت للود وتأليف للقلوب!

البشر مُتشابهون في الشكل فقط، أما من الداخل فنحن طبائع شتى!

مِن الناس من إن لم تُجلسه في صدر المجلس لشعر بالإهانة، ومنهم من لا يهتم حيث يجلس!

من الناس لو أرسل إليكَ منشوراً ولم تعلِّق عليه لغضبَ منك، ومنهم من يرسل الأشياء رغبة في مشاركتها ولا يهمه إذا علقتَ عليها أم لم تُعلِّقْ!

من الناس من يحب أن تمدحه في حضور الآخرين، ومنهم من يشعره هذا بالخجل ويتمنى أن لا تفعل!

من الناس من إذا مازحته مزحةً لغضبِ منكَ وأشعلَ حرباً ولو حاولت أن تسترضيه بعدها لشقَّ ذلكَ عليكَ لصعوبة عقله وضيق صدره، ومنهم من إذا أغضبته فعلاً، وجئت تسترضيه لرضي فوراً!

من الناس من إذا غبت عنه يومين ثم التقيتما لعاتبك لأنك لم تسأل عنه، ومنهم من إذا فارقته سنةً ثم لقيكَ لم يشعرك بتقصيرك ولأشعرَكَ أنكما كنتما البارحة معاً!

اِفهمْ طباع الناس من حولك، وتعامل معهم حسب طباعهم، وتذكَّرْ أن الأطباء لا يُعالجون جميع المرضى بدواء واحد، الدواء يكون من جنس المرض، وكذلك المعاملة مع الناس، وفهم طباعهم ومعاملتهم على أساسها أريح لك ولهم!

~

أم حذيفة
04-13-2020, 11:55 PM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

2⃣0⃣

✍مَنْ فجعَ هذه بولدها؟!

كانوا على سفرٍ معه، وأي شيءٍ في الكون أروع من أن تسافر معه، أن تراه يمشي أمامك وبِوِدك لو فرشت له قلبك بساطاً أحمر كما يليق بحذائه أن يطأ! وأن تنظر في وجهه عن قرب فتتمنى أن لا ترمش كي لا يغيب الوجه الشريف عنك جزءاً من الثانية! وأن تسمع صوته فتتمنى لو أن الكون كله يخرس فلا يعكر صفو صوته شيء، ثم ناهيك أن تقف وراءه في الصف ليصلي بك، طوبى لهم!
ويحدثنا ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم تركهم يومها وذهب لبعض حاجته، فرأوا حُمَّرةً معها فرخان، فأخذوا فرخيها، فجعلتْ تُحلِّقُ فوقهم وتصفِّق بجناحيها، أُم ثكلى بفقد أولادها،
ثم جاء النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقال: من فجعَ هذه بولدها؟ رُدُّوا ولدها إليها!

يا له من دين، ويا لها من شريعة، ويا له من نبي لا يرضى أن يكسر خاطر عصفورة! ثم إنَّ الحب اتباع، والاتباع العمل، والحب الذي ينقصه الاتباع والعمل حب ناقص مهما ادعينا كماله، وقد قال شاعرنا:
لو كان حبك صادقاً لأطعته
إن المحب لمن يحب مطيعُ!

إنَّ الذي يحرم زوجته من أبنائها لخلافٍ وطلاق عليه أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يرض أن تفجع عصفورة بأولادها لن يرضى أن تفجع أم بأولادها!
إنَّ جبر القلوب مقدَّم على جبر العِظام، لأن كسر القلوب أشدُّ ألماً، وكسر العظام سرعان ما يلتئم، أما كسر القلوب فيبقى أبد الدهر، وإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرض أن يفجع أحدٌ أحداً!
الكلمة التي تقولها في مجلس ضد أحد لتضحك الآخرين عليه تنغرس في قلبه عميقاً، وينفضُّ المجلس، وينتهي الضحك، ويضع رأسه على وسادته حزيناً ولربما لم ينم ليلته تلك لأجل أنَّ حضرتك أردتَ أن تتسلى!

جبر الخواطر عبادة، كالصيام والصلاة تماماً
ابتسامتك في وجه مسكين بالنسبة إليك مجرد ابتسامة لا تكلف شيئاً ولكنها بالنسبة إليه هدية عظيمة قد تصنع يومه كله، وتشعره بإنسانيته وقيمته التي سلبته قسوة الحياة شيئاً منها!
زيارتك لموظف مسكين عندك نزل به مرض هي بالنسبة إليك مجرد دقائق معدودة ولكنها بالنسبة إليه عطاء فخم، وثروة مهولة!
جرب أن تسأل عاملاً بسيطاً عن سبب تغيبِه البارحة عن العمل وتأمل مقدار السعادة في عينيه، ثمة أشياء لا تكلِّف كثيراً ولكنها تعني كثيراً!
إسعاد الآخرين لا يحتاج إلى ثروة ضخمة بقدر ما يحتاج قلباً عظيماً، وإتعاس الآخرين لا يحتاج سيفاً مُسلَّطاً، ولا لكمة قوية، ولا صفعة شديدة، كلمة واحدة فقط قد تكون أكثر إيلاماً من ضربة سيف، فلا تفجع أحداً بنفسه!

أم حذيفة
04-15-2020, 03:49 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

2⃣1⃣

✍ ما ضرَّ عثمان ما فعلَ بعد اليوم!

كانتْ غزوة تبوك اختباراً عظيماً للمسلمين، ليس لأنها كانت غزوة مفصلية في تاريخ الإسلام فهي لم يحدث فيها قتال أساساً! وإنما كانت اختباراً عظيماً لأن الظروف وقتها كانتْ كلها بخلاف هوى النفوس، وبعكس الفِطرة التي فطر الله سبحانه الناس عليها، فالفصل صيف، والصحراء في الصيف لظى! الشمس حارقة والرمالُ ملتهبة! ناهيكَ أن المسير طويل فهي الغزوة الأبعد في تاريخ غزوات النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فالمسافة بين المدينة وتبوك تقريباً 630 كلم! وما زاد الطين بلة هو أن بيت المال كان وقتها فارغاً فلم يكن النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يملك المال لتجهيز الجيش لذلك عرف ذاك الجيش في كتب السيرة (بجيش العُسْرَة) !
وكان من الطبيعي والأمر كذلك أن يحُثَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أغنياء المسلمين على الإنفاق لتجهيز الجيش، فجادوا ولم يقصّروا،

🍂غير أنَّ تلك الغزوة كانت غزوة عثمان بن عفان بامتياز، فعثمان الثري علِمَ أن الوقت وقته، وبيقين المؤمن الذي يعرف أنه وما يملكُ لله، تبرَّع للجيش بتسعمئة بعير، وخمسين فرساً، وحملَ ألفَ دينار وتوجهَ إلى المسجد حيث كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جالساً يستقبل مُساهمات الأغنياء، فنثرها في حِجره!
👈🏻 فجعلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقلِّب دنانير عثمان بين يديه ويقول: ما ضرَّ عثمان ما فعل بعد اليوم!

🍂 الفكرة أن أسمى عبادة هي تلك التي تكون من جنس النعمة!
قيام الليل نافلة عظيمة، ولكن عبادة الأغنياء الأسمى ليست في قيام الليل وإنما في الصدقة، وإعانة المساكين، ومساعدة المديونين، والإنفاق على دور التحفيظ!
وصيام التطوع نافلة عظيمة، ولكن عبادة الأئمة الأسمى هي في قول الحقِّ ولو على قطع الرقبة، فإنَّ الناس إذا وقعت الفِتن، والتبس الحقُّ بالباطل، نظروا إلى علمائهم ليروا رأيهم، ويصطفوا باصطفائهم، وإن وقوف الإمام أحمد في وجه المأمون، ومن بعده في وجه المعتصم في فِتنة خلق القرآن أهم وأعظم من صيام ألف يوم تطوع، لأنه بكلمة الحق التي قالها حَفِظَ دين وعقيدة ملايين المُسلمين!
إنشاء الطرق للناس، وتأمين الرَّفاه الاقتصادي، ومجانية الاستشفاء والتعليم عمل نبيل من الحاكم تجاه شعبه، ولكنَّ عبادة الحاكم الأسمى هي في تحكيم شرع الله، والدفاع عن حُرمات المسلمين وديارهم!
إقامة مستوصف يُعالج الناس بالمجان عمل نبيل تُرفع له القُبعة، ولكن عبادة المفكرين والأدباء الأسمى هي تنوير عقول الناس، والدفاع عن عقيدتها، والذَّود بالحبر عن حياضِها، ففي الملمَّات يُوازي حبر الأدباء دماء الشهداء إن كتبَ حقَّاً، وقال حقَّاً!
ٱنظر إلى النِّعمة التي أعطاك الله إياها، تأمَّلْها جيداً، تعرِف العبادة الأسمى لكَ!
إن كنتَ غنياً لا تكنز مالك وتعزِّي نفسك بنوافل العبادات، ما يُقبل من الفقير لا يقبل من الغني! وإن كنت صاحب محراب ومنبر لا تخف برأيك وتعزِّي نفسك بعدد المصلِّين وراءك، إن الأئمة كالمظلات للناس والناس لا يحتاجون المظلات إلا وقت العواصف والمطر! وإن كنتَ صاحب فكر وقلم، فلا تعزِّي نفسك بعدد قرائك ونسخك التي تبيعها، عبادتك الأسمى أن تقول ما يجب أن يُقال، أن تكون لصيقاً بهموم أمتك، لا تكن مهرِّجاً كالداعية الذي يوم كانت تقصف غزة وحلب كان يحدثنا عن حكم المسح على الخفين!

~~

أم حذيفة
04-15-2020, 08:40 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

2⃣2⃣

✍تعلَّمْ لي كتاب يهود!

لمَّا قَدِمَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم المدينةَ المنورة، جاء بنو النجار بِزَيد بن ثابت إليه، ولم يكن يومها قد تجاوز السادسة عشرة من عمره، فقالوا: يا رسول الله، هذا زيد بن ثابت، يحفظ من القرآن ما يسرُّكَ! فاستقرأه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقرأ له سورة "ق"، فأُعجب به، ولاحظ فيه ذكاءً وقاداً، وعقلاً مُنيراً، فقال له: يا زيد، تعلَّم لي كتاب يهود، فإني واللهِ ما آمنُ يهودَ على كتابي!
فما مضتْ خمسةَ عشر ليلة إلا وقد تعلَّمَ زيدٌ العبرية! فكان يكتب للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم إليهم، ويقرأ له رسائلهم إذا كتبوا إليه!

نحن لا نعيش وحدنا على ظهر هذا الكوكب، هناك شعوب وثقافات وحضارات ولغات أخرى نحتك بها، ونتواصل معها، ومعرفة هذه الثقافات، وإتقان تلك اللغات ضرورة حياتية وليست ترفاً فكرياً! على أنَّ إتقان تلك اللغات لأجل التواصل وتسيير أمور الحياة شيء، وإتقانها لأجل التباهي شيء آخر!
اللغة الإنكليزية اليوم هي لغة العلوم، وبها يدرس أغلب طلابنا خصوصاً في الاختصاصات العلمية، وتحصيل هذه الاختصاصات واجب، وتعلُّم الإنكليزية واجب على الطلاب الدارسين لأنَّ ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب!
هذا حدُّ الموضوع لا أكثر، أما أن يتحدَّثَ عربيٌّ مع عربيٍّ ويضع بين كل كلمتين عربيتين كلمة إنكليزية أو فرنسية من باب التباهي، فهذه فيها من المياعة، والانهزام الثقافي والحضاري، أكثر مما فيها من العلم! هذا في حالة كان المتحدِّثان العربيان يُتقنان الإنكليزية، أما فعل هذا مع العوام ففيه شيء من الاستعلاء والغرور!

الذكاءات مُتعددة، هذه حقيقة تربوية لا جدال فيها، من الطلاب من لديه ذكاء لغوي رهيب ولكنه ضعيف في الرياضيات، ومنهم من هو عبقري في حل المسائل الفيزيائية، أو التعامل مع المعادلات الكيميائية، ولكنه لا يستطيع أن يحفظ فقرة من عشرة أسطر إلا بشق النفس! ومنهم من يجد حفظ عشر صفحات أيسر عليه من حساب مساحة مستطيل!
ودور الأهل والمدرسة معرفة المجال الذي يبرع فيه الطالب ثم توجيهه إليه، وهذا ما فعله النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالحرف، فعندما لاحظ ذكاء زيد بن ثابت اللّغوي طلب منه أن يتعلَّم العبرية فتعلَّمها في وقتٍ قياسي! والشيء بالشيء يُذكر، يقول ابن كثير في البداية والنهاية: كان زيد بن ثابت من أشد الناس ذكاءً، تعلَّمَ لسان يهود في خمس عشرة يوماً، وتعلَّم الفارسية من رسول كسرى في ثمانية عشر يوماً، وتعلَّم الحبشية والرومية والقبطية من خُدَّام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم!

أفهمُ جيداً رغبة الأهل في أن يكون أولادهم أطباء ومهندسين، ولكن على الأهل أن يفهموا أن إجبار الأولاد على اختصاصات لا يجدون أنفسهم فيها هي ظلم لهم! ما أدراك لو أنه درس ما يميل إليه ويبرع فيه لفاقَ ألف مهندس وطبيب! تخيَّلوا لو أُجبر المتنبي أن يدرس الطب ويترك الشِّعر، حتماً لم تكن لتفرق كثيراً لو ازدادت البشرية طبيباً، ولكنها فاجعة لو خسرنا المتنبي!

~

أم حذيفة
04-17-2020, 01:07 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

2⃣3️⃣

✍اِعلَمْ أبا مسعود!

جاءَ بشريعةٍ مُتكاملة، وأرسى قوانين كثيرة، غير أنه كان يُريدُ من هذه الأُمَّة أن تعبد الله كأنها تراه، أن تفعل الخير طمعاً في المثوبة، وأن تترك الإثم خوفاً من الله لا خوفاً من الحدِّ أو القانون. وما يُسمِّيه علماء السلوك الاجتماعي اليوم 👈🏻"بالانضباط الذاتي" هو ما أخبرنا عنه النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قبل ألف وأربعمئة سنة مُجيباً جبريل على سؤاله:
👈🏻ما الإحسان؟ فقال له: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك!

يُحدِّثنا أبو مسعود البدري يقول: كنتُ أضرِبُ غلاماً لي بالسوط، فسمعتُ صوتاً خلفي: اِعلَمْ أبا مسعود! فلم أفهم الصوت من الغضب!
فلما دنا مني فإذا هو رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فألقيتُ السَّوط من يدي!
فقال لي: اِعلَمْ أبا مسعود أنَّ الله أقدرَ عليكَ منكَ على هذا الغلام!
فقلتُ: واللهِ لا أضربُ مملوكاً بعده أبداً، وهو حرٌّ لوجه الله
فقال: أما لو لم تفعل لمستكَ النار!

👈🏻ثمّة أشياء لا يحاسِب عليها القانون، ولا تعتبر في عرف المحاكم لا جرائم ولا جنَحاً، ولكن الله يرى، والملائكة تكتبُ، والمحكمة غداً، حين تُنشرُ الكتب التي لا تُغادر صغيرة ولا كبيرة!

▪إنَّ الزوجة التي تُسمعها كلاماً لاذعاً كالسياط لن تشكوك إلى المحاكم، وإنْ فعلتْ فلن تجد من القُضاة آذاناً صاغية، ولكن الله سبحانه وتعالى سمع شكواها، ورأى جرح قلبها وهو أقدر عليك منكَ عليها!
▪إن العامل البسيط الذي لم تدفعْ له حقه لن يجرؤ أن يقترب من مركز الشرطة ليشكوك، وربما إن تجرَّأ وفعل فستنجو منها وأنتَ صاحب العلاقات والواسطات، ولكن الله سبحانه قد علِم مظلمته، وسمعَ دعواه، وهو يجيب دعوة المظلوم الكافر على الظالم المُسلم لا حباً بالكافر، ولا بغضاً بالمسلم، ولكن حُباً بالعدل وبُغضاً بالظلم! فما بالك لو كان المظلوم مُسلماً، فسجدَ ثم قال: اللهم إني مغلوب فانتصر! دعاء نوح عليه السلام الذي يوم استجاب الله له أغرقَ الأرض كلها نصرةً له!

▪أولادك الذين ميزتَ بينهم في المعاملة في حياتك، وفي الميراث في مماتك، لن يرفع المظلوم منهم دعوى سوء معاملة، محاكم البشر لم تنشأ لهذه القضايا، والميراث الذي جعلته عقد بيع وشراء لتحرمَ ولداً وتعطي آخر تعترف به السجلات العقارية، ولكن تذكر أنه ليس المهم ما تكتبه السجلات العقارية وإنما ما تكتبه الملائكة!

👈🏻مما يشاهد في الحياة عَياناً أن الأقوياء إذا تخاصموا أركنهم الله إلى الأسباب، وحظُّ كل واحد منهم من النصر مقدار ما أخذ من السبب، ولكن حين يظلم القوي ضعيفاً لن يموت القوي قبل أن يقتصَّ الله تعالى للضعيف منه، فإياك أن تخاصم وتظلم هؤلاء الذين ليس لهم إلا الله!

~

أم حذيفة
04-17-2020, 11:06 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

2⃣4️⃣

✍على رِسْلِكُما!


👈🏻تُحدِّثنا أُمنا صَفيّة بنت حيي قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مُعتكفاً في المسجد، فأتيت أزوره ليلاً، فحدثته، ثم قمت لأنصرف، فقام معي ليُوصلني، فمرَّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أسرعا. فقال لهما: على رِسْلِكُما هذه صفية بنت حُيي!
فقالا: سبحان الله يا رسول الله! يُريدان أن يقولا وهل أنتَ موضع شك يا رسول الله!
فقال: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءاً!

👈🏻موقفان عظيمان تأمَّلْهما:

🍂الأول: المدينة أمان، ولو عادت صفية وحدها في الليل ما تعرَّض لها أحد، ولكن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يقطع اعتكافه، ويقوم ليوصلها إلى بيتها، هو يعرف أنها تعرف الطريق وإنما أراد أن يقول لها: أنا أهتمّ! أحياناً ليس عليكَ أن تقول لها أُحبكِ، ثمة مواقف صغيرة، تفاصيل حياتية عادية أبلغ من ألف كلمة أحبكِ! هل جربت أن تضع لقمةً في فمها، أو تُمسك يدها وأنتَ تعبر بها الشارع، أو تخلع سترتك وتضعها على كتفيها في ليلة باردة، ثمة أشياء لا تكلفك الكثير، ولكنها تعني لها كثيراً!

🍂الثاني: رغم أنه فوق الشكوك، وأنه نقي كماء زمزم، وتقي كما لم يسبق لإنسان أن يكون بتقواه، إلا أنه يستوقف الرجلين ويُخبرهما أنَّ هذه المرأة التي معه هي زوجته صفية!👈🏻 أراد أن يعلِّمنا أن الإنسان لا يكفي أن لا يفعل الحرام وإنما لا يضع نفسه في موقف يظنُّ منه الناس أنه واقع في الحرام!
لا تلقِ نفسك في مواطن الشبهات كي لا يرميكَ الناس بسوء الظنِّ، طبيعة النفس البشرية أنها تحمل المواقف البشرية على الظنِّ السيء، فعلى سبيل المثال لا تجلس على مائدة يُدار عليها الخمر ولو كنت تُريد أن تنصح، لأن الذي يراك لن يشك لحظة أنك لا تشرب معهم! للنصح وقته ومجاله.
بالمقابل تخلَّ عن ظنك السيء بالناس، من تكلَّم مع فتاة هي ليست بالضرورة حبيبته، والرواية التي ألَّفتها في رأسك قد يكون الشيطان هو الذي أملاها عليك!
كل شخص رأيته يحادِث عاصياً ليس بالضرورة مثله!
الحياة أحياناً كالسوق قد يجتمع فيه اثنان لا علاقة لهما ببعضهما، ودكان البنادق يشترى منه بنادق للصيد وبنادق للقتل فلا تدخل في نوايا الناس!

أم حذيفة
04-19-2020, 01:56 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

2⃣5️⃣

✍فلا تُقْدِمُوا عليه!

خرجَ عُمر بن الخطاب من المدينة يُريدُ الشَّام، فلما صارَ في منطقة يُقال لها سَرْغ، لَقِيَهُ أبو عبيدة بن الجراح وأُمراء الجند، وأخبروه أن الطاعون قد وقع في الشام. فدعا إليه المهاجرين، فمنهم من أشار عليه أن يرجع إلى المدينة، ومنهم من أشار عليه أن يمضي في مسيره! فقال لهم: ارتفعوا عني! ثم دعا الأنصار واستشارهم، فإذا هم كالمهاجرين على رأيين أحدهما العودة إلى المدينة، والآخر بالمضي قُدُماً! فقال لهم: ارتفعوا عني. ثم دعا شيوخ قريش الذين أسلموا بعد الفتح فاقترحوا عليه أن يرجع إلى المدينة فهو أمير المؤمنين ومن معه بقية صحابة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وليس الأمر حثيثاً يدعو للمُخاطرة، فأخذَ برأيِهم!

👈🏻فقال له أبو عبيدة: أفراراً من قدرِ الله يا أمير المؤمنين؟!
فقال له عمر: لو أنَّ غيرك قالها يا أبا عبيدة، وكان عُمر يحبُّه ويكره خلافه، ثم قال له: لو كان لك إبل فهبطتْ وادياً فيه مكان خصيب ومكان جدب أليسَ إن رعيتَ في الخصيبِ رعيتَ بقدرِ الله، وإن رعيتَ في الجدبِ رعيتَ بقدرِ الله؟!
ثم أمر الناس أن يستعدوا للعودة إلى المدينة،
👈🏻 وفي هذه الأثناء حضرَ عبد الرحمن بن عوف وكان متغيّباً لبعض حاجته، فقال: إنَّ عندي من هذا علماً، سمعتُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول عن الطاعون: ▪"إذا سمعتم به بأرضٍ فلا تُقدِموا عليه، وإذا وقعَ بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه"! فحمدَ عمرُ اللهَ تعالى أن أراه الحقَّ وهداه إلى السُّنة، ثم مضى بالناس عائداً إلى المدينة!

هذه هي سُنَّة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عند انتشارِ الأوبئة، أن لا يسافر الإنسان لمكان موبوء، وأن لا يخرج من مكانٍ ضربه الوباء، والسبب قد أقرَّه الطب بعد 1400 سنة من حديث النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو أن للأمراض فترة حضانة، وهي المدة التي تقع بين إصابة المريض بالمرض وظهور عوارض عليه، وهذه تختلف من مرض إلى آخر، فالإيدز مثلاً قد يصاب به الإنسان ولا تظهر عوارضه إلا بعد سنوات، أما فايروس كورونا ففترة حضانته أسبوعان، وقد يحسب المرء أنه معافى منه فينقُله معه إلى بلد آخر، وقد يكون سليماً ويلتقي في سفره بإنسانٍ لم تظهر عليه العوارض بعد فيُصاب ويرجع إلى أهله حاملاً المرض!

والحرص مطلوب، والأخذ بالأسباب واجب ، وتجنب أماكن الزحام في هذه الأوضاع أولى، ومن شكَّ بعوارض المرض فليعتزل حتى المساجد !

▪بقي أن نُشير أن هذا الفايروس الذي انتشر إنما هو خلق من خلقِ الله، ناصيته بيده سبحانه مثلنا تماماً! إنه يعمل بأمرِ اللهِ لا بأمر نفسه، وإنَّ الله سبحانه لا يخلق شيئاً إلا لحكمةٍ ولو غابتْ عنا وعجِزنا بأفهامنا المحدودة أن نُدركَ حكمته جلَّ في علاه، صحيح أنَّ الهلع والخوف فطرة بشرية لا شيء فيها، واتِّخاذ التدابير الوقائية وسبل السلامة أمر واجب في هذه الحالات، إلا أنَّ هذه الحوادث والأوبئة فرصة لنتذكَّر عظمة هذا الرب وقدرته، لقد قام هذا الكوكب واستنفر من مشرقه إلى مغربه بسبب فايروس لا يرى بالعين المُجردة، جنديٌ واحد من جُنود الله، جعلنا نُدرك كم نحن ضُعفاء ونُعيدُ بُوصلة العقيدة إلى اتجاهها الصحيح إلى الله القوي والقادر!

▪إن البلاء لا ينزل إلا بذنب، ولا يرتفعُ إلا بتوبة، وقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أنه في سنة 478 للهجرة كثُرَتْ الأمراض بالحمى والطاعون في العِراقِ والشَّامِ والحِجَاز، وماتتْ الوحوش في البراري، ثم تلاها موت البهائم، وماتَ خلقٌ كثير، فأمرَ الخليفة المُقتدي بأمرِ الله بتجديدِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكسر آلات الملاهي، فانجلى ذلك الطاعون، وذهبتْ تلك الأمراض!
عافانا الله وإياكم، وسلَّمنا من كل سوء!
منقول

أم حذيفة
04-20-2020, 12:31 AM
[
2⃣6️⃣

✍ زادكَ الله حرصاً ولا تعد!

إنْ سُئِلتَ عن أجمل مديح في التاريخ فقُلْ دون تردد هو قول الله سبحانه في عبده ورسوله "وإنك لعلى خلق عظيم". ذلك أنَّ الناس تُغالي حين تمدح، إما أن تغلبها العاطفة، والحب يعمي عن المعايب، أو تمدح طمعاً في العطاء! أما مديح الله سبحانه وتعالى فهو مديح من يعلم لمن يستحق!
👈🏻 ولو قال ربنا سبحانه "وإنكَ لعلى خلق" لكانت مديحاً مهولاً، فكيف وقد تكرَّم على عبده ووصفَ خلقه بالعظيم!

▪على خلقٍ عظيم كان، في رضاه وغضبه، في سِلمه وحربه، في إقامته وسفره، مع الكبير والصغير، ومع الصاحب والعدو! كان دائماً يبحثُ عن شيء جميل ليُثني به على الناس، حتى في مواقف الخطأ، فكثيراً ما كان يُطيِّبُ الخاطر قبل أن يُدلي بالنصيحة!

👈🏻دخل أبو بكرة يوماً المسجد يريدُ الصلاة خلفَ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فإذا هو في الركوع والمُسلمون خلفه كذلك، فلما شعر أبو بكرةَ أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يريد أن يرفع رأسه من الركوع، دخل في الصلاة على عجل وركعَ قبل أن يصل إلى الصف ويقف بين المصلين، فلما انتهت الصلاة، تقدم أبو بكرة منه، وأخبره بالذي كان منه، فقال له النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: زادك الله حِرصاً، ولا تعد!

▪اُنظُرْ لأدب النصيحة، لم يقُلْ له ما كان ينبغي لكَ أن تركعَ قبل أن تقف في الصف، ولم يقل له لِم أنتَ عجولٌ يا أبا بكرة، ولم يقل له إياك أن تكررها مرةً ثانية إنها ركعةً وكان بإمكانك أن تصليها بعد أن أُسلِّم!
👈🏻لقد بدأ بالإيجابيات، زادكَ اللهُ حرصاً، أثنى على حرص أبي بكرة في إدراك كل الركعات خلفه، ثم علَّمه الصواب! والإنسان إذا تلقى مديحاً أولاً يكون على استعداد أن يتقبَّل النقد بعدها بصدرٍ رحبٍ، هذا مبدأ عظيم في التعامل مع الناس فانتبهوا له جيداً!

إذا أقمت في بيتك مأدبةً، ولاحظت أن أحد الأطباق كان الملح فيه ظاهراً، فقُل لها لاحقاً حين تخلو بها، باركَ الله بكِ، كان الطعام لذيذاً، أنتِ طاهية ماهرة، ولكن الطبق الفلاني كثير الملح، انتبهي له في المرة القادمة! هي ستتلقى ملاحظتك ببساطة وصدر رحب! أما لو قلتَ لها مباشرة الطبق الفلاني مالح كثيراً فأنت هنا حطمتها، لقد جعلتها تشعر أن كل الذي قامت به سيء!

إن كان عندكَ موظف يتأخر، وأردتَ أن ينضبط، فلا تقُلْ له فوراً كفَّ عن التأخر! ابتعد عن أسلوب التهديد وتخويف الناس، يمكنك ببساطة أن تأسر قلبه لو قلت له، أنت موظف جيد، وتقوم بعملك بكفاءة، ولكن عليكَ أن تلتزم بوقت الدوام، أُريدك قدوة لزملائك، لاحظ الفرق بين الأسلوبين، ثم لاحظ بعدها النتيجة!

▪عندما نبدأ إعطاء الملاحظات والنصائح مباشرة، نجعل الآخرين يبنون بيننا وبينهم سداً منيعاً، ويسمعون كلامنا من أُذن ويُخرجونها من الأُذن الأُخرى، ولكن عندما نذكِّرهم بإيجابياتهم قبل سلبياتهم تقع النصيحة في قلوبهم مباشرة!
منقول

___

أم حذيفة
04-21-2020, 12:43 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

2⃣7️⃣

✍لعلك ترزق به!

النَّاسُ هم النَّاسُ في كل عصر، أكثر ما يشغلهم الرِّزقُ والمالُ وتحصيلُ المعيشة، فطرة الله التي فطرَ عليها الناس! وقد قال سبحانه في مُحكم التنزيل عن الإنسان "وإنه لحُبِّ الخير لشديد" وجمهور المفسرين على أن الخير في الآية هو المال! على أنَّ جمع المال ليس عيباً، والغِنى ليس سُبةً، ونِعمَ المال الحلال في يد العبد الصالح، المهم أن تملكَ أنتَ المالَ لا أن يملككَ! وأن يكون لكَ خادماً لا سيداً، وأن تضعه تحت قدميك ليرفعكَ لا فوق رأسك ليخفضك!

كان في عهد النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أخوان، أحدهما له مهنة يتكسَّبُ منها، والآخر لا مهنة له، يحضرُ مجلسَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ويأخذ منه الحديث والقرآن! وكان الذي له مهنة يُنفقُ على نفسه وعلى أخيه، ثمَّ إن صاحبَ المهنة أتى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يشكو إليه أخاه!
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لعلَّكَ تُرزقُ به!

الحديثُ ليس تشجيعاً على البطالة، وعلى أن يكون الإنسان عالة على غيره، على العكس تماماً إن الأحاديث التي تحثُّ على العمل والاجتهاد، وتُثني على من يأكل عمل يديه كثيرة، ولكن مثل هذه الأحاديث إنما تُقال للأخ الذي لم يكُن له عمل، ولا تُقال للأخ صاحب المهنة لأن فيها تحريضاً له على ترك أخيه، ما يُقال للمُنفق ما قاله النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لعلَّكَ تُرزقُ به!

العمل سبب للرزق، ولكن الرَّازق هو الله، وما أدراك أن الله قد فتحَ لكَ باب الرِّزق في عملك لا بسبب جدك واجتهادك، وإنما بسبب أبوين تُنفِقُ عليهما، وابنٍ ذي عاهةٍ لا تتأففُ منه، وفقيرٍ خصصتَ له مبلغاً شهرياً، ومريضٍ تكفلت بدوائه الدائم! ما أدراك أنَّ الله قد جعلكَ باباً وسبباً يرزقُ به عبداً من عباده، وأنتَ تُرزقُ لتُعطي، يريدُ الله أن لا يقطع عنكَ الخير لتجود به، وتُمرره لغيرك!
أنتَ أضعف من أن ترزق نفسكَ، ومن باب أولى أشدُّ ضعفاً من أن ترزق غيرك، وأنه سبحانه حين جعلكَ سبباً في رزق غيرك فقد تكرَّمَ عليكَ واصطفاكَ لهذا العمل، فهو قادر أن يرزقه ويُغنيه عنكَ، فما حرمه الرزق المباشر الذي يقع في يده عن فقرٍ منه سبحانه، ولكنه جعل الناس لنا أبواباً إلى الجنة فلا تُغلقْ باباً فتحه الله لكَ، لعلكَ إن أغلقته أحوَجَكَ إلى غيرك، كما أحوجَ غيركَ إليكَ أولاً، فأعطِ واحمدْ ربَّكَ أن جعلكَ عبده المُعطي لا عبده الآخذ!
كان عبد الله بن جعفر من أكثر الناس صدقةً، يُعطي الفقراء بشكلٍ جعلَ حتى أقرب المقربين منه يلومونه، أن أعطِ أقلَّ من هذا، فقال لهم: لقد عوَّدَني اللهُ عادةً، وعوَّدتُ عبادَه عادةً، فأخشى إن غيَّرتُ عادتي أن يُغيِّرَ الله عادته!
فهمٌ دقيقٌ وعميقٌ لقول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: لعلكَ تُرزقُ به!

___منقول

أم حذيفة
04-22-2020, 12:46 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

2⃣8️⃣

✍أخطأ من شدة الفرح!

لطالما كانت القصص والأمثالُ مطيَّةً لتقريب المعاني، ولأنها كذلك فقد كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يكثر أن يحدِّثَ بها أصحابه، فأرادَ مرةً أن يُخبرهم عن حبِّ اللهِ سبحانه للتائب وفرحه بتوبته، فأخبرهم أنَّ الله أفرح بتوبة عبده من رجل كان في صحراء، وكانت معه ناقته التي عليها طعامه وشرابه ومتاعه، ثم لما اشتدَّ الحرُّ، أوى الرَّجُلُ إلى شجرة يتفيَّأ ظلالها وينام قليلاً، ولكنه نسيَ أن يُحكم ربطها، فلما نام شردتْ الناقة، فلما استيقظ ولم يجِدْها أخذ يبحثُ عنها يميناً وشمالاً ولكن دون جدوى، ولما يئِس أن يجدها قال في نفسه: أرجعُ إلى المكان الذي كنتُ فيه فأنام حتى أموت! فلما نام ما شاء الله له أن ينام، استيقظ فإذا ناقته عند رأسه، فقال من شدة الفرح: "اللهم أنتَ عبدي وأنا ربك"!
وجعلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: أخطأ من شدة الفرح!

اُنظُرْ لحكمة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في ضرب المثل، لقد اختارَ قصةً من بيئة القوم الذين يُحدثهم، فهم يعيشون في الصحراء، ويُسافرون قاطعي الفيافي والقفار، ويعلمون ما تعني الناقة التي عليها الزاد والماء، ويعلمون أن فقدها يعني الموت المحتَّم، ويعلمون بالتالي مقدار فرح المسافر بالعثور على ناقته بعد فقدها، لهذا وصلتْ الفكرة التي أراد أن يُوصلها إليهم بيُسر وسلاسة.

لهذا على الدُّعاة والمُربِّين أن يُخاطبوا الناس بحسب واقعهم، وبالشيء الذي يفهمون به، فالمثل الذي يُعطى لطلاب الجامعات في محاضرة قد لا يناسب العَوَام في المساجد، والقصة التي تُقال للمرأة في الأربعين مثلاً لا تُقال للطفلة في العاشرة، وقد قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "نحن معاشر الأنبياء أُمرنا أن نُخاطب الناس على قدر عقولهم"! وعقولهم هذه تشمل لُغاتهم، وعاداتهم وتقاليدهم، وواقعهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي!

أخطأ من شدة الفرح!
إن قول الرجل لا شك أنه في ظاهره كفرٌ بواح! ولكن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أراد لنا أن نلتمس العُذر للناس في بعض المواقف! يمرُّ الإنسان بأطوار نفسية قد يفقدُ فيها زمام عقله، فلا يعود ذلك الشخص الذي نعرفه، فالمُصيبة أحياناً تُفقدُ الإنسان صوابه، وربما قال فيها كلاماً جارِحاً لمن حوله، فلا يجب مُؤاخذته خصوصاً إذا كنا نعرف أنَّ هذه ليستْ حاله، وأنه في ظروفٍ طبيعيةٍ ما كان له أن يقول ما قال!
والفرح أحياناً كالمصائب يُفقدُ الإنسان صوابه، فتجده في حالة من عدم الاتزان، وقد يقول ما لم يكن له أن يقوله في حالة استقرار نفسي! فقدِّروا ظُروف الناس واعلموا أن النفس البشرية أطوار، جبال ووِهاد، مرةً في الأعلى ومرةً في الأسفل، وكما قال مصطفى محمود: نحن لا نملكُ أكثر من أن نُهوِّن على بعضنا الطريق!

بالمُقابل علينا أن نُحاول أن نملك زمام أنفسنا ما استطعنا حين نكون في حالة نفسية استثنائية، ومن أجمل ما قال الأوائل:
لا تقطع وعداً وأنتَ سعيد، ولا ترُدْ وأنتَ غاضب، ولا تُقرر وأنت حزين!

أم حذيفة
04-23-2020, 12:25 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

2⃣9️⃣

✍كان زكريا عليه السلام نجاراً!

قالَ مرةً لأصحابه: ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم
فقالوا: وأنت يا رسول الله؟
قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط/أُجرة لأهل مكة!

وكان يحِب أن يكون للمرءِ مهنة يكتسب منها قوته، فقال: ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإنَّ نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده!
وحدثهم مرة فقال: كان زكريا عليه السلام نجاراً!

ويقول عمر بن الخطاب: أرى الرجل فيعجبني، فأسأل هل له مهنة؟ فإن قيل لا، سقط من عيني!
وقال الأوائل: ليس هناك مهنة حقيرة، وإنما هناك أُناس حقيرون!
إن من دلائل عظمة الله، أنه أحاج الناس للناسِ، واستغنى هو عنهم جميعاً! الطبيب يحتاج النجار، والحداد يحتاج المزارع، والتاجر يحتاج العتال، ولا يستغني أحد عن الخباز!
الفكرة أن كل عملٍ يدر دخلاً حلالاً هو عمل نبيل، وصاحبه يستحق الاحترام أن أغنى نفسه أن يكون عالةً على غيره!
لا شيء في أن يسعى المرء إلى وظيفة مرموقة، وليس على المرءِ حرج إذا أراد من ابنه أن يكون الطبيب لا الخباز، والمهندس لا الإسكافي، ولكن العيب أن يحتقر الخباز والإسكافي بعد أن صار طبيباً!

🍂المهن في الأصل هي لكسب القوت وتأمين المعيشة وليس للتفاضل بين الناس، صحيح أن بعض المهن لها "برستيج" اجتماعي أكثر من غيرها، والناس ينظرون إلى أصحابها بعين إجلالٍ لا ينظرون فيها إلى غيرها، ولكن من الفهم السقيم للحياة، قياس الناس بحسب مِهنهم، وجعل قيمتهم بقيمة المناصب التي يشغلونها، والمال الذي يجنونه!
الأنبياء كلهم عملوا في رعي الغنم كما في الحديث، وداود عليه السلام كان يأكل من مهنة له، وزكريا عليه السلام كان نجاراً، فلا تخجل بمهنتك، ما دمت تكسب رغيفك بالحلال فارفع رأسكَ، وافخرْ بنفسك، ثيابك المتسخة ليست عيباً، العيب أن تكون ثيابك أنيقة وقلبك متسخ ومالك حرام!
الأيدي الممتلئة بالنُّدوب لكثرة ما تتعرض له من ضربات أثناء العمل هي شهادة في العصامية والاعتماد على الذات بعد الله، والأيدي المتسخة بالسواد والشحم والغبار صك براءة من البطالة والكسل!
سر الحياة ليس في أي مهنة تعمل، وإنما أن تكون مع الله، كما أمر وكما أراد في أية مهنة عملت، في الحياة نجد الطبيب المخلص والنجار الغشاش، ونجد المهندس المرتشي وعامل البلدية الشريف، والله لا يحاسب على المهنة وإنما على طريقة العمل بها!
أحقرُ الناس من إذا وصلوا إلى الجامعات خجِلوا بمهن آبائهم المتواضعة، بدل أن يفخروا برجالٍ بمهنٍ متواضعة استطاعوا أن يُوصلوهم إلى الجامعات! قرأت منذ أيامٍ عن فتاةٍ تخرجت من الجامعة، فطلب منها أبوها أن لا تذكر لأحدٍ أنه يعمل في البلدية كناساً للطريق، فلبست ثوب تخرجها، وذهبت إلى مكان عمله، وطلبت من أحدهم أن يصورها وهي تطبع على رأسه قبلة، ثم نشرت الصورة في مواقع التواصل، وكتبت هذا الرجل العظيم أبي!

أم حذيفة
04-23-2020, 10:10 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

3️⃣0️⃣

✍حتى تستكمل أجلها !

نادى نبينا صلى الله عليه وسلم يوماً على أصحابه فقال : هلموا إليَّ.
فأقبلوا إليه فجلسوا. فقال: "هذا جبريل رسول ربِّ العالمين، روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فاتقوا الله، وأجملُوا في الطلب، ولا يحملنَّ أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإنّ الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته"!

◻️هنا بيت القصيد: حتى تستكمل أجلها!
إني لمّا تابعتُ انتشار "فايروس كورونا"، ورأيت الهلع في نظرات الناس، ونبرات أصواتهم، ومضامين كلماتهم، قلت في نفسي: يحتاج الناس في هذه الظروف لمن يربِت على قلوبهم، وينزل لهم العقيدة التي يؤمنون بها على الواقع الذي يعيشونه، فقد سيطر الخوف، وانتشرت الشائعات، وتنبأ الإعلام!

🔅إنّ الله سبحانه وتعالى قد كتب أعمارنا وأرزاقنا ونحن أجنة في بطون أمهاتنا، فلن يموت إنسان قبل انقضاء العمر الذي كتبه له! تعالوا ننظر إلى الحروب المستعرة في هذا الكوكب، نجد في ميادينها الرجل الطاعن في السن قد نجا من آلاف القذائف، بينما نسمع عن طفل رضيع شرِقَ بحليب أمه ومات! الأول نجا من قصف الطائرات والمدافع ليشيخ لأن الله سبحانه قد كتبَ له عمراً عليه أن يعيشه رغماً عن كل شيء، والثاني مات في حضن أمه، أكثر الأماكن دفئاً وأماناً في هذا الكوكب، ذلك أن الله سبحانه قد قضى أن عمره عند هذا الحد! فاطمئنوا، لن يموت إنسان قبل أن يّؤدي مهمته التي خلق لها، وقبل أن يعيش عمره الذي كتبه الله تعالى له!

الخوف الذي يصيبنا شيء طبيعي، ولا علاقة له بقلة الإيمان، نحن نخاف لأننا بشر، والمؤمن نهاية المطاف إنسان يخاف على نفسه وأحبته، ولكنه يُؤدِّبُ هذا الخوف بالرضى، ويُحلِّي مُرَّه بالإيمان أنّ ما شاء الله كان، فلا تستخفوا بمخاوف الناس، ولكن بالمقابل لا تبنوا سجناً من الخوف، تحبسون أنفسكم خلف جدراته، فإن الخوف والقلق لا يمنعان ألم الغد، وإنما يُفسدان متعة الحاضر!

كلُّ ما يصيب المسلم مع الرضى له فيه أجر، حتى الشوكة يشاكها، وإن من رحمة الله بالمسلم أنه أحياناً يطهّره في الدنيا ليُقدِمَه عليه نقياً طاهراً!

لا تُوزِّعوا أقدار اللهِ على الناس، الأمراض الفتاكة تصيب الناس جميعاً، فتحصد المسلم والكافر، الطائع والعاصي، والبَر والفاجر، وقد مات أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح في طاعون عمواس! مع التأكيد أنه من تمام العقيدة أن نعلم أنه قد يشترك الناس في سبب الموت ولكن شتان بين مصير المؤمن ومصير الكافر، فالعبرة ليست بسبب الموت، وإنما بما بعد ذلك !

الوقاية واجب، والإنسان مطالب بالحذر واتباع ارشادات الأطباء وأهل الاختصاص، كي لا يضُرّ نفسه وغيره، والإقبال على المهالك ليس من الإيمان في شيء، ولا من حُسْنِ التوكل، إنه من الحُمق والفهم الخاطىء للدين!
حفظنا الله وإياكم وجميع المسلمين.
منقول

أم حذيفة
04-26-2020, 12:04 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

3️⃣1️⃣

✍فإنما أقطع له قطعة من نار!

أجمل ما في قصص الأنبياء تلك النفحات التي تُذكِّرنا أنهم كانوا بشراً مثلنا! يُريدُ الله سبحانه أن يُعلِّمنا أن الإيمان لا يُلغي الطبائع وإنما يُهذِّبها! ولا يكبت الشهوات وإنما يُؤدِّبها!

🔅إن نوحاً عليه السلام حين توجَّع لغرق ابنه فإنما ناجى ربه مدفوعاً بعاطفة الأبوة، فلمَّا نهاه ربه انتهى!
🔅وإن موسى عليه السلام حين أوجسَ خيفةً لما ألقى السَّحرة حِبالهم وعصيهم، لم يخفْ عن قِلة إيمان، وإنما خاف لأنه إنسان! وحين غضبَ وألقى الألواح فإنما فعلَ هذا لأنَّ بعض المواقف تُخرج الإنسان عن طوره!

🔅وسيِّدُ الأنبياء كما إخوته الذين سبقوه بالنبوة بشر أيضاً، ولم يكُن يخجل أن يُصرِّح ببشريته، فالإنسانية ليستْ منقصة، على العكس تماماً، هنا تكمُن المعجزة! أن تكون بشراً بعواطفك وهواجسك وأحزانك وأتراحك ثم تُغيِّر هذا العالم إلى الأبد!

◻️وقد قال مرةً: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضُكم أن يكون ألحنَ بحُجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيتُ له بحقِّ أخيه فإنما أقطعُ له قطعةً من النار، فليأخذها أو يذرها"!

لعلَّ أحد الخصمين فصيح حسن اللسان، والآخر عَيِيّ لا يقدر أن يُبيِّن حقَّه، فيحكم القاضي له،
👈🏻 ولكن السؤال: أيجعل حكم القاضي الحرام حلالاً! لا واللهِ فإن كان حكم النبي صلَّى الله عليه وسلَّم الصادر بناءً على ما سمع لا يُبيح لأحدهم أن يأكل حق أخيه، فكيف هو حكم القُضاة الآخرين!

إن ممَّا ٱبتُليَ به الناس أنهم يقومون بالحلال، ولكنهم لا يتورَّعون عن الحرام، وقد كان الأوائل يرون أن الدِّين في ترك الحرام أكثر منه في إتيان الحلال!
وقد قال مالك بن دينار: لَأن يترك الرجل درهماً من حرام خيرٌ له من أن يتصدَّق بمئة ألف درهم!

الحلالُ يقوم به البَرُّ والفاجر، والصالح والطالح، ولكن الإمساك عن الحرام لا يقوم به إلا من كان قلبه خالصاً لله!
تخرجُ الراقصة في مقابلة تلفزيونية وتتحدَّث أنها تحجُّ وتعتمر وتتصدَّق، وقد تكون صادقة في قولها، ولكنها لا تعرف أن التوقُّف عن هزِّ خصرها شبه عارية أمام الناس أفضل لها من عمرة!

يُمكن للتاجر الغشاش أن يكفل يتيماً، وهذا عمل نبيل، ولكن أنبل منه هو ترك الغش، والتوقُّف عن أكل أموال الناس بالحرام، لأنَّ الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً!
نعم يحدث أن يبني صاحب البار مسجداً، ولكن إقفال البار أحب إلى الله من بناء المسجد!
ونعم يحدث أن يُقيم تاجر المخدرات موائد الإفطار في رمضان، ولكن التوقُّف عن تجارة المخدرات أحب إلى الله من إقامة موائد الإفطار!
الإيمان الفعلي الصادق ليس في فعل الطاعة، وإن كانتْ الطاعات محمودة، وإنما في هجرِ المعاصي!

--------🌺🍃
---------منقول

أم حذيفة
04-27-2020, 12:01 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

3️⃣2️⃣

✍ هذه بتلك!

كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا عزم على السَّفر أقرعَ بين نسائه، فأيما واحدة وقعت عليها القرعة صحبها معه!
◻️طريقة عبقرية في العدل، تجعل الفائزة بالصُّحبة تنتشي فرحاً، والتي لم تنل شرف الرفقة لا تلُمه، ولا تُحدِّث نفسها أنه قد فضَّلَ ضرَّتها عليها!
◻️وفي إحدى أسفاره وقعت القُرعة على عائشة، وكانت يومذاك لم تزل صغيرة السِّن، فأمرَ الجيشَ أن يتقدَّمَ أمامه، فلمَّا غدا وحده معها قال لها: تعالي حتى أُسابقكِ!
فتسابقا، فسبقته عائشة! ثم سار بها حتى التحقَ بالناس، وعاد أدراجه إلى المدينة.
ومرَّت الأيام، كبرتْ عائشة في السن قليلاً، وزاد وزنها، وكان على موعد مع السَّفر، فأقرع بين نسائه على عادته، فوقعتْ عليها القرعة فصحبها معه، ثم في طريق العودة قال للناس: تقدَّموا
فتقدَّم الناس… فلمَّا غدا وحده معها قال لها: تعالي حتى أُسابقكِ!
فتسابقا، فسبقها، فجعلَ يضحكُ ويقولُ لها: هذه بتلك!

👈🏻النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عليه مُهِمَّة دعوة البشرية قاطبة إلى الله، ورئيس الدولة الذي عليه تحريك الجيوش، وعقد الأحلاف، ومُراسلة الملوك، وتدبير شؤون الناس، لم يشغله هذا كله عن أن يكون زوجاً، ويُعامل زوجته باللُّطف واللين إلى درجة أن يُسابقها في الصحراء كأنه ليس على كاهله كل هذه المسؤوليات الجسام! أراد أن يُعلَّمنا أن نكون مُتوازنين في حياتنا، لا يشغلنا العمل عن العبادة، ولا تجعلنا العبادة نترك أعمالنا ونتكفَّف الناس! أن لا يلتصق المرء بزوجته ويترك دنياه، ولا يلتصق بدنياه فيُهمل زوجته!
إنَّ من مآسينا اليوم أننا نجعل شيئاً واحداً يسرقنا من كل شيء!
تجدُ التاجرَ يقضي نهاره في عقد الصفقات، وجمع الديون، وتسديد الفواتير، فإذا عاد إلى بيته لا يهدأ جوَّاله، اتصال على فلان، واتصال من فلان، لا الزوجة تشعر بقُربه وهي التي تحتاج حنانه ودفأه كحاجتها إلى ماله بل أشدَّ! ولا الأولاد يشعرون أن لهم أباً وسنداً، يحسبُ أن المال الكثير، والأثاث الفاخر، والسيارات الفارهة تملأ غيابه، بينما في الحقيقة هم وجدوا المُعيل وفقدوا الأب، فليس بالضرورة أن يموتَ المرءُ ليُفتقد، يكفي أن يحضر بجسده ويغيب بقلبه وروحه حتى يصبح لا وجود له!
وتجدُ الزوجة مُولعة بالأثاث وترتيب البيت، وهذا شيء جميل بالمناسبة ولا حرج فيه، ولكن أن يصبح الأثاث أهم من البشر، ودورهم حراستها بدل استخدامها فهذا فيه من الحُمق أكثر ممَّا فيه من الترتيب والأناقة!
وتجدُ المُولع بالقراءة متأبِّطاً كتابه في ساعة متأخرة من الليل وزوجته بجانبه تنتظر فقط أن يسألها كيف كان يومها فلا يسأل! القراءة هواية عظيمة، وإنارة العقل مطلب جليل، ولكن القراءة إنما يجب أن تكون على حساب وقتك لا على حساب واجباتك!
وتجدُ المتعلق بأصدقائه، كل يوم خروج وسهر، يُريدُ أن يحيا حياة العزوبية وهو متزوج، يُشعرها أن البيت قفص، وأنها سجَّان، وليس له سعادة إلا فتح باب القفص والخروج منه!

◻️وصل الأصدقاء جميل، ومن الضروري أن يكون للمرء طقوسه الخاصة، ولكن الظلم أن تكون حياته كلها طقساً خاصاً!
تاجر ما شئتَ، واقرأ كما يحلو لكَ، واجعلْ لكَ صُحبة، ولكن تذكَّر أنَّ لك زوجةً وأولاداً وأن أشياء صغيرة لا تُكلِّف شيئاً هي التي تصنع سعادة الآخرين!
اهتمِّي بنفسك، رتِّبي بيتك، ولكن تذكري أن هذه وسائل لإسعاد زوجك وأولادكِ وليست غايات بحد ذاتها، وإلا تحول الأثاث إلى صنم في البيت، له من التبجيل كما كان لأصنام قريش ذات يوم عند الكعبة!

------------ 🌺🍃
--------منقول

أم حذيفة
04-28-2020, 01:37 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

3⃣3⃣

✍ٱنظُروا لمن هو أسفلَ منكم!

إحدى مشاكلنا نحن البشر أن عيوننا فارغة، نُحصي ما نفقِدُ من النعم أكثر مما نشكرُ على ما أُعطينا، وننظرُ إلى ما في أيدي الآخرين أكثر مما ننظُر إلى ما في أيدينا! ولا ندري أنَّ النَّظر إلى ما في أيدي الآخرين يُفقدنا لذَّة الاستمتاع بما في أيدينا!

ولأن العُيون الفارغة مرضٌ عُضال، أرادَنا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن لا نكون مرضى، فأعطانا العلاج يوم قال: "ٱنظروا لمن هو أسفلَ منكم، ولا تنظُروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم"!

قبل أن تنظُرَ إلى صاحب السيارة الفارهة، ٱنظُرْ إلى الشخص الذي بُتِرتْ أقدامه!
قبل أن تنظر إلى صاحب "الڤيلا" الفاخرة، ٱنظُرْ إلى المشرَّدين في الخِيام ينخرُ البرد عِظامهم!
قبل أن تنظر إلى ثروة الغني، ٱنظُرْ إلى كف الفقير الذي يتسوَّل ويستعطي الناس!
ثمَّ إنك لا ترى إلا جزءاً من الصورة، أنتَ ترى ما أُعطيَ الناس، ولكنك لا تدري شيئاً عما حُرموا منه!
ما أدراك أنَّ هذا الذي لديه الكثير من المال يفتقد الكثير من الأشياء التي لا تشتريها الأموال، ما أدراك أنه قد فقدَ أُمه، أو ضاع منه حُبَّ حياته، أم أنه مُبتلى بمرضٍ لا علاج له فيقف هو وثروته عاجِزَين، يتمنَّى لو أنه لا يملكُ هذا المال، مُقابل صحة تشعرُ بها وتتفيَّأ ظلالها وتراها قليلة!

ما أدراكِ أن هذه التي تخرجُ مع زوجها إلى مطاعم كثيرة، وتَرِين صورتها في المطارات والرحلات قد حُرِمتْ لذَّة الإنجاب، وأنها تتمنَّى لو كانتْ مكانكِ مسمَّرة في بيتها، المهم أن تسمع طفلاً صغيراً يقول لها "ماما"!

ما أدراكَ أنَّ هذا الذي يملكُ وظيفة مرموقة قد فقدَ أمه وهو صغير وأنه يتمنى لو كان مكانك وكنتَ مكانه فقط لتضُمَّهُ وتأخذه إلى صدرها!

ما أدراكِ أن وزن فلانة ليس كثرة أكل وإنما من علاج الكورتزون، وأن نحافة فلانة ليستْ رشاقة وإنما لأن مرضاً يأكلها من الداخل!
الأشياء ليست دائماً كما تبدو!
توقفوا عن النظر إلى ما في أيدي الآخرين، ٱنظُروا إلى ما في أيديكم، فإن النظر إلى نِعم الآخرين يدل على عين فارغة، ونفسية مريضة، وهو قبل كل هذا سوء أدب مع الله!

--------------🍃🌺
-------------منقول

أم حذيفة
04-30-2020, 01:42 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

3️⃣4️⃣

✍لو سترته بثوبك!


عندما زنى ماعِزٌ رضيَ الله عنه، مرَّ بصديقٍ له اسمه هُزال الأسلمي وحدَّثه بما كان منه، ولكن هُزالاً لم يعِظْه، ولم يحُثَّه على التوبة، بل أشار إليه أن ينطلق إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فيُخبره بالأمر! فأتى ماعِزٌ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم واعترفَ عنده بالزنا، فأمر عليه السَّلام برجمه، لأنَّ الأمر إذا وصلَ إلى الإمام سقطَ العفو، ولا بُدَّ من إقامةِ الحَدِّ! ثم إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لقِيَ هُزالاً الأسلمي بعد ذلك فقال له: لو سترْتَه بثوبك كان خيراً لك!

🔅وقد رويت آثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضل الستر على المسلم أذكر منها ما حضرني ذكره بعون الله .

👈🏻 ، عن أبي هريرة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من نفس ، عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة ، ومن يسر على مسلم يسر الله عليه في الدنيا ، والآخرة ، ومن ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا ، والآخرة ، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه .

⚡نعم وَضَعَ الإسلامُ حدوداً، وما من نظامٍ بشريٍّ قامَ يوماً إلا وفيه منظومة عقوبات تختلف من مجتمع إلى آخر، ولكن الإسلام العظيم حث على التوبة والستر عند ارتكاب المعاصي، فما دام الله ستر على الإنسان فالأوْلى أن لا يذهب العاصي إلى الإمام ويطلبَ تنفيذ العقوبة! ولخَّص ابن تيمية هذا كله في جُملةٍ واحدةٍ حين قال: والأصلُ في الذنوبِ التوبة والاستغفار لا إقامة الحدود!

💥السِّترُ مبدأٌ من مبادئ الشريعة، كلُّ مُسلم مُطالب أن يسترَ على نفسه وعلى غيره، والنفسُ البشرية مفطورة على سترِ نفسها وفضحِ غيرها!
▪️من تتبَّعَ عورات الناس تتبَّعَ الله عورته، ومن ستر غيره ستره الله، لأن الجزاء من جنس العمل!
كلنا مطرَّزون بالعُيوب ولولا رداء من السِّتر وضعه الله علينا لانفضحنا وما نظر إلينا الناس نظرة احترام أبداً!

⚡وأجمل خُلُقٍ يعمل به العبد هو أن ينظُرَ إلى الخُلقِ الذي يُعامِل به الرَّبُّ سبحانه عباده، فيعاملهم مثله، وأن الله سِتير يُحبُّ السِّتر!
كل ذنبٍ لإنسانٍ سمعتَ عنه دعه يقف عندكَ، أنتَ أيضاً لك ذنوب وللناس ألْسُن، فاشترِ سِتركَ بسِتر الناس!
منقول

أم حذيفة
05-01-2020, 01:46 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

3️⃣5️⃣

✍إنَّ الله يحب العبد الخفي!

نعى السائب بن الأقرع إلى عُمر بن الخطاب شُهداء المُسلمين في معركةِ نهاوند، فعدَّ أسماءً من أعيان الناس وأشرافهم، ثم قال السائب: وآخرون من أفناء الناس لا يعرفهم أمير المؤمنين!
فبكى عمر وقال: وما ضرَّهم ألَّا يعرفهم عمر، إنَّ الله يعرفهم!

وفي سِيَرِ أعلام النُّبلاء للذهبي قال: كان في جيش هارون الرَّشيد عشرين ألف مُجاهد لا يكتبون أسماءهم في ديوان الجند، فلا يأخذون رواتبهم، كي لا يعرفهم أحدٌ إلا الله!

أما مُناسبة الحديث، فهو كان سعد بن أبي وقّاص في البادية يرعى إبلاً له، فجاءه ابنه، فلما رآه سعد من بعيد قال: اللهم إني أعوذُ بك من شرِّ هذا الراكب! يبدو أنه بفراسته عرفَ أنَّه يحمل أخباراً سيئة، فلما وصل عنده قال له ابنه: أنتَ في إبلكَ وتركتَ الناس يتنازعون المُلك بينهم!
فقال له سعد: اسكُتْ، سمعتُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: "إنَّ الله يُحِبُّ العبدَ التقيَّ الغنيَّ الخفيّّ"!

والعبد الخفي هو الذي يُخفي حسناته عن الناس كما يُخفي عنهم سيئاته، فيجعلُ بينه وبين الله خبيئة صالحة لا يعلمها إلا الله!
ليس بالضرورة أن يعرفَ الناسُ كل صدقةٍ تتصدَّقُ بها، فالرِّياءُ مَفسدةُ الأعمال، وإنْ لم يقصد المرءُ رِياءً فلعلَّه يجرح كرامة من تصدَّق عليه دون أن يدري، وترميمُ قُلوبِ الناس وحفظُ كراماتِهم مُقدَّمٌ على إعانتِهم وترميمِ جيوبِهم!
ليس بالضرورة أن تُوثِّق كل عمل خير تعمله، ولا كل عبادة تقوم بها، لقد كلَّف اللهُ سُبحانه الملائكةَ بهذا الأمر، فأَرِحْ نفسك، كل ما عملْتَه من خير أو شر ستجده يوم القيامة أمامك في كتاب "لا يُغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها"!

كان ابن القيم يقول: الخوافي للخوافي!
وإني أقول:
مرضُكَ الذي لا يعلمه إلا الله، اجعلْ له صدقةً خفيةً لا يعلمها إلا الله!
والهمُّ الذي يربضُ على صدرك ولا يعلمه إلا الله، اجعلْ له استغفاراً خفياً لا يعلمه إلا الله!
القلقُ الذي يعتريكَ ولا يعلمه إلا الله، اجعلْ له ركعتين في الليل لا يراهما إلا الله!
قلةُ الرِّزق الذي نزلَ بك ولا يعلمه إلا الله، اجعلْ له استغفاراً بينك وبينه
وتذكَّرْ: ما ضرهم ألَّا يعرفهم عمر، يكفي أن الله يعرفهم!
منقول

••••••••

أم حذيفة
05-02-2020, 03:18 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة


3️⃣6️⃣

✍كما يرزق الطير!

حجَّ عُمر بن الخطاب في سنةٍ من سنوات خلافته، فلقيَ أُناساً قد جاؤوا إلى الحجِّ بغيرِ زاد، وإذا هم يستعطون الناس، فسألهم: من أنتم؟
فقالوا: نحن المُتَوَكِّلون!
فقال لهم: بل أنتم المُتَّكِلون، إنما المُتوكل الذي يُلقي حبةً في الأرض، ويتوكَّل على الله!

يُخطئُ كثيرٌ من الناس في فهم التوكُّل على الله سبحانه، ويحسبون أنَّه ترك الأخذ بالأسباب، ناسين أو مُتناسين أن هذه الأسباب إنما هي واقعة في قَدَرِ الله، وأن الله سبحانه قد وضع لهذا الكون سُنناً ونواميس على المرء الأخذ بها ما استطاع، ثم بعد ذلك يضع يقينه على الله أنَّ هذه الأسباب لا تضرُّ ولا تنفع حتى يأذن الله سبحانه!
نعم نُؤمن أنَّ الله هو الشافي ولكن من الحماقة عدم قصد الأطباء وطلب العلاج!
ونُؤمن أن الله هو الرازق ولكن من الحماقة عدم الذهاب إلى العمل!

كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أكثر الناس يقيناً بالله، ولكنه في المُقابل كان أكثر الناس أخذاً بالأسباب، فيوم الهجرة اصطحبَ معه دليلاً يدلُّه على الطريق إلى المدينة ولم يقُل أنا نبيٌّ وسوف أصل على أية حال!
ويوم أُحد لبس دِرعين رغم أنه يؤمن أن الأعمار بيدِ الله ولكنه أراد أن يُعلِّمنا ثقافة الأخذ بالأسباب!
وعندما كان يغزو كان يُورِّي في مسيره، بمعنى أنه إذا أراد أن يُحارب قوماً سلكَ طريقاً مُغايِراً حتى يُفاجِئ العدو، رغم أنه يؤمن أن النصر من عندِ الله!

نعم علَّمنا النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام أنَّ الله وحده هو الذي يُحيي ويُميتُ ويرزقُ ويشفي ويُعطي ويمنع، فقال: "لو أنكم تتوكَّلون على الله حقَّ توكُّله لرزقكم كما يرزقُ الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً"!

ولكنه بالمُقابل علَّمنا أن الدُّنيا دار أسباب! فالطُّيور لا تبقى في أعشاشها تنتظرُ رزق الله تعالى لتملأ بطونها، وإنما تخرج مُبكرة، تبحث عن الحَبِّ الذي يسدُّ جوعها، فلا يقع كل عصفور إلا على ما قسمه الله تعالى له من الرِّزق!

من الفهم السقيم لبعض الناس أنهم ينتظرون المعجزات دون بذل الأسباب! ويحدثك أحدهم كيف شقَّ موسى عليه السَّلام البحر بعصاه، وكيف التقمَ الحوتُ يونس عليه السَّلام فلم يُصبْه أذىً، وكيف أُلقيَ إبراهيم عليه السَّلام في النار فكانتْ برداً وسلاماً! ينسى هؤلاء أنَّ المعجزات هي أمرٌ خارقٌ للعادة، يخرقُ بها اللهُ نظام الكون الذي وضعه ليُعلِّمنا أنه لا يتركُ عباده، وأن هذه الأسباب إنما تحكم الناس ولا تحكمه جلَّ في عُلاه! وإلَّا فإن حاول أحدنا أن يشقَّ البحر بعصاه لقال عنه الناس مجنون! ولو ألقى نفسه في النار لماتَ منتحراً!
لا شيء أسوأ من وضع اليقين على الأسباب سوى ترك الأخذ بها!
منقول

•••••••

أم حذيفة
05-03-2020, 01:58 AM
على منهاج النُّبُوَّة

3️⃣7️⃣

أكُنتَ تدعو بشيءٍ؟

زار النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم رجلاً من أهل المدينة قد أصابَه المرض، فوهن جسمه، وخفَّ وزنه حتى ظنَّ كل من عاده أنها النهاية!
استرعىْ حالُ الرجل النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فسألَه: أكُنتَ تدعو بشيء؟

فقال: نعم، كنت أقول: اللهمَّ ما كنتَ معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا!
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: سبحان الله، لا تطيقه، أفلا قلتَ: اللهمَّ آتِنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقِنا عذابَ النار!
فدعا الرجل بها، فشفاه الله!

الفكرة أنَّ القدر موَكَّلٌ بالمنطق، والناس أحياناً يدعون بصورةٍ خاطئةٍ، ويشترطون على الله شروطاً تتنافى مع رحمته، فيُعطيهم الله ما سألوه، حتى يفقهوا ويرجِعوا!
هذا الصحابي من حِرصِه على النجاة من عذاب الآخرة، كان يدعو أن يجعل الله كل عذابه في الدنيا، فدلَّه النبي صلَّى الله عليه وسلَّم على الصواب، وهو الدعاء بالنجاة في الدنيا والآخرة!

يمرض ولد
صغيرٌ فتسمعُ أمه تدعو: ليتني أنا ولا أنت! وهذا الدُّعاء من الأُم لا شك يحمل في طياتِه رحمةً وحباً لابنها، لكنه ينضوي على جهل، لماذا على الأُم أن تدعو بانتقال المرض إليها في حين أن بإمكانها أن تدعو الله سبحانه أن يعافي ابنها ويعافيها!

لا يعرف الإنسان متى يوافق دعاؤه ساعة استجابة، لهذا عليه أن يتأدَّب في الدُّعاء، ولا يسأل الله إلا خيراً!
تكسر البنت صحناً، فتغضبُ الأمُّ وتدعو عليها قائلة: كسر الله قلبكِ! ماذا لو استجِيبتْ هذه الدعوة، أكسر قلبٍ مقابل كسر صحن؟!

يتشاجرُ الأولاد في البيت، فتسمع دعاء الأُم في الغالب أو الأب أحياناً: الله يغضب عليكم! ماذا لو استجِيبَتْ هذه الدعوة! أَغَضَبُ الله سُبحانه مقابل لحظة شِجار صبيانية؟!

على المرء أن يختارَ ألفاظه في الدعاء، وأن لا يسأل الله سبحانه إلا الخير، فإنَّه جلَّ في علاه لا يُعجزه شيء!
منقول

•••••••••

أم حذيفة
05-04-2020, 02:36 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

3️⃣8️⃣

✍لو كان المُطْعِمُ بن عَدِيٍّ حياً!

👈🏻يا ليوم الطائف ما أقساه، حملَ الجنة يومذاك وذهب بها إلى هناك أَنْ آمنوا وادخلوها، ولكن ابن عبد ياليل سيد القوم قال له: أما وجد الله غيرك ليرسله؟! ثم أطلقَ وراءه الغُلمان والسفهاء ليرجموه بالحجارة! كُذِّب بدعوته، وأُوذِي بجسده، وسالَ الدمُ الشريف، وما أجرأ الناس على الله، وما أحلمَ الله على الناس!

ولأنَّ المصائب لا تأتي فرادى، ولأنَّ أشدَّ الناس ابتلاءً الأنبياء، وهو سيدهم، كان على موعد مع ابتلاءٍ جديد حتى أقبل أن تلتئم الجراح في قدميه، أما عن جرح قلبه فكان ما زال ينز٠ حين قررتْ قُريش أن تمنعه من دخول مكة، وهكذا صار بين نارين لا الغريب قبِلَ منه دعوته، ولا القريب قبل عودته! فكان لا بد له أن يبحث عمن يجيره ويحميه ويدخله تحت كنفه إلى مكة، فذهب إلى المطعم بن عدي، وقبل أن يجيره، وباتَ عنده تلكَ الليلة، ثم لما كان الصباح، خرجَ المطعم وبنوه مُتقلِّدي السيوف، حتى أتوا الكعبة، وقال للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم: طف بالبيت ما شئت!
فجاء أبو سفيان فقال للمطعم: أمجيرٌ أنتَ أم تابعٌ له؟
فقال: بل مجير
فقال أبو سفيان: قبلنا جواركَ، وخلَّينا بين محمد وما هو فيه!
ثم مكث أياماً في مكة، وأُذِنَ له بالهجرة، ودار الزمان قليلاً، مات في دورته المِطعَم بن عديٍّ، ثم كانتْ غزوة بدر التي انتهتْ بالنصر، ولما جِيء بأسرى قريش إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: لو كان المطْعِمُ بن عديٍّ حيَّاً وكلَّمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له!

رغمَ أن هؤلاء أسرى حرب، ولو أن أحداً استطاع أن يقتله ما تردَّد ثانية، ولكنه حَفِظ َللمطعم بن عديٍّ معروفه معه، ولم ينسه، وأخبرهم أنه لو كان حياً وشَفِعَ فيهم ما ردَّ طلبه، ولأطلقهم له عرفاناً بمعروفه الذي صنعه معه!
النُّبلاء لا ينسون مواقف الآخرين المشرِّفة معهم حتى ولو كانوا من غير مِلةٍ وعلى غير دين!
فهل حفظنا للناس معروفهم، وتحيَّنَّا الفُرص لنرد إليهم هذا الجميل عملاً بهَدْيِه وسُنَّته، أم أخذنا ومضينا؟!

العبدُ تُقيده السلاسل، أما الحُرُّ فيُقيده المعروف! فكُنْ حراً ولا تنسَ معروفاً أُسديَ إليكَ، صحيح أن الذي فعلَ المعروف هو في الغالب لا ينتظر سداداً، ولكن من العار أن تنسى أنتَ!

تقدَّم رجل لخطبة امرأةٍ، فقال له أبوها ما زوجتكَ إياها عن زُهد فيها، ولا عن ثُقلٍ في الإنفاق عليها، ولكنها سُنة الله في الناس، ما استطعتَ أن تُحضره من مهر وبيت وجهاز أحضره، وما قصَّرتَ به أنا أدفعه!
وتمَّ الزواج، ويقول الزوج بعدها: نحن معاً منذ عشرين عاماً ما أغضبتُها يوماً، وحتى حين كانت تُشاجرني كنتُ أتذكرُ معروف أبيها معي، فأُراضيها ولو كانتْ هي المُخطئة!
إنَّ المعروف لا يضيع، وإن ضاعَ عند الناس فلن يضيع عند الله، فاصنعْ المعروف صنع من لا ينتظر السداد، ولكن إن أسدى إليك أحدٌ معروفاً فاعتبره دَيْناً وابقَ طوال العمر مُتحيِّناً اللحظة التي تُتاح لك فيها سداده فهذا خُلق الأنبياء!

____🌺🍃
____

أم حذيفة
05-05-2020, 02:41 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

3️⃣9️⃣

✍فأنَّى يُستجاب له؟!

يأمر الله تعالى عباده المرسلين ، عليهم الصلاة والسلام أجمعين ، بالأكل من الحلال ، والقيام بالصالح من الأعمال ، فدل هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح ، فقام الأنبياء ، عليهم السلام ، بهذا أتم القيام . وجمعوا بين كل خير ، قولا وعملا ودلالة ونصحا ، فجزاهم الله عن العباد خيرا .

ولأنَّ دعوة الأنبياء واحدة، والدِّين عند الله الإسلام،
🍂عن أبى هريرة رضى ألله عنه قال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: "إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طيباً، وإنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين،
فقال تعالى: "يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً" وقال تعالى: "يا أيُّها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم".
ثم ذكر الرّجل يطيل السَّفر، أشعثَ أغبر، يمدُّ يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذِّي بالحرام، فأنَّى يستجاب له!
رواه مسلم

وروى الطبراني في الأوسط أنَّ سعد بن أبي وقاصٍ قال للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة.
فقال له: يا سعد، أَطِب مطعمكَ تكُن مُستجاب الدَّعوة!

يشكو الناس هذه الأيام كثيراً أن الدعاء لا يستجاب، وهذا واقع مُشاهد، سببه أنَّ الناس استهانتْ بأكل الحرام! وإنهم يحسبون أنَّ المال الحرام يعني أن تسرقَ من جيبِ إنسان بعض ماله، وهذا في الحقيقة جزء من المال الحرام لا كله!
▪️المِيراث الذي تستأثر به وحدكَ دون إخوتك، أو تعطيهم أقلَّ مما فرض الله لهم مالٌ حرام!

▪️والمال الذي تموت الزوجة وتتركه وراءها فتأخذه وحدكَ وتحرم منه أهلها وأولادكَ مال حرام!

▪️الرشوة التي تتلقاها لتنجز بها معاملات الناس مال حرام!

▪️والوظيفة الشكلية التي لا تحضر إليها ولا تعرف منها إلا راتبها مال حرام!
▪️والعمل الذي لا تنجزه بحسب المواصفات والاتفاق مالٌ حرام!

▪️والبضاعة التي تبيعها ولا تُبين عيبها للناس مال حرام!

▪️والدين تأخذه من الناس لتفرج كربكَ وفي نيتك أن لا ترده مال حرام!

▪️والجمعية التي تشتركَ بها ثم تقبضها وتتوقف عن الدفع مال حرام!

▪️والكماليات والسفرات والمظاهر الفارغة التي تقوم بها وللناس عليكَ حقوق وللعمال رواتب لا تُؤديها مال حرام!

▪️والرِّبا الذي تأخذه من البنك مال حرام مهما أفتاكَ فلانٌ وعلتان!

والتحايل على الله مال حرام!

كنتُ يوماً عند الحلاق أنتظرُ دوري، وجرى حديث بين رجلين حول الرِّبا الذي تدفعه البنوك، وكان أحدهما يُؤكِّد أنه حرام، بينما الآخر قال: نعم حرام أن تأكله ولكن خذه ولا تشترِ به طعاماً، املأ سيارتك بالوقود، وادفعْ أجر العمال، وفاتورة الكهرباء!
فأخرجتني هذه الفتوى عن صمتي، وقلت له: وبِمَ يختلف هذا العمل عن عمل بني إسرائيل الذين نهوا عن الصيد يوم السبت، فكانوا ينزلون إلى البحر يوم السبت، ويلقون شِباكهم حول الأسماك فيحبسونها داخلها، ثم يعودون صبيحة يوم الأحد ويُخرجونها إلى الشاطئ! فمسخهم الله قِردةٍ وخنازير! إنَّ الله لا يخدع، ولا يُجدي معه التحايل!
اُنظُروا إلى رغيفكم من أين هو، وتأملوا من أين تكسبون أموالكم، وكيف تُنفقونها، ثم بعد ذلكَ سترون دعاءكم يتحقق كأنه فلق الصبح!

~~

أم حذيفة
05-06-2020, 03:19 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

4️⃣0️⃣

✍أفلا كنتم آذنتموني؟!

كان على عهدِ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم امرأةٌ سوداء تُنظِّفُ المسجد… ثم ماتتْ، فكأنهم استصغروا أمرها فدفنوها ولم يُخبروا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بأمرِها!
ثم إنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقدَها، فسأل عنها، فقالوا: ماتت يا رسول الله!
فقال: "أفلا كنتم آذنتموني، دُلوني على قبرها"!
فدَلُّوه، فصلَّى عليها، ثم قال: "إنَّ هذه القُبور مملوءة ظُلمة على أهلها، وإنَّ الله عزّ وجل يُنوِّرها بصلاتي عليهم"!

مما ٱبتُلينا به في هذه الأيام أنه إذا مات لأحد الأثرياء والمتنفذين وأصحاب المناصب قريب جاءَ الجميعُ إلى عزائه، وإذا ماتَ الإنسان البسيط كان الذين يمشون في جنازته يعدُّون على الأصابع! أصبحَ الموت طقساً من طقوس الانتفاع!

يروى أنه ماتت خادمة كبير القضاة، فجاء التجار والأعيان ووجهاء البلد يعزونه بها… وعندما ماتَ كبيرُ القُضاة لم يمشِ في جنازتِه من هؤلاء أحد، فقد كانوا يباركون لكبيرِ القُضاةِ الجديدِ منصبه!

🍂الحُبُّ في هذا الدين عبادة، ومكانةُ الأشخاص في قلبكَ يجب أن تكون بحسب قربهم من الله وبعدهم عنه، لا بحسب ثرائهم ومناصبهم، فالمرأة التي كانت تنظف المسجد لم يرفعْ قدرها عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم غير عملها الصَّالح في خدمةِ دين الله، علينا أن نتوقَّف عن الاعتقادِ أنَّ قيمة الإنسان بما يملك، إنما المرءُ بقلبه، ما أدراك أنَّ هذا المُسِنُّ الذي يأتي لصلاةِ الفجرِ يتَّكِئُ على عكازه هو عند الله خير من أثرياء الدنيا كلهم، وأنه بطل وقوي، أقوى كثيراً من الشبانِ الذين يرفعون الأثقال ف النوادي، ولا يستطيع أحدهم أن يرفعَ لحافه إذا ما نادى المنادي الصلاةُ خيرٌ من النوم!
من قالَ لكَ أنَّ الوزير أحب إلى الله من كناس الطريق!
وأنَّ المُمثلة الثرية والحَسناء أقرب إلى الله من عجوز تثني ركبتيها على سجادتها، ولسانها لا يكف عن ترداد: اللهم حسن الخاتمة!

🍂إنَّ قيمة الناس عندنا يجب أن تكون بمقدارِ صلاحهم وخدمتِهم لدينِ الله، الثري الصالح خيرٌ من الفقيرِ العاصي، والفقيرُ الصالح خيرٌ من الثريِّ العاصي!

🍂ربح بيع صُهيبٍ لأنه تركَ مالَه لله!

🍂وارتفعَ شأنُ بلال لأنه ردَّد قولته الشهيرة تحت التعذيب أحدٌ أحد!

🍂و"سلمان منا آل البيت" لأنه طافَ الدنيا بحثاً عن الحق!
👈🏻لا تزهدوا بالبسطاء والمساكين، فواللهِ إن الله يرضى عنكَ بالصدقةِ على فقيرٍ أكثر ممَّا يرضى بالهدية للغني، ويحبَّك لزيارةِ المسكينِ المريض فارغ اليدين، أكثر ممَّا يحبك لزيارةِ المُتنفذِ وصاحبِ المنصبِ وبيدك باقة ورد أو علبة حلوى!

~~

أم حذيفة
05-07-2020, 05:08 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

4️⃣1️⃣

✍ هذه صفات المُؤمنين حقاً!

وأخيراً فُتحتْ مكة، واستردَّتْ هويتها التي خلقها الله لأجلها، قِبلة التوحيد، ومهوى قلوب المؤمنين! لقد تخلَّصتْ من رجس الشِّرك الذي غزاها ذات جاهلية، ثم إنّ َالوقت قد حان لتطهيرِ جزيرة العرب كلها!
يستدعي النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الأسد الهصور عليَّ بن أبي طالب، ويُرسله على رأس سرية لهدم "الفُلْس" الصنم الذي تعبده قبيلة طيء…
ولأنَّ علياً لا يبرح حتى يبلغ، أتمَّ المهمة بنجاحٍ، حطَّم الصنم، وعاد بالأسرى إلى المدينة، فوضعهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قرب المسجد حتى ينظر في أمرهم…
وفي اليوم التالي وبينما النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يهمُّ بدخول المسجد، إذ وقفتْ امرأةٌ وقالت له: يا محمد، إن رأيتَ أن تُخلي عني فلا تُشمتْ بي أحياء العرب، فقد هلكَ الوالد، وغابَ الوافد، فامنُنْ عليَّ منَّ الله عليكَ، فإن أبي كان سيد قومه، يفُكُّ العاني، ويعفو عن الجاني، ويحفظُ الجار، ويحمي الذِّمار، ويُفرج عن المكروب، ويُطعم الطعام، ويُفشي السلام، ويحملُ الكَلَّ، ويُعين على نوائب الدَّهر، وما أتاه أحدٌ بحاجةٍ فردَّه خائباً، أنا سَفَّانة بنت حاتم الطائي!
فقال لها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: هذه صفاتُ المؤمنين حقاً، ولو كان أبوكِ مسلماً لترحَّمنا عليه! ثم قال للصحابة: خلُّوا عنها فإنَّ أباها كان يدعو إلى مكارم الأخلاق!

🍂هذه صفات المؤمنين حقاً! هنا مربط الفرس، ومَطِيَّة الكلام!
دِينك الحقيقي ليس في مسجدك، ولا على سجادة صلاتك،
▪️دينك الحقيقي أمانتك في متجرك، ووظيفتك!
▪️دِينُك الحقيقي في تواضعك بل ذُلِّكَ أمام أبويك، في إحسانِك مع إخوتك وأخواتك، في الصبر على زوجتك، في رحمة أولادك!
دِينُك الحقيقي كيف أنتَ مع جيرانك!
▪️دِينُك الحقيقي حين يُجمع مالٌ لمريضٍ وأنتَ قادر على المُساعدة، فتعطي أو تبخل!

▪️دِينُك الحقيقي حين يخوض الناس في أعراض الناس أمامك، فتمشي معهم، أو تُمسك عليكَ لسانك وتحفظ للغائبين غيبتهم!

▪️دِينُك الحقيقي حين تصِلُ إلى مسامعك ذنوب فلانٍ وفلانة، فتستر ولا تخوض في أعراض الناس، أو تفضح!

▪️دِينُك الحقيقي حين يُلقى إليكَ بالسرِ، فتحفظ أو تُفشي!

🍂 إن التوحيد والصلاة والصيام وسائر العبادات هي حق الله على العبد، وهي نصف الدِّين، أما نصفه الآخر فكيفَ أنتَ مع الناس، وإنَّ التديُّن الذي لا ينعكس على السلوك هو تديُّن أجوف! وإن الإيمان الذي لا يجعلك رقيقاً وكريماً ومأمون الجانب هو إيمان ناقص!

🍂صحيح أن الأخلاق كلها لا تشفعُ للمرءِ إن ماتَ على الكُفر، ولكن الإيمان الذي ليس فيه أخلاق هو إيمان أعرج، وما أجمل مقولة ابن القيم: إنَّ الدِّين كله خلق، فمن فاقكَ في الخُلق، فقد فاقكَ في الدِّين!

~~~

أم حذيفة
05-10-2020, 05:00 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

4️⃣3️⃣

✍أنا النبي لا كَذِب!

كانت غزوة حنين علامة فارقة بين غزوات النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فالمسيرُ قصير، والعدو قليل عدداً وعِتاداً، فبدتْ يومذاك النتيجة مضمونة، والخصم لُقمة سائغة، والنصر مجرد وقت!
كلُّ الأسباب مُهيَّأة إذن، حتى أن الصحابة يومها اغتروا فقالوا: لن نهزم اليوم من قِلة!
🍂غير أن ربَّ الأسباب أرادَ أن يُربِّي هذه الأمة ويعلِّمَها أن تأخذ بالأسباب لا أن تركن إليها! وأن النصر بيده سبحانه لا بأيديهم التي تحمل السيوف وترمي الرماح!
👈🏻والتقى الجيشان، وهُزم المسلمون أول المعركة، وفر كثيرٌ منهم، عندها اقتحم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جيش المشركين وهو على بغلته

يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب!
ثم استفاقَ المُسلمون مما حلَّ بهم، أحاطوا بنبيهم، وأصلحوا النية مع ربهم، فكان النصر!

🍂مقارنة طفيفةٌ بين حنين وبدر تخبرك بسرِّ النَّصر!
في بدر كانتْ موازين القوى تميل إلى قريش بشكل واضح، ولكن المسلمين علقوا الأمل بالله، والتجأوا إليه سبحانه، وموقفهم يومذاك يلخصه حمزة بن عبد المطلب حين نظر إلى جيش قريش فقال: إن كل ما أمامي لا يُخيفني، هم أكثر منا عدداً ولكننا بالإيمان أكثر قوة!
💥هذا الافتقار إلى الله، هذا التجرُّد من الأسباب والتعلق بربِّ الأسباب هو الذي جلبَ النصر، فربطَ الله على قلوبِهم، وأمدَّهم بالملائكة، جبريل شخصياً يمتطي صهوة حيزوم ويقود فرقة المدد الإلهي!
أما في حُنين فاختلفت النظرة إلى المعركة، واستصغروا العدو واستكبروا أنفسهم، فخلَّا الله بينهم وبين عدوهم حتى كادت أن تحلَّ الكارثة، ولكنه لما حصل التأديب الرباني، وفهم المسلمون الدرس سريعاً، وتبرَّأوا من الأسباب وتعلَّقوا بربها، عاد المُسلمون سيرتهم الأولى أمام أعدائهم!

◼️ما يُقال في حق هذه الأمة يُقال في حق الأفراد أيضاً!
ما اعتمدَ أحد على الله إلا هيَّأ له من الأسباب ما يُريه فيه ثمرة الاعتماد والتوكُّل عليه سبحانه، وما اعتمدَ أحد على الأسباب إلا أركنَه الله إليها!
◼️يؤدِّب الله الإنسان مرتين: مرةً إذا أخذ بالأسباب ونسي أنها بيد الله، ومرةً إذا أهملَها نهائياً!
ادرسوا، واجتهدوا، ولكن اعلموا أن النجاح بيدِ الله، لا تدخلوا إلى الامتحانات مُتَّكِلين على عقولكم وإنما على ربكم!
تعالجوا، وابحثوا عن الدواء ولكن اعلموا أن الشفاء بيد الله، لا بيد الطبيب، وفي علبة الدواء!
اعملوا، وتاجروا، ولكن اعلموا أن الرزق بيد الله، وأن العمل إنما هو باب ولكن الرازق في السماء!
ما قالَ إنسان أنا، ومني، وعندي، ولي إلا أحياه الله حتى يرى ضعف أناه، وقِلة ما عنده، وعجز قدرته! وما قال إنسان أنا بالله، ومع الله، وإلى الله إلا أحياه الله حتى يرى أن من كان مع الله كان معه، فعلِّقوا قلوبكم بالله!
منقول
~~~

أم حذيفة
05-31-2020, 01:34 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

4️⃣4️⃣

✍ لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك!

كانتْ ليلة ظلماء، لا قمر في كبد السماء يُبدِّد شيئاً من عتمتها، ولم تكُن المُدن قد عرفتْ الإنارة بعد، ولكن قمراً من لحم ودم كان يَسيرُ في طُرقات المدينة، فسمعَ أبا موسى الأشعري يقرأ القرآن في داره، فأُعجبَ بصوته، فوقف يسمع تلاوته. فلما انتهى أبو موسى من التلاوة أكمل طريقه…
وفي الصباح لقيه، فقال له: يا أبا موسى لو رأيتني وأنا أستمعُ لقراءتك البارحة، لقد أُوتيتَ مزماراً من مزامير آل داود!
فقال له أبو موسى: يا رسول الله، لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيراً!

🌴وقفَ يسمعُ القرآن وهو الذي تلقَّاه من جبريل مباشرة، فحفِرَ في قلبه كنقشٍ لا يُمحى ولا يزول، ثم في الصباح يُثني على أبي موسى، يُخبره عن عذوبة صوته، وعن أنه أوتي مزماراً من مزامير آل داود، داود عليه السلام تحديداً، ذاك الذي كان إذا سبح سبحتْ معه الجبال والطيور بأمر خالقها "يا جبال أوِّبي معه والطير"!

👈🏻الثناء على قدرات الآخرين من أدب الأنبياء، أما رأيت موسى عليه السلام من قبل قد قال: "وأخي هارون هو أفصحُ مني لساناً"!
▪️ونكران مزايا الآخرين، واعتبار الإنسان نفسه فلتة عصره، ووحيد زمانه هو خلق إبليس، أما رأيت أنه قد قال من قبل "أنا خيرٌ منه"!
▪️إذا استمعت إلى محاضرةٍ وأعجبتكَ وأثَّرتْ فيك فمن النبل لو أثنيتَ على المُحاضر، فالناس مهما بلغوا من التفوق والنجاح يُسعدهم أن يسمعوا كلام الثناء!

▪️إذا رأيتَ موظفاً عندك قد عملَ عملاً ناجحاً فأثنِ عليه، من العيبِ أن لا نرى إلا الأخطاء، فنكون كالذباب الذي لا يقع إلا على قذارة، وما أجمل أن نكون كالنحل لا يقف إلا على الزَّهر!

▪️إذا دعيتَ إلى مأدبة، ورأيتَ كل شيءٍ مرتباً، ووجدتَ الطعام شهياً، فاشكر صاحب البيت على حسن ضيافته، وأخبره أن يشكر زوجته نيابةً عنكَ، فهي الجندي المجهول الذي لم تره ولكنك رأيت حسن صنيعه!
🌿 وأنبل من هذا كله أن تُثني على الذين يملكون مهارة من جنس مهارتك ونبوغك، فلو كنتَ كاتباً وقرأتَ كتاباً لغيرك أثنِ عليه!
وإذا كنتَ موظفاً ناجحاً، ورأيتَ زميلاً لك قد أبدع في فكرةٍ أثنِ عليه، وشجِّعه، إن الأمم إنما تنهضُ بالتلاحم لا بالتناحر، ودع عنكَ أخلاق الضرائر التي تريد كل واحدة منهن أن تحظى بقلب زوجها، كن شريكاً وداعماً ولا تكن ضرَّة!

إذا زرتِ جارةً لكِ وأعجبكِ ترتيب بيتها فامدحي في ترتيبها، وإذا أهدتْ إليكِ جارةٌ طبقاً من طعام ووجدتِه لذيذاً فأخبريها أنها طاهية ماهرة، جميعنا نحتاج أن نسمع كلام الثناء على الأشياء الجيدة التي نفعلها!
👈🏻وقمة النُبل أن نُثني على مزايا الأخرين في غيابهم، لماذا علينا دوماً أن ننتف ريش الغائبين، ونتحدث عن سلبياتهم، للناس مزايا أيضاً فلنتحدَّثْ عنها،
🌾 وعندما تحدَّثَ موسى عليه السلام عن مزايا أخيه إنما تحدَّثَ بها مع الله وهو أعلم بهارون عليه السلام من موسى، فكيف بكَ إذ تتحدَّث عن صفات جميلة لشخص عند شخص لا يعرفه!

***

أم حذيفة
06-01-2020, 09:43 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

4️⃣5️⃣

✍إنكَ امرؤٌ فيكَ جاهلية!

لم يُفرقِ الإسلام بين المؤمنين جميعِهم أمامَ اللهِ سبحانه وتعالى؛ فلا تَمايُزَ بِالأنسابِ ولا الأحسابِ، ولا بِالعِرْقِ ولا بِاللَّونِ، وإنَّما التَّمايز بِالعملِ الصَّالح والتَّقوى فقطْ
👈🏻وقد كان أبو ذر رضِي اللهُ عنه قد شتم رجلًا وعيَّره بأُمِّه، فلمَّا سمعه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «أَعَيَّرتَه بِأمِّه؟» يعني: شَتمتَه ونَسبتَه إلى العارِ بأُمِّه؟ 👈🏻«إِنَّك امْرُؤٌ فيكَ جاهليَّةٌ»، يعني: فيك صفةٌ مِن صفاتِ الجاهليَّةِ

▪️والمعنى أن تعيير الناس بأحسابهم وأنسابهم من أخلاق الجاهلية التي كانت متفشِّية في العرب، وبهذا المعنى تقسم الجاهلية إلى قسمين:
▪️-قسم زماني انتهى بمجيء الإسلام
▪️-قسم سلوكي باقٍ في الناس حتى يرِث الله الأرض ومن عليها! والإنسان يكون على قرب من
الجاهليين بمقدار ما فيه من أخلاقهم!

السبب في أنَّ الناس أبيض وأسود وأحمر وأسمر
فقد روى أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب والسهل والحزن وبين ذلك. ، وصححه الألباني وغيره.

▪️والذي يعتقد أنه أرقى من الآخرين لمجرد أن لون بشرته مختلف هو إنسان متخلِّفٌ من ناحية علمية، وفيه جاهلية من ناحية دينية!

▪️الذي يعملُ في مهنةٍ شريفة ليس بالضرورة شريفاً، والذي يعملُ في مهنة وضيعة ليس بالضرورة وضيعاً، بعض الأطباء لا يستحقون أن يكونوا بشراً أساساً، وبعضهم كأنهم ملائكة في صورة بشرية! وبعض أصحاب المهن كذابون غشاشون، وبعضهم عنده من الأخلاق والأمانة والصدق والوفاء أكثر مما عند أهل الطبقات المخملية،👈🏻 وتصنيف الناس بحسب مِهنهم ورواتبهم عقلية جاهلية!

▪️حبُّ الوطن شيء، والدفاع عن الأخطاء التي ترتكبها حكومة الوطن شيء آخر، الأول فطرة وإيمان،👈🏻 وقد كانتْ مكة أحب بقاع الأرض إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وقال يوم غادرها والحزن يعتصره: واللهِ إنكِ لأحب البلاد إليَّ ولولا أنَّ قومكِ أخرجوني ما خرجتُ! أما الثانية فجاهلية عمياء، ودفاع عن الباطل، وقد قال الشاعر قُريط بن أُنيف يصفُ حالة التحزُّب الأعمى للقبيلة:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم
في النائبات على ما قال برهاناً!

▪️نعم نحبُّ أهالينا، ونُساعدهم وننصرهم، ولكن عندما يكونون على حق، ولكن التحزب للقريب والصديق وهو ظالم، فهذا من أخلاق الجاهلية، وإن الإسلام جاء ليُعلِّمنا أن الحقَّ هو الذي يُنصر بغض النظر عن صاحبه، والباطل هو الذي يُعادى بغض النظر عن صاحبه، وقد أبدَلَنا الله خيراً من الجاهلية، هذا الدين الحنيف السمح، والعيب أن نُسلم ونتخلَّق بأخلاق الجاهلية!

أم حذيفة
06-05-2020, 12:26 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

4️⃣6️⃣

✍حتى تلقوني على الحوض!

🌾ولَّى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم رجلاً على بعض أمور المُسلمين، فقامَ رجلٌ من الأنصار فقال: يا رسول الله، ألا تستعملني كما استعملتَ فُلاناً.
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إنكم ستلقون بعدي أثرةً، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض!

🍃ومن لطيف ما قرأتُ، سارَ بشرُ الحافي في طريقٍ ومعه رجلٌ، فعطِشَ هذا الرجل، فقال لبشرٍ: دعنا نشربُ من هذا البئر!
فقال له بشر: اِصبرْ حتى نصل إلى البئر الأخرى، فلما وصلا إليها، قال له مجدداً: اِصبرْ إلى البئر الأخرى، فما زال يعلله ويصبره حتى وصلا إلى حيث يريدان، فقال له بشر: هكذا تنقطع الدنيا، بالصبر!

▪️أما بيت القصيد فهو: اصبروا حتى تلقوني على الحوض!
ولعلَّ هذا أبلغ ما قيل في التَّثبيت في تاريخ البشرية، وما أحلاه من تصبير، وما أغلاه من تثبيت، فضعْها دوماً نصب عينيك، تأمَّلْها كلما لاحت لك معصية، وتذكَّرْ أن الدنيا إنما تنقطع بالصبر، والأيام كلها ستنجلي بحلوها ومرها، ولا يبقى فيها إلا أجر الطاعة أو إثم المعصية!

▪️إذا ضاقتِ الحال الاقتصادية بك، وارتشى الناس من حولك، فاقبض أنت على جمرِ دينك، وتخيل النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول لكَ: اصبرْ حتى تلقاني على الحوض!

▪️إذا نزلَ بكَ مرض عضالٌ، تذكَّرْ أن أنَّاتِ المريض مع الرضى بقدرِ الله تعدل تسبيح الذاكرين، وأنها مجرد أيام ستمضي، وتخيَّل النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول لك: اصبرْ حتى تلقاني على الحوض!

▪️إذا خُلِعَ الحجاب من حولك، وكثُر التبرج طمعاً في العريس تارةً، وإظهار الجمال تارةً أخرى، فلا تفقدي إيمانك، العريس رزق، وكل إنسان سيأخذ رزقه رغماً عن هذا العالم، فتمسكي بحجابك، وتزيني بعفتكِ، وتخيلي النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول لكِ: اصبري حتى تلقيني على الحوض!

▪️إذا ظلمكم الأقربون، وهجركم المحبون، وقيل فيكم ما ليس فيكم، فتذكَّروا أن الناس قد قالوا عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: كذاب، وساحر، ومجنون!
فأين نحن منه كي نسلم من الناس، عزوا أنفسكم أنكم المظلومين لا الظالمين، والمفترى عليهم لا المفترين، وكلَّما ضاقتْ، تخيلوا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول لكم: اصبروا حتى تلقوني على الحوض!

~~منقول

أم حذيفة
06-09-2020, 02:49 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

4️⃣7️⃣

✍جمرة من نار!

🌴 رأى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم خاتماً من ذهبٍ في يدِ رجل من الأنصار، فنزعه من يده، ثم طرحه أرضاً وقال: "يعمدُ أحدكم إلى جمرةٍ من نارٍ فيجعلها في يده"!
فقِيل للرجلِ بعد أن مضى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: خُذْ خاتمكَ انتَفِعْ به!
فقال: لا واللهِ لا آخذه أبداً وقد طرحه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم!

🍃درسٌ عظيم من دروسِ الدعوةِ إلى الله تعالى، يقابله درس عظيم في الاتِّباع!
قارِنوا بين موقف النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع الأعرابي الذي جاء من الباديةِ وبَالَ في المسجد، فنهرَه الصحابة، فأمرَهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يترفَّقوا به، ولا يرفعوا أصواتهم في وجهه، وبين موقفه من الأنصاري الذي اتخذ خاتماً من ذهب!

▪️إنَّ الفارق بين التصرفين ليس بسبب التفاوتِ بين الفعلين، ولا يستنتج من الموقفين أنَّ التبوُّل في المسجد أمرٌ يسير، وأنَّ خاتمَ الذهب للرجال كبيرةٌ من الكبائر، وإن كان محرَّماً بلا خلاف! وإنما الفارق بسبب الشخص الذي ارتكب المخالفة، فالأول أعرابي جاهلٌ، جاء من البادية لا يعلم من هذا الدين شيئاً، وتصرَّفَ بسبب عادته ومألوفه، أما الثاني فمن أهلِ المدينة، ومن الصحابة، وقد عَلِم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن الرِّفق بالأعرابي لحداثةِ إسلامِهِ أصلح لحاله، وأن الحزم مع الأنصاري لنيله شرف الصحبة، ومعايشةِ أهل الإيمان أصلح لحالِه!

🔸صحيح أن الرفق مطلوب مع الجميع، وقد كان عليه السَّلام رفيقاً بأصحابه، ولكنها حادثة مفردة، أراد فيها أن يعلمنا أن العتب على قدر المحبة، واللوم على قدر الإيمان والسَّابقة، وأن الناس لا يعالجون بدواء واحد!

🔸هذا درس الدعوة، أما درس الاتباع فهو امتناع الأنصاري عن أخذِ الخاتم وبيعه بعد أن طرحه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم من يده، مع أن الحُرمة في لبس الخاتم وليس في بيعه، ولكنه كره لعظيم إيمانه أن يلتقطَ خاتمه وقد رماه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

▪️يا لحلو الاتباع، وجمال الانصياع والتسليم لأمر النُّبُوَّة!
لقد كرهَ أن يأخذَ خاتماً ألقاه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع أن أخذه حلال كما تقدَّم، فهل كرهنا نحن ما ألقاه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم من أخلاق وتصرفات وهي حرام!
▪️لقد طرح الرِّبا أرضاً وهو حرام فهل تركناه، وقلنا سمعاً وطاعة فإن الحلال يُشبع وإن قلَّ، وإن الحرام لا يكفي وإن كثُر!
▪️لقد طرح قطعَ الرَّحم، فهل وصلْنَا أرحامنا، وتغاضينا مرةً وتجاهلنا مرةً كي يستمر الود، لأن هذا خلق الأنبياء وقد "أسرَّها يوسف في نفسه ولم يُبدها لهم"!
▪️لقد طرح عقوق الآباء والأمهات، فهل بَرَرْناهم، وتذكَّرنا أن الوالد أوسط أبواب الجنة، وأن أحق الناس بحسن الصحبة الأم، وقد قِيل للحسن البصري: أيختصم المرءُ مع أبويه؟ فقال: ولا مع أحذيتهما!

▪️لقد طرحَ الإساءة إلى الجار، فهل كُنَّا خير جيرانٍ لجيراننا وتذكرنا أنَّ جبريل عليه السلام ما زال يُوصي النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالجار حتى ظنَّ أنه سيُورِّثه!
ما سُمِيَ الإسلام إسلاماً إلا لأنه مشتقٌّ من الاستسلام لأمر الله وأمر رسوله، فهل قُلنا سمعنا وأطعنا؟!
منقول

***

أم حذيفة
06-16-2020, 12:15 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

4️⃣8️⃣

وأنتَ صحيح شحيح!


🌴جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول الله، أيُّ الصَّدقة أعظمُ أجراً؟
فقال له: أن تتصدَّقَ وأنتَ صحيحٌ شحيحٌ، تخشى الفقرَ وتأملُ الغنى، ولا تُمْهِلْ حتى إذا بلغت الحُلقوم، قُلتَ: لفُلانٍ كذا، ولفُلانٍ كذا، وقد كان لفُلان!

🔸اِشبعوا من العباداتِ وأنتم في كاملِ الصحةِ والعافيةِ قبل أن يُحالَ بينكم وبينها!
تلذَّذوا بالسجود وأنتم أقوياء، ضعوا جِباهكم الشابة على الأرضِ له، قبل أن يجلسَ أحدُكم على كرسيٍّ ولا يستطيع من السجود أكثر من أن يحني رأسه إلى الأمام قليلاً! صحيح أن السُّجودين يقبلهما الله، ولعلَّ ساجداً على كُرسيه، قد سجدَ قلبه وكل عضو فيه، ولكنَّ العبادة في حال القوة أحب إلى الله، فالمرض يكسرُ الإنسان، ويُقرِّبه إلى الله بالفطرة، أما القوي الذي يختار أن يسجد فكأنه جاء يقول لربه: سجدَ لكَ هذا الرأسُ على ما فيه من مشاغل، وخشعَ لك هذا القلبُ على ما فيه من أهواء!

🔸تلذَّذوا بالحج وأنتم أقوياء، طوفوا على أقدامكم، واسعوا بين الصفا والمروة، واَسرِعوا الخطى حيث أسرعتْ أمنا هاجر خطاها، وارجموا بأيديكم، قبل أن يجلسَ أحدكم على كرسي مدولب يطاف به حول الكعبة، ويسعى به بين الصفا والمروة، ويُوكِّل فلاناً وفلاناً ليرجم مكانه! صحيح أن اللهَ يقبلُ العبادةَ من العبد على حسب قدرته، وربما طائفٌ على كرسي وكل أعضائه تطوف حباً وخِشيةً، ولكن لذة العبادة عن قوة، وأن يُؤدِّيها المرءُ بنفسه لا يعدِلُها شيء!

🔸اِشبعوا من الصيام وأنتم أقوياء، قبل أن يباغتَكم العُمر والضغط والسكري وقرحة المعدة فتدفعون الكفَّارات وتتمنَّون أن يرجعَ بكم العُمر لتصوموا حتى النوافل! صحيح أن الله يقبل من المسلم الكفارة رحمة منه، ولكن أن يحال بين العبد والطاعة دون أن يشبع منها في شبابه وقوته شعور مُوجع جداً، مُخطئٌ من يعتقد أن المُسنَّ الثريَّ ارتاح واستراح والكفارة لا تُكلِّفه شيئاً، واللهِ إن في قلوب المسلمين المرضى الذين حُرموا الصوم حرقة!

🔸تلذَّذوا بالصَّدقة وأنتم أقوياء، ألف راتب لو شئت أن تُنفقه لما كفاك، متطلبات الحياة كثيرة، وكمالياتها أكثر، وكل شيء يذهب وتبقى الصدقة، عوِّد نفسك أن تقتطع من راتبك ولو شيئاً يسيراً، وسمِّه مال الصدقة كما تقتطع من راتبك وتُسميه مال الكهرباء، ومال فاتورة الهاتف، ومال البقالة! لا تكن جامع مال يأخُذه الورثة بعدكَ وتحاسب عليه وحدكَ! لا تنتظر لحظة العجز والنوم على فراش آخر العمر، حيث لم يعد المال يلزمك كثيراً ثم تقول اعطوا فُلاناً وفُلاناً، صحيحٌ أن الله يقبل الصَّدقة على أيِّ حال ولكن شتَّان بين من يتصدَّق رغم أنه يحتاج هذا المال لشيءٍ من الكماليات وبين من وصل إلى آخر العمر ثم استفاقَ على نفسه!
منقول

~~~~

أم حذيفة
06-19-2020, 11:14 PM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

4️⃣9️⃣

✍فقالوا: مُراءٍ!

🌾لمَّا نزلتْ آية الصَّدقة، اجتهدَ الصحابةُ في الإنفاق، فجاءَ رجلٌ فتصدَّقَ بشيءٍ كثير.
فقال بعض الناس: هذا مُراءٍ!
وجاءَ رجلٌ آخر فتصدَّقَ بصاعٍ.
فقال بعض الناس: إنَّ الله غنيٌّ عن صاعِ هذا!
فنزلَ قولُ اللهِ تعالى: "الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخرَ الله منهم ولهم عذابٌ أليم"!

🔸يبدو أنَّ بعض الأشياء لا تتغيَّر على ظهرِ هذا الكوكب، في كلِّ مجتمعٍ سنجدُ فئةً لا عمل لها إلا التَّنظير الفارغ، والدُّخول في نوايا الناس، عيَّنوا أنفسهم قُضاةً على خلق الله، وجلسوا يُصدرون الأحكام، ويُوزِّعون الناس على الجَنة والنار، وهؤلاء لو أردتَ أن تنتقدَهم فإنك تحتار من أين تبدأ!

▪️الشابُّ الذي يرتادُ المساجد عندهم مُعقَّد، والذي لا يذهب إلى المساجد مُنحلّ!

▪️الفتاةُ التي تلتزمُ الحجاب الشرعي عندهم جاهلة بالموضة و"دافنة نفسها"، والفتاة التي لا تتحجَّب عندهم لا تعرف الله!
▪️الذي يُقيم موائد الإفطار عندهم شخصٌ يُحبُّ الظهور، والذي لا يُقيمها بخيل!
الذي يقضي وقتاً طويلاً في بيتِه مع عائلتِه عندهم مُنطوٍ وغير اجتماعي، والذي يخرجُ كثيراً مُهملٌ لبيته!

▪️التي تصنعُ الحلويات في منزلها عندهم بخيلة، والتي تشتري الحلويات من المحلات عندهم مُبذرة!
🔸هكذا هم يبحثون في كل فضيلةٍ عن رذيلة هي في أنفسهم!
▪️إذا استمعَ الشابُ لكلامِ أبويه قالوا ضعيف الشخصية!
▪️إذا التزمتْ الفتاةُ بيتها قالوا "دقة قديمة"!
▪️إذا عملَ أحدٌ بوظيفتين ليكفي نفسه ويستغني عن أمثالهم قالوا: أكلتْهُ الدنيا!

▪️إذا بكى إمام في الصلاة قالوا: مُمثلٌ بارع!

👈🏻أمثال هؤلاء على الإنسان أن يهربَ منهم ومن مجالسِهم كما يهربُ من الطاعونِ والجربِ والجُذامِ، لأن حالهم كحالِ جحا وابنه مع الناس!
ركبَ جحا وابنه حماراً لهما، فقالوا: يا للحمار المسكين يركبه اثنان!
أنزلَ جحا ابنه وبقيَ هو راكباً، فقالوا: يا للأب القاسي، يركبُ ويتركُ ابنه يمشي!
نزل جحا وأركبَ ابنه، فقالوا: يا للولد العاق يركبُ ويتركُ أباه يمشي!
فقررا أخيراً أن يمشيا ويجرا الحمار، فقالوا: مجنونان معهما حمار ويمشيان!
منقول

~~~

أم حذيفة
06-21-2020, 01:52 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

5️⃣0️⃣

✍فإن لهم ذمةً ورحماً!

🌾لو رأيته يوم حاصرَ الأحزابُ المدينةَ، وضاقتْ على المسلمين هذه الأرض بما رحبت، وصاروا بين فكي كماشة: أعداءُ الخارجِ الذين توحدوا ضدهم، وعدوُّ الداخلِ الذي ينقضُ عهدَه في كل مرةٍ! كيف كان يبشِّر أصحابه بفتحِ بلاد فارس والروم، لقُلْتَ أية ثقةٍ باللهِ يملكُها هذا النبي، ثم انهزمَ الأحزاب، ودار الزمان، وفُتِحَتْ بلاد فارس والروم، "وما ينطقُ عن الهوى"!

🌿وعن الفتوحِ التي لن يشهدَها، قال لأصحابه: "إنكم ستفتحون مصرَ، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذِمَّةً ورحِماً، وفي روايةٍ أخرى ذِمَّةً وصِهراً!

👈🏻وأما الذِمَّةُ فهي الحُرمةُ والحقُ،
👈🏻 وأما الرَّحِمُ الذي قصدَه فَلِكَوْنِ هاجر أُم إسماعيل عليه السَّلام من مِصر، وأما الصِّهر فَلِكَوْنِ زوجته مارية من هناك!

▪️وٱنظُرْ لهذه العقيدة التي يُرسيها، إنه يجعل المؤمنين من عهدِ آدم عليه السلام حتى قيام السَّاعة عائلة واحدة! لأجل هاجر يُسمِّي بلداً كاملاً رحماً ويأمرُ بِصِلَتِهِ، ولأجل مارية يجعلُ ملايين الناس أَصْهُرة ويأمرُ بإكرامِهم! ولأجلِ عينٍ ألفُ عينٍ تكرمُ!

▪️ثم يأتيك من يقول: الإسلامُ امتهنَ المرأةَ وسلبَها حقوقها! وهل على الأرض دين يُكرمُ بلداً كاملاً لأجل امرأة واحدة!

▪️فإن كان قد أوصى أن يُكرَمَ أهل بلدٍ لأجلِ أنَّ زوجته منه، فهل أكرمْنا نحن أهالي زوجاتنا فقط اقتداءً بسنته، وعملاً بوفائه وحسن أخلاقه!
الحماةُ أمٌّ ثانيةٌ، والحمى أبٌ ثانٍ، وإكرامُهما وبِرُّهما خُلُقٌ رفيع، والإحسانُ إليهما من حسن العهدِ، وحسن العهد من الإيمانِ كما قالَ سيدُنا!


أما عن الزوجة، فٱنظُرْ لقيمتِها من خلال هذه الحادثة:

حجَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقصرَ الصلاةَ في مِنى، ثم حجَّ أبو بكرٍ فقصرَ الصلاةَ أيضاً، ثم حجَّ عُمر فقصرَ الصلاةَ كذلك، ولما حجَّ عُثمان بالناسِ أتمَّ الصلاة، فلمَّا سُئِل عن ذلك قال: يا أيُّها الناس لما قدمتُ تأهلتُ بها، وإني سمعتُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: "إذا تأهَّلَ الرجل ببلدةٍ فإنه يُصلي بها صلاة المقيم"!
وعلَّق الشنقيطي في أضواءِ البيان على هذا الحديث قائلاً: إذا تزوَّج المُسافرُ ببلدٍ، أو مرَّ على بلدٍ فيه زوجته أتمَّ صلاتَه، لأن الزوجة في حكم الوطن!
وهذا مذهب مالكٍ، وأبي حنيفة، وأحمد، وبه قال ابن عباس!
🌿هل يوجد دين على الأرض غير الإسلام الزوجةُ فيه وطن!

~~

أم حذيفة
06-22-2020, 12:40 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

5️⃣1️⃣

✍وإنما لكل امرئٍ ما نوى!

رجلاً هاجر من مكة إلى المدينة ليتزوج امرأة يقال لها: أم قيس كانت قد أسلمت، لا يريد بذلك فضيلة الهجرة فكان يقال له: مهاجر أم قيس


🌾وهذه القصة هي سبب حديث النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم الشهير: "إنَّما الأعمالُ بالنياتِ وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى، فمن كانتْ هجرتُهُ إلى اللهِ ورسولِهِ فهجرتُهُ إلى اللهِ ورسولِهِ، ومن كانتْ هجرتُهُ لدُنيا يُصيبُها أو امرأةٍ ينكِحُها فهجرتُهُ إلى ما هاجَرَ إليه"!

🍃لتكون العبادة مقبولة عند الله فلا بُدَّ أن يتحققَ فيها شرطان، فإن غابَ أحدهما صارتْ عبادةً باطلة، وهما: إخلاصُ النيةِ لله تعالى ومُوافقةُ العبادةِ للشَّرع. بمعنى من صلَّى الظُهر خمس ركعات وهو في نيته ينوي أن يتقرَّبَ إلى الله لم تُقبلْ صلاته فرغم صلاح النية إلا أن الصلاةَ هذه بركعاتها الخمس مُخالِفةٌ للشريعة! ومن تصدَّقَ على إنسان يُريدُ أن يُرِيَ الناس أنه مُتصدق لم تُقبل صدقته، فهذا وإن وافق عمله ضوابط الشريعة إلا أن نيته ليستْ خالصة، وعليه قِسْ كل العبادات والأعمال!

🍃ومن عظيم أمر النيّة أنه قد يبلغ العبد منازل الأبرار ، ويكتب له ثواب أعمال عظيمة لم يعملها، وذلك بالنيّة ، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما رجع من غزوة تبوك : ( إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيراً ، ولا قطعتم وادياً ، إلا كانوا معكم ، قالوا يا رسول الله : وهم بالمدينة ؟ قال : وهم بالمدينة ، حبسهم العذر ) رواه البخاري

⚡وهنا بيت القصيد: لكل امرئٍ ما نوى!
حتى الملائكة لا تعلم النوايا، وحده الله سبحانه يرانا من الداخل، وحده يعلمُ الغايةَ من وراء الفعل، ونحن لم نُؤْمرْ بأكثر من أن نحكمَ على الناسِ بالظاهرِ ونتركَ السرائرَ لربِّ السرائرِ!
▪️ يذهبُ اثنان إلى المسجد للصلاة، أحدهما يُريدُ وجه الله، والآخر يُريدُ أن يراه الرَّجل الذي ينوي بعد أيام أن يخطبَ ابنته، ولكلِّ امرئٍ ما نوى!

▪️يذهبُ اثنان إلى زيارة مريض، أحدهما يُريدُ وجه الله، لا مصلحة له ولا غاية، والآخر يُريدُ ثمن هذه الزيارة، واسطة إن كان مُتنفِّذاً، وصدقة إن كان غنياً، ولكلِّ امرئٍ ما نوى!

▪️يعزمُ اثنان أقاربهما على مائدةِ طعام، أحدهما يُريدُ صلةَ الرَّحم، وتأليفَ القلوب، وجمعَ العائلة، والآخر يُريدُ أن يتفاخرَ ببيته وماله، اشتركا في الفعل واختلفا في النية، ولكل امرئٍ ما نوى!

👈🏻ومن قبل هذا بآلاف السنوات، أرادتْ زُليخة يُوسف عليه السلام لنفسها، فاستعصمَ، ثم فرَّ يجري نحو الباب ليهربَ بعفته ودينه، وقامتْ هي تجري وراءه تُريدُ أن تُرجعَه إليها، لقد "استبقا الباب" كلٌّ يجري إليه، ولكن لكل واحد منهم نيته، أحدهما يهربُ من المعصية، والآخر يركضُ إليها، فتذكر دوماً، النوايا مناطُ الأعمالِ، ولكل امرئٍ ما نوى!
_____
___

أم حذيفة
06-23-2020, 02:15 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

5️⃣2️⃣

✍اِرمِ فداكَ أبي وأمي!

🌾كان سعد بن أبي وقاص(سعد بن مالك) من أرمى الصحابةِ بالقوسِ، ولمّا كان يوم غزوة أُحُد، رأى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم رجلاً من المُشركين قد أثخنَ بالمُسلمين، وقتلَ منهم، فتناولَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم سهماً من كِنانته، وأعطاه لسعدٍ وقال له: اِرمِ فداكَ أبي وأمي!
فأخذ سعدٌ السَّهم، ووضعه في قوسه، ورمى به الرَّجُلَ المشركَ، فأصابه قُربَ قلبه فسقطَ ميتاً

🌿ما جَمع رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، أَبَوَيْهِ لأَحَدٍ، غيرِ سَعْدِ بنِ مَالِكٍ، فإنَّه جَعَلَ يقولُ له يَومَ أُحُدٍ: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي.

🌳يُعلمنا النبيُّ صلَّى الله
عليه وسلَّم أن نأخذَ بالأسباب، فيوم أُحُدٍ لبسَ درعين لا درعاً واحداً، رغم أنه أكثر أهل الأرض يقيناً أن هذه الدروع لن تحميه من الموت لو أنَّ الله سُبحانه قدَّر له أن يموتَ يومها، ولكنه كان يأخذ بالأسباب كأنها كل شيء، ويعتمدُ على الله كأن الأسباب لا شيء!

🌳 وٱنظُرْ إليه كيف يأخذُ سهماً من كنانته ويُعطيه سعداً، لم يجلسْ يومها في خيمته، بل كان في قلبِ المعركة،
▪️ وهذه رسالةٌ عظيمةٌ لكل قائدٍ في مجاله، للمُديرِ في شركته أن اِنزلْ إلى الأرض، وتابعْ أمورك بنفسك عن قُرب!
للوزير أن لا تعرف عن الناس ما يصلك من تقاريرِ معاونيكَ فقط، شاهِدْ كيف تجري الأُمور بنفسك، التقِ مع الناس واسمعْ منهم!

▪️للآباء أن ينزلوا من أبراجهم العاجية قليلاً، ساعِدْ زوجتك في المطبخ، حُلَّ لولدٍ فرضاً، اروِ لبنتٍ قصةً، علِّمْ طفلاً سورةً من القرآن، الأبُ ليس جامع َمالٍ فقط، وما يحتاجه الأولاد أكثر من مسكنٍ ورغيفٍ، ثمة فرق شاسع بين التربيةِ والإعالةِ!

👈🏻درسٌ نبويٌّ آخر، لقد أعطى السَّهم لسعدٍ لِمَا يعرفه عنه من مهارةٍ في الرَّمي، حتى في خِضَمِّ المعركةِ كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يضعُ الرجل المناسب في المكان المناسب، السَّهمُ لأفضل رامٍ، وقيادةُ الجُند لحمزة أفضل من يعرفُ شؤون الحرب من الصَّحابة، هذه الأُمَّة لن تستعيدَ مجدَها حتى تضع الرجل المناسب في المكان المناسب!

▪️التشجيعُ والتحفيزُ يُخرجُ أفضل ما في الناس، تماماً كما أن الانتقاد الفارغ واللوم الدائم يُصيبهم بالإحباط، ويقتلُ فيهم مهاراتِهم ومبادراتِهم للإبداع!
اِرمِ فداك أبي وأمي! كلمةٌ تقولها العربُ للتحبُّبِ والتشجيعِ والتقرُّبِ، ورغم أن الوقت وقت حرب، والمعركة على أشُدِّها، لم ينسَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يشجِّعَ أصحابه، فلِينُوا، وشجِّعوا، وحفِّزوا، يُعطيكم الآخرون أقصى قدراتهم!

~~

أم حذيفة
06-24-2020, 01:23 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

5️⃣3️⃣

✍ما لكِ يا أم السائب؟!

🌳 دخلَ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم على أمِّ السائب في مرضِها فقال: ما لكِ يا أُمَّ السائب تُزفزفين/تتحركين حركةً شديدة؟!
فقالت: الحمى، لا بارك الله فيها!
فقال: لا تسُبِّي الحمى فإنها تُذهِب خطايا بني آدم كما يُذهِبُ الكيرُ خبث الحديد!

🌳ودخل النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على أعرابيٍّ يعوده، فقال له: لا بأس، طهور إن شاء الله.
فقال متعجباً: طهور! كلا بل هيَ حمى تفور، على شيخ كبير، تُزيره القبور
فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: ((فنَعَمَ إذًا))؛ يعني: أرشَدْتُك بقولي: لا بأسَ عليك إلى أنَّ الحُمَّى تُطهِّرك وتنقِّي ذنوبك، فاصبِر شكرًا عليها، فأَبَيْتَ إلَّا اليأسَ والكُفْران، فكان كما زَعَمْتَ، وما اكتفَيتَ بذلك؛ بل رَدَدتَ نِعمةَ الله؛ قاله غَضبًا عليه.

👈🏻إنَّ الله سبحانه وتعالى من رحمته يبتلي المسلمَ بالمرضِ لأحدِ

أسبابٍ ثلاثة:
▪️الأول: أنه يُريدُ أن أن يُكفِّرَ عنه خطاياه التي عملها حتى يقدمه عليه نقياً مستحقاً برحمته دخول الجنة بلا سابقة حساب ولا عذاب!

▪️الثاني: أنه يراه قد ابتعدَ عنه، فيَبتليه بالمرضِ ليرققَ قلبه ويُعيده إليه، فإن الإنسان إذا مرضَ انكسرَ وآبَ حينها يرفعُ عنه ما هو فيه، وللهِ المثل الأعلى ألا ترى أنَّ الراعي إذا شردتْ إحدى أغنامه عن القطيع رشقها بالحجارة فإذا عادتْ إليه أمسكَ الرَّجم عنها؟!

▪️الثالث: أنَّ الله سُبحانه قد يكون خلقَ لعبدِه المُسلم مرتبة عاليةً في الجنةِ لا يبلُغها بعمله في الدنيا فيبتليه بالمرض ليرفع درجته ويستحقَّ ما خُلق له!

🍃أحسِنوا الظنَّ باللهِ، وآمنوا إيماناً لا يُخامره شكٌّ أن اللهَ سُبحانه غني عن عذابنا، وأنه أرحم بنا من أمهاتنا، فتأدَّبوا في بلائكم، توجَّعوا بالحمد، وزيِّنوا الأنين بالاستغفار وابحثوا في أنفسكم عن أحد الأسباب الثلاثة!

⚡إن كان لكَ ذنوبٌ ولا أحد منا إلا وله فقُلْ يا ربِّ لكَ الحمد إذ تُطهِّرني مما اقترفته، فإن بعض الدواء مُر!

⚡وإن كنتَ ابتعدتَ بعد قُربٍ، فقل يا رب لكَ الحمدُ، ابتعدتُ عنك فلم تزهدْ بي وتُريدني أن أرجع، ها قد عدتُ!

⚡وإن لم يكُن لك لا هذا ولا ذاك، ورأيتَ المرض أكبر من خطاياك وابتعادك، فقل له لك الحمد ربي، ظني بكَ أنكَ قد خلقتني لمرتبةٍ في الجنة لم يبلُغها عملي فأردتَ أن تجبرَ تقصيري لأنالَها!

أم حذيفة
06-26-2020, 03:01 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

5️⃣4️⃣

✍فإني أتكشَّف!

🌾قال عبد الله بن عباسٍ لتلميذه عطاء بن أبي رباح: ألا أُريكَ امرأةً من أهل الجَنَّة؟!
فقال: بلى!
قال: هذه المرأة أتَتِ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقالت: يا رسول الله، إني أُصرَعُ، وإني أتكشَّفُ، فادعُ اللهَ لي!
فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجَنَّة، وإن شئتِ دعوتُ اللهَ أن يُعافيكِ!
فقالتْ: بل أصبر، ولكني أتكشَّفُ! فادعُ اللهَ ليَ أن لا أتكشَّف!
فدعا لها.

👈🏻كانتْ المرأةُ تُعاني من نوبات الصرع، فإذا أصابتْهَا النوبة سقطتْ أرضاً، ربما وهي في لحظةِ غيابِ وعيٍ سقطَ حجابها عن رأسها أو انكشف شيء من عورتها، فجاءتْ إلى طبيبِ القلوبِ والأبدانِ تسأله الدُّعاء، فخيَّرَها بين الشفاء فوراً، وبين أن تصبرَ والعوض الجنة، فاختارتْ الجنَّة على الفور!
▪️وهذه حادثةٌ مخصوصةٌ بهذه المرأة، فليس للمريض أن يقعدَ في بيته ولا يطلب الشفاء عند الأطباء احتساباً للأجر، فالنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم تداوى وأمرَ بالتدواي، ولكنه عرضٌ لا يُفوَّتْ، وكانتْ المرأة حاذقة فعلاً، فاختارتْ الحياة الباقية، على الحياةِ الفانيةِ التي سيزول نعيمها أو شقاؤها بالموت!

👈🏻ولكني أتكشَّف! هنا مربط الفرس
لقد هانَ على المرأة نوبات الصَّرع ولكنه لم يَهُنْ عليها أن يسقطَ حجابها عن رأسها أو أن تنكشفَ عورتها، فما بال نساء المسلمين قد زهدنَ بالحجاب فسرَّحنَ شعورهن للناظرين من غير صرع! وكشفنَ الرقابَ والسواعدَ من غير مسٍّ، ولبسنَ ما تعرفون جميعاً اتباعاً للموضة، لماذا هانتْ المرأة على نفسِها عند هذا الحد؟!
هذا بالنسبة إلى غيرِ المُحجبات، أما عن حجاب التبرُّج فحدِّث ولا حرج!
▪️الحجابُ ليس تغطية للشعر فقط، فأنتِ لستِ طباخة تخافُ أن يسقطَ شيء من شعرها في الطعام، ولستِ طبيبة وضعتْ قبعةً على رأسها في غرفة العمليات كضرورةٍ من ضروراتِ التعقيم، حتى صرنا لا نجد فرقاً بين المُحجبة وغير المُحجبة في اللباس إلا قطعة القماش التي تُغطي بها شعرها!

▪️الحجابُ لباس ساتر للجسد لا يَصِف ولا يَشِف وأي شرط يسقطُ فهذا ليس حجاباً، إنها عبادة هوى، تُشبه أن يُصلي المرءُ الظهرَ ثلاث ركعات! العباداتُ تكون وفق ما جاء به الشرع، أما تغطيةُ الشعرِ برقبةٍ مكشوفةٍ، أو بنطلونٍ ضيقٍ، أو كنزةٍ تُظهر المفاتن أكثر مما تسترها فهذا حجاب موضة وليس حجاب التزام!
▪️أما عن عُطور بعض المُحجبات ومساحيق التجميل فحدِّث ولا حرج!
▪️اتقوا الله في أنفسِكن، وفي الشباب، وفي هذا الدين الذي تحمِلْنَه فإنكنَّ قُدوات، وتخيلنَ لو أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم رأى إحداكُنَّ في حجاب الموضة هذا فماذا سيقول لها؟!

أم حذيفة
06-29-2020, 12:29 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

5️⃣5️⃣

✍ نافق حنظلة!

🌾خرجَ حنظلة بن الربيع من بيته ضَجِراً، فلَقِيَهُ أبو بكر الصديق في الطريق وسأله: كيف أنتَ يا حنظلة؟
فقال: نافق حنظلة!
فقال له أبو بكر: سبحان الله، ما تقول؟
قال: نكون عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُذكرنا بالجنة والنار كأننا نراها رأي العين، فإذا خرجنا من عنده عافسنَا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً!
فقال أبو بكر: فواللهِ إنَّا لنلقى مثل هذا!
فانطلقا حتى إذا أتيا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال له حنظلة: نافقَ حنظلة يا رسول الله!
فقال له: وما ذاك؟
قال: نكون عندكَ تُذكرنا بالجنة والنار كأننا نراها رأي العين، فإذا خرجْنا من عندك عافسْنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً!

🌳 فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي لصافحتْكُم الملائكة في الطرقات، لكن يا حنظلة ساعة وساعة!

▪️تفقَّدْ قلبكَ، راقبْ دوماً مِقدارَ الإيمان والخشية فيه، تعظيمَه لحُرُماتِ الله، رأفتَه ورقتَه على خلق الله، انصياعَه للحق، حبه للدين وأهله، وكراهيتَه للكُفر وأهله، ما خرجَ حنظلة من بيته ضَجِراً إلا لأنه تفقَّدَ قلبَه فلم يجدْهُ ذاك القلب الذي يجدُهُ عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم! يعز على المؤمن أن يتراجع في الطريق إلى الله، يؤلمه النوم كل الليل بعد أن كان يقوم منه شيئاً، ويحز في قلبه أن تفوتَه صلاة الفجر في المسجد وقد كان من أهلها، يُزعجه أنه لم يعد سابقاً للخيراتِ كما كان!
تفقَّدْ قلبَكَ ولا تركنْ إلى ماضيك المشرق في الطاعة، فكم من قدمٍ زلَّتْ بعد رسوخِها، وكم من جبهةٍ فترت بعد طول سجود، فإن العبرة بالخواتيم!

▪️ساعة وساعة أي أن المُسلم يستحيلُ أن يبقى على وتيرةٍ واحدةٍ من العبادة، ثمة حياة عليها أن تمضي قدماً، هناك وظيفة وأكل عيش، وهناك زوجة وأولاد، وهناك أقارب وأصدقاء وجيران، وزيارات ومناسبات وهذا شيء طبيعي ومفهوم، هذا هو معنى ساعة وساعة
▪️وإنها لا تعني أن تكون ساعة لربك وساعة لشيطانك!
ساعةٌ في المسجد وساعةٌ في الملهى الليلي، وساعةٌ بثوبِ الصلاة وساعةٌ متبرجة متعطرة، ساعةٌ تتصدَّقُ وساعةٌ تأكل الربا، ساعةٌ مع صحبةٍ صالحةٍ وساعة مع صحبةٍ فاسدةٍ!
ساعةٌ وساعة تعني أن لا تكون في عبادة ولكنك في المُباح لا في الحرام! وحتى المباح الذي تحتسبه عند الله هو عبادة،
👈🏻فزيارةُ القريبِ بنية صلة الرحم عبادة، وتحصيلُ الرزقِ بنية أكلِ الحلال والكفِّ عن سؤال الناس عبادة، هذا الدين العظيم
جعلك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فم امرأتك

أم حذيفة
07-01-2020, 10:59 PM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

5️⃣6️⃣

✍ما شأن ثابت؟

🌾كان ثابتُ بن قيس جهوري الصوت، فلمَّا نزلَ قولُ الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعضٍ أن تُحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون" حَسِبَ أنَّه المعنيُّ بالآية شخصياً، فاعتزلَ الناس وجلسَ في بيته، وقال: أنا من أهل النار!
ثم إن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم افتقدَه، فسألَ سعدَ بن معاذٍ عنه، فقال له: يا أبا عمرو، ما شأنُ ثابت؟ أشْتَكى/هل هو مريض؟
فقال له سعد: إنَّه لجاري، وما علمتُ له بشكوى!
فذهبَ سعدٌ إلى بيتِ ثابتٍ يُخبره بسؤالِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عنه، فقال له ثابت: أُنزلتْ هذه الآية، وقد عَلِمْتُم أنِّي أعلاكم صوتاً على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأنا من أهل النار!
فذكرَ سعدٌ ذلك للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: بل هو من أهل الجنة!

▪️السؤال: كم مرةً قرأنا القرآن وشعرنا أن الآيات تُخاطبنا شخصياً؟!
▪️هل مررْنا بآيةٍ تحثُّ على التوبة فشعرنا أنَّ الله سبحانه كأنما يقول: يا فلان تُبْ!
▪️هل مررْنا بآيةٍ تحثُّ على الصدقة والإنفاق فشعرنا أن الله سبحانه كأنما يقول: يا فلان تصدَّق!
▪️هل مررْنا بآيةٍ تحثُّ على صِلة الرحم فشعرنا أن الله سبحانه كأنما يقول: يا فلان صِلْ رحمك!
▪️هل مررْنا بآيةٍ تحثُّ على برِّ الوالدين فشعرنا أن الله سبحانه كأنما يقول: يا فلان برَّ والديك!
هذا هو الفرق بيننا وبين الصحابة، كانوا يتعاملون مع الآيات كأنما هي خطابٌ شخصيٌ من الله إلى أحدِهم!

🌿وٱنظُرْ لخُلُقِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم
كيف افتقدَ صاحبه فسأل عنه: ما شأن ثابت؟
لقد ظنَّ أنه انقطع عن مجلسه لمرضٍ نزلَ به!
فهل تفقَّدْنا بعضنا كما كان يفعل مع أصحابه!
عندما تغيَّبَ قريبٌ لنا عن مُناسبةٍ اجتماعيةٍ لم يكن من عادتِه أن يتغيَّبَ عنها، هل سألنا عنه، أو طرقنا بابه لنعرف سبب غيابه!
هل غابَ زميل عملٍ فاتصلنا به نسأله ونطمئن عليه!
هناك تصرفات بسيطة تُشعر الناس بالدفء!

👈🏻وٱنظُرْ لخُلُقِ سعد بن معاذ، عندما سأل النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عن ثابت، ذهبَ مُباشرة إلى بيتِ ثابت يُخبره أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يفتقده ويسأل عنه!
مشكلتنا هذه الأيام أنه لو ذكرَ أحدٌ أحداً في غيابه بسوءٍ لوَجَدَ أشخاصاً كُثُر يحملون هذه الإساءة ويُبلِّغونها إلى المعني بها، ولكن إذا ذكرَ أحدٌ أحداً بخيرٍ ربما لم تجد ذلك الذي يُبلِّغ الخير إلى صاحبه!
إن لم تستطع أن تكون حامل المسك فلا تكُن نافخ الكِير!

••••••••

أم حذيفة
07-05-2020, 01:23 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

5️⃣7️⃣

✍فلا جهاد عليك!

🌾كان عمرو بن الجموح رجلاً أعرج شديد العرج، وكان له أربعة أولادٍ كالأُسود شجاعةً وإقداماً شهدوا مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بدراً.
فلما كانت غزوة أُحدٍ وأرادوا الخروج في جيش المسلمين أرادوا حبسه، وقالوا له: إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد عذركَ.
فأتى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وقال له: إنَّ بَنِيَّ يُريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه، والخروج معك فيه، واللهِ إني لأرجو أن أطأَ بعرجتي هذه في الجَنَّة!
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أما أنتَ فقد عذركَ الله، فلا جِهاد عليكَ.
وقال لأولاده: ما عليكم أن لا تمنعوه، لعلَّ الله أن يرزقَه الشَّهادة!
فأذِنوا له بالخروج فخرج، وفي الطريقِ قال للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أرأيتَ إن قاتلتُ في سبيل اللهِ حتى أُقتل، أمشي برجلي هذه صحيحةً في الجنة؟!
فقال له: نعم!
فقُتِلَ يوم أُحُد، فمرَّ عليه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو بين القتلى وقال له: كأني أنظُرُ إليكَ تمشي برجلكَ هذه صحيحةً في الجَنَّة!

▪️يا لها من بطولةٍ يا عمرو بن الجموح، تخرج للجهاد وقد تخلَّفَ كثيرٌ من الأصِحَّاء، يا له من درسٍ بليغٍ مفاده: سِرْ إلى الله على أيَّةِ حالٍ كنت! لا تدعْ شيئاً يُكبلك، تحاملْ على نفسك فإنها أيام تمضي والموعد الجنة إن شاء الله!

▪️من أكثر ما يُدني الناس من الجَنَّة فعل الخير طلباً لرضى الله ولو لم يفعلوا عذروا ولم يلُمْهُم أحد!
▪️البطن الجائع الذي تطعمه وليس بينك وبينه قُربى ولا رَحِم تبتغي بذلك وجه الله خطوة إلى الجنة!
▪️والخلافُ الزوجيُّ الذي تُنهيه وليس بينك وبين الزوجين قربى ولا رَحِم تريدُ بهذا الصلح أن تجمعَ الأُسرة، وتحفظَ الأولاد من الضياع تبتغي بذلك وجه الله خطوة إلى الجنة!
▪️الحقُّ الذي تُحاول أن تعيدَه لأصحابه لا ناقة لكَ ولا جملٌ فيه تبتغي بذلك وجه الله هو خطوة إلى الجنة!
▪️الولدُ العاق الذي تُعيدُه إلى بِرِّ أبيه ولا يربطك بالاثنين رَحِم ولا قُربى خطوة إلى الجنة!

▪️المريض الذي تسعى في علاجه، والمسكين الذي تساعده في الحصولِ على عملٍ،

▪️والأرملةُ التي تغنيها عن سؤالِ الناس، كل هؤلاء خطوات إلى الجنة، وما تعبدَ الله بشيءٍ أحسن من الإحسان إلى خلقه!

••••••••••••

أم حذيفة
07-07-2020, 01:55 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

5️⃣8️⃣

✍ يا أم سلمة: ما شأن الناس؟

🌾 رأى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في منامه أنه يدخل هو وأصحابه مكة ويطوفون بالبيت، فلما أصبحَ أخبر الصحابة برؤياه، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً، فرؤيا الأنبياء حقٌّ، والحنينُ إلى مكة قبلتهم وموطنهم كان كالحسرةِ في قلوبِهم!

ومضى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى مكة في أربعةِ آلافٍ من أصحابه، وزوجته أم سلمة، ولما كانوا بالحُديبية، جرتْ المُفاوضات الشهيرة بين المُسلمين ووُفود قُريش، إلى أن جاءَ أخيراً سهيل بن عمرو، وتم عقد صلح الحديبية
▪️ وكان من شروطه أن تكون هناك هدنة بين الطرفين مدتها عشر سنوات، وأن يرجعَ المُسلمون عامهم هذا عن مكة ويرجعوا إليها في العام القادم، وأن يردَّ المُسلمون من جاءهم مُسلماً من قُريش وأن لا ترُدَّ قُريش من جاءها مُرتداً من المسلمين، وأن للعرب الخيار أن تدخلَ في حِلفِ المُسلمين أو في حِلفِ قُريش!

▪️رأى الصحابة أن في هذا الصلح إجحافاً كبيراً، وتملَّكتهم غضبة المؤمن الحق حين يغضب لله ورسوله، حتى أن عمر بن الخطاب قال للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ألسنا على حق وعدونا على باطل، فقال له: بلى. فقال عمر: فَلِمَ
نُعطي الدنية في ديننا إذاً؟!
ولكن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم المُؤيَّد بالوحي، والمُمتلئ ثقة بالله أن الحديبية هي أول خطوة في طريق فتح مكة، نادى في الناس قائلاً: يا أيُّها الناس انحروا، واحلقوا!
أي أنَّ الله قبل منهم عمرتهم، ولكن الصحابة لِحبهِم لله، وعزةِ أنفسهم، ما قام منهم أحد، فأعاد النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قوله، فما قامَ منهم أحد، فأعادَ قوله مرةً ثالثةً فما قامَ أحد!
👈🏻فدخلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على أُم سلمة وقال لها: يا أُم سلمة ما شأن الناس؟!
فقالت له: يا رسول الله قد دخلهم ما رأيتَ، فلا تُكلِّمَنَّ منهم إنساناً، واعمدْ إلى هديك فانحرْه، واحلِق، فلو فعلت ذلك، فعلوا مثلك!
فقامَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فلم يُكلمْ أحداً، فنحرَ هديه، وحلقَ رأسه، فلما رأوه، قاموا فنحروا وحلقوا!

🌿الشاهدُ في الأمرِ أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو المؤيد بالوحي، المحفوف بالتوفيق والعصمة، يستشيرُ زوجتَه في قضيةٍ سياسيةٍ ودينيةٍ شائكةٍ تخص الأُمة بأسرها، وعندما سمع نصيحتها عمل بها!
ليس في الأمرِ انتقاصٌ للرجولة أن يستشيرَ الرجلُ زوجتَه في مشاكلِه ومشاغلِه، على العكس تماماً هذا من الرجولة لأنه فعل سيد الرجال أولاً، كما أنه امتثالٌ للهَدْيِ النبوي.
▪️وما نسمعه من هادمي الأُسر، ومُقلِّلي شأن النساء، حين يقولون: شاوروهنَّ وخالفوهنَّ، ما هو إلا ذكورية مقيتة، لا تمت لا إلى الدينِ، والسنَّةِ، والمنطقِ في شيء!

أم حذيفة
07-14-2020, 12:44 AM
5️⃣9️⃣

✍العِيلة تخافين عليهم؟!

🌾كان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يتصدَّقُ على الفقراء بصدقاتٍ مهولة لدرجة أن سيِّدا شباب أهل الجنة الحسن والحُسين نصحاه أن يتصدَّق بقدر معقول، فقال لهما: لقد عوَّدني ربي عادةً وعوَّدتُ عِباده عادةً، فأخشى إن غيَّرتُ عادتي أن يُغيِّر الله عادته! ومعنى الكلام أنه كان كُلَّما تصدَّق زاد ماله فهو يخاف أن يُقلِّل من الصدقة فيقل مِقداره من الرِّزق، وما ٱستُعطيَ اللهُ سبحانه بشيءٍ أحسن من الصَّدقة!

يوم استشهد جعفر في مُؤْتة، جاءتْ أسماء بنت عميس زوجة جعفر بِولديه محمد وعبد الله إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهما طفلان صغيران، فأخذَهما منها، وعانقَهما وقال لها: "العِيلة/الفقر تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟!" ثم دعا لهما فقال: "اللهم ٱخلُفْ جعفراً في أهله، وباركْ لعبد الله في صفقةِ يمينه"! وقد ٱستُجيبت الدعوة المباركة، وكان عبد الله فاحشَ الثراء كثير الصَّدقة!

إنَّ صلاح الآباء هو تأمين على حياة الأبناء! هذا قانون الله في الكون، لا يتغيَّرْ ولا يتبدَّل، قانون سنَّه الله يوم خلقَ السماوات والأرض، وأثبتَه في كتابه العزيز حين قال: "وليخشَ الذين لو تركوا من خلفهم ذريةً ضعافاً خافوا عليهم فليتَّقوا الله وليقولوا قولاً سديداً"!

كيف يُضيِّعُ الله سبحانه أولاد جعفر الذي ترك الأهل والأحبة والوطن وخرج مهاجراً بدِينه إلى الحبشة، كيف يُضيِّع الله أول مُنافحٍ عن شرعه ودينه في بلاد الغربة عند النجاشي، كيف يُضيِّع الله شهيد مُؤْتة الذي قُطعت ذراعاه وما أفلتَ لواء التوحيد، لا أحد أوفى بعهدِه من الله، وإن عبد الله بن جعفر ثمرة وفاء الله تعالى لجعفر!

عودوا بالتاريخ معي حين أرسل َالله تعالى الخضرَ وموسى عليه السلام ليُقيما جدار ولدين يتيمين كي لا يضيع كنزهما لأنَّ أباهما كان صالحاً! أبَعْدَ هذا الوفاء وفاء؟!رجلٌ مجهولٌ لا نعرفه يُرسلُ الله إلى أولاده ولياً صالحاً وكليمه موسى ليُقيما لهما جداراً فقط لأنه كان صالحاً!

إذا أردتَ أن تحفظ أولادك، وتتركهم في رعاية الله وحفظِه، فكُنْ صالحاً، ثم لا تقلق فإن الله لا يُخلف الميعاد!
كان عبد الله بن مسعود يقوم الليل وابنه الصغير نائم، ينظرُ إليه ويقول: هذا من أجلكَ يا بُني ثم يقرأ: "وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمةً من ربك"!

أم حذيفة
07-16-2020, 01:10 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة


6️⃣0️⃣

✍ هذه سنتي!

🌾جاءَ ثلاثة رهط إلى بيوت أزواجِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يسألون عن عبادتِه، فلما أُخبروا بها فكأنهم رأوها قليلة، فقالوا: أين نحن من النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فقد غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه وما تأخَّر.
فقال أحدهم: أما أنا فإني أُصلي الليلَ كله ولا أرقد
وقال الثاني: أما أنا فإني أصومُ الدَّهرَ ولا أُفطِر
وقال الثالث: أما أنا فإني أعتزِلُ النساءَ ولا أتزوج
فلما جاء النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأُخبِرَ بالذي كان من الرِّجال الثلاثة، ذهبَ إليهم، وقال لهم: أنتم الذين قُلتم كذا وكذا؟
فقالوا: نعم يا رسول الله
فقال: أما واللهِ إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أُصلي وأرقدُ، وأصوم وأفطِر، وأتزوج النساءَ، هذه سُنَّتي فمن أعرضَ عن سُنَّتي فليسَ مني!

▪️كان الصَّحابةُ رَضِي اللهُ عَنهم يَرقُبونَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم في عِباداتِه ومُعاملاتِه، وفي كلِّ حَياتِه
وما حَكَمَ الصحابةُ العالمَ، ولا هَزموا الإمبراطوريات إلا بحُسنِ اتباعهم للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلّّم

🌾لا شيء أحبُّ إلى الله سُبحانه من عبادته على طريقةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وسنته دون إفراطٍ ولا تفريط، وهما مقتلُ الأُمَّة
▪️ فالإفراطُ هو الذي جاء إلينا بالتشدُّدِ، والفِرقِ الضالَّةِ، والاستهانةِ بالدماءِ، والتكفير!
▪️والتفريطُ هو الذي جاء إلينا بالتفلُّتِ، والانهزامِ، والأمراضِ الفكريةِ، والتبعيةِ للغرب!
والإسلامُ هو وسطٌ بين رذيلتين، التشدُّد والتفريط،
▫️ ولو نظرْنا إلى تعاليم الإسلام لوجدْنا أن كل فضائله، وأخلاقه، وسط بين رذيلتين، فمن حاد عنه وقعَ في إحدى الرَّذيلتين!
▫️الشجاعةُ التي دعا إليها الإسلام هي وسطٌ بين الجُبن والتهور!
▫️والكرمَ الذي دعا إليه الإسلام هو وسطٌ بين البُخل والتبذير!
▫️والحياءُ الذي دعا إليه الإسلام هو وسطٌ بين الخجلِ المَرَضِيِّ والوقاحة!
▫️العفةُ التي دعا إليها الإسلام هي وسطٌ بين الرهبنةِ والإباحية!
دوماً اُنظُرْ إلى الخُلُق السيء في أسفل القائمة وفي أعلاه تجد الإسلام قد أرسى خُلُقاً وسطاً بعيداً عن الخُلُقين السيئين!

👈🏻ليس في ديننا ما نخجلُ به، الذي ينتقِدُ لكَ السِّواك في عصرٍ وصلَ فيه الناس إلى القمر، ينتقِدُ وكأنَّ السِّواك هو الذي منعه من الصعود إلى القمر، ما منعكَ يا عزيزي ليسَ السواك وإنما العقل المريض الذي تحمله في رأسك!

▪️وما أجمل الإمام مالك يوم قال: السُّنة سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلَّفَ منها غَرِقَ!

أم حذيفة
07-20-2020, 01:17 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

6️⃣1️⃣

✍أفلا شققت عن قلبه؟!

🌴 أرسلَ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم جيشاً إلى الحرَقَة وهم من قبيلة جهينة، سمُّوا بذلك لمعركةٍ كانت بينهم وبين بني مرة بن ذبيان في الجاهلية فأحرقوهم بالسهام لكثرةِ ما قتلوا منهم!
وصلَ الجيش صباحاً، ودارتْ معركةٌ سرعان ما انتصرَ فيها المسلمون، وفرَّ منهم رجل فلحِقَه أُسامة بن زيد ورجل من الأنصار، فلما حاصراه قال: لا إله إلا الله!
فتوقَّفَ الأنصاريُّ ولكنَّ أسامة بن زيد طعنه بالرمح فقتله!

⬅️ فلما رجعوا إلى المدينة، وعلِمَ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بالأمرِ قال لأُسامة: أقتلْتَه بعد أن قال لا إله إلا الله، فكيف تصنعُ بلا إله إلا الله إذا أتتكَ يوم القيامة!
فقال أسامة: يا رسول الله، قالها متعوِّذاً/خوفاً من القتل!
🌾فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أفلا شققتَ عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟!
فتمنى أُسامة أنه لم يكن قد أسلم من قبل، وأن إسلامه كان اليوم حتى لا يكون في صحيفتِه أنه قد قتلَ رجلاً قال لا إله إلا الله رغم أنه كان مُحارباً لهم، ولو تمكَّن منهما لَقَتَلَهُما، وغلب على ظنه أنه قالَها خوفاً ليحمي نفسه وليس عن إيمان،
▪️ لذلكَ اعتزلَ أُسامة كل الفتن والحروب التي دارتْ بعد ذلك بين المُسلمين فلم يحارب مع أحدٍ ولا ضد أحد!

▪️أول ما يُقضى به يوم القيامة في الدِّماء، فلا شيء أعظم ذنباً عند الله بعد الشرك إلا قتل الأنفس التي حرَّم الله قتلها، مُسلمة كانت أم كافرة! وإن أقبح ما ابتليَ به المسلمون اليوم الاستهانة بالدماء!

▪️ومما ابتلي به الناس أيضاً هو الدخول في نوايا الناس! مع أنَّ القاعدة الفقهية للحكم على الأفعال أنَّ لنا الظواهر والله سبحانه يتولَّى السرائر، ولكننا ما زلنا نسمع من يقول إن فلاناً يتصدّق ليرينا أنه غنيٌّ وكريم ويملك مالاً كثيراً يريد بذلك أن "يتفشخر"!
وما زلنا نسمعُ من يقول إن فلاناً يذهبُ إلى المسجدِ ليراه فلان فيقبل أن يزوجه ابنته!
غابَ حسنُ الظنِّ وحلَّ مكانه سوء الظنِّ حتى صارَ الناس إذا رأوا فلاناً في بيتِ فلان قالوا: الله أعلم ما السيرة! لا أحد يقول لعلَّهما اجتمعا على خير، ولعلَّ هناك فقيراً يُريدان أن يَقضيا حاجته، ولعلَّ هناك مشكلة أُسرية يعملان على حلِّها!

واللهِ إن الإنسان بالكاد أن يفهمَ نيته، وأحياناً تختلط عليه الأمور بين حظ النفس والهوى وإرضاء الله، فكيف يجزم الناس في نوايا الناس؟!

********

أم حذيفة
07-21-2020, 12:57 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

6️⃣2️⃣

✍وما أردتِ أن تعطيه؟!

🌳 كان عبد الله بن عامر طفلاً صغيراً، ودَعَتْهُ أُمه ليأتي إليها فقالت: ها تعالَ أُعطيك!
والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جالسٌ عندهم
⬅️ فقال لها: "وما أردتِ أن تُعطيه"؟
قالت: أُعطيه تمراً.
فقال لها: "أما إنكِ لو لم تُعطهِ شيئاً كُتِبتْ عليكِ كذبة"!

👈🏻كان الإسلام حريصاً على تربيةِ الأطفالِ تربية سوية، لينشأوا بعد ذلك جيلاً يحملُ أعباءَ الدعوةِ باقتدار، ففاقد الشيءِ لا يعطيه، ولمَّا كان الأطفال هم المستقبل، حَرصَ الإسلامُ على التربيةِ الإيجابيةِ لضمان الغد، وكما يقول خبراء التربية: تربية شخصية طفل أسهل من علاج شخصية مراهق! لهذا كانت التربية مُنذ نُعومة الأظفار!

▪️ما يتفوَّه به الأهل للأطفال عند البكاء هزلاً كالوعد بإعطاءِ شيءٍ إن سكت، دون أن يعطوه، أو التخويف بأشياء غريبة كأبي كيسٍ الذي يأخذ الأطفال، أو أبي قدمٍ مسلوخةٍ الذي يعاتب الأطفال الذين يبكون هو من الكذبِ أولاً، ومن هدمِ نفسياتِ الأطفالِ ثانياً!

▪️الأولاد زرع وغراس، ونحن نهاية المطاف لا نحصد إلا ما نزرع!
عندما يتربَّى الطفل على الخوف فإنه يتعلَّم الكذب لينجو من العقاب!
وعندما يتربى على العنف فإنه يتعلَّم القسوة وتنشأ فيه حاسة الانتقام!
وعندما يتربى على الكذب فإنه يفقدُ الثقةَ!
وعندما يتربَّى على الفوضى فإنه يتعلَّم الاستهتار!
وعندما يتربَّى على قِلةِ الاحترامِ والتقديرِ فإنه يعتاد الذل ويفقد الإحساس بالكرامة!
وعندما يتربى على الأنانية يتعلَّم الجشع!
الأطفالُ نباتٌ صغير، فانظروا كيف تزرعون نباتكم، وقد قال الشاعر:
إن الغصون إذا قوَّمتها اعتدلت
ولا يلين إذا قوَّمته الخشبُ

▪️فلا تُضيِّعه صغيراً بسوء تربيتك، وبأجواء بيتِك المشحون بالعنف الأُسري، والكذب، وقلة الاحترام ثم تأتيه كبيراً تريد أن يَبِرَّكَ كما يَبِرُّ الأولادُ آباءهم وأمهاتهم!

⬅️ وأكّد ابن القيم - يرحمه الله - هذه المسؤولية فقال: "قال بعض أهل العلم: إن الله سبحانه يسأل الوالد عن ولده يوم ال قيامة، قبل أن يسأل الولد عن والده، فإنه كما أن للأب على ابنه حقاً، فللإبن على أبيه حق
فوصية الله للآباء بأولادهم سابقة على وصية الأولاد بآبائهم، فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغاراً فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كباراً، كما عاتب بعضهم ولده على العقوق، فقال: يا أبتِ إنك عققتني صغيراً، فعققتك كبيراً، وأضعتني وليداً فأضعتك شيخاً".

••••••••••••

أم حذيفة
07-23-2020, 12:32 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

6️⃣3️⃣

✍ممَّ تضحكون؟

🌴روى الذَّهبيُّ في سِير أعلام النبلاء أنَّ عبد الله بن مسعود جاء إلى مجلس عُمر بن الخطاب وهو يومذاك أمير المؤمنين، فكان ابنُ مسعودٍ لا يكاد يُرى بين الناس من قصر قامته، ونحول جسمه، فجعلَ عمر يلاطفه، ويتهلَّل وجهه، فلما مضى ابن مسعود، قال عمر لجُلسائه: نحيلٌ مُلِئَ عِلماً!

درس بليغ تعلَّمه عمر بن الخطاب من مشهدٍ كان قد شهده زمن النّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ذلكَ أنَّ ابن مسعودٍ صَعِدَ يوماً شجرةً ليجني منها، وكان نحيلاً جداً، دقيق الساقين، فجعلتْ الريحُ تكشف دِقَّة ساقيه، فجعلَ الصحابة يضحكون، فقال لهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم: مِمَّ تضحكون؟
قالوا: يا رسول الله، من دِقَّةِ ساقيه!
فقال: والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من جبل أُحُد!

إنَّما المرءُ بقلبه لا بوزنه، وبعقله لا بماله، وبلسانه لا بثيابه!
إنكَ ترى الرجل القصير النحيل فلا تحسبه شيئاً وقد يكون بينه وبين الله عبادة ما كنتَ لِتُدرِكَها ولو عشتَ عُمراً آخر، وترى الرجل الوسيم الأنيق فتُكبره وهو يمشي على الأرض وهي تلعنه ممَّا فيه من فجور وغلظة! على أن ليس كل نحيل قصير صوَّاماً قوَّاماً، وليس كل وسيم غني فاجراً كفَّاراً، إنما القصد أن لا نحكم على الناس بالمظاهر، إنَّ الله خلقَ القبيح ليس عن عجز منه، وخلقَ الفقير ليس عن قلة ذات يد، ولكنه سبحانه جعل الدنيا دار امتحان، فإن لم تحترم الخلقَ فاحترم الخالق!

قال زهير بن أبي سُلمى:
لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده
فلم يبقَ إلا صورة اللحمِ والدمِ

ها هو شاعرٌ جاهليٌّ يُخبرنا أن المرء بقلبه ولسانه، بمشاعره وأخلاقه، بلِينه ولطفه، بكرمه ومنحه، بالإحساس بالآخرين، وبمدِّ يد المساعدة إليهم، بنُصرة الضعيف، ومُساعدة المسكين، والتودُّد إلى الفقير! بهذا يُقاس الناس عنده، لا بالمظاهر الفارغة!

شأن الناس دوماً، عامتهم وخاصتهم، أن تخدعهم المظاهر، ويعتقدون أن الإنسان بشكله ووزنه، وطوله وعرضه، وينسون أنَّ هذه أحكاماً طفولية بعيدة عن النُّضج، فضلاً عن بُعدها عن الدِّين!

كان عبد الملكِ بن مروان يسمعُ شِعر كُثيِّر عزَّة قبل أن يراه فيُعجبه كثيراً وقد رسم له في ذهنه صورة، فلما قَدِمَ كُثيِّرٌ عليه استقبحَ عبد الملك شكله، وقال المثل الشهير: أنْ تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه!
ويا لتعس من أغضبَ شاعراً، ولو كان الخليفة!
استجمع كُثيِّر كبرياءه، وقال لعبد الملك:
ترى الرجلَ النحيف فتزدريه
وفي أثوابه أسدٌ هصورُ

ويُعجبك الطريرُ إذا تراه
فيخلف ظنك الرجلُ الطريرُ

بُغاث الطير أطولها رِقاباً
ولم تطُل البُزاة ولا الصقور

ضعافُ الأُسد أكثرها زئيراً
وأصرمها اللواتي لا تزيرُ

فقال عبد الملك، لله دركَ، ما أفصحَ لسانك، وأضبطَ جنانك، وأطولَ عنانك، ثم قام إليه واسترضاه وطيَّب خاطره!

أم حذيفة
08-05-2020, 02:27 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

6️⃣4️⃣

✍إنما هو شيء أصنعه لكم!

اجتمعتْ العربُ على المُسلمين يوم الخندق، وزاد الطين بِلةً أن بني قريظة غدروا من الداخل، وعلى خطى بني قريظة جاء عُيينة بن حصن في غطفان ليكتمل مُسلسل الغدر، وصارَ المسلمون بين فكي كماشة، عدوٌ بعيدٌ جاءَ من أرجاءِ جزيرة العرب، وعدوٌ قريبٌ أخلَّ بالعهدِ وهمَّ بالخيانة!
🌳 فأراد النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يُعطيَ عُيينة بن حصن ومن معه ثلث ثمار المدينة ليرجع ومن معه من غطفان ويخذِّل الأحزاب، فأرسلَ إلى سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ليُشاورهما بما عزم عليه، وهذا من أدبه صلَّى الله عليه وسلَّم لأن ثمار المدينة ثمارهم ولم يشأْ أن يقطعَ فيها دون إذنهما، فلما كلَّمَهُما في ذلك قالا: يا رسول الله إن كان الله أمرك بهذا فسمعاً وطاعة، وإن كان شيئاً تصنعه لنا، فلا حاجة لنا فيه! لقد كنا وهؤلاء القوم على الشركِ بالله، وعِبادةِ الأوثان، وهم لا يطمعون أن يأكلوا تمرة من تمرِ المدينة إلا بيعاً أو ضيافة، فحينَ أكرمَنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزَّنا بكَ تعطيهم أموالنا؟!
واللهِ لا نعطيهم إلا السَّيف!
فأثنى عليهما، وصوَّبَ رأيهما، وقال: "إنما هو شيء أصنعُه لكم، لمّا رأيتُ العربَ قد رمتكم عن قوسٍ واحدة"!

▪️الأمرُ كما ترون، مسألةٌ سياسيةٌ بحتة، وحربٌ قائمة، والجميع يبحث عن حل، ولكل فيها رأي، وقد ارتأى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلّّم أن يُفاوض غطفان ويعطيهم ثُلث ثمار المدينة ليكفوا شرهم وينسحبوا من حلف الأحزاب، وقد ارتأى السعدان ابن عبادة وابن معاذ أنَّ في هذا ذِلة، فإن كان أمرُ الله فالسمعُ والطاعة، وإن كان اجتهاداً من النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم حقناً للدماء، وإبقاءً على المدينةِ عن طريقِ استمالةِ العدو ببعض المال فهم لا يُوافقون، وليس للغُزاة إلا السَّيف، فنزلَ النبيُّ صلّّى الله عليه وسلَّم عند رأيِهِما!

▪️من مآسينا اليوم أن الناسَ لها آراء سياسية، هي في الحقيقةِ اجتهادات شخصية وقراءة للواقع، وتحليل المعطيات، وتقدير للمصالح والمفاسد، فيحملونك على رأيهم السياسي كأنه وحي ليس لكَ أن تخالفه مع أن صاحب الوحيِ قد رضيَ بمخالفةِ أصحابه لرأيه لأن رأيه لم يكن وحياً وإنما هو سياسة وتقدير واجتهاد!
على المقلبِ الآخر تجد من يخوِّن كل اجتهادٍ سياسيٍّ وتقديرٍ للموقف، فتجد من هو ممدد على فراشه يريدُ أن يفتي لأهلِ الثغور، أن الهدنة لا تجوز هنا، وأن الحرب لا تجوز هناك!
على الذي يتعاطى شأناً سياسياً أن يعرفَ أنه إنسان يصيبُ ويخطئ، وليس عليه حمل الناس على رأيه، وعلى الذي يُتابعُ الشأنَ العام أن يعذر المجتهد ويحسنَ الظن به إذا غلبَ عليه الخير، وأن ينصحَ بمعروفٍ يستحق أن يُسمع!

••••••••

أم حذيفة
08-06-2020, 12:00 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

6️⃣5️⃣

✍من لا يَرحم لا يُرحم!

🌳 كان مجلسه دوماً مدرسةً للدين والدنيا معاً، يكفي أن تقرأ سيرته بعقلك لتفهم، وأن تقرأ بقلبك لتتهذَّبَ وتلين! وإلى مجلسه جاء الأقرع بن حابس، وفي المجلس الحسن بن علي، طفلٌ صغيرٌ يلعب، فأخذه النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقبَّله…
فقال له الأقرع: إن لي عشرةً من الولد ما قبَّلتُ أحداً منهم قط!
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من لا يَرحم لا يُرحم!

وجاءه أعرابي، والحسن بين يديه طفلٌ صغير يلعب، فأخذه وقبَّله، فقال الأعرابي: تُقبِّلون الصبيان؟ أما نحن فما نُقبِّلهم!
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أَوَأملكُ لكَ أنْ نزعَ اللهُ من قلبك الرَّحمة!

👈🏻من لا يرحم لا يُرحم!
إنَّ من عدل الله سبحانه أنه جعل الجزاء من جنس العمل! جزاء الخير خيرٌ مثله، وجزاء الشر شر مثله!
▪️ما غرقَ فرعونُ إلا لأنه كان يقول "أليسَ لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي"! فأجرى الله تعالى ماء البحر من فوقه!
▪️وإخوة يوسف عليه السلام الذين ألقوه في غيابة الجب
مدُّوا أيديهم بعد ذلك يستعطفونه لمّا صار عزيز مصر!
▪️وإن الشهيد لا يُفتن في قبره لأنه تكفيه بارقة السيوف فتنة!
▪️وإنَّ أول المخلوقات يُكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ذلك لما أكلتْ النار التي ألقاه فيها قومه من ثيابه!
هذه الدنيا تدور، وكل ساقٍ سيُسقى من الكأس التي سقى منها غيره، إن خيراً فخير، وإن شراً فشرّ!
▪️كل صدقة تضعها في يد فقير هي حفظ لك أن تقف ذات يوم تمدُّ يدك وتطلب الصدقة من أحد!
كل مريضٍ أنفقتَ في علاجه هو حصانة أن يُصيبك ذلك المرض!
كل دمعةٍ مسحتها بيدك هي يد تخبئها للزمن إن جرتْ يوماً دمعتك!
كل يد مساعدة أقمتَ فيها متعثراً هي يد تخبئها للغد، إن تعثرتَ وجدتَ من يُقيمك!
كل مظلوم أعنته هو جندي تُخبئه للغد يُعينك إن ظُلمتَ يوماً!
كل كلمة طيبة قلتها في غياب أحد هي كلمة طيبة سيقولها أحد عنك في غيابك!
كل عرضٍ دافعتَ عنه كأنه عرضك هو عرضك الذي تحميه في المستقبل إن أراد أحد أن ينال منه!
حتى الدعاء للميت هو دعاء لكَ تخبئه حين تموت، فكلما رفعتَ يدك تدعو لميت سيجعل الله من يرفع يديه ليدعو لك وأنتَ ميت!
لا أحد أحفظُ للمعروف من الله،👈🏻 أما رأيتَ كيف أرسلَ نبياً وولياً صالحاً ليُقيما جدار غلامين يتيمين لأن أباهما كان صالحا؟!

•••••••

أم حذيفة
08-07-2020, 12:26 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة
6️⃣6️⃣

✍ يرحمُ الله موسى!

🌳 لما كان يوم غزوة حنين، خصَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أُناساً في العطايا أكثر من غيرِهِم، فأعطى الأقرع بن حابس، وعُيينة بن حصن كل واحدٍ منهما مئةً من الإبل، وأعطى بعض أشراف العرب مثل ذلك يُريدُ أن يتألَّفَ قلوبهم لِما لهم من التأثير والمكانة الاجتماعيَّة خدمةً للدعوة.
فقال رجلٌ: واللهِ هذه قِسمة ما عدِلَ فيها، وما أُرِيدَ بها وجه الله!
فسمعَه عبد الله بن مسعود، فقال: واللهِ لأُخبرنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بهذا!
فأتى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأخبره بمقولة الرَّجل. فتغيَّرَ وجهه من الغضب، ثم قال: فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟! ثم هدأ على الفور وقال: يرحمُ الله موسى، قد أُوذي بأكثر من هذا فصبر!
فقال عبد الله بن مسعود في سِرِّه: واللهِ لا أرفعُ إليه حديثاً بعد هذا!

▪️قالت العربُ قديماً: إرضاءُ الناسِ غايةٌ لا تُدرك!
ولو تأملْتَ حالَ الناسِ لوجدتَ فيهم سَخطٌ وعدم رضا على قضاء الله سبحانه، هذا الذي لا يقنع برزقه، وذاك الذي يحسدُ غيره على وظيفة، وتلك التي تنظرُ إلى بيتِ فُلانة، وهؤلاء الذين ينظرون إلى ما يملك أولئك، فلا تتوقَّعْ وأنتَ الإنسان الذي يخطئ ويُصيب أن يرضى كل الناس عنك! الناس الذين لم يرضوا بقسمةِ ربِّهِم لن يرضوا عن قِسمتك، وإذا كانت قسمة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لاقتْ انتقاداً فأين أنتَ منه حتى يُعجب كل الناس بكل صوابٍ تقوم به؟!

▪️يرحمُ الله موسى، قد أُوذِيَ بأكثر من هذا فصبرَ!
كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يتعزَّى بسيرة إخوته الأنبياء الذين أتوا قبله، ويا له من عزاء، فتعزَّ أنتَ أيضاً!
∆ إذا كان لكَ ولدٌ عاق فتعزَّ بنوحٍ عليه السلام، فله ابنٌ ورفضَ أن يركبَ معه في السفينة!
∆ وإن كان لكَ أبٌ على المعصية فتعزَّ بإبراهيم عليه السَّلام، فقد كان أبوه آزر مُشرِكاً!
∆ وإن كان لكَ زوجة تعصيكَ ولا تسمعُ كلمتك فتعزَّ بنوحٍ ولوطٍ عليهما السلام، فقد كان لكلٍّ منهما زوجة كافرة!
∆وإن كان لكِ زوجٌ عاصٍ فتعزِّي بآسيا بنت مزاحم، بنى الله سُبحانه لها بيتاً في الجنة وهي زوجة فرعون الذي كان يقول "أنا ربكم الأعلى"!
∆ إن كان لكَ قريبٌ فاجرٌ فتعزَّ بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فطالما نَعَتَهُ عمه أبو لهب بالكذاب والساحر ناهيك عن الأذى الذي صبَّه عليه هو وزوجته الفاجرة أم جميل!
∆ إن فقدْتَ عزيزاً فتعزَّ بيعقوب عليه السلام
∆ وإن مرضتَ مرضاً شديداً فتعزَّ بأيوب عليه السلام!
∆ وإن قيل فيكَ ما ليسَ فيكَ فتعزَّ بيوسف عليه السلام!
👈🏻سيرةُ الأنبياء ليستْ مادةً قَصصيةً للتسلية، وإنما دروس للعِظة والاعتبار!

•••••••••

أم حذيفة
08-08-2020, 10:29 PM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

6️⃣7️⃣

✍ إنَّ لصاحب الحقِّ مقالاً!

🌳اشترى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم من أعرابيٍّ جَملاً بوَسْقٍ من تمرٍ -والوَسْق تقريباً مقدار ما تحمله الدابة- فلما رجعَ إلى بيته يُريدُ أن يُرسل التمر للأعرابي ثمناً للجمل وجد أن أهله قد أنفقوه كله بين أكلٍ وصدقةٍ وهدية، فخرجَ من بيته، وقال للأعرابي: يا عبد الله، إنَّا قد ابتعنا منك جَزوراً بوَسْقٍ من تمرٍ فالتمسناه فلم نجده!
فقال الأعرابي: وا غدراه!
فنهرَه الناس، وقالوا: قاتلكَ الله، أيغدُرُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم؟!
فقال لهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: دعوه، فإنَّ لصاحب الحقِّ مقالاً!
ثم أمرَ أحد أصحابه أن يذهبَ إلى خويلة بنت حكيم يسألها وَسْقاً من تمرٍ دَيْناً، فأرسلتْ خويلة إليه بالتمر، فدفعه إلى الأعرابي ومضى!

👈🏻قصة على اقتضابها إلا أن فيها دروساً كثيرةً وعِبراً:

▪️1- لم يُعنِّف النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أهل بيته لأنهم أفنوا التمر كله دون أن يُخبروه، ولم يسأل حتى من أكلَ، ولِمن أهديتم منه، وعلى من تصدَّقتُم! وهكذا يجب أن يكون الرجل في بيته، صحيح أنه لا بأس بتنظيم أُمور البيت المالية، ولكن من العيب أن يُعاملَ الرجل أهل بيته كأنه خازن بيت المال، يكتب التمرة التي تدخل عنده، ويُسجِّل التمرة التي تُغادر بيته، يُريدُ أن يُحصي على أُسرتِه اللُّقمة التي يأكلونها، وإنَّ عدو النساء الأول هو البُخل، بُخل المال، وبُخل العاطفة، وبُخل الاهتمام!

▪️2- عندما علِمَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه لم يعُد يملك التمر، ذهبَ إلى الأعرابي مباشرة وأخبره بالأمر، وهذا من أدب النُبوة، وقد ٱبتُلينا هذه الأيام بالتطنيش!
يقصدكَ أحدهم في دَيْن، فتعملُ بأصلكَ، فإذا جاءَ وقتُ السَّداد ما عُدتَ تراه، والواجب على من من حان وقت سداد دينه أن يُخبر صاحب الدين أن أموره تعسَّرتْ ويطلبْ تأجيلاً، أما أن يتجاهل الموضوع كأنه ما كان فَفِيه خُلقان ذميمان، الأول الحنث بالوعد، والثاني مُقابلة المعروف بالإساءة!

▪️3- اُنظُرْ لفقه النبوة، لم يرضَ أن يُعنِّفَ أصحابُه الرجلَ رغم جفائه في الرَّد بل التمسَ له العذر قائلاً: دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً! فأحياناً حين يشعرُ الإنسان بالظُلم يتخلَّى عن شيء من لباقتِه، تجدُ الزوجة المجروحة من سوء المعاملة تتفوَّه بكلامٍ ما يجب أن تقوله، ولكن لماذا علينا أن نُحاكم ردة الفعل وننسى الفعل الأصلي؟!
وتجدُ من وقعَ عليه نصبٌ واحتيالٌ لا يتركُ مجلساً إلا وذمَّ فيه من نصبَ واحتال عليه، فحاولوا أن تتفهَّموا شعور المرارة عند هؤلاء قبل أن تُحاولوا أن تُعطوهم درساً في التربية واللياقة الاجتماعية!

▪️4- أفهامُ الناسِ تختلفُ تبعاً لاختلافِ عقولهم وثقافاتهم، فلا تتوقَّع أن يكون الجميع بذات النُّضج واللَّباقة والكياسة، الفهم أرزاق أيضاً! ولو أن صحابياً كان مكان هذا الأعرابي لقال للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم: فِداكَ كل تمر المدينة وجِمالها، ولكن الأعرابي قال له: وا غدراه! فتفهَّموا اختلاف العقول والطباع، نحن مُتشابهون من الخارج فقط، أما من الداخل فنحن عوالم مختلفة، من الناس من يُخاصمكَ عاماً لمزحةٍ عابرة، ومنهم لو جرحته بكلمة ما هانت عليه العِشرة التي هانتْ عليكَ، ولتغافل ومرَّرها لكَ لِلحفاظ على الودِّ القديم!

▪️5- الإساءةُ في طلب الحق لا تُلغيه، من الناس من إذا طُلب منه أداء حق بأسلوب فظ لجعلَ الأسلوب الفظ مقابل الحق الذي عليه، لا يا عزيزي، أنت مُطالب أن تُؤدِّي الذي عليك، ولستَ مطالباً بتربية الناس!

أم حذيفة
08-10-2020, 12:29 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

6️⃣8️⃣

✍فليُرَ عليك!

🌳جاء مالك بن نضلة إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يلبسُ ثياباً باليةً، فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: هل لكَ مالٌ؟
قال: نعم
فقال له: من أيِّ المال؟
قال: من كل المال قد آتاني الله عزَّ وجل، من الإبل، والرقيق، والخيل، والغنم
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا آتاكَ اللهُ مالًا فليُرَ أثرُ نعمةُ اللهِ وَكَرامتُهُ عليكَ

☘️وعن عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده قال: قالَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّ الله يُحبُّ أن يُرى أثر نعمته على عبده!
فالإنسان يُظهر نعمة الله عليه ولا يتشبّه بالفقراء والله قد أغناه.
▪️إظهارُ النعمةِ جزءٌ من شُكرها، فالإنسانُ إذا أعطاه الله مالاً عليه أن يلبسَ ثياباً حَسَنَةً، والحَسَنُ شيء والغالي شيء آخر، لأن الماركات واللهث وراء الموضة، ودفع الكثير -وفي السوق مُقابل له أنيق وجميل- من الحُمق والتبذير، وللأسف فإن الماركات اخترعَها الناسُ لسرقةِ الأغنياء فاغترَّ فيها الفُقراء! حتى ترى الشاب يشتري ما لا طاقة له به ليتباهى، والفتاة لا تحمل الحقيبة إلا إذا كانتْ من شانيل أو ديور! صحيحٌ أن الأناقة مطلوبة من الجميع، ولكن التكلُّف خُلُقٌ مذموم!

▪️ومن إظهارِ النعمةِ مساعدة المحتاجين، صحيح أن صدقة السر أحب إلى الله وأقرب ولكن قد يبلغ الإنسان من الثراء مبلغاً يجعله مضطراً لأن يتصدق على الملأ خصوصاً في المشاريعِ العامة، كالذي يبني مستوصفاً، أو يحفرُ بئراً في قريةٍ نائيةٍ، أو يتبرعُ بقاعةٍ للمُناسبات، أو يبني مسجداً أو دارَ تحفيظٍ للقرآن، فمثل هؤلاء يدخلون في قول الله تعالى: "إن تبدوا الصدقات فنعمَّ هي"!

▪️وكلُّ عطايا الله نِعم، وشُكر النِّعم من جنسها!

*بإمكان الطبيب أن يجعلَ له يوماً يُعالج فيه المرضى بالمجان،

*وبإمكانِ الأستاذ الجامعي أن يشرحَ خارج القاعة لمن تغيَّبَ عن المحاضرة أو لم يفهمْها،
* وبإمكانِ صاحب العلاقات والنفوذ أن يشفعَ لحلِّ مشكلة مسكين، أو تأمين علاج لمُتعثِّر،
* بإمكان التاجر الثري أن يُخصِّصَ مواداً غذائية شهرية لعائلةٍ مُتعففةٍ، *وبإمكان رب العمل أن يُخففَ عن الناس بعض ساعات الدوام في رمضان،
*وبإمكان المسؤول عن العمال أن يجلسَ معهم ويُحادثَهم ويتلطَّفَ إليهم، إن الطريق إلى الخالق بعددِ أنفاس الخلائق، وكلُّ نعمةٍ تُشكر تُحفظ فحافظوا على النِّعم!

أم حذيفة
08-11-2020, 01:54 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

6️⃣9️⃣

✍لولا أنَّ قومكِ حديثو عهدٍ بجاهلية!

🌳سألتْ عائشةُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن حِجر إسماعيل عليه السَّلام أهوَ من الكعبة؟
فقال: "نعم، هو من الكعبة"
فقالتْ: فما لهم لم يُدخلوه في البيت؟
فقال: "إنَّ قومكِ قصَّرتْ بهم النفقة"
فقالتْ: فما شأنُ بابه مرتفعاً؟
قال: "فعلَ ذلكَ قومكِ ليُدخلوا من شاؤوا، ويمنعوا من شاؤوا"!
ثم قال: "يا عائشة، لولا أنَّ قومكِ حديثو عهدٍ بجاهلية، فأخافُ أن تُنكر قلوبهم، لأمرْتُ بالبيتِ فهُدِمَ، فأدخلْتُ فيه ما أُخرجَ منه، وألزقتُه بالأرض، وجعلتُ له بابين: باباً شرقياً، وباباً غربياً، فبلغتُ به أساسَ إبراهيم"!

👈🏻ثم لمَّا استلمَ عبد الله بن الزُبير زمام الحُكم في الحِجاز، حدَّثَتْهُ خالته عائشة بهذا الحديث، فقال لها: زالَ المانعُ الذي كان على عهد النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فهدمَ الكعبة وأعادَ بناءها كما كانتْ على عهدِ إبراهيم عليه السَّلام، ثم لمَّا قتلَ الحجاجُ ابن الزبير، هدمَ الكعبةَ مجدداً، وأعادَ بناءها على ما كانتْ عليه أيام قُريش! فلما جاء أبو جعفر المنصور أرادَ هدمها وبناءها مجدداً كما كانتْ على عهدِ إبراهيم عليه السَّلام،
فاستشار الإمام مالك بن أنس فنهاه عن ذلك، وقال: «إني أكره أن يتخذها الخلفاء لعبة، هذا يرى رأي ابن الزبير، وهذا يرى رأي عبد الملك بن مروان، وهذا يرى رأياً آخر»

🌳والشَّاهد في الأمر: لولا أنَّ قومكِ حديثو عهدٍ بجاهلية!
يُخبرُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أُمَّنا عائشة أنَّ شكل الكعبة الذي تراه ليس هو الشكل الذي بناه إبراهيم عليه السَّلام، وأنه يُريدُ أن يَهدمَها فيُعيدَ بناءها، ولكنه يخشى على إيمانِ قُريشٍ التي دخلتْ في الإسلام حديثاً بعد الفتح!
👈🏻 وهذا من حِكمته، وحُسن سياسته، ومُراعاته للمصالح والمفاسد!

▪️درءُ المفاسِدِ مُقدَّمٌ على جلبِ المصالح!
بمعنى أنَّ الأمر الصائب الذي ينوي المرءُ فعله ويترتَّبُ عليه مفسدة أكبر من المنفعة يجب أن لا يفعله! وهذا درسٌ بليغٌ من دروس الحياة!
أحياناً نعرفُ أنَّ زوجةً ما قد ظُلمتْ بالزواج من هذا الزوج الذي هي معه، والصواب أن تُنقذَ نفسها وتتركَه، وفي هذا مصلحة لها، ولكن قد يترتَّبُ على هذا الطلاق ضياع الأولاد، فلا هي تستطيع أن تضُمَّهم إليها، ولا تستطيع أن تتركَهم له، فالحكمة هنا أن تُنصح بالصبر، واحتساب الأجر، لا أن تُنصح بالطلاق، ففي طلاقها منفعة فرد واحد، منفعتها هي، ولكن مفسدة لعدة أفراد هم أولادها!
▪️وعلى هذا قِسْ كل أمور الحياة، فالحياةُ ليستْ معادلة حسابية جامدة، واحد زائد واحد يُساوي اثنين، الحياة مُتشابكة، هناك أسود في كل أبيض، وأبيض في كل أسود، والعاقل هو الذي يتقبَّلُ قليل السَّواد للمُحافظة على ما لديه من بياض، ومن أجمل ما قال عمر بن الخطاب: ليس الفطن من عرف الخير من الشَّر، وإنما من عرفَ خير الشَّرين! إن الحياة أحياناً تضعنا بين خيارين أحلاهما مُر، والذكي من سدَّدَ وقاربَ، وقارنَ بين المنفعة والمفسدة، وليسَ كُلُّ حقٍّ يُقال!

•••••••

أم حذيفة
08-12-2020, 12:22 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

7️⃣0️⃣

✍أتحبه؟!

🌳كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ إذا جلسَ يجلسُ إليه نفرٌ من أصحابه، وفيهم رجلٌ له ابنٌ صغيرٌ يأتيه من خلف ظهره، فيأخذه، ويُقبِّله، ويمسحُ على رأسه، ويُجلسه في حِجره…
فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَتُحِبُّه؟
فقال: يا رسول الله أحبَّكَ اللهُ كما أُحبُّه!
ثم ما لبث َالغُلامُ أن ماتَ، وانقطعَ الأب عن حلقةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم حزناً على ابنه، ففقده النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: ما ليَ لا أرى فلاناً؟
فقيل له: يا رسول الله، ابنه الذي رأيتَه قد ماتَ.
فلَقِيَهُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وعزَّاه به، ثم قال له: أيما كان أحبُّ إليكَ أن تُمتَّعَ به في عمرك، أو لا تأتي غداً إلى بابٍ من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقكَ إليه يفتحه لكَ؟
فقال: يا نبيَّ الله، بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها لي هو أحبُّ إليَّ!
فقال له: فذاكَ لكَ!
فقال رجلٌ: يا رسول الله له خاصة أم لنا جميعاً؟
فقال: بل لكم جميعاً!

▪️من لطائف ما قيلَ في تفسير توعُّد سُليمان عليه السلام للهُدهد "لأعذِّبنَّه عذاباً شديداً"، قالوا العذاب الشديد هو التفريقُ بينه وبين أحبابه، فإنَّ فقد الأحبة غُربة!
▪️ومن لطيف ما قال ابن حزم: من ٱبتُليَ بقُربِ من يكره، كمن ٱبتُليَ ببعدِ من يُحب ولا فرق!
فقدُ الأحبةِ غُربة، تعتادُ على ابنٍ يملأ عليكَ الدار حياةً وبهجةً ثم تفقده فيا للوجع! وتعتادُ على ابنةٍ تُؤنس قلبكَ، ثم تفقدها فيا للألم! وتعتادُ على حنان أُم تمسحُ بيدها على رأسكَ فتُزيل منكَ هموم الدُّنيا وتُعيدكَ في لحظاتٍ طفلاً صغيراً، ثم تفقدها فيا للوحشة! وتعتادُ على أبٍ يسندك ويكون من بعد الله ملاذك، ثم تفقده فيا للخسارة! وتعتاد على حبيب إذا حضرَ لم تفقدْ في حضوره أحداً، وإذا غابَ لم تحفل بمن حضر، ثم يموت فيا للوحشة!
فإذا كان هذا، سأل الله ملائكته وهو أدرى: قبضتم ثمرة فؤاد عبدي؟ فقالوا: نعم! فقال: ما قال؟ قالوا: حمدَكَ واسترجعَ! فقال: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنةِ سمُّوه بيتَ الحمد!
بالرضى والصبرِ تُبنى بيوت الحمد، فلا تشغلك المصيبة عن بناء بيتك!
إن السخط على قَدَرِ الله لن يُغيِّره، الجزع لا يُعيدُ الأموات، والنواح لن يمنحهم عمراً آخر، كل ما في الأمر أنه خسارتين في آن، خسارة الحبيب وخسارة بيت الحمد، وليس غير الله يبقى!
فاجعل من الرضى سفينتك يسهل عليكَ العبور!

•••••••

أم حذيفة
08-12-2020, 11:00 PM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

7️⃣1️⃣

✍أَتَرُدِّينَ عليه حديقته؟!

🌳جاءتْ امرأةُ ثابت بن قيس إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقالتْ: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتبُ عليه في خُلُقٍ ولا دِين، ولكني أكرهُ الكُفر في الإسلام!
فقال لها: أَتَرُدِّين عليه حديقته؟
قالت: نعم
فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لثابت: اِقْبَلِ الحديقة، وطلِّقها تطليقة!

👈🏻وكواليس القصة كالتالي:
جاءتْ زوجةُ ثابتْ بن قيس إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لا تعيبُ في زوجِها خُلقه ولا دينه، ولكنها تكرهه لدمامته، وقُبح صورته، وتخشى أن يؤديَ هذا النُّفور الطبيعي منه إلى كُفران العشير، وعدم القيام بحقه، والإساءة إليه، ومنعه حقه الطبيعي من العِشرة والفِراش، وما إلى هنالك من الخِصام والنشوز الذي يكون من الزوجة الكارهة لزوجها.
فكان جوابه صلَّى الله عليه وسلَّم: أتَرُدِّين عليه حائطه؟ بمعنى إذا كنتِ تكرهينه كل هذه الكراهية، وتخشين أن يؤدي بقاؤك في عصمتِه إلى أمرٍ مُخالفٍ لأوامرِ الإسلام في الحياة الزوجية، فهل تقبلين أن تُعيدي له المهر الذي دفعه لكِ، لقاء أن يُطلِّقَكِ، فلما وافقتْ، أمرَ زوجها أن يأخذَ المهر الذي دفعه، ويُطلِّقها، وهذا ما يُسمى الخُلع!

▪️لهذا السبب أباح الإسلامُ العظيمُ نظرَ الخاطبِ إلى المخطوبةِ والعكس، كي لا يقع الفأس في الرأس، ويُعقدُ الزواج، ثم لا يجد أحدهما ما يُريده من شريك عمره، فيتحوَّل الزواج من عِبادةٍ لتحصينِ الفرج وإنشاءِ أُسرةٍ مُسلمة، إلى ساحةِ حربٍ قائمةٍ على البُغضِ والهِجران! وأنا أميلُ إلى الرأي القائل بعدم جواز تزويج الفتاة لشابٍ لا ترضى صفاته ولو كان صالحاً!
لأن في هذا ظُلم للاثنين،
▪️ وما أفقه عُمر بن الخطاب حين قال: لا تُكرِهوا فتياتكم على الرجل القبيح فإنهنَّ يُحببنَ ما تُحبون!

▪️على أنه إذا وقعَ الزواج، فالأصل أن يبحثَ الناسُ عن السَّترِ، ولَمِّ شملِ الأُسرة، وتربيةِ الأولاد، لأن كُلفة الطلاق قد يترتَّبُ عليها من المفاسد أكثر مما يترتَّبُ عليها من المصالح، مع التأكيد أن الطلاق حلال، وأنه ليس أبغض الحلال إلى الله كما هو شائع، فإن الله سبحانه لا يكرهُ حلالاً شرَّعه لعباده!
ولعلَّ الشاب الوسيم يجعل حياة الفتاة جحيماً فلا تعود تُطيق النظر في وجهه، ولعلَّ الفتاة الحسناء تجعل الرجل بسوءِ أخلاقِها يكرهُ جنس النساء، صحيحٌ أنه من حقِّ كل شخص أن يبحثَ عن شيء من الجمال ولكنه ليس كل شيء!

▪️وعن الستر، ورغبة العيش، جاء رجلٌ إلى عُمر بن الخطاب، وقال له: إني أُريدُ أن أُطلق امرأتي!
فقال له عُمر: ولِمَ؟
فقال: لأني لا أحبها!
فقال له: أَوَكُلُّ البيوت قامت على الحُب، فأين المروءة والذِّمة!

•••••••

أم حذيفة
08-13-2020, 11:08 PM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

7️⃣2️⃣

✍ ويُعجبني الفأل!

🌳قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه يُصحح عقائدهم: "لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صَفَر، ولا نوء، ولا غول، ويُعجبني الفأل"!
قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟
قال: "كلمة طيبة"!
وعن العدوى قال له رجل من الحاضرين: يا رسول الله، الإبل تكون في الصحراء كأنها الغزلان، فيدخل فيها البعير الأجرب فيجربها
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "فمن أعدى الأول"!

▪️أما انتقال الأمراض بالعدوى فثابت عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بلا خلاف، ومنها قوله: "لا يُورد ممرض على مصح"! وقوله: "فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد"!
أما قوله هنا: "لا عدوى" فهو صرف قلوب الناس من الأسباب إلى ربِّ الأسباب، وهذا المعنى يُؤكِّدُه سؤاله للأعرابي إن كانت الأمراض لا تنتقل إلا بالعدوى فمن أين جاءتْ العدوى الأولى؟!

جاءَ الإسلام ليهدِمَ معتقَداتِ الجاهليةِ
ويبنيَ للمُسلمِ العقيدةَ الصحيحةَ المبنِيَّةَ على صِحةِ التوحيدِ وقوةِ اليَقينِ والابتِعادِ عنِ الأوْهامِ والخيالاتِ التي تعبَث بالعقولِ.

▪️والطيرةُ هي التشاؤمُ فكانوا في الجاهلية يُكثِرون منها فإذا خرج الرجل إلى تجارة ولقيَ في طريقه رجلاً أعورَ اعتبر هذا مؤشر سوء فتشاءم ورجع، وتشاؤمُ الجاهليةِ يحتاج كتاباً وحده!

▪️والهامةُ هي طائرٌ كان أهل الجاهلية يعتقدون أنه يخرج من جسدِ القتيل ويبقى عند قبره يصيح: اسقوني، اسقوني، فلا يسكت حتى يُؤخَذُ بثأره!

▪️وصَفَرُ هو الشهر الهجري المعروف وكانوا يتشاءمون من قُدومِه في الجاهلية!

▪️والنوءُ هي نجومٌ في السماءِ كانتْ إذا ظهرتْ لزموا بيوتهم وكفوا عن التجارةِ والزواجِ والتنقُّلِ حتى تختفي!

▪️والغولُ هو نوعٌ من الجِنِّ كانوا في الجاهلية يعتقدون أنه يقف للمسافر في الطريق ليُخيفه ويُضله عن مقصده!

🌳ويعجبني الفأل، وهنا مربط الفرس، قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ فقال: كلمة طيبة!
🗯️ إذا دخلتَ على المريض، فأخبره أنها أيام ستمضي، وأنه ما شاء الله اليوم أفضل من البارحة، فالحالةُ النفسيةُ للمريض لها تأثير الدواء في الشفاء!
🗯️ وإذا دخلتَ على فاقدِ حبيبٍ، فأخبِره أن ما للمؤمن عند الله خير من الدنيا وما فيها، وأن الجميع قد مات له حبيب، والعزاء أن يجمعَنا الله في الجنة.
🗯️ إذا دخلتَ على المديونِ أَخْبِرْهُ أن فرج الله قريب، وكم من إنسان فرَّج اللهُ حالَه بعد عُسر، وأن الأيام دُول، وأن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ماتَ ودرعه مرهونة عند يهودي!
🗯️ إذا دخلتِ على عقيمٍ فأخبريها أن الأولاد رزق، وأن أرفع أخلاق المُؤمن هو الرضا، وأن عائشة ماتتْ ولم تُنجِب، وأن الأمل بالله فسارة زوجة إبراهيم عليه السلام رزقها اللهُ ولداً بعد أن بلغتْ من العمر عتياً!

⚡يحتاجُ الناس إلى من يُربِّتُ على قلوبِهم، ويحقنُهم بالأمل، ويُخبرُهم أن القادم أفضل بإذن الله

أم حذيفة
08-15-2020, 10:54 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

7️⃣3️⃣

✍فهو في سبيل الله!

🌳مرَّ رجلٌ قويُّ البِنية، فارع الطول، بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو جالسٌ بين أصحابه، فلما رأوه أعجبهم نشاطه وقوته، فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله!
فقال: إن كان خرجَ يسعى على أولادٍ صغارٍ فهو في سبيل الله، وإن كان خرجَ يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل اللهِ، وإن كان خرجَ يسعى رياءً ومُفاخرةً فهو في سبيل الشيطان!

▪️يعتقدُ الناس أن الجهاد بالسيفِ هو فقط الجهاد في سبيل الله، وما عدا ذلك هو من طقوس الحياة الرتيبة! صحيحٌ أن الجهاد في أول قائمةِ الأشياء التي في سبيل الله، وأنه أول ما يتبادر إلى الذهن إذا ما قيل في سبيل الله، ولكن الحياة بالحلال هي في سبيل الله!
💬 ظنَّ الصحابة أن قوة الرجل وبأسه لا بُدَّ أن تكون في المعركة لتكون في سبيل الله، فإذا بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُصححُ مفاهيمهم! ويُخبرُهم أنَّ هذا الرجل لو كان خروجه لتحصيل قوتِ أولاده وزوجته فهو في سبيل الله، ولو كان خروجه لأجل أبوين يُنفِقُ عليهما فهو في سبيل الله، ولو كان خروجه لأجل تحصيل مهر ليتزوج ويعفَّ نفسه فهو في سبيل الله!

🔸تحسَّسوا الأجر في كل سعيٍ إلى الحلال فهو في سبيل الله!
نهوضُك صباحاً إلى عملك لأجل لقمةِ أولادِك ليست مُجرَّد وظيفة، هذا جهاد يومي في سبيل الله!
🔸عملُكِ في بيتكِ لأجل أن يجدَ الأولاد والزوج لقمة شهية، وثياباً نظيفة، وبيتاً مرتباً ليس مُجرد عمل حياتي مرهق، هذا جهاد يومي في سبيل الله!
🔸اصطحابُ أحد أبويكَ إلى الطبيب هذا ليس مُجرد طلب استشفاء، هذا بِرٌّ وهو في سبيل الله!
🔸ذهابُك لزيارة مريضٍ ليس طقساً اجتماعياً، هذا جبران خاطر في سبيل الله!
🔸حضورُك لتعزيةِ أولادٍ بفقدِ أبيهم أو أمهم، ليس مظهراً اجتماعياً، هذا تراحم في سبيل الله!
إن الحياة في الطاعة والخير والمعروف كلها في سبيل الله، فتحسَّسوا الأجر يسهُل عليكم الجهاد!
••••••••

أم حذيفة
08-16-2020, 11:02 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

7️⃣4️⃣

✍فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟!

🌴جرتْ بين أبي بكرٍ وعمر محاورة، قامَ منها عمر غاضباً، فلحقه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل، حتى أنه أغلقَ بابه في وجهه!
فأقبل أبو بكر إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُرى عليه أثر ما كان بينه وبين عمر، فلما رآه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: أما صاحبكم فقد غامرَ/خاصمَ!
ثم سلَّمَ أبو بكر، وأخبر النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالذي كان بينه وبين عمر، وكيف طلب منه أن يسامحه فرفض.
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: يغفِرُ اللهُ لكَ يا أبا بكر، يُرددها ثلاث مرات!
ثم إن عمر ندمَ على ما كان منه، فقصدَ بيت أبي بكر فلم يجدْهُ، فأتى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فسلَّمَ وجلسَ، ووجه النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تبدو عليه أمارات الغضب، حتى أشفقَ أبو بكر أن يقول النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لعمر شيئاً يحزنه، فجثا على ركبتيه، وقال: يا رسول الله واللهِ أنا كنتُ أظلمَ/أي الحق كان مع عمر!
فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّ اللهَ بعثني إليكم فقُلْتُم كذبْتَ وقال أبو بكر صدقَ، وواساني بنفسِه ومالِه، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟!

🔸حتى النُبلاءُ يقع بينهم الخلاف في وجهات النظر، ولو نجا من الخلافِ أحد أن يقعَ فيه لنجا منه سيدا النُبلاء أبو بكر وعمر، ولكن شتَّان بين الذين يَقلبون الصفحة سريعاً، وبين الذين يَجعلون كل خلاف شرارة لحربٍ مستعرةٍ!

▪️لكل إنسان طبع، ولو فهمنا طباعَ الناسِ الذين نتعامل معهم لتجنبنا الكثير من المشاكل، هذا هو أبو بكر، السَّمح الرَّقيق، سريع الاعتذار! وهذا هو عُمر الصَّلب، الحاد في طبعه، فسبحان من ليَّنَ طباع الناس بالإسلام، حتى غدا عمر في حِدته وصلابتِه أحنى على الرَّعية من الأم بأولادها!

▪️النبلاء عندما تذهبُ عنهم فورة الغضب يُسرعون على الفور لإصلاحِ المواقف، وٱنظُرْ لنُبل عُمر حين هدأ، ذهبَ قاصداً بيت أبي بكر ليُصلح ما كان بينه وبين صاحبه، لم ينتظرْ أن تجمعَهما الصُّدفة، ولا أن يتدخلَ بينهما الناس، حتى الخصومة لها أدب، ومن لا يملك أدب الخصومة فلا يُؤمن جانبه، فكونوا نُبلاء إذا تخاصمتم! ما أشبه موقف عُمر بموقف موسى عليه السلام الذي حين غضبَ ألقى الألواح، فلما ذهبَ عنه الغضب أخذها!

▪️وٱنظُرْ لأدبِ أبي بكرٍ ونُبلِه، فحين رأى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في صفِّه لم يهُنْ عنده عمر، وسارع للاعتراف أنه هو الذي أخطأ! كُنْ نبيلاً واعترفْ بخطئك، إبليسُ وآدم عليه السلام عصيا الله، الأول رفضَ السجود، والثاني أكل من الشجرة المُحرمة، وما زال إبليس يكابر حتى طُرِدَ من رحمة الله، وما زال آدم يستغفر حتى صار نبياً!

🔸ثم ٱنظُرْ لوفاءِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كيف يذكر فضل أبي بكر عليه! مع أنَّ فضلَ النبيِّ على أبي بكر أكبر، يكفي أنه قد هداه إلى الله، ولكن النبي الوفي يخبر الناس دون حرجٍ كيف أن أبا بكر أفنى نفسَه ومالَه في خدمته، فكُنْ نبيلاً ولا تنسَ يداً مُدَّتْ إليكَ عندما ضاقتْ الدنيا بك!

•••••

أم حذيفة
08-17-2020, 11:37 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

7️⃣5️⃣

✍أَفَتَّانٌ أنتَ يا مُعاذ!

🌳كان مُعاذ بن جبل يُصلي العِشاء مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم يرجعُ إلى قومه ويصلي بهم…
فرجعَ ذات يوم فصلَّى بهم، وصلَّى خلفه فتىً من قومه، فأطالَ مُعاذٌ الصلاة، فتركَ الفتى الصلاةَ، وصلَّى وحده!
فلمّا انقضت الصلاة أخبر الفتى مُعاذاً بإطالته، وأنه تركه وصلَّى وحده، فقال له معاذ: إنَّ هذا نفاق، لأُخبِرنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم!
فلَقِيَ مُعاذ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبره، فأرسلَ إلى الفتى وسأله، فقال: يا رسول الله، يُطيلُ المكث عندكَ، ثم يرجع، فيُطوِّل علينا في الصلاة.
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أَفَتَّانٌ أنتَ يا مُعاذ؟!
أي: مُنَفِّرٌ عَن الجَماعةِ، اقرَأْ إذا كُنتَ إمامًا "والشَّمسِ وَضُحاها" و"سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأعلى" ونَحوَهُما مِن قِصارِ المُفصَّلِ.
ثم قال للفتى: كيف تصنعُ يا ابن أخي إذا صليتِ؟
قال: أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك ودندنة مُعاذ! أي لا أنتبه كثيراً للقراءة.
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إني ومُعاذ حول هاتين نُدندن! أي نقرأ حول الجنة والنار!
وكان قد أُشيع أن العدو قد اقتربَ، ولم يرُقْ للفتى أن نعته مُعاذ بالمُنافق، فقال: سيعلمُ مُعاذٌ إذا قَدِمَ القوم.
فخرجَ الفتى في جيش المسلمين، ورزقه الله الشهادة، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لمُعاذ: ما فعلَ خصمي وخصمك؟!
فقال: يا رسول الله، صدَقَ اللهَ وكذبتُ، لقد استشهد!

🔸كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا صلَّى بالناس ينوي أن يُطيلَ القراءة بما يحتملُ المصلون خلفه، فيسمع بكاء صبيٍّ في الخلف كانتْ أمه قد أحضرته معها لتُصلِّي معه، فيُخفف الصلاة كي لا يشغل قلب الأم على ولدها!
وكان يأمر الأئمة أن لا يُطيلوا في الصلاة، فيقول: إذا صلَّى أحدكم بالناس فليُخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة، وإذا صلَّى أحدكم لنفسه فليُطوِّل ما شاء!

▪️وجاءَ رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: إني أتأخرُ عن صلاة الصبح لأجل فُلانٍ مما يُطيلُ بنا، فغضِبَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقال: يا أيها الناس إنَّ منكم منفرين، فأيكم أمَّ الناس فليُوجزْ، فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة!
التطويلُ في الصلاةِ مجلبةٌ للمشقة على الناس، وهو خلاف السُّنَّة، فترفَّقوا بالناس ولا تصدُّوهم عن صلاةِ الجماعة!

🔸درسٌ آخر، لا تدخلوا في نوايا الناس، ولا توزعوهم على الجنة والنار، لا أحد يعلمُ ما في القلوب إلا خالقها، ورُبَّ مُتذمِّرٍ من أمرٍ إنما يتذمّر على الشيخ أو العالِم ولا يتذمّر على الشرع والشريعة، فلا تجعلوا من أنفسكم بمقام النُبُوة، والفتى الذي نعتَهُ مُعاذ بالنفاق نالَ الشهادة تحت لواء النبيِّ صلَّى الله عليه وسلََم، فتأدَّبوا مع الله!

•••••••

أم حذيفة
08-18-2020, 11:34 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

7️⃣6️⃣

✍فإنك من أهلها!

🌳وأخيراً أَذِنَ الله تعالى للمسلمين الذين أُوذوا في دينهم، وأُخرِجوا من ديارهم بغيرِ حقٍّ بالقتال! ومن حكمة الله تعالى في تأخيرِ القتال هو تربيةُ الأُمَّة على العقيدة أولاً، لأن الله سبحانه أرادَ أن يكون الجهاد وسيلةً لغايةٍ نبيلةٍ هي إعلاء كلمته في الأرض، لا غاية بحد ذاتها، ولو أُذِنَ بالقتال قبل أن تتربَّى الأُمَّة حقَّ التربية لربما فهمتْ أن القتال مطلوب لذاته، أو هو وسيلة للثأر، وقد أراد سُبحانه أن يجعلَ الجهاد عبادة، ويُؤدِّبَ السَّيف بالقرآن، وإذا أراد الله سبحانه شيئاً كان، وأجملُ الشهادة ما شهد بها الأعداء، وقد قال بعض المُستشرقين: ما عرفَ التاريخ فاتحاً أرحم من المُسلمين!

🔸وخرجَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بأصحابه يريد قافلة قُريش، فغيَّرَ أبو سفيان خطَّ مسيرها وأرسلَ إلى قُريش لتُنجده، أرادَ المُسلمون شيئاً، وأرادَ المُشركون شيئاً آخر، ولكن الله أرادَ الحرب، فكانتْ غزوة بدر حيث سلَّ الإسلام سيفه للمرة الأولى دفاعاً عن عقيدته، وسيبقى هذا السَّيفُ مسلولاً، والجهادُ قائماً، لا يُبطله عدل عادل، ولا جور جائر، حتى يُقاتلُ آخر هذه الأُمة الدجَّال كما قال سيدنا، وإنه إذا قال صدق!

☘️ووقفَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بين الصَّفين يُحرِّضُ أصحابه على القتال، فقال لهم: قوموا إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض!
وكان عُمير بن الحمام الذي أخرجَ تمراتٍ من جُعبته ليأكلها على مقرُبةٍ منه، فقال له: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟
فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نعم!
فقال: بَخٍ بَخٍ!
فقال له: ما حملكَ على قول بخٍ بخٍ؟
فقال: لا واللهِ يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها!
فقال له: فإنك من أهلها!
فألقى التمرات التي في يده، وقال: لئن أنا حييتُ حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة!
ثم اقتحمَ جيشَ المُشركين، فقاتلَ حتى استشهد، وهنيئاً له شهادة تحت لواء النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم!
💡وهنيئاً لكلِّ من فتحَ اللهُ له باباً للجهاد، فأحسنَ دخوله، فقاتلَ عدواً واضحاً، إعلاءً لكلمةِ اللهِ في الأرض، ودفاعاً عن شرعه، ولم يُصِبْ دماً حراماً، ولم يُؤذِ مُسلماً في دمه وماله وعرضه، هنيئاً لهؤلاء الذين تُغفرُ لهم ذنوبهم عند أول قطرةٍ تنزلُ من دمائهم، ويأمنون فتنة القبر، لأن الجزاء من جنس العمل وكفى ببارقةِ السيوف فوق رؤوسهم فتنة، فاللهم شهادةً!

•••••

أم حذيفة
08-20-2020, 01:07 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

7️⃣7️⃣

✍قد حلتُ بينكِ وبين الرَّجل!

🌳جاء أبو بكر لزيارة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقبل أن يستأذنَ ويدخل، سمعَ عائشة ترفعُ صوتها على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم! ثم أُذِنَ له فدخلَ غاضباً وقال لابنته: أترفعينَ صوتكِ على رسولِ الله؟! ثم كأنه أراد أن يجذبها إليه ليُعنِّفها فحال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بينه وبينها، فلما خرجَ أبو بكر، جعلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول لعائشة: "ألا ترين أني قد حلتُ بينك وبين الرَّجل"! ثم جاء أبو بكر بعدها، فوجد النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وعائشة يضحكان، فقال لهما: أشرِكاني في سِلمِكُما كما أشركتماني في حربكما!

♦️قلتُ أكثر من مرةٍ أنَّ أحبَّ الأحاديث النبوية إلى قلبي هي تلك التي تُظهرُ بشريَّة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وأحبُّ حوادث السيرة إليَّ تلك التي تُرينا بيوت النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وبيوت الصحابة في هيئتِها الاجتماعية والحياتية الطبيعية التي تُشبه حياتنا تماماً، والسبب في هذا أن الناس اعتادوا أن ينظروا لحياته صلَّى الله عليه وسلَّم وحياة أصحابه بعين الحبِّ والإجلال حتى كادوا يعتقدون أن حياتهم لا مشاكل فيها ولا هموم، فتأتي هذه القصص والحوادث التي أُحبها لتضع النقاط على الحروف، وتخبرنا أن النَّاس هم النَّاس مهما بلغوا من الإيمان عتياً!

الخلافات الزوجية تقعُ في كل البيوت، تفرضُها المعاملة اليومية، وهموم الحياة، وتقلُّب النفس البشرية من طور إلى طور، وعندما ترفعُ عائشة صوتها على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فالأمر لا علاقة له بمنسوب الإيمان، ولا مقدار التقوى، إنها الحياة يا سادة، فمهما بلغتْ زوجتك من الإيمان لن تُدرك عائشة، ومهما بلغْتَ من الإيمان لن تبلغ إيمان النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وها هي مُشكلة زوجية قد حدثَتْ، والحمد للهِ أن الأوائل نقلوها إلينا حتى نتعلَّم منها الدروس والعِبر!

▪️الدرس الأول:
من كان يُمنِّي نفسه بحياةٍ زوجيةٍ بلا مُشكلات فهو واهم أو حالم، ولكن المشكلات إنما يجب أن تكون سحاب صيف يمرُّ سريعاً، والبيوت إنما يجب أن تُدار بالتغاضي والتراحم، أنتَ تتنازل مرةً، وهي تتنازل مرةً حتى لا تكون البيوت ساحات حرب!

▪️الدرس الثاني:
تتسعُ رقعة المشاكل الزوجية حين يتحزَّب الأهل لأولادهم، فالزوجة عند أهلها على حق مهما فعلتْ، والزوج عند أهله على حق مهما فعل، وهذا ليس من العدل والمنطق في شيء، الأصل أن يتدخَّلوا للإِصلاح فقط، فالبُيوت ليستْ محاكم لِرَدِّ الحقوق، بمقدار ما هي مكان للتراحم والتعايش والتغاضي والتجاهل، والأنبل من الإصلاح أن يأخذ الأهل على يد ابنهم أو ابنتهم عندما تُخطئ ولا ينسون فضل الصِّهر أو الكنة، وما أنبل أبا بكر يوم ما هانَ عليه أن ترفع ابنته صوتها على زوجِها!

▪️الدرس الثالث:
الخِلاف شيء، وأن تهونَ عندكَ زوجتكَ، أو يهونَ عندكِ زوجكِ شيء آخر!
النُبلاء يظهرون في الخصومات، وٱنظُرْ لنُبل النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لم تَهُنْ عليه عائشة حتى حين رفعتْ صوتها عليه، لقد منعَ أباها أن يتعرَّضَ لها، الخِلافات طقس لا مناخ، وعلى الطقس أن لا يستمر طويلاً!

▪️الدرس الرابع:
على الفور أعادَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم المياه إلى مجاريها، لقد مازحَ عائشة قائلاً: ألا ترين أني قد حلتُ بينكِ وبين الرجل؟! يا لنُبل النبوة إنه يسترضيها أيضاً! اقلبوا الصفحة بسرعة، بعض المواقف لا تحتاج إلى كثير من عزة النفس أيضاً ليس موضعها بين الزوج وزوجته!
••••

أم حذيفة
08-21-2020, 10:31 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

7️⃣8️⃣
✍إنَّ فيكَ خصلتين يُحبهما الله!

🌳 كان الأحنف بن قيس لا يغضبُ أبداً، حتى سُمِّيَ "حليم العرب"، وعنه كانوا يقولون: هذا الذي لا يغضبُ أبداً، ولكنه إذا غُضِبَ، غضَبَ له مئة ألفٍ لا يدرون فيمَ غضب!
وقِيل للأحنف بن قيس يوماً: ممن تعلمتَ الحِلم؟
فقال: من قيس بن عاصم، رأيتُه قاعداً بفناء داره، محتبياً بحمائل سيفه، يُحدِّثُ قومه، حتى أُتِيَ له برجلٍ مربوطٍ ورجلٍ مقتول، وقالوا: هذا ابن أخيكَ قتلَ ابنكَ! فما قطعَ كلامه ولا اهتزَّ، ولما انتهى قال لابن أخيه: يا ابن أخي أسأتَ إلى رحمكَ ورميتَ نفسكَ بسهمك! وقال لابنٍ له: قُمْ إلى ابن عمكَ فحُلَّ وثاقه، وادفن أخاكَ، وسُقْ إلى أمك مئة ناقة دية ابنها، فإنها غريبة في قومنا!

🌳عندما جاءتْ قبيلة عبد القيس إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لتُسلم، سارعَ أفرادُ القبيلةِ بالدخول عليه، إلا سيدهم أشجُّ عبد القيس، بقي عند رحالهم، فربطَ الجِمال، ولبسَ أحسن ثيابه، وأخذَ شيئاً من الطِّيب، وأتى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقرَّبَه منه، وأجلسَه إلى جانبه، وقال له: إنَّ فيك خصلتين يُحبهما الله: الحِلمُ والأناة!
فقال له الأشجُّ: أجُبِلْتُ عليهما أم تخلَّقْتُ بهما يا رسول الله؟
فقال له: بل جُبِلْتَ عليهما!

♦️نصٌّ صريحٌ قاطعٌ أن الناس يُولدون بطباعٍ مختلفةٍ، جبلَهم الله سبحانه عليها في بطون أمهاتهم، وهذا واقع نعيشه يومياً ونشاهده عياناً، إننا نرى في البيت الواحد، الكريم والبخيل، الهادئ والعصبي، الشهم والأناني، الحليم والغضوب!
▪️ولكن هذا ليس مُبرِّراً لأن ينساق الإنسان وراء طبعٍ سيءٍ جُبل عليه، لأن الدنيا دار امتحان ومُجاهدة، والنجاح والرسوب إنما يكون بمُخالفةِ الهوى أو الانسياقِ له!
حتى الأحنف بن قيس كان يقول: لستُ حليماً ولكني أتحلَّم لأُجبر نفسي عليه
وخيرٌ منه ما رواه الخطيب في تاريخ بغداد 🌳من حديث أبي هريرة أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: إنما العلم بالتعلُّم، وإنما الحِلم بالتحلُّم، ومن يتحرَّ الخيرَ يُعطه، ومن يتوقَّ الشَّر يوقه!

👈🏻ولتبسيطِ الفكرة، الإنسانُ مجبولٌ على الشهوة ولكن هذا لا يُبرر الزنى، ولكن الله سُبحانه جبله عليها امتحاناً ليرى كيف يُشبع شهوته حلالاً أم حراماً، يحكمها أو تحكمه!
والإنسانُ مجبولٌ على حب المال، ولكن هذا لا يُبرر السرقة، ولكن الله سُبحانه جبلَه عليه امتحاناً ليرى من يكسب بالحلال ومن يكسب بالحرام، من يُؤدِّب شهوته ومن ينساق لها انسياقَ البهائم المحكومة بغريزتها لأن لا عقل لديها!

أم حذيفة
08-23-2020, 12:20 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

7️⃣9️⃣

✍أتدري فيما يتناطحان؟

🌳كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يمشي ومعه أبو ذرٍّ الغفاري، فرأى شاتين يتناطحان، فقال له: يا أبا ذر، أتدري فيما يتناطحان؟
فقال أبو ذرٍّ: لا.
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ولكنَّ الله يدري، وسيقضي بينهما يوم القيامة!

🔸الدُّنيا ليستْ نهاية المطاف، فلا تبتئس لحقٍّ لكَ لم تأخذه فيها، ولا تفرح بحقٍّ غصبْتَه من غيرك، في الآخرة ستُقام المحكمةُ التي تشهدُ فيها الجوارح، يدُك التي أخذتْ ما ليس لها، وعينُك التي نظرتْ إلى ما لا يحِلُّ لها، وفمُكَ الذي أكلَ الحرام، ولسانُك الذي آذى الناس، شهودُكَ منكَ وعليكَ، فأَحسِنْ اختيار شهودك!

▪️أيتها البنتُ التي حُرمتْ من الميراث لأنها بنتٌ، واللهِ لتفرحينَ بحقكِ الذي ستأخذينه بين يدي اللهِ أكثر من فرحكِ بميراثكِ لو أنكِ أخذتِه في الدنيا!
▪️أيتها الزوجة التي أُوذيتْ ضرباً مبرحاً وكلاماً جارحاً فصبرتْ واحتسبتْ وقالتْ: حسبي الله ونعم الوكيل، واللهِ لتأخذين حقكِ بين يدي الله وستفرحين به أكثر من فرحكِ بدلالِ الدنيا لو أخذتِهِ!
▪️أيها العاملُ المسكين الذي سمعَ عباراتِ الإهانة، وأُوذيَ في كرامتِه وجسدِه، فصبرَ واحتسبَ كي لا يجوع أولاده، والله لتأخذنَّ حقكَ بين يدي الله، ولتفرحنَّ به أكثر من فرح التوقير لو نلته في الدنيا!
▪️أيها التقيُّ النَّقيُّ الذي اتُهِم في دينه، ورُميَ بالتشدُّد والتخلُّف، واللهِ لتأخذنَّ حقك بين يدي الله، ولتفرحنَّ به أكثر من فرحك ولو نصبوا لك منبراً في الدنيا!
▪️أيتُها التي أُوذيت في عرضها، وقيل فيها ما ليسَ فيها!
▪️أيها الذي اتُهم بأمانته وسُجن ظلماً!
▪️أيتها التي قيل عن حِجابها مُعقدة ودقة قديمة!
▪️وأيها الذي أُخذ منه بالواسطة وظيفة كان يستحقها!
🔸استبشروا جميعاً، إنَّ الرَّب العادل الذي سيقضي بين شاتين يتناطحان، وقد سقطَ عنهما التكليف، فسيقضي بالعدلِ بينك وبين خصومك، ويا لسعد من أتى الله مظلوماً ولم يأته ظالماً!

••••••

أم حذيفة
08-24-2020, 12:24 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

8️⃣0️⃣

✍أتدرون من المفلس؟!

🌳كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جالساً مع أصحابه، فسألهم: أتدرون من المُفلس؟
فقالوا: المُفلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع.
فقال: إنَّ المُفلس من أُمَّتي، الذي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكلَ مالَ هذا، وسفكَ دمَ هذا وضرب هذا! فيُعطى هذا من حسناتِه وهذا من حسناتِه، فإن فنيَتْ حسناتُه قبل أن يقضيَ ما عليه، أخذَ من خطاياهم فطُرحتْ عليه ثم طُرح في النار!

▪️
فمن خلال سؤاله صلى الله عليه وسلم: (أتدرون من المفلس؟)، أراد أن يَنقلَهم إلى أبعد من الدنيا وحطامها، ويحول أبصارهم وقلوبهم إلى إفلاس من نوع خطير رهيب.
▪️
فما هو المفهوم الصحيح للمفلس؟ ومن هو المفلس الحقيقي في المفهوم النبوي؟.

واسمعوا يرحمكم الله لهذا الوصف النبوي للمفلس الحقيقي.

▪️
يقول النبي صلى الله عليه وسلم:(إن المفلس من أمتي)، (من أمتي)، فهو من أمة النبي صلى الله عليه وسلم، المعني بهذه الصفة هو من هذه الأمة ينتسب إليها وليس بعيدا وليس غريبا عنكم معاشر المخاطبين
🔳 فيوقف( المفلس) يوم الحشر، ويقف حوله خصماؤه الذين كان يظلمهم ويعتدي عليهم إما بلسانه أو بيده، يُوقف ويقف معه غرماؤه في ذلك الموقف الرهيب، كلهم يريدون أخذ حقوقهم التي لم يستطيعوا أخذها في الحياة الدنيا، يقفوا ليُقتص لهم منه، ويأخذوا حقوقهم كاملة في الآخرة.
🔳 ولكم أن تتصوروا هذا الموقف، الخصماء يحيطون به من كل مكان، فهذا يأخذ بيده وهذا يقبض على ناصيته، وهذا يتعلق بكتفيه، وهذا يقول ظلمني، وآخر يقول شتمني، وذاك يقول اغتابني، وغيره يقول جاورني فأساء جواري، وهذا يقول غشني، وقائل يقول كذب علي... كل الخصماء، كل الذين نالَهم ظلمَه واعتدى عليهم في الحياة الدنيا يحيطون به، وهو متحير من كثرتهم وتشبتهم به، وقد ضعف عن التخلص منهم ومقاومتهم، لا حول له ولا قوة، فيمد عنق الرجاء إلى ربه لعله يخلصه منهم، لكن يقرع سمعه نداء الجبار: ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾

•••••••

أم حذيفة
08-25-2020, 11:19 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

8️⃣1️⃣

✍ما تقولون في هذا؟!

🌳ما كانوا يعرفون أنهم على موعد مع درسٍ عظيمٍ عمَّا قليل، النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جالس وهم حوله، كلُّ شيءٍ كان عادياً، ليس هناك أمر مستجد من أمور الدنيا، ولا نزل الوحي بشيء من أمور الدين، ثُمَّ مرَّ رجلٌ فسلَّمَ ومضى…
فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لمن معه: ما تقولون في هذا؟
قالوا: رجل من أشراف الناس، هذا واللهِ حَرِيٌّ إن خطبَ أن يُزوَّج، وإن شفعَ أن يُشفَّع، وإن قال أن يُستمع له!
فسكتَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ولم يقُل شيئاً، ثم بعد قليل مرَّ رجلٌ من فقراء المسلمين فسلَّمَ ومضى… فقال لمن حوله: ما تقولون في هذا؟
قالوا: هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حَرِيٌّ إذا خطبَ أن لا يُزوَّج، وإنْ شفعَ أن لا يُشفَّع، وإن قال أن لا يُستمع له!
فقال: هذا خيرٌ من ملء الأرضِ من ذاك!

🔲 الناس هم الناس في كل عصر، تخدعهم المظاهر، ويسحر قلوبهم ما يروه ويسمعوه، ذلك أنهم اعتادوا أن ينظروا إلى الدنيا بعيون الدنيا، ولو نظروا إليها بعيون الآخرة لاختلفتْ أحكامهم حتماً!
الأناقة مطلوبة، ولكن ما أدراك أنه قد يكون خلف هذه البدلة الأنيقة قلباً عفناً، وخلف هذا الفستان الماركة نفسية مريضة!
الغنى شيء جميل، ولكن ما أدراك أنه قد يكون خلف هذا الثراء مالٌ حرام جُمع بالغش والظلم والربا وأكل أموال الناس بالباطل!
اللسان الحلو فاتن، ولكن ما أدراك أنه قد يكون خلف هذا الكلام المعسول ذئب مُتربِّص، وحيَّة رقطاء تنتظر لحظة اللسع!

البطولة الحقيقية ليستْ في رفع الأوزان في النوادي الرياضية وإنما في رفع الغطاء الدافئ لصلاة الفجر!
والأناقة الحقيقية ليستْ في البدلة الرسمية ولا المجوهرات، وإنما في نقاء القلب، وطِيب النفس، وحُب الخير للناس!

🔸احكُمْ على الناس بقُربهم من الله وبُعدهم عنه، بإحسانهم للخلق وإساءتهم إليهم!
البطلُ الحقيقي هو الذي يتوقَّف عند شرع الله، والجبان هو الذي ينتهك حدود الله ولو انتصرَ كل يوم في معركة!
خطبَ شابٌ فتاةً من أبيها، فلم يسأله ماذا تعمل، ولا أين ستُسكنها، ولا كم راتبك، وإنما سأله سؤالاً واحداً أذهله، قال له: في أية ساعة أذان الفجر؟
فلم يعرف!
فقال له: ليس عندنا بنات للزواج!
•••••

أم حذيفة
08-27-2020, 09:20 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

8️⃣2️⃣

✍فإنهما كانا متحابين!

🌳بينما النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُشرفُ على دفن شُهداء غزوة أُحدٍ قال: ادفنوا عمرو بن الجموح وعبد الله بن حرام في قبرٍ واحدٍ فإنهما كانا متحابين!
على أن الموت ليس فِراقاً، جميعنا سنموتُ نهاية المطاف، الفِراق الحقيقي أن يكون أحدنا في الجنة والآخر في النار!
▪️ومن أجمل ما قرأتُ قول أحدهم عن جدته، قال: كانتْ تُوقظنا لصلاة الفجر، وتقول انهضوا لا نُريد أن ينقُصَ في الجنة منا أحد!

▪️من أحبَّكَ حقاً هو الذي خافَ عليكَ من النار، ويا لحُبِّ إبراهيم لآزر وهو يقول له: "يا أبتِ إني أخاف أن يمسَّكَ عذابٌ من الرحمن"!

🔸وٱنظُرْ لجمال قول النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: فإنهما كانا مُتحابين!
ما أجمل أن يُعرف الإنسان بين الناس بصفاته العذبة، أن يُعرف بالمُحب، والشهم، والكريم، والنبيل، إذا ذُكر اسمه لمعتْ صورة وجهه في أذهان السامعين كأنها قلب أحمر كذلك الذي نضعه وراء العبارات الجميلة التي نكتبها!

ترجمَ الذهبيُّ رحمه الله في سِيَرِ أعلام النُّبلاء لمحمد بن ميمون فقال: أبو حمزة السُّكري، محمد بن ميمون المَرْوَزِي، ولم يكن يبيعُ السُّكر، وإنما سُمِّيَ بالسُّكري لحلو كلامه!
👈🏻فيا تُرى لو أراد الذين يعرفوننا أن يستبدلوا أسماءنا بصفاتنا التي نُعاملهم بها فماذا عساها تكون؟!
ماذا سيختار الأبوان لنا اسماً، الابن البار المرضيُّ المُبارك، أم الابن العاق الفظُّ السليط؟!
ماذا ستختار الزوجة اسماً لنا، الزوج الحنون الكريم المُتسامح، أم الزوج العنيف القاسي؟!
ماذا سيختار الزوج لكِ اسماً، الحنونة المُحبة الكريمة الصبورة، أم سليطة اللسان قاسية القلب جارحة الكلام؟!
ماذا سيختارُ الجار لكَ اسماً، الشهمُ المعطاء المُسالم، أم الغادر الجشِع سيء الخُلق؟!
ماذا سيختار زملاء العمل لكَ اسماً، حافظ السر الأمين المُهذب المُؤدب، أم الواشي والفاضح؟!
أسماؤنا لنا أما صفاتنا فللناس، وهم الذين يضعون لنا صفةً بناءً على تعاملنا معهم، ويوماً ما سترحل الأسماء وتبقى الصفات، فاتركوا وراءكم من يترحم عليكم!

أم حذيفة
08-28-2020, 11:04 PM
على منهاج النُّبُوَّة

8️⃣3️⃣

✍إنَّ لي فيهم نسباً!

كانتْ القبيلةُ في الجاهلية إذا بُشِّرتْ بميلادِ شاعرٍ فيها أضرمتْ النارَ في مضاربِها ثلاث ليالٍ احتفاءً، فالشاعرُ في ذلك الوقت هو وزارة إعلام القبيلة! وعن الشِّعر قالوا: كان العرب ولم يكُن لهم من علمٍ غيره! وهذا من بابِ بيانِ سطوةِ الشِّعرِ، وأهميتِه، وشغفِهم به، وإلا فقد عرف فيهم الطب، والاستدلال بالنجوم للمسير، واتِّباع الأثر، وكثير من الذكاء والفراسة!

🌳ولأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يعرفُ منزِلَةَ الشِّعرِ في العرب، وأنَّ المعركة مع قُريش ليستْ معركة سيوف فقط، قال: اهجوا قريشاً، فإنه أشدُّ عليهم من رشقِ النّبلِِ!
فأرسلَ إلى عبد الله بن رواحة، وقال له: اهجُهُم!
فهجاهم، ولكن هجاءه لم يُرضِ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم!
فأرسلَ إلى كعب بن مالك، فلم يجِد شِعره يفي بالغرض!
ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخلَ عليه قال حسان عن نفسه: قد آن لكم أن تُرسلوا إلى الأسدِ الضاربِ بِلِسانه! ثم قال للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: والذي بعثكَ بالحقِّ لأفرينَّهم بلساني فريَ الأديم!
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لا تعجَلْ، فإنَّ أبا بكرٍ أعلمُ قُريشٍ بأنسابها، وإنَّ لي فيهم نسباً حتى يلخِّصَ لكَ نسبي!
فذهبَ حسانُ إلى أبي بكر، ثم رجعَ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقال له: يا رسول الله، قد لخَّصَ لي أبو بكر نسَبَكَ، لأسُلَّنَّكَ منهم كما تُسَلُّ الشعرة من العجين!
فهجاهم حسَّان، ورضيَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم هجاءه، وقال له مُشجعاً: اهجُهُم وروح القُدس معك!

♦️الشَّاهد في القصة أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم على عدائه مع قُريش، لم يهُن عنده نسبه وقرابته ورحمه، ورغم أنَّ القضيةَ كفرٌ وإيمانٌ حيث لا مُواربة ولا مُجاملة، إلا أن الأصيلَ لا يَذُمُّ عرضَه، ولا يهجو رحمَه، إنما يهجو الفكرةَ المشركةّ، والنهجَ الأعوج! وسبب قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إنَّ لي فيهم نسباً، هو أن الذي هجاه هو ابن عمه أبو سُفيان بن الحارث بن عبد المُطلب، فخشيَ أن يطال هجاء حسان عمّه، وجده، وأرحامه، وكان حسَّان على قدر المسؤولية والإبداع!

♦️في قضيةِ الشركِ والإيمانِ لم يهُنْ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم نسبه ورحمه، ونحن اليوم نجد أن العائلة إذا اختلف أفرادها على شيءٍ من الدنيا نشروا أعراض بعضهم البعض بين الناس، وفي مواقعِ التواصلِ، وفجروا في الخصومة، وتناولوا الأحياء والأموات دون أدنى وازعٍ من ضميرٍ ولا أخلاق!
أن يُطالِبَ الإنسان بحقه شيء، وأن يكون بذيئاً، قليلَ أصلٍ وأخلاقٍ ودينٍ شيءٌ آخر، إن الغاية لا تُبرر الوسيلة، نحن أُمَّةُ الأخلاقِ، وفي ديننا طُهر الغاية تُحتم البحث عن طهر الوسيلة!

أم حذيفة
08-30-2020, 10:16 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

8️⃣4️⃣

✍🏻 اِطرح متاعكَ في الطريق!

🌳عن الصحاح فقد روى الطبرانيُّ أنَّ رجلاً جاء إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يشكو أذيَّةَ جاره له، فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: اِذهبْ فاصْبِرْ!
ثم عاد بعد فترةٍ يشكو جاره مرةً أخرى، فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: اِذهبْ فاصْبِرْ!
ثم في الثالثة قال له: اِذهبْ فاطرحْ متاعكَ في الطريق!

فذهبَ الرَّجلُ وأخرجَ أثاث بيته إلى الطريق، فجعلَ الناسُ يسألونه عن فِعلته، فيُخبرهم أنه فعلَ هذا للأذى الذي أصابه من جاره! فجعلَ الناس يلعنونه، ويدعون عليه!
فجاء جار السوء إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقال له: يا رسول الله لقيتُ سوءاً من الناس
فقال له: وما لقيتَ؟
فقال: يلعنونني!
فقال له: لقد لعنكَ اللهُ قبل الناس!
فقال: عاهدتك الله أني لا أعود
فأرسل َالنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الجار المظلوم يقول له: اِرفَعْ متاعك َفقد كُفيتَ!

👈🏻وفي الحَديثِ: عِظَمُ حقِّ الجارِ، والتَّحذيرُ من إيذائِه.
🔸وعن حسنِ الجوار،
عن مجاهد أن عبد الله بن عمرو ذبحت له شاة في أهله فلما جاء قال أهديتم لجارنا اليهودي أهديتم لجارنا اليهودي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه


وجاه رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن فلانة، وذكرَ من كثرة صيامها وصلاتها وصدقتها، ثم قال غير أنها تُؤذي جيرانها
فقال: هي في النار!
وذكر له امرأة أخرى، وحدَّثه عن قلة صيامها وصلاتها وصدقتها، يعني النوافل، غير أنها تُحسن إلى جيرانها
فقال: هي في الجنة!

👈🏻والآن إلى مربط الفَرس: اِطرَح متاعكَ في الطريق!
الأصل في التعامل مع الناس السِّتر، واحتمال الأذى، فلا نشيعُ ذنبَ أحدٍ ومعصيته، ونصبر على ما نلقى منهم، ولكن أحياناً يبلغ السيل الزُّبى! وتفوقُ الإساءة القدرة على الاحتمال خصوصاً عندما تكون عبارة عن إساءات متكررة، فإنَّ وقتها الساكت عن الحق شيطان أخرس، والراضي بالظُّلم ليس حليماً بقدر ما هو جبان!
🗯️ إن بعض الناس يفهمون الصبر والتغاضي ضعفاً، ويفهمون الترفع عن رد الإساءة عجزاً، فيتمادون في الإساءة، عندها يجب أن تُخرج َ متاعكَ إلى الطريق، ليس بالحرف وإنما بالمعنى! فإخراج المتاع إلى الطريق له وسائل شتى!
الشكوى إلى القضاء هي إخراج متاعٍ إلى الطريق، والحديث مع وجهاء الحارة والحي هو إخراج متاع إلى الطريق، ووسائل التواصل الاجتماعي هي أيضاً طريق!

أم حذيفة
09-02-2020, 01:06 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

8️⃣5️⃣

✍🏻إن الله أمرني أن أقرأ عليك!

🌴تخيَّلْ أن يُقال لكَ: قد قال مديرُكَ أنك موظف رائع، لا شكَّ أنك ستفرح، أما إذا قيل لكَ أن الوزير قالَ عنك أنك بارع في مجالك ومن أهل الاختصاص، فلا شكَّ أنك ستمتلئ رضىً وتفخر بنفسك! أما لو قيل لكَ أن الملكَ أو الرئيس ذكرَ اسمكَ في مجلسه لرُبما نبتتْ لكَ أجنحة وشعرتَ أنَّ هذه الدنيا كلها لا تتسع لفرحك! والآن تخيَّلْ، تخيَّلْ فقط أن يُقال لكَ إنَّ الله تعالى قد ذكرَ اسمكَ!
ما أردتُ منك أن تتخيله قد حدث لأحدهم فعلاً! استدعى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أُبيَّ بن كعبٍ وقال له: إنَّ الله أمرني أن أقرأ عليكَ "لم يكن الذين كفروا"
فقال أُبيُّ: وسمَّاني لكَ؟
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: نعم، سمَّاكَ لي!
فجعلَ أُبيُّ يبكي، وكان حتى آخر لحظات عمره يقول: أنا الذي سمَّاني ربي!

لماذا أُبيُّ بن كعبٍ تحديداً وأبو بكر وعثمان وعلي أفضلُ منه؟
هذا لأن أُبيَّ بن كعبٍ كان أقرأ الصَّحابة لكتاب الله، لهذا كان من الطبيعي أن أبا بكرٍ لما أراد جمع المصحف بعد حروب الرِّدة أن يجعل أُبَيَّاً من ضمن اللجنة التي أُوكِل إليها جمعه. وعندما أراد عثمان أن يجمع القرآن الجَمعة النهائية التي هي عليها اليوم أن يجعل أُبيَّاً في لجنة جمعه!
إنَّ هذه الدنيا اختصاص بالدرجة الأولى، أبو بكر أفضل من أُبي بن كعب بالجُملة ولكن أُبيَّاً أُعطيَ حظاً من القرآن لم يُعطه أبو بكر!
وعُمر أفضل من خالد بالجُملة ولكن خالداً أعلم من عُمر بالحرب!
وعُثمان بن عفان أفضل من معاذ بن جبلٍ بالجُملة ولكنَّ مُعاذاً أعلم بالحلال والحرام من عثمان!
وعليُّ بن أبي طالب أفضل من أبي هُريرة بالجُملة ولكن أبا هريرة أكثر حفظاً للحديث من علي!
وهذا الإسلام العظيم بلغَ ذروة مجده وقوته لأنه كان يضع الرجل المناسب في مكانه المناسب، أي بحسب المجال الذي هو بارع فيه، لم يكن عند النبي شكٌّ أن أبا بكر أفضل من خالد، ولكنه وضع خالداً على رأس الجيش لأنَّ خالداً أعرفُ من أبي بكر بأُمور الحرب! وعندما قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأبي ذر: يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً، وإني أحبُّ لكَ ما أُحبُّ لنفسي، لا تأمَّرَنَّ على اثنين، ولا تولَّينَ مالَ يتم! لم يَذُمَّ أبا ذرٍّ أو يتهمه في دينه، الأمر له علاقة بشخصية أبي ذر، وتركيبته النفسية وطبعه ليس إلا! فقد كان أبو ذر صاحب منطق ورأساً في الزهد والصدق والعلم والعمل قوِّالاً بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عنه: "ما أظلَّتِ الخضراءُ ولا أقلَّتِ الغبراءُ من رجل أصدق لهجةً من أبي ذر"!

إنَّ الذي يُصلي الصلوات الخمس في المسجد رجل مبارك ومحترم، ولكن هذا لا يعني أنه يصلح أن يكون وزيراً ويتولَّى شؤون العامة!
والذي يحفظُ القرآن عن ظهر قلب، رجل نقي تقي، ولكن هذا لا يعني أنه يصلحُ أن يكون قائداً للجيش!
التقوى والأخلاق والصلاح صفات مطلوبة في الناس بغض النظر عن أي منصب يتولونه، ولكن ابحثْ أولاً عن براعة الأشخاص وخبرتهم بالعمل الذي تريدُ أن تُحملهم مسؤوليته، ثم بعدها فاَضِلْ بينهم بالتقوى والصلاح والسعي إلى المساجد، أما أن يُعطى التقيُّ عملاً لا دراية له به فهو ظلم له وللناس!

••••••

أم حذيفة
09-02-2020, 11:45 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

8️⃣7️⃣

✍🏻عجِب الله من صنيعكما!

🌳أتى رجل إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: إني مجهود.
فأرسلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى بعض نسائه يسألها إن كان عندها طعامٌ في البيت حتى يأتيَ بالضيفِ، فقالتْ: والذي بعثكَ بالحقِّ ما عندي إلا ماء! فأرسل إلى زوجاته جميعاً، حتى قُلْنَ كُلُّهُنَّ: والذي بعثكَ بالحقِّ ما عندي إلا ماء!
فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لجُلسائه: من يضيفُ هذا الليلة رحمه الله؟
فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله!

فانطلقَ به إلى بيته، وقال لزوجته: هذا ضيف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فهيِّئي له الطعام.
فقالتْ: ما عندي إلا طعام أولادي!
فقال لها: نوِّمي أولادك، ثم ضعي الطعام، فإذا مدَّ يده ليأكل فقومي إلى السِّراج فأطفئيه، ثم تعالي نوهمه أننا نأكل معه حتى يكفيه الطعام فيشبع!
ففعلت مثلما أمرها، فشبعَ الضيف، وباتا جائعين!
فلما أصبح غدا إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال له: عجِب الله من صنيعكما! وأنزل فيكما قرآناً: " ويُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوقَ شحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون"!

الدنيا دولاب والزمن دوار، اليوم معكَ مال وغداً قد لا تجده، واليوم لا تجده وغداً قد تثرى! لا الفقر عيب ولا الغِنى سُبة، المهم هي أخلاق المرء في غناه أو فقره، المهم ما في قلبه لا ما في جيبه! تخيَّلوا أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يجِد في بيت واحدة من زوجاته طعاماً يقري به ضيفه! إياك أن تعتقد أن الفقر عقوبة، أو أن الغِنى جائزة، كل ما في الأمر أن الدُّنيا امتحان، فإياك أن ترسب مهما كانتْ أسئلة الامتحان!

النبيلُ هو الذي يبادر ليسُدَّ حاجة غيره ولا يحرجه فيظهر بمظهر المُقصِّر! من النُّبلِ إذا علمتَ بمرض أحدٍ في بيت جارٍ فقيرٍ أن تُعينه دون أن يطلب، أنتَ تعرفُ حاله، وبعضُ الناس تمنعه كرامته أن يطلب، وأجمل العطاء هو الذي يرحمُ الكرامة ويحفظُ ماء الوجه!

من النُّبلِ إذا أُقيم عزاءٌ لفقراء تعرفهم أن تساهم معهم في تكاليفِ العزاء، أو أن تشتري لهم بعض حاجياته ومُتطلباته كي لا تحرجهم أمام الناس فيظهرون بمظهر المُقصِّر والمحتاج، هذا لا يدخل في باب الصدقة فقط وإنما في باب السِّتر أيضاً، ويا لحب اللهِ للسِّتيرين من عباده!

العطاءُ أدبٌ أيضاً، فأن تحرمَ إنسان من صدقتك أفضل من أن تُعطيه إياها على ملأ فتجرح كرامته وتشعره بالحرج، وٱنظُرْ لأدب الأنصاري عندما علِم أن الطعام قليل، طلبَ من زوجتِه أن تُطفئَ السِّراج لأن الضيف سيشعر بالحرج ولن يأكل لو رأى أن الطعام لا يكفي للجميع!
رفعُ الحرج من جبر الخواطر، وجبر الخواطر عبادة!

••••••

أم حذيفة
09-04-2020, 12:12 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

8️⃣8️⃣
✍🏻حبسهم العذر!

🌳في طريق عودة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم من غزوة تبوك، قال لأصحابه: "إنَّ في المدينة رجالاً ما سِرتُم مسيراً، ولا قطعتُم وادياً إلا كانوا معكم، وشركوكم في الأجرِ حبسَهُم العُذر"!

♦️نِيَّةُ المؤمنِ خيرٌ من عملِه، وعملُ المنافقِ خيرٌ من نيته!
كم صلَّى ابن سلول خلف النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في المسجد فلم تنفعْه صلاته لأن هذا العمل الجميل كان خلفه نية قبيحة!
وكم قالَ الأخنس بن شريق الثقفي كلاماً جميلاً ولكنَّ قلبه كان فاسداً، فنزلَ فيه قول الله تعالى: "ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألدُّ الخصام"!
وكم أظهرَ الجد بن قيس الورع، حتى أنه تذرَّع بعدم الخروج للجهاد خشية أن يرى نساء الروم فيفتنوه عن دينه، حتى عرَّى الله ورعه الكاذب فقال فيه: "ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا…"!
⬅️صلاةٌ لم تنفعْ، وكلامٌ حَسَنٌ لم يشفعْ، وورعٌ لم يرفَعْ، ذلك أن القلوب فاسدة، وإن الله ينظرُ إلى القلوب!

⬅️بالمُقابل حرِمَ بعض الصحابة من تلك الغزوة، فكتبَ الله سبحانه لهم الأجر كاملاً!
المريض الذي كان يتقلَّبُ على فراشه ويتحسَّرُ كيف فاتته تلك الغزوة، وأنه لو كان صحيحاً لشاركَ فيها، كتبَ الله له أجر الغزوة، وما سارَ الصحابة مسيراً، إلا وكان له من الأجر مثل ما كان لهم!
الفقيرُ الذي كان يتجرَّعُ بمرارةٍ بقاءه في المدينة لأنه لم يجدْ ثمن ناقةٍ يُسافرُ عليها، وأنه لو كان معه لما تخلَّف، نظرَ اللهُ إلى قلبه، وعَلِمَ صدقَ ما فيه، فأعطاه الأجر غير منقوص، كان الصحابة يقطعون الوديان، ويُكابدون حرَّ الشمس، وهو في بيته يُشاركُهم في الأجر!

▪️كلُّ مريضٍ مُتعثِّرٍ يُجمع له مال وأنتَ لا تستطيع أصلِحْ نِيَّتَكَ أنكَ لو كان معكَ ما ترددتَ في المشاركة، وإن عَلِمَ الله صدقكَ كتبَ لكَ أجر المشاركين، ولكن إياكَ أن يُغنيك لاحقاً ليمتحنكَ، فيراكَ تتخلَّف!
▪️كلُّ مظلومٍ لم تستطِعْ أن ترفعَ عنه الظلم لضعفكَ وعجزكَ، أصلِح نِيتكَ أنكَ لو كنتَ قادراً لقُمْتَ بنجدته، وإن علِمَ اللهُ صدقكَ فسيكتبُ لكَ الأجر كاملاً، ولكن إياك أن يُعطيك القدرة بعد ذلك ليمتحنك فيراك ترسبُ!

🌾وإلى كل الذين كانوا قد عزموا على الحج هذا العام، فحبسهم العذر، وما نزل بالناس من مرض، فأبشروا بأجر بلا مشقة، فإن المرء يبلغ بالنية ما يبلغه بالعمل، وما أرحمك يا الله.

••••

أم حذيفة
09-04-2020, 09:41 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

8️⃣9️⃣

✍🏻لو مُرجَت بماء البحر!

🔸إن الإيمان لا يلغي طبائع الناس وإنما يُؤدِّبها، ولا يمحو غرائزهم وإنما يُهذِّبها، الإيمان لم يُلْغِ عاطفة الأبوة عند نوحٍ عليه السلام حين غرقَ ابنه، فسألَ الله عنه، فلما نهاه انتهى! وعمر بن الخطاب الصَّلب شديد الطَّبع في الجاهلية، بقيَ صلباً حازماً في الإسلام، ولكن الفارق حين تتحول الشِدَّة في الباطل إلى شِدَّة في الحق، وهنا تكمُنُ عَظَمَةِ الإيمان!
لا يستطيع الإنسان أن يخرجَ من قفصِ بشريته مهما بلغ من الإيمان عتياً، مهما كانتْ الزوجة مُؤمنة ستغار من ضرتها، الأمر لا علاقة له بالإيمان بقدر ما له علاقة بهذه النفسِ البشريةِ التي جبلَنا الله سُبحانه عليها!

🌳 كانتْ أُمُّنا عائشة جالسةً يوماً مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقالتْ له: حسبكَ من صفية كذا وكذا! أي أنها قصيرة القامة!
فقال لها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: يا عائشة لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَتْ بماءِ البحرِ لمزجته!
رغمَ أن صفية قصيرة فعلاً ولم تتجنَّ عائشة عليها، إلا أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عدَّ ذلك غيبةً عظيمةً،
💨فقد سبقَ وأن عرَّفَ الغيبة بقوله: الغيبة ذكركَ أخاك بما يكره!
فقال رجل: يا رسول الله أرأيتَ إن كان في أخي ما قلتُ فيه؟
فقال له: إن كان فيه ما قلتَ فيه فقد اغتبْتَه، وإن لم يكُنْ فيه فقد بهتَّه!

🔸يعتقدُ الناسُ أنهم وهم يغتابون الآخرين أن لا شيء في الأمر طالما هي حقائق! وكأن الحقيقة تُبيح لكَ أن تأكلَ لحوم الناس!
▪️تجدُ المجالس ضيافتها لحوم الناس، يُقرمشونها للتسلية، وإشباع حاجة الفضول والثرثرة! لا يَسلم منهم دين فلان ودنياه، ولا عرض فلانة وحياتها، وكأنهم رُقباء على الناس، وهؤلاء في الأغلب إذا أردتَ أن تنتقدَ أحوالَهم لا تعرف من أين تبدأ!

▪️أما عن البُهتان فحدِّثْ ولا حرج!
كم من زواجٍ أُلغِيَ فقط لأن أحدهم ألَّفَ للخاطب قصة عن المخطوبة هي منها براء براءة الذئبِ من دمِ يوسف عليه السَّلام!

وكم من صدقة قُطِعتْ عن فقيرٍ مُحتاجٍ فقط لأن رجلاً ضيِّق الصدر والقلب أخبر المُتصدِّق أن فلاناً ليس فقيراً وأنه يشتري ويصرف هذا فقط لأنه رآه يوماً حاملاً ربطة خبز لأولاده، أو شاهده عند الجزار أو بائع الخضار! يريدُ هذا الباهت أن يدفنَ الناس أحياء!

أم حذيفة
09-05-2020, 10:15 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

9️⃣0️⃣

✍🏻عند اللهِ أنت غال!


🌳 كان رجلٌ من البادية اسمه "زاهر" يحضرُ إلى المدينة، فيبيعُ فيها ما أحضره معه من البادية، ويشتري من المدينة ما يلزم أهله، وكان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يحبّه ويلاطفه، وكان زاهرٌ إذا جاء المدينة أحضرَ معه هديةً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فإذا أرادَ العودة إلى البادية جهزه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأهداه! وكان يقول عنه: إنّ زاهراً باديتنا، ونحن حاضروه! أي أنه يُحضر لنا من البادية ما يلزمنا، ونحن نُعطيه من المدينة ما يلزمه!
وكان زاهر هذا دميم الوجه، ولكنه كان يملكُ قلباً كأنه قطعة سُكَّرٍ! وكان مرةً مُنشغلاً ببيعِ بضاعته، فجاء النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم من ورائه دون أن يشعر فاحتضنه من الخلف يُريدُ أن يمازحه، فجعلَ زاهرٌ يقول: من هذا؟ أَفلتني!
فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ممازحاً يُريدُ منه أن يعرف أنه هو: من يشتري العبد؟
فقال زاهر: يا رسول الله، إذاً واللهِ تجدني كاسداً!
فقال له: لكن عند اللهِ أنتَ غالٍ!

♦️كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أكثر الناس هماً، على عاتقه همُّ هداية البشرية إلى دين ربها، وهمُّ السياسة والحروب والمعاهدات، وهمُّ شؤون الناس والزكاة والصدقات، ولكنه لم يسمح لهذه الهُموم كلها أن تسلبَ منه شيئاً من لُطفه وإنسانيته، لديه وقت لكل شيء، زوج مثاليٌّ، وأبٌ حنونٌ، وجَدٌّ مُحبٌّ، وجارٌ لطيفٌ، وصاحبٌ وفيٌّ! بل لديه وقت أن يتعرَّف إلى بائع مُتجوِّل يأتي من البادية، بل لديه وقت أن ينتبه لأدق التفاصيل، فكان يقبل هديته كرماً منه، ثم يرد الهدية إذا حان موعد الرحيل، بل وأكثر من هذا إنه يُمازح ويُلاطف، يُمسكه من خلفه كما نفعل نحن حين نُغمض عيون أحبتنا ونسألهم من نحن، فما بالنا يمشي أحدنا بهمٍّ واحدٍ، أو ربما منصب مرموق، كأنه يحمل الأرض على كتفيه، في البيت جلَّاد، ومع الجيران فظ، ومع المعارف غليظ، الأمر أهون من هذا بكثير،
👈🏻فقبل أن تكون موظفاً ناجحاً، وإنساناً ثرياً، كُنْ إنساناً، لا يوجد شيء أروع من هذا!

♦️لا يهمُّ من أنتَ عند الناس، المهم من أنتَ عند الله! كان زاهر عند الناس لا يُذكر، بل إنه كان يعرفُ أنه لو كان عبداً وأراد سيده أن يبيعه فلن يجد من يشتريه، ولكن سيِّد الناس أخبره أنه عند الله غالٍ! ليستْ الخسارة أن يضعكَ الناس دونَ قدركَ وأنتَ عند الله مرموق، ولكن الخسارة أن يرفعكَ الناس فوقَ قدرك وأنتَ عند الله رخيص!
لا يضُرك إن جهلكَ الناس، حسبُكَ من الشُّهرة أنك إذا رفعتَ يديكَ إلى السماء تدعو، قالت الملائكة يا رب صوت معروف من عبدٍ معروف!
لا يضُرك إن متَّ بسيطاُ ثم نُسيتَ فلم تُفتقد، يكفيك أن يبكيك ممشاك إلى المسجد، ومكان سجودك، يكفيك أن يفتقدَكَ بسيطٌ كنتَ تبتسمُ في وجهه، ومسكينٌ كنتَ تتعاهده بالصَّدقة!
لا يضُرك إذا كرهكَ البعض لأنك لم تُجارِهِم في معصية، ولم تبِعْ دينك ومبادئك لرضاهم، يكفيك أن تعمل ليرضى الله، ثم يُنادي يا جبريل إني أحبُّ فلاناً فأحبَّه!

••••••

أم حذيفة
09-07-2020, 12:31 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

9️⃣1️⃣

✍🏻هلَّا تركت الشيخ في بيته؟!

🌳وأخيراً فُتِحتْ مكة، الرَّجُلُ الذي نزلَ يوماً وحيداً من الغار يرتجِفُ من هول الوحي صار أُمة، والذي خرجَ رفقةَ أبي بكرٍ مُهاجراً تحت جنح الظلام بعد أن قررتْ قُريش قتله ها هو اليوم يدخل مكة في وضح النهار ومن أبوابها الأربعة! وجلستْ قُريشُ بين يديه تنتظرُ القصاص، ما تُراه يَفعل بهم، هؤلاء الذين كذَّبوه في دعوتِه، وآذوه في نفسِه، الذين وضعوا على رأسه سلى الجزور وهو ساجد عند الكعبة، وحاصروه في الشِّعب، واتهموه بالكذبِ والسحرِ والجنونِ ثم توَّجُوا كل ذلك بأن جمعوا من كل قبيلةٍ رجلاً ليضربوه ضربة رجل واحد فيتفرَّق دمه بين القبائل! ولكنه لم يثأرْ لنفسِهِ أبداً، فلم يزِدْ على أن قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء!

▪️ويذهبُ أبو بكر إلى بيته، ويأتي بأبيه أبي قحافة الطاعن في السِّن الذي لا تكاد تحمله قدماه ولم يكُن قد أسلمَ بعد، رغبةً أن يدعو له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فيُسلم، فلما رآه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال لأبي بكر: هلَّا تركتَ الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟!
فقال أبو بكر: يا رسول الله هو أحقُّ أن يمشيَ إليكَ من أن تمشيَ أنتَ إليه!
فأجلسَهُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بين يديه، ومسحَ على صدره، وقال له: أَسْلِمْ!
فأسلم أبو قُحافة، وبكا أبو بكر، الرجل الذي أسلم على يديه كبار الصحابة، وجاءت بعظماء الإسلام لديه أكرمَه الله بإسلامِ أبيه، والجزاءُ من جنس العمل!

🔸وانظُرْ لأدبِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يهُن عليه أن يُؤتى بأبي قحافة لِكِبَرِ سِنه، ويُخبرُ أنه كان على استعدادٍ أن يذهبَ هو إليه بنفسه! وكان دائماً يُشفقُ على كبار السن ويُكرمُهم، وكان يقول: "إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المُسلم"!
وجاءَ شيخٌ كبيرٌ في السن يُريدُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فلم يُوسِّعوا له ليصل إليه، فقال لهم: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويُوقر كبيرنا"!

▪️تعاملْ مع كل شيخٍ على أنه والد أو جد، ومع كل عجوزٍ على أنها والدة أو جدة، فالإنسان في آخر عمره ينظرُ في ضعفه ومرضه وعجزه ويتحسَّرُ على ما فاتَ من مجدِه وقوتِه، فيشعرُ بانكسارٍ في قلبه وإن لم يبح به، ولا شيء يرحمُ هذا الانكسار سوى التَّوقير الذي يجده مِمّّن حوله! وجبرُ الخواطرِ عِبادة

•••••

أم حذيفة
09-08-2020, 12:07 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

9️⃣2️⃣

✍🏻ما بقيَ منها؟!

🌳ذُبحتْ شاةٌ في بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فأمرَ أهله أن يتصدَّقوا منها، وخرج من بيته لبعضِ شأنه، فلما عاد سأل عائشة رضي الله عنها: ما بقيَ منها؟
فقالتْ: ما بقيَ منها إلا كتفها
فقال لها: بقيتْ كلها إلا كتفها!

🔸جوابٌ عظيمٌ من رجلٍ عظيمٍ كان يُخبر الناس دوماً أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأنه اليوم زراعة ولا حصاد، وأن الآخرة حصاد بلا زرع!
كان لا يترك مناسبة إلا استغلها ليُخبر أن الدنيا فانية، وأن الآخرة باقية، فها هو حوارٍ زوجي عادي يدور مثله في كل البيوت، زوج يسأل زوجته عن مصروف البيت وطعامه، ولكنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يجعل من الحوار العادي مُناسبة لدرسٍ غير عادي!
إنه يسأل عائشة سؤال الدنيا: ما بقيَ منها؟
فتُجيبه جواب الدنيا: ما بقيَ منها إلا كتفها!
فيُعقِّب على كلامها بدرسٍ من دروس الآخرة: 👈🏻بقيتْ كلها إلا كتفها!

▪️المالُ الذي نحمله بين أيدينا ليس لنا! إنه للبقالة، ومحطة البنزين، وفاتورة الكهرباء، ولبائع الثياب، وفرن الخبز، ومحلات الأدوات المنزلية، ومن ثم للورثة، مالنا الحقيقي هو ما ندَّخره عند الله اليوم لنجده عنده هناك غداً!
كتفُ الشاة سيُؤكل ويذهب، ولكن ما خرج من لحم الشاة صدقة وحده سيبقى عند الله، هناك في بنك الآخرة الذي تعهَّده رب العزة بكرمه،
💡 وفيه يقول النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: من تصدَّق بعَدْلِ/مقدار تمرة من كسبٍ طيِّب، ولا يقبل اللهُ إلا الطيِّب، فإنَّ الله يقبلها بيمينه ثم يُربيها لصاحبها كما يُربِّي أحدكم فَلُوَّه/الحصان الصغير، حتى تكون مثل الجبل!
يا له من بنك، ويا له من ادخار، مقدار تمرة من حلال تتصدقُ بها تريدُ وجه الله، يأخذها الرحمن بيمينه، ويُنميها لكَ، فإذا وقفتَ بين يديه غداً وجدتها كالجبل!
عندما نام السلطان سليمان القانوني على فراش الموت قال لمن حوله: عندما أموتُ أخرجوا يديَّ من التابوت ليرى الناس أن حتى السلطان يخرج من الدنيا خاليَ اليدين!

تصدقوا فليس للأكفان جيوب!

أم حذيفة
09-09-2020, 02:32 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

9️⃣3️⃣

✍🏻 باعوه، فأكلوا ثمنه!

🌳 لما كان فتح مكة، قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلّّم: "إنّ الله عزّ وجل ورسولَه حرَّم بيعَ الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام
فقيل له: يا رسول الله، أرأيتَ شحوم الميتة؟ فإنه يطلى بها السُّفن، ويُدهَنُ بها الجلود، ويستصبح بها الناس/أي يتخذون زيوتها للإضاءة.
فقال: لا، هو حرام، قاتلَ الله اليهود، إنَّ الله عزَّ وجلَّ لمَّا حرَّم عليهم الشحوم جملوه/أذابوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه!

▪️ولم تعرف البشرية قوماً تحايلوا على الله في الفتوى كما فعل اليهود! فإنه سبحانه لمَّا نهاهم عن الصيد يوم السبت، امتحنهم في هذا، فكانت الأسماك تندر بقية أيام الأسبوع وتكثر يوم السبت، فلم يُطيقوا صبراً، فكانوا إذا أتت الأسماك قرب الشاطئ يوم السبت نزلوا إلى البحر، وأحاطوها بالشباك وحبسوها، ثم يتركونها هكذا حتى صبيحة الأحد، ينزعون شباكهم وأسماكهم فيأكلونها، فمسخهم الله قردةً وخنازير!

▪️وفي هذه الأيام للأسف كثر التحايل في الفتوى، وتمَّ ليّ أعناق النصوص لتُوافق الهوى، يحسبُ الأغبياء أن الله يُخدع، وتعالى عالِم الغيب والشهادة، المُطَّلِع على الأسرار والضمائر أن تفوته النوايا!

♦️وعن التحايل حدثني مرةً الدكتور محمد راتب النابلسي حفظه الله عن رجلٍ انتقلَ من مدينةٍ إلى أخرى له فيها بنت عمٍ عندها بنتٌ صغيرة لها من العمر ثلاث سنوات، وزوج هذه المرأة مُسافر، ولم يجد هذا الرجل مكاناً يسكن فيه غير بيت ابنة عمه، ولمَّا قيل لهم أنّ هذا لا يجوز، أخذوا يبحثون عمّن يجد لهم حلاً شرعياً للأمر حتى أفتاهم من لا ذمة ولا دين له أن يُزوِّجوا الطفلة للرجل، ثم يُطلقها فوراً، وبهذه الطريقة تُصبح أمها مُحرَّمة عليه حُرمة أبدية شأن أمهات الزوجات وبهذا يستطيعُ أن يسكن معها وتنكشف عليه ولا حرج!

▪️وعلى طريقة بني إسرائيل في اللف والدوران في شأن الشحوم وصيد الأسماك، سمعتُ مرةً من يفتي بأنه ما دام أكل الربا حرام فلا بأس أن يجعل المرءُ المال الربوي في شيء لا يُؤكل كأن يملأ بها سيارته من المحطة، ويدفع فاتورة الكهرباء، وأقساط المدرسة، وثمن أثاث البيت، أما الأكل فيشتريه من المال الحلال!
يبدو أن اليهود ليسوا قوماً فحسب وإنما فكرة أيضاً!

▪️▪️▪️▪️

أم حذيفة
09-09-2020, 11:59 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

9️⃣4️⃣

✍🏻المرء مع من أحب!

🌳خرجَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في سفرٍ، وبينما هو جالس في أصحابه يستريحون إذ جاء أعرابي جهوريّ الصوتِ ونادى: يا محمد!
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: هاؤمُ
فقال له الصحابة: ويحكَ اغضضْ من صوتكَ فإنك عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقد نُهينا أن نرفع أصواتنا عنده
فقال: واللهِ لا أَغضُض!
ثم قال للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: المرءُ يُحِبُّ القوم، ولمَّا يلحق بهم
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: المرءُ مع من أحبَّ يوم القيامة!
فلم يفرح الصحابة يومها بشيءٍ فرحهم بقوله: المرءُ مع من أحبَّ يوم القيامة!

🔸اُنظروا لأدبِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وفِقهه في مراعاة العادات والطبائع، فهذا أعرابيّ ابن بيئته، تركتْ فيه الصحراء شيئاً من قسوتها وخشونتها، طبعٌ فظٌّ اكتسبه من معارك النجاة التي يخوضها كل يوم للاستمرار على قيد الحياة في بيئةٍ جغرافيةٍ تكاد تكون الأقسى على سطح الأرض، وصوت جهوريّ عالٍ لزمه منذ الصغر لاتساع المسافات وحاجتهم للنداء، ومن مهنة زجر الإبل والغنم، لهذا تغاضى عن ذلكَ كله لأنه يعرفُ أن مردّه الطبع والعادة وليست مسألة شخصية ولا تقليل احترام! بل وأجابه حين نادى عليه يا محمد هكذا مُجرَّداً من لقب النبوة بلهجته فقال له: هاؤمُ أي ها أنا، أو تفضل قُلْ فإني أسمعكَ!
🔅درسٌ عظيم لنا في أن لا نأخذ كل تصرُّف تنقصه اللياقة بصفة شخصية، فليس الجميعُ تعلَّموا ما تعلَّمتَ، ولا تربوا كما تربيتَ، ولا لهم الطباع التي فيكَ، بعض الناس يُناقشُ أعقد المسائل الفكرية بهدوء واتزان كأنه يقرأ في مصحف، وبعض الناس يُناقشُ في كرة القدم بصوتٍ مرتفعٍ تعتقدُ أنه سيقوم ويقتلُ الشخص الذي يُناقشه!
🔅تفهُّم طبائع الناس، وبيئاتهم، وظروف نشأتهم، ومستوياتهم الثقافية، يُعينُ كثيراً على الحياة!

🔸إذا كان الصحابة قد فرحوا يومها بالمرءِ مع من أحبَّ يوم القيامة، فيجب أن نكون نحن بها أشدُّ فرحاً، فيا لحظنا ونحن نحبُّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأهل بيته، ونحبُّ عمرَ وأبا بكر وعثمان وخالد وأبا عبيدة وبقية الثلة المباركة التي اصطفاها الله سبحانه لنصرةِ نبيِّه!
وكل شخصٍ لا يسرك أن تكون معه يوم القيامة فأَخرِجْ حبه من قلبك فالحُبُّ عبادة أيضاً!

أم حذيفة
09-11-2020, 02:16 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

9️⃣5️⃣

✍🏻ثكلتك أُمك يا معاذ!

🌳كان السيرُ معه غنيمة، وكان الصحابة لا يُفرِّطون بالغنائم، ويا لحظِّ مُعاذ بن جبل حين سار معه يوماً فقال له: يا رسول الله أخبرني بعملٍ يُدخلني الجنَّة ويُباعدني من النار!
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لقد سألتَ عن عظيم، وإنه ليسيرٍ على من يسَّره الله عليه: 👈🏻تعبدُ الله ولا تُشركُ به شيئاً، وتُقيم الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجَّ البيت! ثم قال لمُعاذ: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّة، والصَّدقة تُطفئ الخطيئة كما يُطفئُ الماءُ النارَ، وصلاةُ الرجل من جوف الليل، ثم تلا "تتجافى جنوبهم عن المضاجع… "

👈🏻ثم قال لمُعاذ: ألا أُخبرك برأس الأمر كله، وعموده وذروة سنامه؟
رأس الأمر الإسلام ، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله.
ثم قال له : يا معاذ ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟
فقال مُعاذ: بلى يا رسول الله!
فأخذَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بلسانه وقال: كُفَّ عليكَ هذا!
فقال له مُعاذ: يا نبيَّ الله وإنا لمُؤاخذون بما نتكلم به؟
👈🏻فقال له: ثكلتكَ أمكَ يا معاذ، وهل يكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟!

▪️هذا اللسان ليسَ فيه عظم ولكنه يكسِرُ العظم!
كم شخصٍ لم ينمْ ليلةً بسبب كلمةٍ جارحةٍ قالها له أحدهم ربما على سبيل التندُّر، فانفضَّ المجلس، وبقيتْ تلك الكلمة مغروزة كالسكين في قلبه!
▪️كم بنتٍ توقَّف زواجها بسبب كلمةٍ قالها شخص في عرضها وهي بريئة براءة الذئب من دم ابن يعقوب عليهما السَّلام!
▪️كم شخصٍ فقد وظيفته، وقُوت أسرته وعياله، بكلمةٍ واشيةٍ من شخصٍ مؤذٍ يُحِبُّ الوشاية، ويُجيد التسلُّق على أكتاف الناس!
كم ميراثٍ سُلِب، بكلمةٍ على هيئة شهادة زور، كانت نتيجتها أن يُحرم إنسان من حقه ويأخذ غيره ما ليس له حق فيه!
كم صداقةٍ جميلة انفرط عقدها بكلمة على هيئة نميمة قِيلت عبثاً وحسداً وحقداً، فأضرمتْ النار، وأحالتْ الصداقة إلى عداوة، وملأتْ القلوب حقداً، بعد أن كانتْ عامرةً حُباً
♦️انظروا في كلامكم، أو أقلامكم، في منشوراتكم في مواقع التواصل، في ردودكم على الناس، وتذكَّروا أنكم تكتبون في صحائفكم أولاً، وأنه لا يكب الناس على وجوههم في النار يوم القيامة إلا حصائد ألسنتهم!

▪️▪️▪️▪️▪️▪️

أم حذيفة
09-12-2020, 02:24 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

9️⃣6️⃣

✍🏻سُبِقتِ العضباء!

🌳كان للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ناقةٌ تُسمى العضباء، سريعة لا تكادُ تُسبق، وكان من عادة العرب أن يُروِّحوا عن أنفسهم بسباق الإبل، ونبيُّ القوم منهم فكان يُسابقُ معهم، وكان الصحابة يفرحون إذا حلَّتْ العضباءُ أولاً وسبقتْ بقيَّة النوق، وذات يوم جاء أعرابي على جملٍ له فسابقَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فسبقه، فحزنَ الصحابة لذلكَ، وقالوا سُبقتِ العضباءُ!
فلما رأى ذلك في وجوههم قال: "إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ" !

🔸الترويحُ عن النفس بالمُباح أمر مشروع، لا يُنقص من الإيمان، ولا يقدحُ في رزانة الشخصية، واعتزالُ الحياة بكل ما فيها ليس غرضَ هذا الدين، وإنما يُريدُ الله منا أن ننغمسَ في الحياة وفقَ شرعه، نتمازح، ونخرجُ في النزهات، ونتزاور، ونذهب إلى الأسواق، ونتاجر، والحياة في كنفِ اللهِ جنة من جنان الدنيا فعيشوها!
🔸تواضعْ مهما بلغتَ من الإيمان لن تبلغَ ذرَّةً مما بلغه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وها هو يشتركُ في سباقات قومه، يربح ويخسرُ، بل ويتقبَّلُ الخسارة بصدرٍ رحبٍ، وينتهزُ الفُرصة لدرسٍ من دروس العقيدة!
ومهما بلغتَ من المُلكِ وأوتيتَ من المال والجاه لن تبلغَ ذرَّةً في مُلكِ سُليمان عليه السَّلام وها هو يقف ويستمع لخطاب نملة ويبتسم!
التقوى ليستْ في اعتزال الحياة وإنما في اعتزال الحرام!

☘️يوم نزل قول الله تعالى "اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً" فرح الصحابة بها وحُقَّ لهم، ولكن أبا بكر بكى يومها وقال: ليس بعد التمام إلا النقصان!

▪️فإذا كان هذا الدين الذي حكم أتباعه هذا الكوكب، وقادوا الحضارة البشرية قروناً بعظمةٍ واقتدارٍ دار عليهم الزمان بعد أن فرطوا بالحق الذي بين أيديهم فباتوا في موقع المتأخر، فهل سيبقى هذا الباطل الذي يسود الدنيا هذه الأيام، لا واللهِ لن يدوم، وما وصول الباطل قمته التي نراها اليوم إلا بشارة بقرب زواله، وإنَّ أحلكَ ساعات الليل هي تلك التي تسبقُ الفجر بقليل، تذكروا أن العضباء سُبقتْ لأنه كان حقاً على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه، هذا والعضباء دابة، أفلا يضعُ الله هذا الشر والفجور وقد بلغ ذروته؟!

▪️▪️▪️▪️▪️▪️

أم حذيفة
09-12-2020, 11:58 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

9️⃣7️⃣

✍🏻بثمنها يا أبا بكر!

🌳كان من عادةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في مكة قبل الهجرة أن يأتيَ بيتَ أبي بكرٍ إما صباحاً وإما مساءً، وفي أحد الأيام أتاهُ ظُهراً على غيرِ عادته، فقالَ أبو بكر بفراسته المعهودة: ما جاءَنا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في هذه السَّاعة إلا لأمرٍ قد حدث!
فلما دخلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال لأبي بكر: أَخْرِجْ مَن عندكَ!
فقال أبو بكر: يا رسول الله إنما هما ابنتايَ أسماء وعائشة!
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أُذِنَ لي في الخروج/الهجرة!
فقال أبو بكر: الصُّحبة يا رسول الله!
فقال له: الصُّحبة يا أبا بكر!
فقال أبو بكر: يا رسول الله عندي ناقتين أعددتُهُما للخروج، فخُذْ إحداهما!
فقال له: قد أخذتها بالثمن، فلا أركب بعيراً ليس لي!
فقال أبو بكر: فهو لكَ!
فقال له: لا، ولكن بالثمن الذي ابتعتها به
فقال أبو بكر: بثمنها إن شئتَ!

🔸في الحقيقة لم تكن العلاقة بين النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وبين أبي بكرٍ بهذه الرَّسمية، وهذا الحساب بالدرهم والدينار، على العكس تماماً نذرَ أبو بكر نفسه وماله فداءً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وكان عليه السَّلام يأخذُ منه دون حرج،
🔅ويكفي إثباتاً لهذا ما قاله قبل وفاته بأيام: "إنَّ من أَمَنِّ الناس عليَّ في صُحبتِه ومالِه أبو بكر"! لهذا السبب احتارَ الفُقهاءُ وأهلُ السِّيَرِ في إصرار النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يدفعَ ثمن الناقة وأعجبني من أقوالهم قول القائل : أصرَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يدفع ثمن الناقة لتكون هجرته إلى الله بنفسه وماله رغبةً منه في استكمالِ فضلِ الهجرةِ والجِهادِ على أتمِّ أحوالِهما!

👈🏻الأصلُ أن يتعامل الأصدقاء فيما بينهم بالمعروف، وأن لا يكون الحساب فيما بينهم كحسابِ التاجر والزبائن بالورقة والقلم، ومن خُلق الصحبة أن يتحسسَ المرءُ حال صديقه وخليله فإن عرفَ أنه له حاجة، أو نزلتْ به ضائقة أن يُسعفَه ويُعطيه قبل أن يُبادرَه بالسؤال، وإن بادرَه بالسؤال واستدانَ منه، فمن المروءة أن ينزلَ له عن بعضِ الدَّينِ فهذا من حسنِ الصُّحبة ومكارم الأخلاق.
على أنه لا يتنافى مع الأخلاق أبداً أن تدُفعَ الحقوق بين الأصحاب كاملة، الأصدقاء ليسوا فاحشي الثراء كلهم، ويكفي من النُّبل أن أعانَ الصديقُ صديقَه وفرَّج كربَه، ولكن يبقى الإحسان والمعروف سيدا الأخلاق!

أم حذيفة
09-14-2020, 12:59 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

9️⃣8️⃣

✍🏻هلَّا مع صاحب الحق كنتم!

🌳جاء أعرابي إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يتقاضاه ديناً عليه، فأغلظَ القول، حتى أنه قال: أُحرِّجُ عليكَ إلا قضيتني!
فانتهره الصحابة وقالوا: ويحكَ أتدري من تُكلِّم؟!
فقال: إني أطلبُ حقي!
فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لهم: هلَّا مع صاحب الحقِّ كُنتم!
ثم أرسلَ إلى خولة بنت قيس، فقال لها: إن كان عندكِ تمرٌ فأقرضينا حتى يأتينا تمركِ فنقضيكِ!
فقالت: نعم، بأبي أنتَ وأمي!
فأقرضته، فأعطى للأعرابي، وزاده عن حقه!
فقال الأعرابيُّ: أوفيتَ أوفى اللهُ لكَ
فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أولئك خيار الناس، إنه لا قُدِّسَتْ أُمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع/من غير أن يُصيبه أذى!

⚡الدُّنيا لا تلبثُ على حال، وقلما تستقيمُ لأحد، يوم عسر ويوم يسر، يوم صحة ويوم مرض، يوم سعادة ويوم كدر، وهي بأمر الله لا تكف عن مفاجئتنا، يحسب الإنسان حساباً ثم يشاء الله آخر! وقد ينزل بالإنسان أمر يضطره أن يستدين، والناس لبعضها، ومن فرَّج عن مسلمٍ كربةً من كُرَبِ الدنيا، إلا فرَّج الله عنه كُربةً من كُرَبِ الآخرة، على أن المدين يجب أن يقابل الدائن بالإحسان، يكفي أنه مدَّ له يد العون، فلا يماطل إذا جاء وقت السداد، وإذا لم تتيسر أموره فمن النبل أن لا يطنش بل أن يخبره بتعسُّرِ أمره ويطلب مهلة أخرى!

🔸لا يحتملُ من النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يخلف وعده، والأعرابي جاء يطلب دينه لحاجةٍ وقعتْ به قبل أن يحين وقت السَّداد، فأغلظَ القول، وقال كلاماً بأسلوبٍ فظ ما كان ينبغي أن يُقال للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولكن النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم رفضَ تعنيف الصحابة للأعرابي على سوء أسلوبه، لأن سوء الأسلوب لا يُلغي أنه صاحب الحق، وأخبرهم أنهم كان يجب أن يقفوا مع صاحب الحق!

▪️علينا أن نفهم أن صاحب الحق قد يطلبه بأسلوبٍ فظ، ربما صاحب الدين قال كلاماً قاسياً، والزوجة المظلومة زادتْ في شكواها، والعامل الذي أُكِل حقه لجأ إلى التشهير، هذه الأساليب لا تلغي أن لهم حقاً وعلى من يستطيع إعانتهم في نيل حقوقهم أن يعينهم، ثم بعد ذلك نصح وإرشاد عن أدب استيفاء الحقوق، أما أن نعطي صاحب الحق درساً في التربية المدنية، وأدب التخاطب دون مساعدته لنيل حقه، أو إخباره أنه صاحب حق على الأقل فمثالية زائدة!

🔅أما أن نأكل حق إنسان لسوء أسلوبه، فنجعل هذه مقابل تلك، فهذا ليس من الإسلام في شيء، أنتَ مطالب أن تدفع ما عليكَ ولستَ مطالباً أن تربي الناس!

أم حذيفة
09-15-2020, 01:19 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

9️⃣9️⃣

✍🏻ولا تحقِرنَّ من المعروف شيئاً!

🌳جاء سليم بن جابر الهجيمي إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقال له: يا رسول الله أوصِني
فقال له: عليكَ باتقاء الله، ولا تحقِرَنَّ من المعروف شيئاً ولو أن تُفْرِغَ من دلوِكَ في إناءِ المُستقي، وتُكلِّمَ أخاكَ ووجهكَ منبسطٌ إليه، وإياك وإسبال الإزار، فإنها من المُخيلة ولا يُحبها الله.
وإن امرؤ عيَّركَ بشيءٍ يعلمه فيكَ فلا تُعيِّره بشيء تعلمه فيه، دعه يكون وباله عليه، وأجره لكَ. ولا تسُبَّنَّ شيئاً!
يقولُ جابر فما سببتُ بعده دابةً ولا إنساناً!
لا تحقِرَنَّ من المعروف شيئاً، فإنكَ لا تدري أي حسنةٍ تُدخلكَ الجنَّة!

♦️أن تُوقف سيارتكَ لتعبرَ قطة الطريق معروف، وأن تُمسك بيد عجوز تعبر بها الطريق معروف، وأن تجرَّ قعيداً على كرسيه معروف، وأن تُعطيَ عاملاً قارورة ماءٍ معروف، وأن تحمل عن رجلٍ مسنٍ كيساً يُتعبه معروف، وأن تصلح بين زوجين معروف، وأن تتغاضى عن زوجتك معروف، وأن تصفح عن أولادك معروف، وأن تُهدي إلى جارك شيئاً معروف، وأن تُعين مريضاً في علاجه معروف، المعروف لا نهاية له، والطُّرُق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، فيا تعسَ من كثرتْ أمامه الطرق فلم يمشِ!
ولا تجعل الناس معياراً لأخلاقك إن أحسنوا أحسنتَ وإن أساؤوا أسأتَ، فلو قابلنا الإساءة بالإساءة فمتى تنتهي الإساءة؟!
ثمة خُلقٌ نبيلٌ اسمه الترفُّع، أن لا تسمح لأحدٍ أن يُنزلكَ إلى مستوى أخلاقه، ليسَ عليكَ أن تخوضَ في كل جدالٍ تُدعى إليه، ولا أن تُشارك في كل معركةٍ تُفتح أمامك، أغلبُ معارك الحياة اليومية تافهة، ليس فيها لذة النصر وإن انتصرتَ، وفيها مرارة الهزيمة إن هُزِمتَ، عندما نتخلَّى عن أخلاقنا لنقابل الذي تخلَّى عن أخلاقه فبم نختلف نحن عنه غير أنه هو الذي كان البادئ؟!
العاقل لا يرى لنفسه ثمناً إلا الجنة، وكل قضية ليستْ طريقاً إلى الجَنَّةِ دعها، وأنتَ المُنتصر مهما كانت النتائج، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً!

♦️والأيامُ تدورُ وصاحبُ الحقِّ مُنتصرٌ نهاية المطاف، وصاحبُ الباطلِ مغلوبٌ، هذه هي سُنة الله تعالى في الناس، الأيدي التي باعتْ يوسف عليه السَّلام بدراهم معدودة هي التي امتدَّتْ إليه تطلبُ الصدقة منه! والذين رموا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالجنون والكذب وقفوا نهاية المطاف يسترحمونه قائلين: أخ كريم، وابن أخٍ كريم!

▪️▪️▪️▪️▪️▪️

أم حذيفة
09-16-2020, 01:28 AM
🟢على منهاح النُّبُوَّة

1️⃣0️⃣0️⃣

✍🏻اِمحها يا عليَّ!

🌳جاءَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم للعُمرة قبل فتح مكة، فمنعَتْهُ قُريش من البيتِ الحرام، وبعد أخذٍ ورَدٍّ ومفاوضات، كان صلح الحديبية، وأرسلتْ قُريشُ سهيلَ بن عمرو سفيراً لها ليوقِّع الصلح نيابة عنها، وبعد الاتفاق على البنود، أمرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عليَّ بن أبي طالب أن يكتبَ هذا الاتفاق ليتم التوقيع عليه. فكتبَ عليُّ بنودَ الاتفاق فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل بن عمرو: لا نعرفُ هذا وإنما اُكتبْ باسمك اللهم، فأمرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم علياً أن يكتبَها هكذا. ثم أكملَ يقرأ هذا ما اتفقَ عليه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو.
فقال سهيل: لو نعلمُ أنكَ رسول الله ما صددناك عن البيت، ولكن اكتب محمد بن عبد الله!
فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لِعليٍّ: اِمحها يا علي واكتبْ محمد بن عبد الله
فقال عليُّ: واللهِ لا أمحوها أبداً يا رسول الله!

فقد كان امتناعه لاستعظامه محو صفة الرسالة ، عن رسول الله الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ، في كتابته .
⬅️فطلبَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم من عليٍّ أن يَدُلَّهُ عليها ، فدلَّه عليها فمحاها بيده الشريفة، وتمَّ الصُلح!

🔸وهذه الحادثة إنما تُسجَّلُ في مناقب عليٍّ ولا تُعَدُّ عصياناً لأمرِ النُّبُوة، وحاشا عليُّ أن يعصيَ أمرَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنما هي الحرقة والغيرة على دين اللهِ!
⬅️ومثلُ هذا ما كان من أبي بكر يوم مرضَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأمر أبا بكر أن يُصلِّيَ بالناس، وحين دخلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم المسجد عندما شعر بتحسُّن وشقَّ الصفوف ليصل للصف الأول، واستشعرَ به أبو بكر، تراجعَ ليترك الإمامة للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فأمره أن يثبتَ مكانه إماماً، فأبى وتراجع، ولمّا سأله بعدها: ما منعكَ أن تثبتَ إذ أمرتك؟
فقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يُصلي بين يدي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم!

▪️وفي الحياة العامة، قد يطلب الأب من ابنه الجلوس في المقعد الأمامي، فيرفض الابن ويُصرُّ أن يركب أبوه فيه، وهذا ليس من رفض أمر الأب، على العكس هو من البِر، فهذا رفض نابع من الحب والتبجيل، والمعنى واضح جلي لا يحتاج إلى مزيد توضيح!

في اِمحها يا علي دروس عظيمة يجب على الأُمَّة أن تتعلَّمَها:

1. فيها التجاوز عن الأمور الصغيرة والشكليات لحساب المضمون!

2. عدم إضاعة الوقت في الجدال العقيم والاهتمام بالنتائج!

3. لا بأس بخسارةٍ لحظِيةٍ لأجل فوزٍ استراتيجيٍّ!

4. التراجعُ إلى الوراء قد يكون أحياناً ضرورياً للقفز بعيداً إلى الأمام!

5. التجاهلُ والتجاوزُ من شِيَمِ العُظماء وما أحوجنا لثقافة التجاوز مع الأقرباء والأصدقاء قبل الأعداء!

▪️▪️▪️▪️▪️▪️

أم حذيفة
09-18-2020, 12:04 AM
101

✍🏻فشوبوا بيعكم بالصَّدقة!

🌳مرَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالسوق، فإذا الناس يتبايعون، فقال لهم: يا معشر التجار إن البيعَ يحضُرُه اللغو والحلفُ فشوبوا/اخلطوا بيعَكم بالصدقة!

🔸الناسُ هم الناسُ في كل عصر، والأسواقُ هي الأسواق، هذا بائعٌ يحلِفُ ليُنفق سلعته، وهذا مُشترٍ يُفاصل ويُجادل، وهذه أمورٌ حياتية لا فكاك منها، فأرشدَهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى ما فيه طهارة للمال وتنقية له ألا وهي الصَّدقة!

⬅️وحلفُ التجار المقصود به في الحديث هو الحلفُ الصَّادق، والصدقة تكون كفارةً عن استعمال اسم الله سبحانه في هذه المواضع، أما الحلف الكاذب فهو غشٌّ، ومن غشنا فليس منا!

▪️إن كنتَ تاجراً فاجعلْ لكَ آخر النهار صدقةً يسيرةً تحتسبُها كفارةً عن لغوٍ ومُجادلةٍ حدثا وهذا شيء من الطبيعي أن يحدث، وإن أجريتَ صفقةً فاستلمْتَ ربحَها فاقتطعْ مبلغاً يسيراً للصدقة تحتسبه كفارةً وتطهيراً للمالِ لأيِّ شيءٍ حدثَ أثناء العرض والطلب، وحتى إن لم يحدثْ هذا ومن النادر أن لا يحدث فأخرِجْ صدقةً من باب الشُّكر، فبالشُّكرِ تدومُ النِّعم!

▪️إن كنتَ موظفاً فأخرجْ صدقةً يسيرة عندما تستلم راتبك تحتسبها كفارةً عن أيِّ فُتورٍ كان منكَ أثناء أداء عملك، كلنا بشر ويحصلُ منا التقصير، ونقومُ ببعض الأشياء بجودةٍ أقل من المطلوب، أو نتأخرُ قليلاً في الحضور، أو نضطرُ للانصرافِ أبكر من المعتاد، فلتكُنْ صدقةٌ إذاً تنقية لما تبقَّى، وحتى إن كنتَ منضبطاً كالساعة، وتعمل بكفاءة كآلةٍ، وهذا قلَّما يحدث، فلتكُن الصدقة شُكراً أن لديكَ عمل ووظيفة وحولك أُناس كُثُر يشكون البطالة وقِلة الأعمال!

▪️وإن كنتَ تستثمرُ في أسهمٍ مباحة، وجاءَ وقتُ قبضِ الأرباح، فاجعلْ لكَ صدقةً يسيرةً، ولا تقُلْ أنا لم أبِعْ ولم أحلِفْ، لعلَّ الذي باعَ واشترى لكَ قد حلف ولغا، ثم وإن فاتك مفهوم التطهير فلا يَفُتْكَ مفهوم الشُّكر!

من جميلِ قولِ عُمر بن الخطاب وفِقهه: إني لا أسأل الله الرزق فقد فرغ من قُسمته ولكني أسألُه البركة فيه!
ولا شيء أجلب للبركة من الصدقة، فبارِكوا أموالكم!

▪️▪️▪️▪️▪️▪️

أم حذيفة
09-22-2020, 10:55 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

102

✍🏻قراءة ابن أم عبد!

☘️جاءَ رجلٌ إلى عُمر بن الخطاب فقال: إني جئتكَ من عند رجلٍ يُملي المصاحف عن ظهر قلب!
ففزعَ عمر وغضبَ، وقال له: ويحكَ انظُرْ ما تقول!
فقال: ما جئتك إلا بالحقِّ
فقال له عمر: من هو؟
فقال: عبد الله بن مسعود
فقال: ما أعلمُ أحداً أحقّ بذلك منه، وسأحدثك عن ذلك، إنّا سهرنا ليلةً في بيتِ أبي بكرٍ في بعض ما يكون من حاجة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم خرجنا ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يمشي بيني وبين أبي بكر، فلما وصلنا إلى المسجد إذا رجل يقرأ، فوقفَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يستمعُ إليه، فقلتُ له: يا رسول الله، أعتمتْ/أي تأخر الوقت فهيا نمضي، فغمزني بيده يعني اُسكُتْ.

فقرأَ، وركعَ، وسجدَ، وجلسَ يدعو ويستغفر، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: سَلْ تُعْطَ. ثم قال: من سرَّه أن يقرأ القرآن رطباً كما أُنزِلَ فليقرأ قراءة ابن أم عبد!
فعلمتُ أنا وأبو بكر أنه عبد الله بن مسعود، فلما أصبحتُ وذهبتُ إليه لأبشره، فقال لي: سبقكَ بها أبو بكر!
وما سابقتُ أبا بكرٍ إلى خيرٍ قط إلا سبقني!

الشَّاهد في القصة كيف كان الصحابة رضوان الله عليهم يُحبُّون الخير لبعضهم، ويرون في تفوق أحدهم في مجالٍ ما ثراءً لهم جميعاً، فالأمر عندهم تكامل لا تنافس، فلا يشعرون بالغيرة والحسد من نُبوغِ أحدهم، ولا تضيق صدروهم بثناء النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم على أحدهم، كانوا يُحبون الخير للناس كما يُحبونه لأنفسهم، كانتْ صدورهم سليمة، وقلوبهم طيبة، وها أبو بكر وعمر يتسابقان أيهما يُخبر ابن مسعود بالبُشرى!

نجاحُ الناس ليس فشلاً لكَ، وغناهُم ليس فقراً لكَ، وسعادتُهم ليستْ تعاسةً لكَ، نَقِّ قلبكَ، عوِّده الخير ومحبة الناس، علِّمه أن يفرحَ لفرحهم، ويحزن لحزنهم، سلامة الصدر أقصر طرق الجنة!
كُن رسول خير، كهُدهد سُليمان عليه السَّلام لا ينقل إلا الخبر الصحيح، وكحمامة نوح عليه السَّلام تزفُّ خبر انتهاء الطوفان، امشِ بين الناس بالخير، احمِلْ كلمة حلوة لإنسان قيلتْ عنه في غيابه، واكتمْ الكلام السيء، ولا تمشِ بالنميمة بين الناس، فتكون رسولاً لإبليس.

جاء رجلٌ إلى وهب بن منبه وقال له: إنَّ فلاناً شتمك
فقال له: أما وجدَ الشيطان رسولاً غيركَ!

أم حذيفة
09-27-2020, 12:46 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

103

✍🏻معكَ ملكٌ يرد عنك!

🌳شتمَ رجل أبا بكرٍ الصديق والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جالس، فلم يرُدَّ أبو بكر على الرَّجُل بشيءٍ، فجعلَ ذلك النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يعجبُ ويتبسَّمُ. فلما زاد الرَّجُلُ في الشتائمِ والوقاحةِ، ردَّ عليه أبو بكر بعضَ قوله، فغضِب النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقامَ، فلحقه أبو بكر فقال له: يا رسول الله كان يشتمني وأنتَ جالسٌ، فلمَّا رددتُ عليه بعضَ قوله، غضبتَ وقمتَ.
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "إنه كان معكَ ملكٌ يرُدُّ عنكَ، فلما رددتَ عليه بعضَ قوله، وقعَ الشيطانُ، ولم أكُنْ لأقعدَ مع الشيطان"!
ثم قال: "يا أبا بكر ثلاثٌ كُلُّهُنَّ حقُّ: ما من عبدٍ ظُلم بمظلمةٍ فيغضي عنها/يتجاهلها لله، إلا أعزَّ الله بها نصره، وما فتحَ رجلٌ باب عطِيَّةٍ يُريدُ بها صلةً إلا زاده الله بها كثرةً، وما فتحَ رجلٌ بابَ مسألةٍ يُريدُ بها كثرةً إلا زاده الله عزَّ وجلَّ بها قِلَّةً"!

▪️إذا فشلتَ في رفعِ أحدٍ إلى مستوى أخلاقك فلا تدعه ينجح في إنزالك إلى مستوى أخلاقه! عندما تحارب خسيساً بسلاحه تتساوى معه، وإن ردَّ البذاءةِ بالبذاءةِ بذاءةٌ أيضاً، ولو أن كل صاحب فضلٍ نزل إلى مستوى سفيهٍ جاء يُباريه لم يبقَ على هذه الأرضِ صاحب فضل!

مما يُنسب إلى بعض الحكماء قولهم: إياك أن تجادل السفهاء، سيُنزلونك إلى مُستواهم الدنيء، ثم يهزمونك بفارقِ الخِبرة!

▪️ليس عليكِ أن تخوضَ كل معركةٍ تفتح أمامك، ولا أن تشترك في كل جدال تدعى إليه، ثمة معارك النصر الوحيد فيها أن لا تخوضها منذ البداية! تجاهل وتغاضَ فإن التجاهل من خُلق الأنبياء "فأسرَّها يوسف في نفسه ولم يِبدها لهم"!
ويقولُ الإمام أحمد: تسعة أعشار العافية في التغافُل!
ويقول الإمام الشافعي: الكيِّس العاقل هو الفطن المتغابي!
ومن قول الشافعي، استمدَّ أبو تمام بيته الشهير فقال:
ليس الغبيُّ بسيدٍ في قومه
لكنَّ سيِّد قومه المُتغابي!

▪️▪️▪️▪️▪️▪️

أم حذيفة
09-28-2020, 02:38 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

104

✍🏻سجن المؤمن وجنة الكافر!

🌳شغل الحافظ ابن حجر العسقلانى منصب قاضيَ القضاة، فمرَّ في طريقه إلى دار القضاء بالسوق في موكب عظيم، وهيئة جميلة، يقتضيها هذا المنصب الذي يعتبر بمقياس زماننا جامعاً بين وزير العدل ورئيس المحكمة الدستورية العليا! فاقتحمَ موكبه بائع زيت يهوديٍّ فقيرٍ، ثيابه ملطخة بالزيت، وهيئته رثَّة، فأمسكَ بلجام فرس ابن حجر وقال له: يا شيخ الإسلام، تزعمُ أن نبيكم قال: "الدنيا سِجن المؤمن وجَنة الكافر" فأي سجن أنتَ فيه، وأي جنةٍ أنا فيها؟!
فقال له ابن حجر: أنا بالنسبة لما أعدَّه الله لي في الآخرة من نعيم كأني الآن في سِجن، وأنتَ بالنسبة لما أعدَّه الله لكَ في الآخرة من العذاب كأنك في جَنَّة!
فأسلمَ اليهودي من فوره، والقصة رواها المناوي في فيض القدير.

🔅وقول ابن حجر هذا هو أحد التفسيرات الجميلة لهذا الحديث النبوي الشريف، على أننا لو نظرنا إلى حياة المؤمنين لوجدنا معنى آخر وهو أن حدود الله تكبلهم، فالمؤمن يقيده الحلال والحرام!
تتزين أمامه الشهوات التي يميل إليها بفطرته ونزعته الإنسانية فلا يُقدم عليها لأن روحه مكبلة بقيد التقوى!
ويسهلُ عليه جمعُ المال من الحرام، فيبحث عن الحلال الذي قد يكون أصعب بكثير من الحرام لأن يديه مُكبلتان بقيد خشية الله!
🔅والعباداتُ قيدٌ كذلك وفيها مشقة، فصلاةُ الفجر شاقة، والصيام متعب، والحج مُضنٍ، وكلمةُ الحق خطرة، والمال عزيز، والعِفةُ تحتاج إلى مجاهدة، والأمانة أصعب من الخيانة، وغضُّ البصر خِلاف الهوى، والنفسُ أمَّارة بالسوء، وطريقُ الجنة شائكة بينما طريق النار مُعبَّدة!
▪️على المقلب الآخر تجدُ الكافر حرٌّ طليق! لا آية تزجره عن الرِّبا، ولا سورة المطففين تضبط ميزانه، وآداب سورة الحجرات لا تدخل ضمن حساباته، لا وضوء بالماء البارد، ولا صلاة فجر تُوقظه من أحلى لحظات نومه، ولا صيام يقطع عليه طعامه وشهوته، أحاديث بِر الوالدين ليست في منظومته، والإحسان إلى الجار مُجرد عادة اجتماعية محمودة إن فعلها كان به وإن لم يفعلها فلا قانون يحاسبه على تركها!

⚡ويا لقيد الإيمان ما أجمله، ويا لانفلات الغرائز ما أتعسه، فهنيئاً لمن عاش سجنه برضى ربه، ويا تعسَ من حرَّرَ نفسه من قيد خالقه فقيّد نفسه بقيد شهوته!

▪️▪️▪️▪️▪️▪️]

أم حذيفة
09-29-2020, 12:18 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

105

✍🏻فغفر الله لها!

🌳حدثَ النبىً صلى الله عليه وسلم أصحابه محاولاً أن يخبرَهم أن الجنَّةَ أقرب إلى أحدهم من شِراك نعله، فقال: "إن امرأةً بغياً رأتْ كلباً في يوم حار يطوفُ ببئرٍ، قد أدلع لسانه من العطش، فخلعتْ موقها/حذاءها فنزعتْ له به الماء فغفر الله لها"!

ما أرحم هذا الرَّب الذي يغفرُ لزانيةٍ بشربةِ ماءٍ سقتْها لكلبٍ قد أصابَه العطش! فاعملوا، ولا تستصغروا عملاً فلعلَّ به الجنَّة وأحدنا لا يدري!

ما كانتْ هذه المرأة الزانية تعلمُ أنَّ الجنَّة في شربةِ ماءٍ تُقدِّمُها لهذا الكلب الذي شارفَ على الهلاكِ من شدةِ العطش!
ولا كان الرجلُ الذي مرَّ بغصنِ شجرةٍ على جانبِ الطريق، فقال في نفسه لأُنحينَ هذا عن طريقِ المُسلمين لا يؤذيهم، يَعلمُ أنَّ الله سيغفر له كل ذنوبه بقطعِه لهذا الغُصنِ خوفَ أن يُؤذيَ المُسلمين!

ولا كان الرجلُ الذي مرَّ بطريقٍ فوجدَ عند حافتِه غصنَ شوكٍ فأخَّره، يعرفُ أن الله سيغفر له ذنوبه بفعلتِه البسيطةِ تلك!

☘️هذه النماذج حدَّثنا عنها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ليخبرنا أنَّ الجنةَ قريبةٌ جداً، وأن اللهَ سبحانه سريع الرضى واسعُ المغفرة، يكفي أن ينظرَ إلى قلبك فيرى الرحمةَ فيه، ويَطَّلِع على صدرِك فيراه خالياً من كل حقد، مليئاً بالمحبة وحب الخيرِ للناس!
ولو تأملنا هذه النماذج لوجدْنا أن المشتركَ بينها هو فعل الخيرِ لأجل وجه الله فقط، وفي غيابِ من يرى هذا الخير!
🔅التي سقتْ كلباً أدخلها الله الجنَّة، فكيف بالذي يسقي قلباً قد جففه الحزنُ، وأضناه الألم، ونخره الخذلانُ والوجع؟!
🔅والذي أزال غصنَ شجرةٍ من طريق المُسلمين أدخله الله الجنة، فكيف بالذي يُزيلُ من أمامهم الأفكارَ السامةَ، والبِدع؛ والعاداتِ البالية، والأعرافَ التي ما أنزل الله بها من سُلطان؟!

🔅والذي أزال غصن شوكٍ كي لا يجرح أحد قدمه به أدخلَه الله الجنة، فكيف بالذي يزيلُ أشواكَ الحاجةِ فيساعد الفقير، وأشواك الألم فيمشي في علاجِ المريض، وأشواك الفقد فيُعزي ويساهم في تكاليف الدفن، وأشواك الديون فيدفعُ عن مُعْسِرٍ، ويُقيمُ مُتعثِّراً؟!

☘️قريبةٌ هي الجنة، قريبةٌ جداً، يكفي أن تعملَ وينظرَ اللهُ إلى قلبك فيرى أنك لا تريد بهذا العمل سواه!

➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
10-02-2020, 12:30 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

106

✍🏻أخشى أن تكون من تمر الصَّدقة!

🌳أخذَ الحسنُ بن علي رضي الله عنهما وهو طفل صغير تمرةً من تمر الصَّدقة فجعلها في فمه، فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: كِخْ كِخْ، إرمِ بها، أما علمتَ أنَّا لا نأكلُ الصَّدقة!
وكان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يمرُّ بالطريق فيجدُ التمرة مُلقاة على الأرض، فيقول: لو أني أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها!
ومرَّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بالطريق فوجدَ تمرةً فأخذها، ومسحها، وأكلها!

لم يُحِلَّ اللهُ سبحانه وتعالى لِنبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولا لِأهلِ بيتِه أنْ يَأخذوا مِنَ الصَّدقاتِ شيئًا؛

، وكان بعد بعثته إذا أُوتيَ بطعام سألَ عنه: أهدية أم صدقة؟

فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: كلوا! ولم يأكل معهم.
وإن قيل: هدية، جلسَ فأكل معهم.
فالصدقة إذاً لا يأكلها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولا آل بيته الأطهار، حُكم خاص من دون المسلمين.

حرصَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على تربية الأولاد على أحكام الإسلام وهم صغار، حتى إذا كبروا صارتْ هذه الأحكام جزءاً من تركيبتهم وشخصيتهم، فها هو يُعلِّمُ الحسنَ حُكماً شرعياً أنَّا لا نأكل مال الصدقة، ويُعلِّمُ صبياً آخر: يا غلام سمِّ الله وكُلْ بيمينك وكُلْ مما يليك! ويُعلم صبياً آخر عقيدته: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك…

▪️وما يقوله البعض من اتركوا الأطفال يعيشون حياتهم وطفولتهم، جهل بالتربية، ثم ألا يُعلِّمُ هؤلاء أولادهم أصوات الحيوانات، والحروف، والقراءة والكتابة في سن مبكرة، فلماذا لا يتركونهم يعيشون طفولتهم، أم أن الدين وحده ضدّ الطفولة؟!

🌳يُعلِّمُنا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم احترام النعمة، وفي رأس النِّعم الطعام! فلم يهُن عليه أن تُرمى تمرة ولولا خشيته من أن تكون من تمر الصدقة لأكلها، وعملاً بسُنته أكل عبد الله بن عمر التمرة المُلقاة على الأرض لأنه ليس من بيت النبوة ولا ضير إن كانت من تمر الصدقة.

فإن كان لم يهُنْ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن تذهب تمرةٌ هدراً فهل سيهون عليه ما نُلقيه من طعام في سلة المُهملات، اطبخوا على قدر حاجتكم فليس في الأمر بُخلاً أبداً، ثم وإن كانتْ الطبخة كبيرة فلم لا تُؤكل في اليوم الثاني، أو تُحفظ في الثلاجة ليوم آخر، أو أن تُعطى لفقير ومحتاج فبطون المساكين أولى بها من سلال القمامة!

▪️▪️▪️▪️▪️▪️

أم حذيفة
10-04-2020, 01:02 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

107

✍🏻هذه رحمة!

🌳أرسلتْ زينبُ ابنة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تطلبُ حضوره عندها لأنَّ ابنها الصغير يُحتضر.
فأرسلَ إليها يقول: إنَّ للهِ ما أخذ، وله ما أعطى، وكلٌّ عنده بأجل مسمى، فلتصبري ولتحتسبي.
فأرسلتْ إليه مجدداً تُقسِمُ عليه أن يأتيَها، فقامَ ومعه جماعة من أصحابه، فجِيء له بالصبيِّ، وأنفاسه تتقطع، ففاضتْ عيناه بالبُكاء!
فقال له سعد بن عُبادة: يا رسول اللهِ ما هذا؟
فقال له: هذه رحمة جعلَها اللهُ في قلوبِ عباده، إنما يرحمُ الله من عباده الرُّحماء!

♦️سبحان الله كلمات النبوة لها نور إيجاز مع عظم المعنى وسعته إذا كان الشيء لله فله ما أخذ وله ما أعطى فما موقفنا نحن مما أخذ الله من بين أيدينا التسليم لأن الأمر لله له ما أخذ وله ما أعطى سبحانه وتعالى كل شيء عنده بأجل مسمى الشيء المقدر لا يمكن أن يتقدم أو يتأخر لأنه بأجل مسمى


♦️الأبُ من بعد اللهِ سند، والفتاة لا تستغني عن أبيها ولو صار لها زوج وأولاد، للأب نكهة أخرى ليستْ في أحد، فتفقَّدوا بناتِكم بعد الزواج، زوروهُنَّ في بيوتهن، شارِكوهُنَّ لحظات الفرح، ولا تُفوِّتوا أبداً لحظات الحُزن، إن البنت الصغيرة التي عندها صوت أبيها في البيت أكثر أمناً من كل أقفال العالم لا تستغني عن هذا الأمان حين تكبر، فتذكَّروا يا معشر الآباء نحن نُزوِّج بناتنا ولا نتخلَّص منهن!

♦️البكاء عند الفقدِ لا يتعارض مع الرضى بقدرِ الله تعالى، على العكس تماماً فالمُؤمن عذب النفسِ، رقيقُ القلبِ، طيِّبُ المشاعرِ، ومن الطبيعي أن يبكي إذا ما فقدَ عزيزاً، وها هو النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يبكي لما رأى من احتضارِ ابن ابنته وهو سيد الرجال، وسيد الراضين بقدرِ الله، فلا تنظروا إلى البكاء على أنه ضعف، البكاء مريح للنفس عند المصائب، بعكس الكتمان الذي يخنقُ النفس، ويكبتُ على الروح، وهذا ليس من مواطن المكابرة!

▪️على أن بكاء العين والقلب ممتلئ رضىً وتسليماً شيء، والنواح، ورفع الصوت ، وشق الثياب وشد الشعر شيء آخر، فهذا وجه من وجوه السَّخط على قدر الله!

➖➖➖➖➖

أم حذيفة
10-09-2020, 02:21 AM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

108

✍🏻 فهلَّا جلستَ في بيت أبيك وأمك؟!

🌳استعملَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم رجُلاً يُقالُ له ابن اللُّتْبِيَّة لجمع أموال زكاةِ بني سُليم، فلمّا عاد بأموال الزكاة إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: هذا مالكم، وهذا أُهدِيَ إليَّ!
فغضِبَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال له: فهلَّا جلستَ في بيتِ أبيكَ وأمكَ حتى تأتيكَ هديتكَ إن كنتَ صادقاً!
ثم صَعِدَ المنبر، فحمدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإني أستعملُ الرَّجُلَ منكم على العمل ممّا ولاني الله، فيأتيني فيقول: هذا مالكم، وهذا أُهدِيَ إليَّ! أفلا جلسَ في بيتِ أبيه وأمه حتى
تأتيه هديته؟! واللهِ لا يأخذ أحدٌ منكم شيئاً بغيرِ حقِّهِ إلا لقيَ الله يحمله يوم القيامة، فَلَأَعرِفنَّ أحداً منكم لقي الله يحملُ بعيراً له رُغاء، أو بقرةً لها خوار، أو شاةً تيعر/تصيح. ثم رفع يديه حتى رُؤيَ بياض إبطيه وقال: اللهمَّ هل بلَّغتُ؟!

♦️مما ابتُلِيَ به المُسلمون اليوم كثرة الرِّشى، يسمونها بغير أسمائها! فهذا يُسميها: هدية، والآخر يُسمِّيها: إكراميَّة، والثالث يسميها: جبران خاطر، والرابع يُسمَّيها: كَرَم!
ليس للموظف إلا راتبه، وأي شيء يأخذه من المُراجعين، ولو دون طلبٍ منه فهو سُحتٌ وغلول! وروى أبو داود أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: من استعملناه على عملٍ فرزقناه رزقاً/راتبه، فما أخذَ بعد ذلك فهو غلول! وروى الإمام أحمد في مسنده، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: هدايا العُمال غلول!

♦️الهديةُ أمرٌ مُحببٌ بين الناس، وقد قبلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الهدية، وكان يُكافئ عليها، ويُكثر أن يُهدي الناس، ولكن الأمر مُختلف في الوظائف العامة، وما فيه مصالح ومعاملات، حيث يخرجُ من باب الهدية ويدخلُ في باب الرشوة!
فالهدية في هذه الأحوال إنما تُهدى للمُحاباةِ، وتسليكِ الأمورِ، وربما أدَّت المُحاباةُ إلى الغش خصوصاً في المُناقصاتِ التجاريةِ حيث غالباً ما ترسو على الذي دفع الرشوة
ولو كان هذا المُوظف في غير وظيفته ما أعطاه المُراجع لا درهماً ولا ديناراً، وإنما أعطاه لمنصبه الذي هو فيه وليس لشخصه!
وأسوأُ الأنواعِ هو ذاكَ الذي شَغِل منصباً عاماً، فيأتيه المواطنون بمعاملاتهم، فمن دفعَ له رشوة يسَّرَ أمره، ومن لم يدفعْ أهملَ له معاملته، ويتذرعُ أن الراتب الحكومي لا يكفي، وهذه حجة واهية لإنامةِ الضميرِ واستساغةِ الحرام، أنتَ تعرفُ مقدار راتبكَ حين تقدَّمتَ إلى الوظيفة فإما أن تقبلها أو ترفضها، أما دفع راتبك من جيوب المراجعين فهو مال حرام، وأيّما لحمٍ نبتَ من حرام فالنار أوْلى به!

▪️▪️▪️▪️▪️▪️

أم حذيفة
10-11-2020, 11:32 PM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

109

✍🏻"فلا تعضُلُوهُنَّ"!

🌴 زوَّجَ الصحابي الجليلُ معقل بن يسار أخته لرجلٍ من الأنصار، فحدثَ بين الرجل وزوجته خلاف فطلَّقها، فلما انقضَتْ عدتها جاءَ زوجها ليخطبها من أخيها مرةً أخرى…
ويُكملُ معقل بن يسار القصة فيقول: فقلتُ له: زوَّجتُكَ، وفرشْتُكَ/أي ساعدْتُكَ في جهازها، وأكرمتُكَ فطلَّقتها ثم جئتَ تخطبها، لا واللهِ لا ترجِعُ إليكَ أبداً! وكان رجلاً لا بأس به وكانتْ أُختي تُريدُ الرجوع إليه.
فأرسلَ إليَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقال: يا معقل بن يسار إن الله أنزل فيكَ قرآناً: "وإذا طلقتم النساء فبلغنَ أجلهُنَّ فلا تعضُلُوهُنَّ أن ينكحن أزواجهنَّ إذا تراضوا بينهم بالمعروف…"
فقلت:
: الآنَ أفْعَلُ يا رَسولَ اللَّهِ، قَالَ: فَزَوَّجَهَا إيَّاهُ.

♦️المؤمنُ يجب أن يكون وقَّافاً عند أوامرِ الله، فعندما أمر الله تعالى الأهل أن لا يمنعوا ابنتهم من الزواج بطليقها إن رغبتْ بذلك، وافقَ على الفور امتثالاً للأمر الإلهي، وتنازلَ عن رفضه الجازم السابق، فلا تكُنْ عنيدا خصوصاً إذا ما تعلَّقَ الأمر بأمرِ الله سبحانه.

♦️أُمِرْنَا بالعدل عند الخصام، فبالرغم من أن معقل بن يسار مُنزعج من طلاق أُخته، ومُتضايق من صهره لأنه ساعدَه في أمرِ الزواج فلم يلقَ هذا صدىً إيجابياً عنده، إلا أنه يشهد له أنه كان رجلاً لا بأس به، فلا تدعْ ساعة الخصومة تقودك إلى نكرانِ فضائلِ الآخرين!

⚡واجبُ الأهلِ إذا وقع الخلاف بين الزوجين أن يدفعوا باتجاه الصُلح، المرأة لزوجها، والزوج لامرأته، إن رغبا بالعودة بعد وقوع الطلاق البائن وانقضاء العِدة، وهذا يلزمه مهر وعقد جديدين، فمن باب أوْلى أن يعودا لبعضِهما وهي على ذمته وقد حدث بينهما خلاف، والعِنادُ في عودةِ الأزواجِ لبعضِهم قِلةُ فقهٍ للحياة، وعدمُ إدراكٍ لمخاطر الطلاق، وجهلٌ بالحياة الزوجية التي لا تخلو أساساً من خلاف!

👈🏻 الإحسانُ إلى الزوجة، ومعاملتُها بالمعروف واجبٌ على الزوج وإن لم يُعاونه أهلها في أمر زواجها، ويُصبحُ الواجبُ مُضاعفاً إن أحسنوا إليه وعاونوه، لأنَّ النبيل يُقدِّرُ المعروف، ويتحيَّنُ الفرصة لِرَدِّه، والحياة الزوجية الكريمة للبنت في بيت زوجها فرصة سانحة لِرَدِّ المعروف فأَحْسِنْ استغلالها!
▪️▪️▪️▪️▪️

أم حذيفة
10-17-2020, 11:37 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

110

✍🏻لمن هذا الجمل؟!

🌳دخل النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بستاناً لأُناسٍ من الأنصار فإذا فيه جملٌ، فلما رأى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم حنَّ وذَرفَتْ عيناه! فاقتربَ منه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومسحَ على رأسه حتى سكتَ
ثم قال: لمن هذا الجمل؟
فجاء فتى من الأنصار، فقال: لي يا رسول الله!
فقال له: "أفلا تتقي اللهَ في هذه البهيمة التي ملَّكَكَ الله إياها، فإنه شكا إليَّ أنك تُجوِّعه وتدئبه/تتعبه!

♦️البشريةُ التي تُحاضِرُ اليوم فينا في حقوق الإنسان كُنَّا قبل ألفٍ وأربعمئة سنة نُحاضِرُ فيها في حقوق الحيوان! يوم التزمنا بديننا فهانَ لأجله كل شيءٍ، ورخصَتْ له الدماء والأموال والأوقات، حكمنا العالم كله بالعدلِ وقُدنا دفة البشرية، ويوم فرَّطنا فيه صرنا في ذيلِ الحضارةِ وتخلَّفْنا عن الركب، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أوله: كتاب الله وسنة رسوله!

♦️إنَّ أحبَّ أسماء الله إليه هو الرحمن، وأحبَّ عباده إليه هم الرُّحماء، الرُّحماء على البشرِ والدوابِ والشجر! وإن من أجمل الأرزاق التي يسوقُها الله إلى عبده هو لين القلب على المخلوقات، لأن من لا يَرحم لا يُرحم!

🍃 لم يرضَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يجوعَ الجمل فلا يأخذ حظّه من الطعام، وأن يتعبَ ويُحملَ عليه ما لا يُطيق، هذا الدين الذي رفع أتباعه إلى أعلى مراتب الإنسانية حثَّهم على الرحمةِ بالحيوان فما بالك بالناس!

▪️وحين يحدِّثنا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن المرأة التي دخلتُ النار في هرةٍ حبسَتْها حتى ماتت، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكلُ من خشاش الأرض، فلِيُعلِّمنا احترام الأرواح والأنفس حتى ولو كانتْ للبهائم!

▪️وحين يحدِّثُنا عن الرجل الذي كان يمشي، فاشتدَّ عليه العطش، فنزلَ بئراً فشربَ منها ثم خرجَ فإذا هو بكلبٍ يلهثُ ويأكلُ التراب الندي الرطب من العطش، فقالَ في نفسه لقد بلغَ هذا مثل الذي بلغَ بي، فملأ خفَّه/حذاءه ثم أمسكه بفمه وصعدَ حتى سقى القلب، فشكرَ الله له وغفرَ له، لِيُعلِّمنا أن من عاملَ المخلوقات بصفةٍ عامله الله بها، من رَحِمَ رُحِمَ، ومن قسا عُوقِب!

روى الذهبيُّ أن مسعود الهمذاني كان رجُلاً يُحِبُّ العفو والصفح، وكان يُرغِّب به، ويدعو إليه، وإذا جاءه من يعتذِرُ منه، عفا عنه وقال له: الماضي لا يُذكر!
توفي مسعود، ورُئِي في المنام، فقيل له: ما فعلَ الله بك؟
فقال: أوقفني بين يديه وقال لي: الماضي لا يُذكر! خذوه إلى الجنَّة!
▪️▪️▪️▪️▪️▪️

أم حذيفة
10-21-2020, 11:57 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

111

✍🏻مثل عجوز بني إسرائيل!

🌳 نزلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يوماً في ضيافة أعرابيٍّ فأكرمه، وعندما همَّ بالرحيل عنه قال له: يا أعرابي اِئْتنا. يريدُ أن يردَّ إليه معروفه، فهكذا كان يحفظُ المعروف ولا ينساه!
ثم إن الأعرابي لم تطلْ به المدة حتى جاءه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أعرابي سَلني حاجتك
فقال: ناقة نركبها، وأعنزٌ يحلبها أهلي!
👈🏻فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعجزتَ أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟!
فقال أصحابه: يا رسول الله، وما عجوز بني إسرائيل!
فحدَّثهم أن يوسف عليه السلام كان قد أوصى قومه إذا خرجوا من مصر أن يحملوه معهم ليُدفن في الأرض المقدسة، ولمّا أعلَمَ موسى عليه السلام بني إسرائيل أن وقت الخروج من مصر قد حان، أخبروه بوصية أخيه يوسف، فسألهم أين يقع قبره ليُنفِّذوا وصيته. فأخبروه أن لا أحد يعرف مكانه إلا امرأة عجوز طاعنة في السن، فطلب منها موسى عليه السلام أن تدله على مكانه، فرفضتْ أن تُخبره حتى يعدها بأنها ستكون رفيقته في الجنة! فرفضَ لأنه لا يملك إدخال الناس الجنة أو النار، فأوحى الله تعالى إليه أن أعطِها ما طلبتْ! فأعطاها موسى عليه السلام طلبها، فدلتهم على مستنقع، وقالت جفِّفوا ماءه فتحته قبر يوسف عليه السلام! فجففوا الماء وأخرجوا جُثمان يوسف عليه السلام ونفَّذوا وصيته!

🔸وانظُرْ لتواضعه صلى الله عليه وسلم، صعد إلى السماء السابعة، وبلغ مبلغاً لم يبلغه مخلوق من قبل، ولكنه عندما عاد إلى الأرض بقي مُتواضعاً، ينزل في خيمة أعرابي لا يعرفه أحد، ويحفظ له معروفه، ويطلب منه أن يأتيه ليُكافئه، فما بالنا نحن إذا امتلكَ أحدنا سيارة فارهة تمختَرَ بين الناس تمختُر قارون في أهل مصر، وإذا حاز على شهادة عُليا ظنَّ نفسه أحد كتبة الوحي، فتعالى على الناس وعبدَ لقبه، والويل ثم الويل لمن ناداه بإسمه مُجرَّداً من لقب دكتور، أو باش مهندس، تواضعوا فما نحن إلا من تراب وإلى تراب نصير!

♦️الدنيا جسر عبور إلى الآخرة فلا تجعلها همَّك، وقد انزعج النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الأعرابي وقد فتحَ له باب الطلب، فإذا به يطلب ناقةً وأعنُزاً!

أرأيت الفرق الواسع والبون الشاسع بين من يريد أعنزًا يحلبها وناقة يركبها، وبين من تريد مرافقة الرسول في الجنة؟! إنها الهمة العالية، فقط! فإلى متى يرضى الكثير منا بضعف الهمة، وفتور العزيمة، ويرضى من الغياب بالإياب، ومن الغنيمة بالسلامة؟!

فكُن عجوز بني إسرائيل في همتها لا الأعرابي في تفاهةِ طلبه!

♦️الأعمار بيد الله، وقد كثُر موت الفجأة، فاكتُبْ وصيتك!
يرحل الأب الثري فلا يدري أولاده ما له وما عليه، وربما تشاجروا فيما بينهم على الإرث، كل واحد يُريد أن يحصل على المزيد من حق إخوته، فتتفرَّق العائلة، ويتشتت الأولاد، وينقطع الرحم!
المالُ عزيز، والنفسُ البشرية طماعة، فلا تترك أولادك خلفك في ساحة حرب، هذا يوسف عليه السلام قد أوصى لمئات السنوات بعد موته، وليس في وصيته تركة ولا درهم ولا دينار، ولا شيء ممّا يتنازع فيه الناس، فلماذا لا نُوصي نحن حفظاً لحقوق الورثة، وحفظاً لمالك، وكم من ميت مات فجاء أحدهم يقول كان لي عليه مال، والوَرَثة بين نارين، دَيْن قد يكون مزعوماً فيخسروا بعض ما ورثوه، أو دَيْن صحيح قد لا يُعطونه صاحبه فيحمل الميت وزره!

➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
10-22-2020, 09:43 PM
🟢 على منهاج النُّبُوَّة

112

✍🏻هل صليتَ معنا؟!

🌳جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول الله، قبَّلْتُ امرأةً دون أن أُصيبَ منها -أي ما يكون من التقبيل والضم واللمس دون الزنا- فها أنا، فاقضِ فيَّ ما شئتَ!
فقال له عُمر بن الخطاب: لقد ستركَ اللهُ فلو سترْتَ نفسَكَ!

فلم يقُل النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم شيئاً، إذ أُقيمتْ الصلاة، فلما انتهى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم من الصلاة دعا الرَّجل وقال له: هل حضرتَ الصلاة معنا؟
فقال: نعم
👈🏻فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: قد غفرَ اللهُ لكَ، وأنزل فيك قرآناً 🔸«وأقِمْ الصلاة طرفي النهار وزُلفاً من الليل إن الحسنات يُذهبنَ السيئات ذلك ذكرى للذاكرين»!
فقال رجلٌ من القوم: يا نبيَّ الله هذا له خاصة؟
فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لجميع أمتي كلُّهم!

👈🏻بالطبع هذا الحديث لا يُفهم منه أنه لا عليكم قبِّلوا وعانقوا دون الزنا فلا بأس إن الصلاة تُكفِّر هذا! وإنما المقصود أنه إذا غلبتْكُم الشهوات، وزيَّنَ لكم الشيطان ووقعَ الفأسُ في الرأس فباب الله مفتوح لا يُسدُّ، والحسنةُ تمحو السيئة بفضلِ الله وكرمِه، وهذه فتوى بعد وقوعِ المحظورِ وليستْ ضوءاً أخضرَ أن ارتكبه ثم صلِّ!

🔸وانظُرْ لفِقْهِ عُمر، لقد سترَكَ اللهُ فلو سترْتَ نفسَكَ!

هذا الدين لا يُوجد فيه كهنة ورهبان واعتراف، دعْ معاصيكَ بينك وبين الله، ولا تفضحْ نفسكَ ما دامَ الله قد أرخى عليكَ ثيابَ ستره، إن الناس تفضحُ ولا تعذر، والله يعذرُ ويستر!
مهما عَظُمَ الذنبُ فرحمةُ اللهِ أعظم منه، وإن الذي غفر لبغيِّ بني إسرائيل بسُقيا كلبٍ عطشان لهو أرحم بمن دونها، والمعادلةُ سهلة، إذا لم تسْتَطِعْ أن تتخلصَ من معصيةٍ فزاحِمْها بالطاعات!

▪️▪️▪️▪️▪️▪️

أم حذيفة
10-26-2020, 11:17 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

113
✍🏻 ولو بِشِقِّ تمرة!

🌳 كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جالساً بين أصحابه، فجاءه قومٌ من مُضَر/قبيلة عربية، حفاةٌ، ثيابهم بالية، فتمعَّرَ/تغيَّرَ وجهه لِمَا رأى بهم من الفقر، فدخلَ بيته ثم خرج، فأمرَ بلالاً فأذَّنَ، وأقام، فصلَّى، ثم خطبَ وحثَّ على الصدقة فقال: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظُرْ نفسٌ ما قدَّمتْ لغدٍ واتقوا الله".
تصدَّقَ رجلٌ من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرِّه/قمحه، من صاع تمره، حتى قال: ولو بِشِقِّ تمرة!
🍃فجاء رجلٌ من الأنصار بِصُرَّةٍ كادتْ كفه تعجزُ عن حملِها فوضَعَها بين يدي النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم تتابع الناس حتى صارَ في المسجد كومان من طعامٍ وثياب، فتهلَّلَ وجهُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كأنه فلقة قمر لمَّا رأى هذا التكافل والتراحم بين المسلمين، ثم وقف وقال مُثنياً على الأنصاري الذي بدأ في الصَّدقة وقلَّده الناس: "من سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنةً فله أجرُها وأجرُ من عملَ بها بعده من غير أن ينقصَ من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سُنَّةً سيئةً كان عليه وِزرها ووِزر من عمل بها بعده من غير أن ينقصَ من أوزارِهم شيء"!

🔸المُسلمون أُمةٌ واحدةٌ من دون الناس، وعائلةٌ واحدةٌ أبوهم القرآن وأمهم السُّنَّة، يشُدُّ بعضهم أزر بعض، يساعدُ قوِيُّهُم ضعيفَهم، ويُطعِمُ غنيُّهم فقيرَهم، ويُرشِدُ مُهتديهم ضالهم، ويُقيم قائمُهم مُتعثِّرَهم، يفرحُ بعضُهم لفرح بعضٍ، ويحزنُ بعضُهم لحزنِ بعض، يتهللُ وينتشي بعضُهم بنصرِ مُجاهدٍ في بلادٍ بعيدة عنه كأن النَّصر نصره وهو كذلك فعلاً، ويغتمُّ بعضُهم لمشهدِ طفلٍ تحت الركام قتلتْهُ يدُ الإجرامِ كأن الطفل طفله وهو كذلك فعلاً!

🔸من سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنة، أي ما ينفعُ الناس ولا يتعارض مع الشَّريعة! وهذا يشمل الدنيا لا الدين، وإلا من أنتَ لتُضيفَ للدِّين جديداً وقد قال ربنا قبل ألفٍ وأربعمئة سنة "اليوم أكملتُ لكم دينكم"!

👈🏻كُنْ الأول في الخير ولكَ أجرُ من قلَّدك!
خَفِّفْ المهرَ على خاطب ابنتك بعد أن غلا، وكُنْ قدوة للناس، ولكَ أجرُ من قلَّدكَ!
اِبدأْ مشروع صدقة، بادِرْ بفكرة طيبة، قُمْ بحملةٍ لسد دين، وأخرى لعلاج مريض، الإنسان الذي يطلبُ لنفسه يصغُرُ، والذي يطلبُ لغيره يكبُرُ ويرتفع، فكُنْ مفتاحاً للخير!

➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
11-03-2020, 01:55 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

114

✍🏻تصدَّقوا عليه!

🌳الدُّنيا إِقبالٌ وإِدبار، أغنياءُ اليوم قد يصبحون فقراء الغد، وفقراء اليوم قد يصبحون أغنياء الغد، صحيح اليوم قد يمرض، ومريض اليوم قد يشفى، القوي لا يبقى قوياً، والضعيف لا يبقى ضعيفاً، هكذا خلقَ الله الحياة درساً بليغاً نتعلمُ منه أنه لا يبقى على ما هو إلا هو!

ونحن في الفقر والغِنى، في الصحة والمرض، في إقبال الدنيا وإدبارها في امتحان، والله سبحانه ينظُرُ إلينا ما نصنع، والملائكة تكتب! وقد ربَّى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم هذه الأُمَّة على التراحم والتكافل، علَّمَنا أن نزور المريض، وأن نُشيِّع الميِّت، ونُعزِّي الفاقد، ونُقيم المُتعثِّر، وندلَّ التائه، ونجبر المكسور، ونُطيِّب الخاطر!

🌳 يُحدِّثنا أبو سعيد الخدري، قال: أُصيبَ رجلٌ في عهد النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في ثمارٍ ابتاعها، فكثُرَ دَيْنُه، فقال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: "تصدَّقوا عليه"!
فتصدَّق النَّاسُ عليه، فلم يبلُغ ذلكَ وفاءَ دَيْنه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه: "خُذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك"!

🔸درسٌ عظيمٌ في الجبر والتراحم، أرادَ إذا وقع المسلمُ أن يجدَ يداً تُقيمه، لا أن يصبح حاله على قول المثل: البقرة إذا وقعتْ كثُر ذبَّاحوها!

▪️كل يوم نسمع عن مريضٍ غير قادر على تأمين تكاليف العملية الجراحية، فهل تصدَّقنا وقُلنا: اللهم ليس مِنةً على عبدك وإنما شُكرٌ لكَ على العافية! وبالشُكر تدوم النِعم، والله أعدل وأرحم من أن يراك تساعد إنساناً في علاجه ثم يبتليك بمرضه، صدِّقني أنتَ تشتري نفسكَ من اللهِ بهذه الصدقة!

▪️كل يوم نسمعُ عن إنسان كثُر عليه الدَّيْن، فهل تصدَّقنا وقُلنا: اللهم ليس رياءً ولا سُمعة ولكن شُكراً لكَ أنكَ جعلتني عبدك المُعطي لا عبدك الآخذ! واللهُ أعدل وأرحم من أن يراك تُساعد إنساناً في دَيْنِه، تمدُّ يدك بالصدقة تعطيها ثم يجعلك تمدُّ يدك لتأخُذها، صدِّقني أنت تشتري نفسكَ من الله، اليدُ التي تُعطي الصدقة مُستحيل أن تمتد يوماً لتطلب صدقةً!
🌳واُنظر لرحمة هذا الدين وسماحته، يقول لغرمائه، ليس لكم إلا ما وجدتم!
لم يحجر النبيُّ صلى الله عليه وسلم على بيت الرجل المديون، ولم يبِعه في مزاد علني، ويُلقي بأُسرته في الطريق، القانون الذي لا يعرفُ الرَّحمة قانون غير جدير بالاحترام ولو حكمَ الدنيا كلها!
وقد يسأل سائل ما ذنبُ الذي أعطى المال دَيْناً، ولم يسترده! وهذا سؤال وجيه ومنطقي، يُواجَهُ بسؤالٍ آخر: هل الدنيا دار جزاء أم دار عمل؟! دار زراعة أم دار حصاد؟! ما دمتَ تُؤمن أنها دار عمل والجزاء عند الله، ودار زراعة والحصاد عند الله، فانزلْ عن بعض حقك للذي غلبه الدَّيْن وأبشِرْ بهذه:
روى مسلم في صحيحه من حديث حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أُتيَ اللهُ بعبدٍ من عباده آتاه اللهُ مالاً فقال: ماذا عملتَ في الدنيا؟ فقال: يا رب آتيتني مالكَ، فكنتُ أُبايع الناس وكان من خُلقي الجواز، فكنتُ أتيسَّرُ على الموسر، واُنظِرُ المعسِرَ. فقال الله تعالى: أنا أحقُّ بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي!

➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
11-06-2020, 12:22 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

115

✍🏻أطلقوا ثمامة!

🌳بعثَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم سَرِيةً ناحية نجد، فجاءتْ برجلٍ لا يعرفون من هو حتى قال لهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أتدرون من أسرْتُم؟ هذا ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة فأحسنوا إساره!
فحبسوه قُرب المسجد، وكان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُرسِلُ إليه من طعامِ أهله إذا أكلوا، ولكن ذلك لم يُرقِّقْ قلب ثمامة!
فجاءَهُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقال له: ماذا عندكَ يا ثمامة؟
فقال له: عندي خير يا مُحمد! إن تقتلْ تقتلْ ذا دم، أي أن وراءه من سيأخذ بثأره، وإن تُنعِم تُنعِم على شاكر، أي أنه وفي لا ينسى المعروف، وإن كنتَ تريدُ المالَ فسَلْ تُعطَ منه ما شئتَ!
وعلى مدى يومين كان الحوار ذاته يدورُ بينهما، إلى أن قالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في اليوم الرابع: أطلقوا ثمامة!
فانطلقَ ثمامة إلى نخلٍ قريبٍ من المسجد، فاغتسل، وعاد، وقال للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله!
ثم قال له: يا مُحمد، واللهِ ما كان على الأرض وجه أبغضَ إليَّ من وجهكَ، فقد أصبحَ وجهك أحب الوجوه إليَّ! وإنَّ خيلك َ أخذتني وأنا أريدُ العُمرة، فماذا ترى؟
فبشَّرَه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأمرَه أن يعتمرَ، فلما قَدِمَ مكة وعلمتْ قُريش بإسلامه، قالوا له: صبوتَ؟!
فقال: بل أسلمتُ مع محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا واللهِ لا يأتيكم من اليمامةِ حبة قمح حتى يأذنَ فيها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم!

🍃وأسلمَ ثمامة، وحسُنَ إسلامه، ونفعَ الله به الإسلام كثيراً، وقامَ بعد وفاة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مقاماً حميداً حين ارتدَّتْ اليمامة مع مُسيلمة فخطبَ بالناسِ ينهاهُم عن الرِّدة، وما زال هكذا حتى جاء معه ثلاثة آلاف قاتلوا في جيش المسلمين ضد المُرتدِّين!

🔅النبيلُ يُكبِّلُه المعروف! وكان الأحنف بن قيس يقول: من أحسنَ إليَّ فقد قيَّدني! فقيِّدوا الناس بالمعروف، فإن وقع في أهله فهم أهله ومن وقع في غير أهله فأنتَ أهله!
الإحسانُ إلى الذي بينك وبينه عداوة إنما يجب أن يكون عن قوةٍ وإلا صارَ هذا الإحسان ذُلاً وخوفاً! ألا وإن ثمة مواقف لا يصلُح فيها الإحسان كأن يحتلُّ عدوٌّ أرضَكَ، فالإحسانُ إليه دِياثة وقِلة مروءة وخِيانة مهما غلَّفوها بعباراتٍ جميلةٍ كالسَّلام!

▪️▪️▪️▪️▪️▪️▪️

أم حذيفة
11-09-2020, 10:25 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

116

✍🏻 لِيُصلِّ أحدكم نشاطه!

🌳دخل النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم المسجد، فإذا حَبْلٌ ممدود بين ساريتين/عمودين من سواري المسجد، فقال: ما هذا؟
فقالوا: هذا لزينب، تُصلي من الليل، فإذا كسلتْ أو فترتْ أمسكتْ به!
فقال: حُلُّوه/فُكُّوه، ليُصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا كسلَ أو فترَ فليقعُدْ!

▪️لا شكَّ أنه يُحسبُ لأُمنا زينب بنت جحشٍ هذا الحرص على قيام الليل حتى لو أنهكها التعب، ولكن النبى صلى الله عليه وسلم يُخبرنا بهذا الحديث عن مضمون آية أُنزِلتْ عليه من قبل "يريدُ الله بكم اليُسر ولا يريدُ بكم العسر"

▪️يُريدُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم منا أن نُقبل على الله صلاةً وصياماً وصدقةً وعملاً للخير بمقدار ما نستطيع، وبأريحية، دون مشقة وضرر لأنفسنا!
▪️صحيح أننا لو قُمنا العمر كله على سجادة الصلاة فلن نفيَ الله حقه، ولو أمضينا العمر كله صياماً فهذا ليس كثيراً على الله، ولكن الله سُبحانه يحفل بنا، ويهتم لأمرنا، ومن رحمته بنا جعل في دينه رُخصاً يُحِبُّ أن نأخذ بها.

🔅فالُمسافر في رمضان في خيار بين أن يصومَ وأن يُفطر، وقد غزا الصحابة مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فكان منهم من اختار أن يصوم، ومنهم من اختار أن يُفطر، فلم يُثنِ على الصائم، ولم يُوَبِّخ المفطر، لقد تركَ الأمر لكل واحد منهم أن يُقدِّر أموره وطاقته واحتماله، ولكنه قالَ في مناسبة أخرى: ليس من البِر الصيام في السفر!

🔅كذلكَ رخَّصَ الله تعالى للمُسافر أن يجمع بين الصلوات، وأن يقصر إن شاء، هديةً منه ورحمةً سبحانه على عباده، وأعجبني جواب ابن تيمية في الفتاوى على سؤال: أيهما أعلى أجراً من قَصَرَ الصلاة في السفر أو من أتمها؟
فقال: كلاهما على خير، وسقطتْ عنه الفريضة، أما من قصَرَ الصلاة فأعلى أجراً لأنه قام بالفريضة وأصاب السُّنَّة

▪️الفكرةُ من هذا كله أن هذا الدين يُؤخذ بعقل وليس بعاطفة، فمن أخبره الأطباء أن في صيامه خطر على حياته فليس له أن يصوم في رمضان مع الناس، فإن كان مرضه ممَّا له دواء يقضي ما أفطر بعد أن يصحَّ، وإن كان مرضه مزمناً لا شفاء منه فالله رحيم وقد شرعَ دفع فدية الصيام "ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً"!

▪️▪️▪️▪️▪️▪️

أم حذيفة
11-11-2020, 01:10 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

117
✍🏻شهادة خُزيمة بشهادة رجُلين!

🌳اشترى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فرساً من أعرابي، ولم يكن يحملُ مالاً، فطلبَ منه أن يتبعه بالفرس حتى يُحضر له المال، فأسرعَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى بيته وأبطأ الأعرابي، فكان بعضُ الناس يسألون عن سعر الفرس ولا يعلمون أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد اشتراه، ولما دُفِع للأعرابي سعرٌ أعلى من الذي اتفقَ عليه مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فنادى على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ليُخيره بين أن يدفعَ حسب السعر الجديد أو يبيعه لغيره!
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أوليسَ قد ابتعته منكَ؟
فقال الأعرابي: لا واللهِ ما بعتك إياه!
فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: بلى، قد ابتعته منكَ!
فاجتمع َالناس ينظرون هذا الجدال، وقال الأعرابي: هل من شاهدٍ يشهدُ أني قد بعتكَ إياه!
فقال خُزيمة بن ثابت: أنا أشهدُ أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد اشتراه!
ولم يكن خُزيمة شاهداً على البيع
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قولةَ المُستغرب: بِمَ تشهد؟
فقال: بتصديقك يا رسول الله، أأصدقك في خبر السَّماء وأكذبك في خبر الأرض؟!
فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: شهادة خُزيمة بشهادة رجلين!

🍃وعندما جُمعَ المُصحفُ في عهد أبي بكر، كان زيد بن ثابت لا يكتب الآية إلا بشهادة رجلين سمعاها من فم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وعندما وصلَ إلى سورة الأحزاب
قال زيد بن ثابت فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها، فلم أجدْها إلاّ مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين"، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾


🍂أمرنا الله سبحانه أن نكتب العقود حفظاً وضماناً للحقوق، حق المشتري وحق البائع، حق الدائن وحق المدين، حق العامل وحق رب العمل، ولكن علينا أن نعلم أن الإنسان الذي لا تربطه كلمته لن يربطه شيء!
يحسبُ الناس أن الدنيا شطارة، وأن جمع المال عبقرية بغض النظر عن الوسيلة التي نسلكها لذلك، تماماً كالأعرابي الذي تراجع في بيعه، وحنث بصفقة تمّت بعد أن وجدَ من يدفع له سعراً أعلى، يغفلُ الناسُ أن الحلال نهاية المطاف يذهبُ فكيف بالحرام، ثم إن هناك شيء اسمه البركة نزعه الله من كل مالٍ جُمع بالحلف الكاذب، والغدر، وإخلاف الوعد، ثم بعد هذا هناك موت وآخرة وحساب، فلننتبه!

➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
11-15-2020, 02:55 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

118
✍🏻سليم الصَّدر!

🌳كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جالساً بين أصحابه في المسجد، فقال: إنَّ أوَّل من يدخل من هذا الباب رجلٌ من أهل الجنة، فدخلَ عبد الله بن سَلام، فقام إليه بعضهم فأخبروه بذلك، ثم قالوا: أخبِرْنا بأوثق عملٍ في نفسك ترجو به الجنة؟
فقال: إني لضعيف، وإن أوثق ما أرجو به الله سلامة الصدر، وترك ما لا يعنيني!

🍂وعبدُ الله بن سَلام صحابيٌّ جليل، من ذُرية يُوسف عليه السَّلام، كان حبراً من أحبار بني إسرائيل، جاءَ يوماً إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقال له: إني سائلك عن ثلاثٍ لا يعلمها إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول ما يأكل أهل الجنة؟ ومن أين يشبه الولد أباه وأمه؟
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أخبَرَني بهنَّ جبريل آنفاً! أما أول أشراط الساعة فنارٌ تخرجُ من المشرقِ تحشرُ الناس إلى المغرب، وأول ما يأكل أهل الجنة فزيادةُ كبد الحوت، وأما الشّبه، فإذا سبقَ ماءُ الرجل نزعَ الولد إلى أبيه، وإذا سبقَ ماءُ المرأة نزعَ الولد إلى أمه!
فقال له: أشهدُ أنك رسول الله!
وفيه نزل آيتان من القرآن: "وشهدَ شاهدٌ من بني إسرائيل" و "ليسوا سواءً من أهل الكتاب أمة قائمة…"

🌼 والشَّاهدُ أن سلامة الصدر من الأحقادِ والضغائنِ من أسبابِ دخولِ الجنة! وسلامةُ الصدرِ جنةٌ في الدنيا قبل الآخرة، فالإنسانُ الذي يملأُ قلبه الحقد والحسد والكراهية، إنسانٌ لا يجد طعم السعادة مع أحد، ولا يجد السعادة معه أحد!
الإنسانُ الممتلئُ بالحسدِ لن يجدَ لذةً في النِّعم التي بين يديه لأنه مُنشغل بتجرُّعِ مرارة مُراقبة النِِّعم التي في أيدي الناس!
والإنسان المنشغل بالكراهية ليس لديه وقت ليُحبَّ أحداً، بل قد تجده يكره نفسه!
وإنَّ من أعظم أرزاق الله أن يهبَ عبده قلباً طيباً رقيقاً لا مكان فيه لحقدٍ أو حسدٍ أو انتقامٍ، وهكذا كانتْ قلوبُ الأنبياء، فمن أُوتيَ هذا القلب فليُحافظ عليه ولا يُلوِّثه، فإن فيه شيئاً من نُبُوَّة!
وكما يحرصُ الإنسان على نقاءِ قلبه هو، عليه أن يحرصَ على نقاءِ قلب غيره، فإذا أخطأْتَ اعتذر، لتُطهِّرَ قلبَ الذي أخطأْتَ معه، وإذا أخطأَ معكَ أحدٌ فسامِحْ، فشرُّ ما يُملأ به القلب هو الحقد!
كذلك لا تحمل للناسِ أخباراً سيئة عن الناسِ، ولا تقُلْ لفُلان إن فلاناً قال فيك كذا وكذا، فإن هذا فوق أنه نميمة إلا أنه يملأ قلوب الناس بالحقدِ والكراهيةِ على بعضِهم.
وقد كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أحرصَ الناسِ على نقاء قلبه، فكان يقول: لا يُبلِّغني أحدٌ من أصحابي عن أحدٍ شيئاً، فإني أُحبُّ أن أخرجَ إليكم وأنا سليم الصَّدر!

▪️▪️▪️▪️▪️▪️

أم حذيفة
11-18-2020, 04:55 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

119
✍🏻صَدَقَ سَلمان!

🌳عندما جاءَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار، وكان ممن آخى بينهم أبو الدرداء وسلمان الفارسي، وفي أحدِ الأيام جاءَ سلمان لزيارةِ أبي الدرداء في بيته، فرأى أم الدرداء في حالةٍ رثةٍ، فظنَّ أنَّ خطباً ما قد حدث، فسألها: ما شأنك يا أم الدرداء؟
فقالتْ: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا! تريدُ أن تقول أنها أهملتْ نفسها لأنَّ أبا الدرداء مُنشغلٌ بالعبادة، صوَّامٌ في النهارِ، قوَّامٌ في الليلِ، مُعرِضٌ عنها!
ودخل سلمان على أبي الدرداء، ولما وُضِعَ الطعام، لم يمدَّ أبو الدرداء يده. فقال له سلمان: كُلْ!
فقال: إني صائم!
فقال سلمان: ما أنا بآكل حتى تأكل!
فأكلَ أبو الدرداء وفكَّ صيامه، فلما كان الليل أراد أبو الدرداء أن يقومَ ليُصلي، فقال له سلمان: نَمْ! فنام أبو الدرداء.
فلما انقضى وقت عاود أبو الدرداء القيام ليُصلي، فقال له سلمان: نَمْ! فنام أبو الدرداء! فلما كان ثلث الليل الآخر، قال له سلمان: الآن قُمْ! فَصَلَّيَا معاً ثم قال له سلمان: إنَّ لربك عليكَ حقاً، ولنفسكَ عليكَ حقاً، ولأهلِكَ/زوجتك عليكَ حقاً، فأعطِ كُلَّ ذي حقٍّ حقه.
فأتى أبو الدرداء إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فحدَّثه بالذي كان بينهما، فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: صَدَقَ سَلمان!

🍂 الحياءُ من الإيمان، وأجملُ مستحضراتِ تجميلِ المرأة الحياء، وما أجمل أم الدرداء إذ تستخدم الكناية، فلم تَقُلْ هو مُعرِضٌ عني لهذا أنا رثة الثياب والمظهر، وإنما قالتْ ليس لهُ حاجة في الدنيا!
وجاءتْ امرأةٌ إلى عُمر بن الخطاب تقول: إنّ زوجي صوَّام قوَّام، فقال: نِعم الرجل! فظلَّتْ تُعيدُها ومن حياء كنايتها لم ينتبه عُمر لمقصدها رغم ذكائه المعروف، حتى قال له محمد بن مسلمة: إنما تشكو لكَ مُباعدة زوجها لها في الفِراش!

▪️المُوازنةُ أمرٌ مطلوبٌ، وأُنموذج أبي الدرداء رغم أنه أخطأ التصرُّف إلا أنه انقرضَ، فنحن نعيشُ اليوم تفريطاً سلبياً وهو الإقبالُ على الدنيا حدَّ نسيان الآخرة، عكس إقبال أبي الدرداء على الآخرة حدَّ نسيان الدنيا! وكلاهما خطأ فادح، وخلاف الشَّريعة والسُّنَّة، فالمسلمُ يعملُ للآخرة لكنه لا ينسى أنه يعيشُ في الدنيا!

▪️البيوتُ أسرارٌ، والأمورُ تحتاج إلى حكمة في مثل هذه الأمور، وأخطأت أم الدرداء بإهمال نفسها حين أعرَضَ عنها زوجها لأنَّ هذا يزيده إعراضاً، والحكيمُ من يعملُ على حلِّ المشاكل ولا يزيد من تفاقُمها، وعلى الزوج والزوجة أن يُدرِكا أن لكل واحدٍ منهما حق نيل رغبته الطبيعية، وما كان الزواج إلا للمساعدة على العِفَّة، والإقبال على الدنيا والآخرة بنفسية مُرتاحة، فهوِّنوا على بعضكم الطريق!

➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
11-19-2020, 10:57 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

120
✍🏻أَبْلي وأَخْلِقي!

🌳عندما ضاقتْ مكة على المُسلمين، واشتدَّ عليهم العذاب، أمرَهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالهجرة إلى الحبشة علَّهم يجدون عند الغريب رأفةً لم يجدوها عند القريب، وكان النجاشي عند حُسن ظنِّ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم به، حيث قال عنه: اذهبوا إلى الحبشة فإن فيها ملكاً لا يُظلم عنده أحد!
وكان ممن هاجرَ إلى الحبشة سعيد بن العاص وزوجته أُميمة بنت خلف الخزاعية وهناك رُزقا ببنتٍ أسمياها "أَمَة" ولكنها اشتهرت في كُتب السِّيَر بكنيتها فكان يُقال لها أم خالد وهي طفلة رضيعة.
وعاد الأبوان وابنتهما إلى المدينة بعد الهجرة في أول وفدٍ عادَ من المُهاجرين إلى الحبشةِ، ووَدَّعَهم النجاشي يومها وقال لهم: أقرِئوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مني السَّلام. وكانتْ أم خالد من الذين أبلغوا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم سلام النجاشي رغم صِغر سنها!
وجاءُ سعيدُ بن العاص برفقةِ ابنته أم خالد لزيارةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وكانتْ تلبسُ ثوباً جميلاً، فقال لها مُمازحاً كعادته مع الأطفال: سَنَهْ سَنَهْ وهي كلمة حبشية تعني جميلة!
وذهبَت تَلعب بِخَاتم النُّبُوَّةِ الذي بين كتفَيْه صلَّى الله عليه وسلَّم،
، فنهرها أبوها وزجرها لتتوقف، فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: دعها! ثم مسحَ بيده الشريفة على أم خالد وقال: أَبْلِي وأَخْلِقي، ثم أَبْلِي وأَخْلِقي، ثم أَبْلِي وأَخْلِقي!
وأَبْلِي وأَخْلِقي بمعنى إلبسي الثياب حتى تهترئ ثم جدديها، ويقابلها قولنا العامي لمن لبس ثوباً فندعو له: "تهري وتُجدد"، والمعنى دعاء بطول العمر، وعاشتْ أم خالد ببركةِ دعائِهِ أعوام عديده

▪️كلامُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع الطفلة أم خالد بالحبشية كانتْ من باب المُداعبة والمُلاطفة، حيث وُلِدتْ وترعرتْ هناك، وواضحٌ ما فيها من التحبب والتقرب، ولا يُستدل به على جواز ما يفعله أدعياء الثقافة والتبعية للغرب من قومها حيث يضعون كلمة إنكليزية أو فرنسية بين كل كلمتين عربيتين من بابِ التباهي، وهذا إن دلَّ فإنما يدُلُّ على انهزامٍ ثقافيٍّ، ونفسيةٍ تشعر بالدونية وتحاول بهذا أن ترحم دونيتها، وهي فوق هذا فيها نوع من التعالي خصوصاً إذا كان الكلام مع العوام!

▪️ملاطفة الأطفالِ بابٌ من أبواب إكرام آبائهم، وانبساطُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأم خالد حتى تركَها تلعب بخاتمه، ورفضُ زجر أبيها لها، إنما هو رحمة بالطفلة وإكرام لأبيها، فإذا جاءكَ ضيف ومعه صغير لاطفه، اِطبعْ على رأسه قبلة، وقُلْ له كلمة حلوة، أَعطِه قطعة حلوى، فهذا يُسعد الأب قبل أن يُسعد الطفل، وهو باب عظيم من أبواب التحبب بين الناس

➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
11-23-2020, 12:42 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة
121

✍🏻إني لا أخيسُ بالعهد!

🌳كان أبو رافعٍ قِبطياً يدين بالنصرانية، فأرسلَتْه قُريش موفداً منها إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لبعض الأمورِ السياسيةِ التي كانتْ تجري بينهما قبل فتح مكة، فلما وصلَ أبو رافعٍ إلى المدينة المنورة، ورأى أخلاق النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأخلاق الصحابة، وعَرَفَ الإسلام عن قُرب، قرَّرَ أن يُسلم، فقال للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: يا رسول الله، إني واللهِ لا أرجعُ إليهم أبداً!
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "إني لا أخيسُ/أُخلف بالعهد، ولا أحبسُ البُرْدَ/جميع بريد وهو الرسول والموفد، ولكن اِرجِعْ إليهم، فإن كان في نفسِك الذي في نفسِكَ الآن فارجعْ إليَّ!
فعاد أبو رافعٍ إلى مكة، وأبلغَ قُريشاً بردِّ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بما أرسلته إليه، ثم عاد إلى المدينةِ فأسلم!

👈🏻وكواليس الحديث كالتالي:
كانتْ الأعراف السياسية تقضي أن الرُّسل التي تكون بين الملوك المُتنازعين وبين القبائلِ المتناحرةِ أنها لا تُقتل ولا تُحبس مهما كان مضمون الرسالة، ولو حوى تهديداً من طرفٍ إلى طرفٍ، فما على الرسولِ إلا البلاغ! وعندما أراد أبو رافعٍ أن يُسلمَ، وأن لا يرجع إلى قُريش، وهو بالأساس قد جاءَ رسولاً منها إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، رفضَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم هذا الأمر، لأنه يخرق الأعراف الدبلوماسية، والعادات الحميدة التي تعارفَ عليها الناس، وقد خشيَ أن تقولَ قُريش أنه قد حبسَ موفدها إليه فتُؤخذُ عليه بين العرب غدرةً رغم أن أبا رافعٍ اختارَ الإسلام والمكوث رغبةً منه واقتناعاً، فأمرَه أن يرجعَ إلى قُريش بالأمرِ الذي جاء به، فإن بقيَ راغباً في الإسلام عادَ إلى المدينة المنورة وأسلم، وهذا الذي كان!

▪️أمرَ الله سُبحانه المسلم أن يفيَ بالعهد الذي يتعهَّدُ به فقال: "وأوفوا بالعهد إنَّ العهد كان مسؤولاً"! وعلَّمنا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ من آيات المُنافق أنه إذا وعدَ أخلف!

ورغم أن قُريشاً كانتْ على الشِّرك إلا أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يخلفْ عهده معها، لذلك إنَّ العهد يجب أن يُراعى مع الكافر كما يُراعى مع المسلم!
▪️لذلك أوفِ بعهدك، وكُن على قدرِ كلمتك، فإن النبلاء تربطُهُم ألسنتهم لا العقود التي يُوقعونها فقط، وقد أخبرنا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن الله تعالى يكره الغدر والغادرين فقال: "لكل غادرٍ لواء يوم القيامة، يُقال: هذه غدرة فلان"!
لواء أي علامة يشتهر بها في الناس، وكان من عادة العرب في الجاهلية أنها تَنصُبُ للغادر لواءً في الأسواق والمحافل للتشهير به!
➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
11-28-2020, 12:50 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

122
✍🏻أتحبه لأمك؟!

🌳 جاء شابٌ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقال له: يا رسول الله اِئذن لي بالزنا!
فزجرَه من كان جالساً معه، ولكن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لم يَزِدْ على أن قالَ له: أُدْنُ مني!
فلمَّا دنا منه وجلسَ، قال له: أتحبُّه لأمك؟
فقال الشاب: لا والله، جعلني الله فداءك!
قال: ولا الناس يُحبُّونه لأمهاتهم، أفتحبُّه لابنتك؟
فقال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك!
قال: ولا الناس يُحبُّونه لبناتِهم، أفتحبُّه لأُختك؟
فقال: لا والله، جعلني الله فداءكَ!
قال: ولا الناس يُحبُّونه لأخواتِهم، أفتُحبُّه لعمتك؟
فقال: لا والله، جعلني الله فداءكَ!
قال: ولا الناس يُحبُّونه لعماتهم، أفتحبُّه لخالتك؟
فقال: لا والله، جعلني الله فداءكَ!
فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ولا الناس يُحبُّونه لخالاتِهم! ثم وضعَ يده الشريفة على صدرِ الشابِ وقال: اللهم اغفرْ ذنبَه، وطهِّرْ قلبَه، وحصِّنْ فرجَه.

فثبتَ الشابُ من يومها بدعاءِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يلتفتْ لشيء!

▪️الأسلوبُ أولاً وأخيراً هو الذي يفتحُ بإذن الله قلوب الناس إلى الحق، مطلبُ الشاب من النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لو كان بينه وبينه لكان وقاحةً، فكيف وقد جاء يطلبُ الإذن بالزنا على الملأ! ولكن الرحمة المُهداة فهمَ أن الشاب قد استعرتْ فيه الشهوة وهي في مُقتبلِ العمر ليستْ كما هي في آخره، وهو مدفوعٌ بالغريزةِ وليس بالفجور، وهذا ما يجب أن نتفهمه في أهل المعاصي من المُسلمين! وبعد أن نتفهمَه تأتي المُحاججة بالمنطقِ، والهدوءِ، والقلبِ الليِّنِ، واللسانِ العذبِ، والإشفاقِ وإنَّ الله سُبحانه يفتحُ القلبَ باللسان اللين ولا يفتحه بالسيفِ القاطع!

▪️كلُّ ما تريدُ أن تقومَ به تجاه الآخرين قِسْهُ على نفسك، فإذا رضيتَه لكَ فاصنعه مع الناس، وإذا لم ترضَه لكَ فأمْسِكْ فعلكَ، وإنَّ من العدل أن يرضى الإنسان للناس ما يرضاه لنفسه، وأن يرفضَ لهم ما يرفضه لنفسه!
العلاقةُ التي لا ترضاها لأهلِ بيتِك فلا تقُمْ بمثلها مع أهل بيت آخر!
والكلمةُ التي لا ترضى أن تسمعَها من غيرك فلا ترضَ أن تُسمِعَها لغيرك!
وعِشْ حياتك كلها على مبدأٍ واحدٍ تسلم: أدِّ للناس ما تُحب أن يُؤدُّونه إليك!

➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
11-29-2020, 12:49 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

123

✍🏻أجرُ القرابة وأجرُ الصَّدقة!

🌳خطبَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في النساء، وحثَّهُنَّ على الصدقة، فقال: "تصدَّقنَ يا معشر الناس ولو من حليِّكن".
وكان بين النساء زينب زوجة عبد اللهِ بن مسعود، فرجعتْ إلى بيتِها وقالتْ له: إنكَ رجل فقير، وإن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد أمرَنا بالصدقة، فأتِهِ فاسأله أيسعني أن أضعَ صدقتي فيكَ وفي بني أخٍ لي يتامى، وإلا صرفتها إلى غيركم.
فقال لها: بل ائتيه أنتِ!
فانطلقتْ فإذا امرأة من الأنصار ببابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم جاءتْ تسألُ نفس السؤال، فقرعَتا الباب، فخرجَ إليهما بلال بن رباح، فقالتا: قُلْ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ امرأتين بالباب تسألانك أتُجزئُ الصدقة عنهما على أزواجِهِما، وعلى أيتامٍ في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن.
فدخل بلال على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبِرْه، فقال له: من هما؟
فقال: امرأة من الأنصار وزينب
فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أيُّ الزَّيانب؟
فقال: امرأة عبد الله بن مسعود
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "لهما أجران: أجر القَرابة، وأجرُ الصَّدقة"!

▪️إنَّ في جعلِ الزكاةِ والصدقةِ في الأقارب أجران، أجر العبادة وأجر صلة الرحم، بشرط أن لا يكون دافع الزكاة ممن هو مأمورٌ بالإنفاقِ على من أعطاه! بمعنى أنه للزوجة أن تُعطيَ زكاة مالها لزوجها الفقير، وليس له أن يُعطيَها لأن النفقةَ واجبُ الزوج على زوجته! كذلك لا يُعطي الأبُ أولادَه من الزكاة والعكس، فهي لا تُدفع للأصول والفروع! إلا في حالات ضيقة ! ولكن تُعطى الزكاة للأعمامِ والأخوالِ والإخوةِ والأخواتِ وأولادِهم لأن النفقة ليستْ واجبة على هؤلاء!

▪️من إكرامِ الإسلام للمرأة أنه جعلَ مالَها لها فليس للزوج أن يأخذَ منها ولو درهماً بغيرِ رِضاها، على أن البيوت إنما تقومُ بالمعروف، وقد شاهدْنا عياناً أن أتعسَ البيوت هي تلك التي يتعاملُ فيها الأزواج على مبدأ هذا لي وهذا لك! غير أن الحقَّ حقّ ومال الزوجة لها!

▪️يُستحسنُ إن كان السؤال الذي يسأله المرءُ للشيخ أو المفتي مُحرِجاً أن يُخفي هويته، بكل بساطة يمكنك أن تسأل الشيخ السؤال على أنه لغيرك، فتستخدم التورية، كأن تقول أعرفُ رجلاً فعل كذا، فما الحكم؟ أو إن رجلاً لديه مال ويُريدُ أن يصنعَ كذا فما الحكم؟ على أنه يجوز للمُفتي أن يسألَ عن الشخص إن كانتْ القضيةُ تستوجبُ ذلك، كأن يسأل المرأةُ التي تُريدُ أن تتصدَّقَ على زوجِها إن كان زوجها فقيراً لأن الفقر شرط في الاستحقاق، ويا له من دِين، ويا لها من شريعة!

➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
11-30-2020, 02:18 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

124
✍🏻حتى اللقمة!

🌳مرضَ سعد بن أبي وقاص في مكة عام حجة الوداع مرضاً شديداً حتى ظنَّ أنه سيموتُ منه، وجاءه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يعودُه، فقال له سعد: يا رسول الله قد بلغَ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مالٍ، ولا يرثني إلا ابنةٌ واحدة لي، أفأتصدَّق بثُلثي مالي؟
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لا
قال: فأتصدَّقُ بنصفه؟
فقال له: لا
فقال سعد: بالثُلث؟
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: بالثُلُثِ يا سعد، والثلثُ كثير، إنكَ أن تذرَ ورثتَكَ أغنياء خيرٌ من أن تَذَرَهم عالةً يتكفَّفون الناس، ولستْ بمُنفقٍ نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا آجركَ الله بها، حتى اللُّقمة تجعلُها في في امرأتك!

☘️ من هَدْيِ النُّبُوَّة أن يُفكِّرَ المرءُ بورثَتِه، وأن يتركَ لهم مالاً يستعينون به على نوائبِ الدهرِ بعده، فالدنيا مُتقلبة، ولا يؤُمن جانبها، ولكن هذا لا يعني أن يعملَ الإنسانُ جامع مالٍ لمن بعده وينسى نفسه من البِرِّ والصدقةِ والإنفاقِ في وجوهِ الخيرِ، حتى إذا حضرَه الموت قال لورثته، تصدَّقوا عني بكذا، واجعلوا لي صدقةً جاريةً بكذا،
👈🏻 املأْ صحيفتكَ بنفسكَ، تصدَّقْ أنتَ، وسابِقْ إلى الله بما آتاك، لا تجمع المال ثم تتركه لهم وتُحاسبُ عليه وحدكَ!

🔸النِّيةُ تجعلُ العادات عبادات! فاجعَلْ نواياك دوماً لله!
▪️الطعامُ الذي تشتريه لأُسرتك لا تربطه بمفهوم الواجب ولكن تحسسْ فيه الأجر، ففي كل كبدٍ رطبةٍ صدقة!
▪️والمالُ الذي تُعطيه لوالديك لا تربطه بمفهوم الواجب، وكي لا يقول الناس أنك لا تُنفقُ على أبويك، تحسسْ فيه البِر، تقرَّبْ به إلى الله، ورتِّل بهدوء "وبالوالدين إحساناً"!
▪️زيارةُ أختك التي وضعتْ مولوداً لا تربطها بمفهوم الطقوسِ الاجتماعيةِ والواجباتِ الأُسرية، تحسسْ بها صِلة الرحم، وتذكرْ كيف أن الرَّحِم مربوطة بالعرش من وصلها وصلَه الله ومن قطعَها قطعه الله!
▪️طبقُ الطعام الذي تُهديه إلى الجار لا تربطه بمفهوم المبادلة، وطبق بطبق، وهذا ما يفعله الناس منذ قِدم الدهر، تحسسْ فيه ما زال جبريل يُوصي بالجار حتى ظننتُ أنه سيُورِّثه!
تتشابه أعمال الناس وتختلف نواياهم، فاجعل الله دوماً في نيتك!

➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
12-13-2020, 02:42 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

126

✍🏻الآنَ يا عمر!

🌳 كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ماشياً في جماعةٍ من أصحابِه وهو ممسك بيدِ عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، واللهِ لأنتَ أحبّ إليَّ من كل شيءٍ إلا من نفسي!
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليكَ من نفسك!
فقال له عُمر: فإنه الآن واللهِ لأنتَ أحب إليَّ من نفسي!
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: الآن يا عُمر!

🌳وعن أنسٍ قال: قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "لا يُؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والدِهِ وولدِهِ والناسِ أجمعين".

🔸وهذه المحبة وإن كانت عملاً قلبياً , إلا أن آثارها ودلائلها لابد وأن تظهر على جوارح الإنسان , وفي سلوكه وأفعاله , فالمحبة لها مظاهر وشواهد تميز المحب الصادق من المدعي الكاذب , وتميز من سلك مسلكا صحيحا ممن سلك مسالك منحرفة في التعبير عن هذه المحبة .
🔸على أنَّ للمحبة أمارات ثلاث:
▪️الأولى: أن تتذكرَ فضلَه عليكَ وكم تعبَ ليكُون لكَ دين تعبدُ الله به، أن تتذكرَه ليلةَ نُزولِ الوَحيِ وهو يرتجفُ من هَوْلِ المشهد، وأن تتذكرَه وقومه يُحاصرونه في شِعب أبي طالب، ويضعون على رأسه سلى الجزور، وينعتونه بالساحرِ والكاذبِ والمجنون، أن تتذكرَه في الطائف يُرجم، وفي الهجرة مُختبئاً في الغار، ويوم أُحُد ينزفُ دماً ويقول: كيف يُفلحُ قوم شجُّوا نبيهم! أن تتذكرَه يربطُ حجراً على بطنه من الجُوع، ويعتصرُ ألماً من سمٍّ دسَّتْهُ لهُ اليهودية في فخذِ الشاة!

▪️الثانية: أن تُكثرَ من الصلاةِ عليه قائماً وقاعداً وعلى جنبك، فإن المُحب يُكثرُ من ذِكرِ محبوبه، فاشغلْ لسانَك وقلبَك بالصلاةِ عليه فإنها كفاية الهم وغفران الذنب!

▪️الثالثة: إن أروع أشكال الحُب هو الاقتداء،
الاقتداء به في سنته في جميع أمورك المشروعة، بل كان بعض السلف يقتدي به في فعل المباحات لما ترسخت عندهم محبته صلى الله عليه وسلم، فأين أنت منه صلى الله عليه وسلم في توحيده لربه جل وعلا، وتوكله عليه، واستعانته به في أموره كلها؟ وأين أنت منه صلى الله عليه وسلم في عباداتك؟ تصلي كما صلى وتجتهد في ذلك وتستشعر اقتداءك به في كل حركة من صلاتك، فتعمل كما عمل، وفي نفقتك وصدقتك، وفي صيامك، وفي ذكر الله تعالى واستغفاره، وفي قيام الليل، وكذلك في غير العبادات المحضة؛ كاللباس والزينة وسنن الفطرة والنوم ومعاملة الناس، وغيرها، ومن علامات محبته: محبة السنة والغيرة عليها والدعوة إليها

أم حذيفة
12-14-2020, 01:53 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

127
✍🏻لا يصلح فيها شيء من كلام النَّاس!

🌳كان معاوية بن الحكم السلمي حديث عهدٍ بالإسلام، فجاء إلى المسجد، وأُقيمتْ الصلاة، ووقفَ مع الناس خلف النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وبينما هم في الصلاة إذ عطس رجلٌ من القوم، فقال له مُعاوية: يرحمكَ الله!
فجعلَ الناس كأنهم يلتفِتون إليه من غريب فِعلته!
فقال: ثكلتني أمي، ما شأنكم تنظرون إليَّ؟
فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم أي اُسكتْ!
قال معاوية: ففهمتُ مرادهم فسكت، فلما انتهتْ الصلاة، اقتربَ مني النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، بأبي هو وأمي ما رأيتُ معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، واللهِ ما نهرني ولا ضربني ولا شتمني، وإنما قال لي: "إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن"!

🔸مهما كان الحق معكَ، وحجتك دامغة، الأسلوبُ أولاً، لأن الأسلوب الخشن ينفِّر الناس ولو كان مضمون الكلام صواباً! إن الأسلوب الفج القاسي يبني جداراً بينك وبين الناس بحيث أنهم لا يعودوا يتقبلون التفكير في فكرتِكَ أساساً، وهذه حقيقة أقرها القرآن الكريم، ألم يقل الله تعالى لِنبيِّه الكريم: "ولو كنتَ فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك"!

🔸لقد جاء بأصح فكرة في تاريخ البشرية ألا وهي التوحيد، وأصدقِ مضمونٍ ألا وهو الإسلام، وأنبلِ مهمةٍ ألا وهي إيصال الخلق إلى الله، ورغم هذا يخبره ربه أن كل هذا لم يكن ليتحقق لولا لِينِه ورحمتِه ورقةِ قلبه.
▪️فمهما كانتْ فكرتُكَ صائبةً لن تكون أصوب من فكرة التوحيد، ومهما كان مضمونكَ صادقاً لن يكون أصدق من الإسلام، ومهما كان قصدُكَ نبيلاً فلن يكون أنبل من إيصالِ الخلقِ إلى ربِّهم، وبهذا كله كان الأسلوب قبل المضمون!

▪️النصحُ لا يستغني عن اللُّطف، فإذا استغنى عنه صار هجاءً ولم يعد نصحاً!
أيُّ نُصحٍ في أن تقولَ لتاركِ الصلاة أنت كافر وسوف تتعذَّب في قبرك وتدخل النار؟!
وأيُّ نُصحٍ في أن تقولَ للسافرة لماذا أنتِ رخيصة ينظر إليك من هبَّ ودبَّ، وماذا تفرقين عن الغانيات!
وأيُّ نُصحٍ في أن تقولَ لتاركِ الصيام أنتَ كالدابة لا همَّ لكَ إلا بطنك، لو كنتَ إنساناً لتركتَ الطعام لأجل ربك!
▪️نعم علينا أن ننكرَ المُنكرَ، وأن ندعوَ العُصاةَ، وأن نُبيِّنَ الحقَّ للناس، ولكن لا ندعو إلى الله إلا بما يُرضي الله.
أرأيتَ حتى الغضبَ لله له أدب وضوابط!

➖➖➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
01-10-2021, 09:46 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

128
✍🏻من يمنعكَ مني؟

🌳 غزا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ناحية نجد، وفي طريق عودتِهِ أدركتْهُ شمس الظهيرة في وادٍ كثير الشَّجر، فأعطى أمرَه للصحابة أن يستظِلُّوا ويستريحوا قليلاً، فتفرَّقوا كل منهم في مكان، وتركوا له شجرةً ظليلة وابتعدوا عنه كي يستريح…
فعلَّق سيفه ونام، فجاء رجل من المُشركين وأخذَ سيفه، وأخرجه من غمده، واستيقظ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال له المشرك: ألا تخافني؟!
فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لا!
قال: فمن يمنعك مني؟
قال: الله!
فسقطَ السَّيفُ من يده! فأخذه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقال له: فمن يمنعك مني؟!
فقال: كُنْ خيرَ آخذٍ!
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: تشهدُ أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟
قال: لا، ولكني أُعاهدكَ أن لا أقاتلكَ، ولا أكونُ مع قومٍ يقاتلونك!
فقبلَ منه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ذلك، وخلَّى سبيله.
فأتى الرَّجُلُ أصحابه، فقال: جئتكم من عند خير الناس!

🔸 فقوة يقين النبي -صلى الله عليه وسلم- بكفاية الله -تبارك وتعالى- له
،فهذا موقف يهتز فيه الإنسان، ويصيبه الذعر والخوف، فليس عنده أحد يحميه ،وهذا الإنسان بيده السيف ،والنبي -صلى الله عليه وسلم- أعزل ليس معه شيء، ومع ذلك يقول له بكل ثقة: الله، فهذا فيه كمال اليقين مع كمال التوكل والتفويض إلى الله -تبارك وتعالى

▪️الشَّاهِدُ في القصة أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قَبِلَ من الرجل الحياد، أن لا يكون معه ولا يكون عليه، وهذه حكمةٌ عظيمةٌ في السياسة خصوصاً والحياة عموماً مفادُها: إذا لم تستطعْ أن تجعلَ من شخصٍ صديقاً لكَ فليس بالضرورة أن تجعله عدواً!

▪️للأسف لا يقبل الناس في أيامنا مسافةَ الحياد هذه، ويتصرَّفون على مبدأ: إذا لم تكُنْ معي فأنتَ ضدي! وهذا من أتفه مبادئ الناس!

▪️يقعُ خلافٌ بين صديقين، فتجدُ صديقاً لكليهما يُحافظُ على الود معهما، فلا يقف في صف هذا ولا صف ذاك، ويُحاول قدر المستطاع أن يُعيدَ الأمور بينهما إلى مجاريها، فإذا فشل استمرَّ على صداقة الاثنين، فلا يرضى أحدهما بذلك ويُخبره أن عليه أن يختارَ بينهما، إما أنا أو هو! فإذا كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد قبلَ الحياد في قضية شركٍ وإيمانٍ من رجل رفضَ أن يُؤمن، فمن أنتَ حتى لا تقبل الحِياد في قضيةٍ من توافه الدنيا هي في الغالب خلاف في وجهات النظر، أو على شيء من المال، أو ربما بسبب قيلٍ وقال!

▪️ لماذا علينا أن نتعاملَ مع كل مشاكل الحياة على أنها حرب بين خندق الباطل وخندق الحق؟! لماذا علينا أن نكون جنوداً في حروبٍ ليس لنا فيها ناقة ولا جمل؟! ولماذا لا نفهم أن الذي ليس معي ليس ضدي؟!

➖➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
01-17-2021, 02:01 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

129

✍🏻اللهمَّ لكَ الحمدُ على سارقٍ وزانية!

🌳 كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُكثر أن يَقُصَّ على أصحابه من أخبارِ الأولين، فحدَّثهم مرةً عن رجلٍ نوى أن يتصدقَ بصدقةٍ، فوضعها في يد سارقٍ، فصار الناس يقولون: تصدِّق الليلة على سارق!
وفي اليوم التالي عزمَ أن يتصدَّقَ بصدقةٍ، فوضعها في يد زانيةٍ، فصار الناس يقولون: تُصدِّق الليلة على زانية!
وفي اليوم الثالث عزمَ أن يتصدَّقَ بصدقةٍ، فوضعها في يد غنيٍّ، فصار الناس يقولون: تصدِّق الليلة على غني!
فقال: اللهم لكَ الحمد على سارقٍ، وعلى زانيةٍ، وعلى غنيٍّ!
ونام تلك الليلة، فرأى رؤيا، وقِيل له فيها: أما صدقتك على سارقٍ فلعلَّه أن يستعِفَّ عن سرقته، وأما الزانية فلعلَّها أن تستعِفَّ عن زِناها، وأما الغنيُّ فلعلَّه يعتبرُ فينفقُ مما أعطاه الله!

🔸للأسف إن الناس مجبولون على سوء الظنِّ، إذا وقف الطائعُ مع العاصي سيقولون لو لم يكن مثله لما وقف معه، قلة سيُحسنون الظنَّ ويقولون إنه يُحاولُ أن يأخذَ بيده إلى الله!

🔸وإذا وقفت الملتزمة مع غافلة، سيقولون عما قليل ستصبح مثلها، قِلة سيُحسنون الظنَّ ويقولون أنها تُعَبِّدُ لها بحُسنِ الخُلُقِ طريقاً إلى الله!

🔸إذا زارَ الداعيةُ تاجراً، سيقولون ذهبَ عنده يستعطيه لنفسه، قِلة سيحسنون الظنَّ ويقولون إنه يحُثُّه على الزكاة والصدقة، ويُخبره عن بيتٍ مُتعفِّفٍ يكفله، أو عمليةٍ جراحيةٍ مستعجلةٍ لفقير!

▪️إن سوء الظنِّ لا يُعطي حقيقة المظنون به وإنما يُعطي حقيقة الظَّان! كل إنسان أفكاره وظنونه على مقاسه، فلا تحكمْ على الآخرين من كلامِهم عن أنفسهم وإنما من كلامهم عن الآخرين!

▪️مشكلةُ كثير من المسلمين اليوم أنهم نصَّبوا أنفسَهم قُضاةً بينما أرادهم الله دُعاةً!
عقليةُ القاضي تجعلك تقول يا له من فاجرٍ لا يُصلِّي، وعقليةُ الداعيةِ تجعلك تقول سأبتسمُ له، وأصافحُه، وأُهديه كتاباً أو محاضرةً، ولن
أتركَه حتى أراه في المسجد! a

▪️عقليةُ القاضي تجعلكِ تقولين يا لها من سافرةٍ متبرِّجةٍ مفتونةٍ بالموضة والأزياء، وعقليةُ الداعيةِ تجعلكِ تقولين يا لهذا الجمال لو صانه الحجاب، وتجعلين الأمر مُهِمتك، حديثٌ حلوٌ عابرٌ، رِقةٌ في المعاملة، موعظةٌ خفيفةٌ، ولا تملي منها حتى تُشاهدي الحجاب يُزينها!

🔸وظيفةُ الأنبياءِ كانت على مر الدَّهر الأخذ بيد العُصاة إلى الله، فهنيئاً لكل من كان فيه شيء من نُبُوَّة!

➖➖➖➖➖➖aa

أم حذيفة
01-25-2021, 03:12 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

130
✍🏻عند الصَّدمة الأولى!

🌳مرَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بامرأةٍ تبكي عند قبر ابنها، فقال لها: اتقي اللهَ واصبري!
فقالتْ له وهي لا تعرفه: إليكَ عني فإنكَ لم تُصَبْ بمصيبتي!
فتركها ومضى، فمرَّ بها رجلٌ فقال لها: هذا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم!
فقالتْ: واللهِ ما عرفته!
فأصابَها من الكربِ ما أصابَها لمَّا علمتْ أنه النبي صلَّى الله عليه وسلََم خجلاً منه ومهابة، فأتتْ بيته، وقالت له: يا رسول الله لم أعرفك!
فقال: "إنما الصَّبرُ عند الصَّدمة الأولى"!

💨وقال ابن حجر في رائعته فتح الباري: المعنى أن الصبرَ الذي يُحمدُ عليه صاحبه ما كان عندَ مُفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك فإنه على الأيام يسلو، ولذلك قيل: كل شيءٍ يبدأُ صغيراً ثم يكبُرُ إلا المُصيبة، فإنها تبدأُ كبيرةً ثم تصغُر.

🔸واُنظُرْ لأدبِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كيف تفهَّم نفسية المرأة المصابة بِفَقْدِ ابنِها، فعلى فظاظةِ جوابها لم يُجادلْها، ولم يردَّ عليها، وإنما تركها ومضى، وهذا درسٌ بليغٌ لنا في تحمُّلِ الشخص الذي ينزل به مصاب من فقدٍ أو مرضٍ أو فقرٍ مُفاجئٍ، فنجده على غيرِ ما اعتدنا أن نجدَه في ظروفه العادية، فالإنسان خُلِقَ هلوعاً، فلا تعتبروا كل جواب من مصابٍ أو فاقدٍ أو مكلومٍ مسألة شخصية، تفهَّموا حالته النفسية وتذكَّروا أن خيرَ الناس أعذرهم للناس!

▪️هذه الدنيا دارُ فقدٍ بالأساس، ما جاءَها أحد إلا غادرَها، الأنبياءُ والفجرةُ، الحكامُ والمحكومون، الفقراءُ والأغنياءُ، العُلماءُ والجُهلاءُ، وصحيحٌ أن فقدَ الأحبةِ غربة، ومُصابَ الموتِ أليم، إلا أن الرضى بقَدَرِ اللهِ بلسم، وبيوت الحمد في الجنة لا تُبنى لغيرِ الذين سلَّموا أمرهم لله ساعة الفقد، وأعظم الصبر ما كان عند الصدمة الأولى!

▪️لا عليكَ بالناصح ما دامت النصيحة صواباً! من الناس من يقبلُ الخطأ ممن يُحبه ويرفضُ الحق ممن يكرهه، وهذا من غَلَبَةِ الهوى، وغيابِ الحكمةِ والعقل، فلا تكُنْ كالمرأة في هذه القصة رفضَتْ أول الأمر نصيحة فيها حق لأنها لم تعرفْ الناصح!
إذا أفسدتَ ذاتَ فقدٍ ومصيبةٍ، فتفوَّهْتََ بكلامٍ جارحٍ لأحد، فبادرْ بإصلاح ما أفسدت، فهذا من خُلُق النُبلاء، وقد كانتْ هذه المرأة نبيلة حقاً حين جاءت مُعتذرةً تُصلح ما أفسدَتْه، وهذا من خُلُقِ الأنبياء "فلمَّا سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح" وكان قد رماها ساعة غضب!

➖➖➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
01-26-2021, 03:02 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

131

✍🏻وترجعون برسول الله!

🌳 كان للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مالٌ كثيرٌ حصلَ عليه من فَيْءٍ أصابَه، فقسمَ المالَ بين قُريشٍ وبين قبائل العرب، ولم يُعطِ الأنصار منه شيئاً! فأزعجَهم ذلك، فجاءَ إليه سيدهم سعد بن عبادة وقال له: يا رسول الله إن الأنصار قد وجدوا عليكَ في أنفسِهم من هذا الفَيْءِ الذي قسمته في قومك وفي قبائل العرب ولم تُعطهم منه شيئاً!
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: فأينَ أنتَ من ذلكَ يا سعد؟ أي ما رأيك؟
فقال: إنما أنا رجلٌ من قومي! أي أقول بقولهم.
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: فاجمعْ لي قومكَ.
فخرجَ سعدٌ فجمعَ الأنصار، ثم أتى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلّّم وقال له: قد اجتمعوا لكَ يا رسول الله.
فأتاهم، وقال لهم:
: يا معشر الأنصار : ما قالة ، بلغتني عنكم ، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم ؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله ، وعالة فأغناكم الله ، وأعداء فألف الله بين قلوبكم قالوا : بلى ، الله ورسوله أمن وأفضل . ثم قال : ألا تجيبونني يا معشرالأنصار ؟ قالوا : بماذا نجيبك يا رسول الله ؟ لله ولرسوله المن والفضل . قال صلى الله عليه وسلم : أما والله لو شئتم لقلتم ، فلصدقتم ولصدقتم : أتيتنا مكذبا فصدقناك ، ومخذولا فنصرناك ، وطريدا فآويناك ، وعائلا فآسيناك . أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا . ووكلتكم إلى إسلامكم ، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم ؟ فوالذي نفس محمد بيده ، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا ، لسلكت شعب الأنصار . اللهم ارحم الأنصار ، وأبناء الأنصار . وأبناء أبناء الأنصار .
فبكوا حتى ابتلت لِحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً!

🔸أعطى الناس وحرمَ الأنصارَ، لا لأنه يُحبُّ الناس أكثر منهم، بل ليأْتَلِف قلوب الناس، ويأتي بهم إلى الإسلام، ولأنه يعرف أنَّ الإسلام في قلوبِ الأنصار كالجبال الرواسي، فلما أخذوا على خاطرِهم بيَّن لهم سبب فعلتِه فرضوا، الناسُ هم الناس يُحبون العطاء، وأن لا يستثنيهم أحد، ولكن بيِّنْ دوماً سببَ تخصيصك لفلانٍ حين لا تفعل مثله مع من تُحبه أكثر من الذي أعطيته، فالإنسان مفطور على سوءِ الظن، وتفسيرِ الأمور على غير ما هي، فلا تتركْ ملامةً في صدرِ أحد!

🔸وإياك أن تُفسِّرَ عطايا اللهِ للناس كما فسَّر الأنصارُ أول الأمر عطاءَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم للناس، إذا رأيتَ من هو أغنى منك، وأكثر صحة وأولاداً، وأوسع داراً على أنه يُحبه أكثر منك، إن الله سبحانه يُعطي الدنيا لمن يُحبُّ ويكره من عباده، ولكنه لا يُعطي الإيمان إلَّا لمن يُحبُّه!

🔸إذا كنتَ تريدُ أن تعرف الذين يُحبهم الله أكثر منك، فهم أولئك الذين أَذِنَ لهم أن يعبدوه ويُطيعوه أكثر منك!
الذين يُحبهم الله أكثر منك ليسوا أولئك الذين راتبهم أعلى من راتبك، وإنما الذين قاموا للفجر وأنتَ نائم، وتصدَّقوا وأنتَ تكنز، وبرُّوا آباءهم وأنتَ عاق، وتحجَّبنَ وأنتِ سافرة، وحجُّوا وأنتَ تقولُ غداً أحجُّ وغداً أعتمر!

🔆 كان موسى عليه السلام أحب إلى اللهِ من قارون، رغم أنه أعطى لقارون مالاً لم يُعطه لأحدٍ من خلقه، لقد أعطى عبده الذي يكره المال، ولكنه أعطى عبده الذي يُحبُّ الإيمان!
صحيحٌ أن اللهَ قادرٌ أن يُعطيَ العبد المال والإيمان معاً، ولكن هذه الدنيا دار امتحان لا دار جزاء فتأدَّب أنتَ في حضرةِ قضاءِ اللهِ وقدرِه!

➖➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
01-26-2021, 11:42 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

132
✍🏻الإياس ممّا في أيدي الناس!

🌳جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول الله أوصِني وأوجِزْ
فقال له: "عليك بالإياس مما في أيدي الناس فإنه الغِنى، وإياك والطمع فإنه الفَقرُ الحاضر، وصلِّ صلاتكَ وأنتَ مُوَدِّع، وإياكَ وما يُعتذرُ منه"!

🔸جعلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الغِنى في أن يرضى الإنسان عما قسمه الله له، ويكتفيَ به، ويحمدَ الله عليه، وجعلَ الفقرَ في النظر إلى ما في أيدي الناس! إن غناكَ وفقركَ في قلبكَ كيف يشعرُ، وفي عينك كيف تنظُر!

🔸الإنسانُ الذي ينظر إلى ما يملكه الآخرون لن يستشعرَ قيمة ما يملكُ أبداً، لو جرَّبَ الإنسان أن ينظرَ إلى ما في يده، ويستمتعَ به، لن يكون لديه الوقت ليحسد الناس على ما اُوتوا، وما أَوْرَدَ إبليس المهالك إلا الحسد، فحين أسجدَ اللهُ تعالى لآدم عليه السلام ملائكتَه، قال إبليسُ: "أنا خيرٌ منه"! وكثيرٌ من الناسِ يعيشون وفق مبدأ إبليس "أنا خيرٌ منه"!

🔸إذا مرَّ أحدهم بالبيتِ الجميل قال في نفسه لو أنه لي، وإذا مرَّ بالسيارة الفارهة قال في نفسه بمَ هو خيرٌ مني لتكون له، مثل هذا لن يسعدَ ولو ملكَ مالَ قارون، لأن فَقره في قلبِه!

🔸الإنسان الذي ينظُرُ إلى راتبه نظرةَ رضى، ويستشعرُ نعمةَ اللهِ فيه، كيف يسترُ حاجته، ويكفيه سؤال الناس، غنيٌّ ولو أتى آخر الشهر ولم يبقَ من راتبه شيء والذي ينظُرُ إلى فُلانٍ ماذا اشترى، وإلى علان ماذا ملكَ سيعيشُ فقيراً، ويموتُ فقيراً، فغنى الإنسان ليس في جيبه وإنما في قلبِه!

🌼 وصَلِّ صلاتكَ وأنتَ مُوَدِّع، تخيَّلْ كل صلاةٍ على أنها صلاتكَ الأخيرة، وبعدها ستُحمَلُ إلى قبرك، وعلى هذا الأساس صلِّها، استحضرْ فيها قلبكَ فأنتَ في حضرةِ الملك، ولا تستعجلْ بها خوفَ أن تفوتَك حاجة من حوائج الدنيا، أنتَ واقفٌ بين يدي قاضيَ الحاجاتِ، أتتركه لتعتمدَ على نفسك في قضاءِ حاجتك؟! استشعرْ الآيات وتدبَّرْها، تلذَّذْ بالفاتحة، بالحمدِ الذي حُرم كثير من الناس أن يُناجوه به، بالرحمةِ كيف أَذِنَ لكَ أن تقفَ لتعبده، بمالك يوم الدين الذي ترجو ثوابه وتخاف عقابه، بإياك نعبُد وإياك نستعين، باللجوءِ إلى غِناه من فَقرك، وإلى قوته من ضعفك، بإهدنا الصراطَ المُستقيم، تدبَّرْها، وأنتَ تتأمل الكون من حولك، تذكَّرْ عابدي البقرِ والشجرِ والحجرِ والمُلحدين، والذين حرَّفوا أديانهم، وقتها فقط ستعرِفُ لماذا كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول لبلال: أرِحنا بها يا بلال!

🌼وإياك وما يُعتذرُ منه! اِمسِكْ عليكَ لسانكَ، لا تكن أهوجاً، تُقيم الدنيا ولا تُقعِدها لأجل موقفٍ عابرٍ، ولردةِ فعلٍ قاسيةٍ، ولكلمةٍ جارحةٍ ثم تأتي بعدها تعتذرُ وتتأسف، الاعتذارُ خُلُقٌ نبيلٌ لا شك، ولكن الكلمة الجارحة كإدخالِ مسمارٍ في الخشب، حتى لو نزعتَ المسمار بعد ذلك فإن أثر الثقب في الخشب سوف يبقى ماثلاً للعيان، وهكذا هو أثر الكلمة الجارحة في قلوبِ الناس!

➖➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
01-28-2021, 09:39 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

133

✍🏻نِعمَ الرَّجل!

🌳كان عبدُ الله بن عُمر بن الخطاب شاباً أعزبَ ينامُ في المسجد، وكان الرَّجُلُ من الصحابةِ إذا رأى الرؤيا قصَّها على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فتمنَّى عبد الله أن يرى رؤيا ليقُصها على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. وذات ليلة وهو نائم رأى في منامه أن ملكين أخذاه وذهبا به إلى النارِ فإذا هي مطوية كطيِّ البئر، وفيها ناس قد عرفهم، فجعل يقول: أعوذ باللهِ من النار، أعوذ باللهِ من النار! ثم استيقظ من نومه!
ولما كان الصَّباح قصَّ رؤياه على أُخته حفصة، فقصَّتها حفصةُ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: "نِعمَ الرَّجُلُ عبد الله لو كان يقوم الليل"!
فلم يتركْ عبدُ الله بن عُمر القيامَ حتى مات!

🌳وقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأصحابه: "نِعمَ الرَّجُلُ خُريم الأسدي لولا طول جُمته/شعره وإسبال إزاره"!
فبلغَ ذلك خُزيماً، فأخذ على الفور شفرةً وقطع جُمَّتَه إلى أذنيه، ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه!

🔸كان يكفي أحدهم أن يقول النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم نِعمَ الرَّجُلُ فُلان لو يفعل كذا وكذا، فكان على الفور يلتزم الأمر ولا يتركه ما دام على قيد الحياة!
يقومُ عبدُ الله بن عُمر الليلَ طوال عمره، ويقطعُ خُريمٌ جُمَّتَه ويرفعُ إزارَه

▪️ فعلنا نحن الفرائض فقط لأنه تمنى؟!
▪️هل حاسبْنا أولادنا على الصلاةِ كما نُحاسبهم على الدروس وعلاماتِ الامتحانات؟!
▪️هل أمرْنا بناتنا بالحجاب كما نأمُرهنَّ بالجدِّ والاجتهادِ والتحصيلِ في المدارس؟!
▪️هل برَرْنا آباءنا وأمهاتِنا لأن الأب أوسط أبواب الجنة، ولأن الجنة تحت أقدام الأمهات؟!
▪️هل وصلْنا أرحامنا لأن الرَّحِمَ مُعلقةٌ بالعرش فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله؟!
▪️هل أحسنَّا إلى جيراننا لأن جبريل ما زال يُوصي بالجارِ حتى ظنَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه سيُورِّثه؟!

🔸تخيَّلوا أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم جاء إلى بيت أحدكم فجأة، تُرى ما الذي سيُعجبه إذا شاهده، وما الذي سيُزعجه!
ثابروا على ما تظنون أنه سيُعجبه، وأصلِحوا ما تظنون أنه سيُزعجه، هكذا فقط يستحق أحدُنا نِعمَ الرَّجُلُ، ونِعمَ المرأة!

.......

أم حذيفة
01-31-2021, 02:25 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

134
✍🏻 يا أنجشة: رفقاً بالقوارير!

🌳حجَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بنسائه، فلمَّا كان في بعضِ الطريق، أوكلَ لغلامٍ له اسمه أنجشة قيادة القافلة، فساقَ لهنَّ، فأسرعَ، فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: يا أنجشة، رفقاً بالقوارير!
وبينما هم يسيرون إذ بركَ جملُ أُمِّنا صفية بن حُيي، فجعلتْ تبكي، فجاء النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم حين أُخبِرَ بذلكَ، فجعلَ يمسح دموعها بيده!

🔸ففي هذه القصة فوائد جمة وكثيرة، يستطيع كل زوجين أن يتعاملا مع هذا الموقف كدستور، ومنهج لحياتهم الزوجية، حتى تصبح سعيدة وجميلة.
فمسح الدموع بيد الزوج نفهمه نحن مواساة ودعما لعواطف ومشاعر الزوجة، علما بأن سبب البكاء قد ينظر إليه الزوج من ناحيته على أنه سبب تافه، فالدموع والبكاء من أجل بروك جمل يعد من أحسن الجمال، هذا هو السبب، ومع ذلك لم يحقر النبي (صلى الله عليه وسلم) مشاعر صفية وعواطفها، بل احترمها ودعمها وأنزل القافلة كلها من أجلها.
إن الدموع تكون غالية وثمينة إذا عرف كل طرف قدرها. وكم رأينا في المحاكم دموعا تنهمر من أزواج ومن زوجات، والطرف الآخر لا يقدر هذه الدمعة ولا يحترمها، بل ويتمني لو تنهمر من غير توقف.


▪️لو أنَّ رجلاً غيره رأى زوجته تبكي لأنَّ جملها توقَّف عن المسير لربما عنَّفها، وصرخ فيها قائلاً: أتبكين لسببٍ تافه؟!

🔸ولكنَّ الرحمة المُهداة رغم أنه كان يكفيه أن يُطيِّب خاطرها بكلمة، ولكنه لا يزهد بتمام الخُلُق، لهذا مسح دموعها بيده، وكأنه يقول لها: دموعكِ غالية يا صفية!

▪️النساءُ عاطفياتٌ، متقلباتُ المشاعرِ، يبكينَ عند أصغر الأزمات، وقد تشعرُ إحداهُنَّ بالضيق فتبكي لسبب لا تعرفه حتى هي!
هذا شيءٌ على الرجالِ فهمه، والتعامل معه بجدية تامة، والتصرُّف باهتمام بالغ وكأنَّ هناك مُشكلة حقاً، وأي تصرُّف غير ذلك هو بوابة لمُشكلة حقاً!

▪️أحياناً لا تريد المرأة أكثر من أن تريها أنك تهتم! أنتَ حينَ تعودُ من العملِ وتشكو إليك همّ الأولاد، وعملها في البيت، هي لا تطرح لكَ مشكلةً، ولا تُطالبكَ بحلٍّ، هي تعرفُ جيداً أن هؤلاء أولادها وعليها أن تَصبرَ عليهم، وأنَّ هذا بيتها وعليها أن تهتمَّ به، ولكنها تريدُ منكَ أن تصغي باهتمام، وتمسكَ يدها وتُخبِرَها أنها امرأة عظيمة، وأنكَ لو كنتَ مكانها ما استطعتَ أن تقومَ بما تقوم هي به، هذا سيجعلها مُمتلئة رضى
➖➖➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
02-02-2021, 05:29 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

136
✍🏻أفتَّانٌ أنتَ يا معاذ؟!

🌳كان مُعاذ بن جبل يُصلي مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في المسجد، ثم يأتي قومه فيُصلي بهم إماماً، وفي إحدى صلواته بدأ يقرأ بسورة البقرة، فدخل في الصلاة خلفه الصحابي حرام بن ملحان، وهو يُريدُ أن يُصلي ثم يذهب إلى بستانه ليسقي نخله، فلما أطال معاذٌ في القراءة، تركه حرام بن ملحان وصلَّى وحده ثم انصرفَ إلى بستانه ليعمل فيه وإلى نخله فيسقيه، فلما انتهى مُعاذ من الصلاة أُخبِر بما كان من حرام بن ملحان، فقال: هو مُنافق!

🌳وعلمَ حرام بن ملحان بمقولة مُعاذ بن جبل عنه، فأتى النبيَّ صلّّى الله عليه وسلَّم يشكو إليه مُعاذاً، فإذا معاذٌ عنده! فقال: يا نبيَّ اللهِ، أردتُ أن أسقي نخلي، فدخلتُ المسجد لأُصلي أولاً، فلما أطال معاذٌ الصلاة، تجوَّزتُ في صلاتي، فلحقتُ بنخلي أسقيه، فزعمَ أني مُنافق!
فالتفتَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى مُعاذ وقال له: أفتَّانٌ أنتَ يا مُعاذ؟! أي: مُنَفِّرٌ عَن الجَماعةِ
لاتُطوِّل بهم، ولكن اقرأْ: سبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، ونحوها!
مُعاذ بن جبل أعلمُ الأمة بالحلال والحرام كما قال عنه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وكان منه هذا الموقف، هذا لنعلمَ أنه لا معصوم في هذه الأُمة إلا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنَّ لكل عالِمٍ هفوة، ولكل جواد كبوة، والإنصاف يقتضي أن لا نُذهبَ كل تاريخ العلماء والأفاضل أدراج الرياح إذا ما صدر منهم الخطأ، فالصالح ليس نبياً نهاية المطاف!

▪️نعم أخطأ مُعاذ حين اتَّهم حراماً في دينه، ولكن أكثر خطأ من مُعاذٍ هو ذاك الذي حملَ إلى حرامٍ مقولة مُعاذٍ عنه! علينا أن لا نكون رُسَلَ إبليس، وأن لا نمشي بالنميمة بين الناس، وقد كان حرامُ عاقلاً فراجعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في شأن مُعاذ، ولكن ماذا لو أنه واجهه، وتطوَّر الأمر، فأمِيتوا الباطل بعدم ذِكره، ولا تحملوا إلا الخير، ودعوا مقولات الآخرين بالسوء عن آخرين تنتهي عندكم!

▪️إذا أراد الإنسان أن يُصلي لوحده فليُطِلْ ما شاء، ولكن من أراد أن يُصلي بالناس فعليه أن يرفق بهم ويُخفف عنهم، ففيهم المريض، والضعيف، وصاحب المتجر الذي أغلقه ريثما يعود، ومن عنده عمل أو موعد أو تنتظره عائلته في السيارة!
وما يُقال عن الصلاة يُقال عن خطبة الجمعة، وقد كثُر الخُطباء الذين إذا صعدوا المنابر حبسوا الناس، فتراهم يخرجون من موضوع ليدخلوا في آخر، مع أن الكلام يُنسي بعضه بعضاً، وقصر الخطبة جزء من فقه الخطيب، فيا أيها العلماء الأفاضل ترفقوا بالناس!

➖➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
02-03-2021, 03:09 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

137
✍🏻اسقِ يا زُبير!

🌳 كان للزبير بن العوام أرضٌ في أطرافِ المدينةِ المنورةِ فيها نخلٌ يسقيه من ساقية ماءٍ تمرُّ في أرضه، ثم في أرضِ جارٍ له من الأنصار. فشكا الأنصاريُّ الزُبير إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ الماء يتأخَّر ليصله.
فقال النبيُّ للزبير: اسقِ يا زُبير ثم أرسِلْ الماء إلى جارك.
فغضبَ الأنصاريُّ وقال: ألأنَّ الزبير ابن عمتكَ؟!
فتلوَّنَ وجهُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم قال: اسقِ يا زُبير، ثم احبسْ الماءَ حتى يرجع إلى الجَدْرِ!

قَالَ الزُّبَيْرُ: واللَّهِ ما أحْسِبُ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ إلَّا في ذلكَ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] الآيَةَ.

🔸 الساقيةُ تمرُّ في أرضِ الزُبير أولاً، والمنطقُ والعُرفُ الزراعيُّ يقضي أن يسقيَ الزبير نخيله أولاً حتى يرتوي، ثم يُرسل الماء إلى جاره، ولكن النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم طلبَ من الزُبير أول الأمر أن يسقيَ شيئاً يسيراً، ثم يُرسل الماء إلى جاره، فإذا سقى جاره عادَ الزُبير وأكمل، فالنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أخذَ من حق ابن عمته الزُبير بخلاف العرف ليُرضيَ الأنصاري لِعِلْمِهِ أنَّ الزُبير سيُطيعه ولو قضى له بحقه ناقصاً تأليفاً للقُلوب، ولكن المصيبة هي أن الأنصاري لم يرضَ رغم هذا، واتَّهمَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بمُحاباةِ ابن عمته، عند ذلك قضى بالحُكمِ والعرف دون مُراعاة للمشاعر، الحقُّ أن يسقيَ الزبيرُ أرضه كلها حتى إذا ارتوتْ فاضَ الماءُ إلى أرضِ الأنصاري!

🔸يُعلِّمُنا النبيُّ صلِّى الله عليه وسلَّم درساً عظيماً في فضِّ النزاعات، وهو "الحل الوسط" الذي يقوم على الأخلاق لا على القانون! فالقانونُ واضح وهو في صف الزُبير، ولكن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم راعى أدب الجيرة، وتأليف القلوب، فأعطى الزُبير بعض حقه، وأعطى الأنصاري حقاً ليس له، لأن ظنه بالزُبير أنّه مع كسبِ القلوبِ لا مع كسبِ المواقفِ، ولكن بعض الناس على قول العجائز: رضينا بالبين والبين ما رضي فينا!

🔸في المشاكل التي تدخلُ بها حَكَماً، لا بأس أن تأخذَ من حقِّ من تعرف دِينه وكرمه وحسن أصله، لتُعطي خصمه لتُصلح النزاع وتفُضَّ الخلاف، لأنَّ استمرار العلاقات والإلفة بالتنازل، أفضل من قطعها بالقانون، أما إذا وصلَ الأمرُ لطريقٍ مسدودٍ فليأخذ القانون مجراه!

💨 كان في الجاهليةِ رجلٌ يقضي في الخصوماتِ بين الناس، يقصدونه من أرجاءِ جزيرة العرب، وكان له ابن وحيد ليس له غيره، وفي يومٍ من الأيام لاحظَ الابنُ بعضَ الحزنِ بادياً على وجه أبيه، فسأله عن السبب، فأخبره أنه حزين لأنه صارَ طاعناً في السِّن وأن الناس بعد موته لن تقصدَ بيته لحل النزاعات.
فقال له الابن: أنا أقضي بينهم مكانك!
فقال له الأب: إذا جاءك كريم وبخيل في خصام ماذا تفعل؟
قال: آخذ من حصة الكريم وأُعطي البخيل وأُصلحُ بينهما.
فقال له: إذا جاءك بخيلان ماذا تفعل؟
قال: أدفعُ من جيبي وأُصلح بينهما.
فقال له: إذا جاءك كريمان ماذا تفعل؟
فقال: يا أبتِ كريمان لا يحتاجان حكماً بينهما!
فرحَ الأبُ بجواب ابنه، وقال: هذا البيتُ لن يُغلقَ بموتي!

➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
02-06-2021, 02:46 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

138
✍🏻مثقال ذرَّةٍ من كِبر!

🌳كان الصحابيُّ حكيمُ بن حِزام من أشراف قُريش، وكان يطلبُ العِلم عند مُعاذ بن جبل، رغم أنه أكبر من معاذٍ بخمسين سنة!
فقيل له: أنتَ تتعلَّمُ على يد هذا الغلام
فقال: إنما أهلكَ الناس الكِبر!

🌳وعن الكِبر وخطورته، كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جالساً يوماً بين أصحابه، فقال لهم: لا يدخل الجنَّة من كان في قلبه مثقال ذرَّةٍ من كِبر!
فقال رجل: يا رسول الله، إنَّ الرَّجلَ يُحبُّ أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً!
فقال له: إنَّ الله جميلٌ يُحبُّ الجمال، الكِبَرُ بَطَرُ الحقِّ، وغَمْطُ الناسِ!

🔸وبَطَرُ الحقِّ هو ردُّه وعدمُ قبولِه بعدما تبيَّنَ وصارَ واضحاً جلياً!
وما أكثر هؤلاء الذين يُجادلون على مبدأ عنزة ولو طارتْ! يجادلُكَ أحدهم في مسألةٍ فقهيةٍ عن الربا أو الميراث وهو بالكاد يعرف كيف يتوضأ، فتُحضِرُ له الآية، والحديث، وأقوال الأئمة، فيقول لكَ: لم أقتنع! وكأنه أبو حنيفة في الرأي، والشافعيُّ في القياس، ومالكٌ في الاستدلال، وأحمدُ في الترجيح! وما هو إلا الكِبر، وخالِف تُعرف!

🔸جرى بين ابن حزمٍ وبين أحد فقهاء الأندلس مُناظرة في مسألة، وانفضَّ المجلسُ على أن ابن حزمٍ هو الغالبُ فيها، فلما عادَ إلى بيته، تذكر كتاباً عنده، فقام يقرأ فيه، فتبيَّن له أن الحقَّ مع الرجل وليس معه، فوضعَ خطاً تحت المسألة، فقال له أحد تلامذته: ماذا تنوي؟
فقال له: أذهبُ إليه غداً وأُخبرُه بصواب رأيه وخطأ رأيي!
فقال له: أتفعلُ بعد أن كانتْ الغلبة لكَ
فقال ابن حزم: لو استطعتُ أن أذهبَ إليه الآن لذهبتُ!

🔸وما أكثر الكِبر في الحياة! تحصلُ الخصوماتُ بين الناس، ويدخلُ المُصلحون، ويَتبين للمُخطئ خطأه ولكنه يركب رأسه! وقد يأكل أحدهم حقَّ أخيه، فيعرف أنه الظالم، وما يمنعه أن يرجع إلا الكِبر!

🔸أما عن احتقارِ الناس فحدِّثْ ولا حرج!
يظنُّ أحدهم أن شهادته، وماله، ووظيفته المرموقة تجعله ينظر إلى الناس من برج عال
العلمُ الذي لا يجعلك متواضعاً جهلٌ آخر! وإبليس بالمناسبة من أعلم الخلق، ولكن ما أهلكه إلا الكِبر!
والمالُ الذي لا يجعلك تستشعر فقركَ أمام الله هو فقرٌ آخر، وقارون بالمناسبة كان أغنى منك ولكن ما أهلكه إلا الكِبر!
تواضعوا، فما تواضع أحد للهِ إلا رفعه!

➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
02-07-2021, 03:02 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

139

✍🏻وهذهِ؟!

🌳 كان للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم جارٌ فارسيٌّ مشهورٌ بجودة طعامه، فصنعَ يوماً طعاماً وجاء إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يدعوه، فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو يُشيرُ إلى عائشة: وهذه؟
فقال: لا!
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لا أحضُر!
وفي مرَّةٍ ثانية صنعَ طعاماً وجاء إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يدعوه، فقال له وهو يُشير إلى عائشة: وهذه؟
فقال: لا!
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لا أحضُر!
وفي المرة الثالثة، صنعَ الفارسيُّ طعاماً وجاء يدعوه، فقال له وهو يُشيرُ إلى عائشة: وهذه؟
قال: نعم!
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: الآن نعم! وقام هو وعائشة يتدافعان حتى أتيا منزله!

طبعاً لا بأس أن يكون للزوج حياته الخاصة، فيقبل دعوة صديق له مُنفرداً، أو يذهب مع رِفاق العمل في نُزهة، والمرأة كذلك! وإنما المُشكلة أن تُجعل المرأة أثاثاً في البيت، وكأن الزوج يخجلُ بها!
وانظُرْ لأدبِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولينه ورفقه، لقد نقلتْ كتبُ السيرة أنه دُعِيَ كثيراً إلى طعام وكان يذهبُ مع أصحابه، ولكن المسألة هنا مُختلفة، فالدعوةُ من جارٍ له، وقد تمَّتْ على مسمع عائشة، فكَرِهَ أن يذهبَ دونها تطييباً لخاطرِها، ومراعاةً لمشاعرها، لقد حرمَ نفسه مرتين من الطعام اللذيذ مراعاةً لمشاعرها، ولا شكَّ أنه بهذا الرَّفض قد امتلكَ قلبها، وعرفتْ كم هي غالية عنده!
ثمة مواقف صغيرة، التفاتات بسيطة، تعني الكثير للنساء، وهي عندهُنَّ أثمن من الهدايا والبيت الفاخر، نحن نُمتلك من الداخل، نُشرِقُ وننطفئُ بأثر الأفعال في قلوبنا لا بقيمة الأشياء من حولنا، فإياكَ أن تُشعرها أنك تخجل بها! إن من لا يصنع قيمةً لزوجته لن يصنعَ لها العالم كله قيمة

➖➖➖➖➖

أم حذيفة
02-08-2021, 02:43 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

140

✍🏻لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقتْ!

🌳سَرَقَتْ امرأةٌ من بني مخزوم، ورُفِعَ أمرُها إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فاعترفتْ بفعلتِها، والاعترافُ سيِّدُ الأدِلة، والحُكم لا لبس فيه فالنصُّ واضحٌ صريح، قطع اليد! وحزِنَتْ قريشُ واغتمَّتْ لهذا، فبنو مخزوم فخذ عريق من قُريش في الجاهلية والإسلام، فأخذوا يبحثون عمَّن يشفعُ لها عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم اتَّفقوا أنه ليس لهذا الأمر إلا أُسامة بن زيد، حبيب النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وكذلك كان أبوه من قبل! فجاؤوا إلى أُسامة وطلبوا منه الشفاعة، فذهبَ أُسامة إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وطلبَ منه أن يعفوَ عنها فلا يُقيم عليها الحدَّ، فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "أتشفعُ في حدٍّ من حدود اللهِ يا أُسامة"؟ ثم قامَ، فصعدَ المنبر وقال: "إنما أُهلِكَ من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرقَ فيهم الشَّريف تركوه، وإذا سرقَ فيهم الضَّعيف أقاموا عليه الحَدَّ، وأيمُ الله، لو أنَّ فاطمة بنتُ محمَّدٍ سرقتْ لقطعتُ يدها"!

🔸لو كنتُ من أهل الحديث، وأردتُ أن أجمعَ فضائل فاطمة رضي الله عنها، لجعلتُ هذا الحديث أول الأحاديث في فضائلها، فكأنَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: ليس على ظهر الأرض أحدٌ أحب إليَّ من فاطمة! وهذا معنى واضح نستخدمه في حياتنا اليومية، تخيَّل أنك مُدرِّسٌ مثلاً، وجاءك من يطلبُ منك أن ترفعَ علامات طالب راسبٍ، فقلْتَ له: واللهِ لو أنَّ أُمي طلبَتْ مني أن أرفع علاماته ما رفعتها، أنتَ بهذا المعنى تقول: أنه لا أحد أحبُّ إليك من أمك! ولكنَّ الحقّ حق!

▪️ما فسدَتْ البلادُ والبيوتُ إلا بسبب المُحاباة والواسطة وعقلية أنا من طرف فلان!
يُعلَنُ عن الوظائف، فيتقدَّمُ إليها الناس، من يستحقُّ ومن لا يستحقُّ، فتجدُ من يملك الشهادة الأكاديمية، والكفاءة المهنية، يدرسُ ويستعِدُّ ويُراجعُ، وينجحُ، ثم يأخذُ الوظيفة غيره الذي أتى من طرف فلان! وهذه ليستْ خدمة لا للأقل كفاءة، ولا للمُتنفِّد الذي توسَّط له، وإنما هي سرقة وغِش، سرقة حق إنسان كانتْ له الوظيفة، وغِشٌ للأمة بأسرها، فحين يتقلَّد المنصب من ليس لديه الكفاءة ليقوم به ينعكس هذا على الناس جميعاً، وكُلما كانت الوظيفة أرقى، كان أثرها السيء أكبر، لأن الشريحة التي ستضرر منها أوسع!

▪️قبل أن تطلب الواسطة، تذكر أنك خطوتَ الخطوة الأولى في سرقةِ حق إنسان آخر! فالسرقة ليست محصورة في أن تمدَّ يدك لتأخذ مال غيرك، كل حقٍّ ليسَ لكَ تسعى لأخذهِ بطرقٍ ملتويةٍ هو سرقة!
وقبلَ أن تَدُقَّ على صدركَ لتكون واسطةً لغيركَ تذكَّر أنك خطوتَ الخطوة الأولى في غِش الناس، فخدمةِ فردٍ واحدٍ على حساب أُمَّة جريمة وليستْ خدمة!
▪️إن صلاح الأُمم يبدأ في أن يتولَّى المناصب الأكفأ، بدءاً بسائقي الباصات العمومية وانتهاءً بالوزراء والرؤساء! وإن انحطاط الأمم يبدأ عندما تبدأ الواسطات والمحسوبيات!
عندما يتساوى الناس أمام القانون، يُحاسَب القوي رغم قوته ويُنصَفُ الضعيف رغم ضعفه، عندما يُطبَّق مبدأ تكافؤ الفرص، فيتولَّى من يستحق، عندها فقط يمكن القول أننا صُرنا أُمَّة!

➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
02-09-2021, 12:14 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

141
✍🏻اِصنعوا لآل جعفر طعاماً!

🌳جعفرٌ، وما أدراكَ ما جعفر؟! إنَّه الرجل الذي قال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "أَشبهتَ خَلقِي و خُلقي"! إنَّه المجد من طرفيه! إنه الوسيم اللبِق، الفصيحُ الداهية الذي كان رئيس المُهاجرين إلى الحبشة، وعندَ النجاشي هزمَ عمرو بن العاص داهية قُريش وسفيرها! إنه الحبيب الأثير على قلب النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فقد صادفَ عودته من الحبشة وقتَ فتح خيبر، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "لستُ أدري بأيهما أُسَرُّ، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر"! إنه الفارس المغوار، وقائد جيش المُسلمين بعد زيد بن حارثة يوم مُؤتة، ثُمَّ ما لبثَ أن ترجَّلَ شهيداً جامعاً المجد كله، مجد الهجرة ومجد الصُّحبة ومجد الشهادة!

🔸أما في المدينة، فكان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ينقلُ للمسلمين وقائع المعركة، ويرثي قادة جيشه واحداً بعد الآخر، إلى أن أخبرهم بميلاد سيف الله المسلول الذي نفَّذ انسحاباً ما زال يُدرَّسُ حتى اليوم في الكليات العسكرية!
بكى الناس يومذاك أحبتهم، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم للناس: اِصنعوا لآلِ جعفرَ طعاماً، فإنه قد جاءهم ما يشغلهم!

🔸ما أرقاه من نبي، وما أعظمه من دين: اصنعوا لآل جعفر طعاماً!
الدنيا هذه دار فقد، اليوم نُودِّعُ وغداً نُوَدَّع، واليوم نَحمِلُ وغداً نُحملُ، ولكن هذا الدين دين رحمة في الرخاء والشدة، دين تكافل ورحمة ومواساة، ولا شيء يرحم جرح الفقد أكثر من وقوف الناس إلى جانب بعضهم البعض وتراحمهم!
يُعلِّمنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن نصنعَ لآل الفقيد طعاماً، لأن ما نزلَ بهم من الحزن يشغلهم عن الاهتمام بهذه الأمور، والحياة سلفٌ ودَيْن!
صنعَ لنا الناس طعاماً ذات فقد، وصنعنا لهم مثل ما صنعوا لنا لحظة فقدهم، على أنَّ الأمر أبعد من طعام ولُقمة في المعدة، إنه تربيتة على القلب المكلوم، ومسح على الصدر المحزون!

وكُلُّ ما يُخفف عن أهل الفقيد يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: اِصنعوا لآل جعفر طعاماً!
قد لا يملك أهل الفقيد داراً واسعة للعزاء فيا لحظِّكَ لو فتحتَ لهم داركَ!
وقد لا يملكُ أهل الفقيد تكاليف العزاء فيا لحظك لو ساهمتَ معهم!
وقد لا يملكُ أهل الفقيد سداد دين عليه، أو تكاليف مرضٍ ماتَ فيه، فيا لحظِّكَ وقد ساهمتَ معهم، فأحسنتَ إلى الحيِّ والميت!
وما أجمل قول ابن القيم: الدين كله خُلق، فمن فاقكَ في الخُلق فاقكَ في الدين!

➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
02-11-2021, 07:40 PM
🟢على منهاج النُّبُوَّة

143
✍🏻اليد العليا خير من اليد السُفلى


🌳سأل حكيم بن حزام النبي صلى الله عليه وسلَّم مالاً فأعطاه، ثم سأله مرةً أخرى فأعطاه، ثم سأله مرةً ثالثة فأعطاه، ثم قال له: يا حكيم بن حزام إنَّ هذا المال خَضرةٌ حُلوة، فمن أخذه بسخاوة نفسٍ بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفسٍ لم يُبارَك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السُفلى!
فقال له حكيم: يا رسول الله، والذي بعثكَ بالحق لا أرزأ أحداً بعدكَ شيئاً حتى أفارق الدنيا أي لا أطلب من أحد شيئاً.

ثم توفي النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء بعده أبو بكر فكان يقسمُ المال بين الناس ويدعو حكيماً ليعطيه فيأبى أن يأخذ!
ثم جاء عمر بن الخطاب وكان يقسم لحكيم نصيبه فيأبى أن يأخذه. فقال عمر: يا معشر المسلمين إني أُشهدكم على حكيم بن حزام أني أعرضُ عليه حقَّه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه.

🔸قالوا قديماً: المال أسوأ سيد وأفضل خادم!
بمعنى أن من جعل جمع المال غاية كان كالعبد له، هدفه أن يزيده وينميه ولا يهمه أكان هذا من حلال أم حرام. ومن جعله وسيلة عاش كريماً ومات كريماً. على أن جمع المال ليس عيباً ولكن العيب أن تتحول من إنسان إلى آلةٍ لجمع المال!

▪️فمن أخذه بسخاوة نفسٍ بورك له فيه، أي أخذ بغير إلحاحٍ في السؤال، ولا طمع ولا حرص ولا إكراه للمعطي أو إحراجٍ له، كثر ونما وكان رزقاً حلالاً طُرحت فيه البركة وإستشعر الإنسان بلذته

▪️وقد قالوا: ما أُخذ بسيف الحياء فهو حرام!
ومن أخذه بإشراف نفسٍ لم يُبارك له فيه، أي أخذه بإلحاح في السؤال، وتطلع لما في أيدي الناس، وإحراج للمعطي، مَحَقَ الله بركة ما
أخذه، فلا يقنع ولا يرضى ولا يشبع!

إن من صور عظمة الله أنه أحاج الناس إلى بعضهم واستغنى هو عن جميع خلقه!
نعم تنزل بالإنسان حاجة، فيضطر أن يطلب وليس في هذا شيء، وقد أُمرنا بالتكافل والتعاضد، ماذا يفعل الفقير الذي احتاج عملية جراحية في مستشفيات لا ترحم؟ وماذا يفعل أبو العيال الذي أقعده المرض عن العمل؟
هؤلاء من واجبنا أن نبحث عنهم ونرحم حاجاتهم، والأجمل أن نعطيهم قبل أن يسألوا،فإن كثيراً من الناس تمنعهم كراماتهم من السؤال رغم حاجتهم وقد قال فيهم ربنا: " يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا"
ولكن المصيبة في الذي لا يشبع، إذا ما وزَّع ميسور ربطات خبز على الفقراء أقام الدنيا ولم يقعدها لأنه لم يأخذ! وإذا ذبح جار أضحية خاصمه لأنه لم يعطه منها! وفي السلسلة الضعيفة للألباني: أُطلبوا الأشياء بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير!

➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
02-13-2021, 12:35 AM
🟢على منهاج النُّبُوَّة :

🍁 المقالة الأخيرة

✍🏻فَحَنَّ الجِذْعُ

🌳كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا أرادَ أن يخطبَ في الناسِ وقفَ على جِذعِ نخلةٍ كانَ في المسجدِ لأجلِ هذا، فلمَّا صنعوا له منبراً، ووقفَ يخطبُ عليه حنَّ الجِذعُ إليه، وسُمِعَ له أنين المُشتاق، فجاءَه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ومسحَ عليه بيدِهِ الشَّريفةِ كالمُواسي لهَ فسكتَ أنينُه!

وكانَ الحسنُ البصريُّ إذا حدَّثَ بهذا الحديثِ بكى، وقالَ للناسَ: يا عباد الله، الخشبةُ تحنُّ إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم شوقاً إليهِ لمكانِهِ من الله، فأنتم أحقُّ أن تشتاقوا إلى لقائِهِ!

🔸وإلى هنا تنتهي سلسلة على منهاجِ النُّبُوَّةِ ولكن الحنين لا ينتهي، فأينَ يدكَ لتمسح بها على قلوبٍ تحنُّ إليكَ، أينَ وجهكَ ننظرُ إليه ثم بعد ذلك على الدُّنيا السّّلام، أين صوتكَ نسمعُهُ فنرتوي فإنَّ العطش إليكَ قد بلغَ الحناجر!

🔸نُحِبُّكَ يا رسول الله، واللهِ نُحِبُّكَ، وما تخلَّفنا عنك بإرادتِنا ولكنَّها مشيئة الله فرَضِيْنا بها!

🍃وددْنا لو كنا في مكة يوم نزلتَ من الغارِ ترتجفُ من هولِ الوحيِ لنضُمكَ كما فعلتْ خديجة!

🍃وددنا لو كنا معكَ يوم الطائف درعاً فتُصيبنا الحجارة بدلَ أن تُصيبك، أو على الأقل كُنا ضمَّدْنا جِراح قدميكَ بقُلوبِنا

🍃وددْنا لو كُنا معك َفي
شِعب أبي طالب لنُطعمكَ بأيدينا فإن عجزنا واسيناكَ وجُعنا معكَ!

🍃وددْنا لو كُنا عند الكعبةِ حين وضعَ ابن أبي معيط سلى الجزور على رأسكَ وأنتَ ساجد لنأكله بأسناننا أو على الأقل نُعينُ فاطمة وهي ترفع أذاه عنكَ!

🍃وددْنا لو نمنا كلنا مع عليّ في فِراشِكَ لنَفديكَ!

🍃وددْنا كُلنا لو رافقناكَ مع أبي بكر في هجرتِكَ، لكُنَّا رصفْنَا لكَ الطريق بقلوبِنا يا حبيب قلوبنا!

🍃وددْنا لو كُنا في المدينةِ يوم وصلتَ فننشدُ ملء حناجرِنا تحية لك!

🍃وددْنا لو كنا معكَ يوم بدر لنقول لكَ كما قالَ الأنصارُ: واللهِ لو خضتَ بنا برك الغمادِ لخُضناه معكَ وما تخلَّفَ منا أحد!

🍃وددْنا لو كُنا معكَ يوم أُحد لنقول للرُّماةِ: باللهِ عليكم لا تبرحوا أماكنكم، ولنستشرس بالدفاعِ عنكَ كما فعلتْ أُم عمارة، ولنمسح دمكَ الزكي الطاهر الذي سالَ على وجهِكَ، أو على الأقل لنضمكَ ونُواسيك بفقدِ عمكَ حمزة!

🍃وددْنا لو كُنا معكَ يوم الحديبية لنقول لكَ نحن جُندك في السِّلم والحرب!

🍃وددْنا لو كُنا معكَ يوم فتح مكة فنفرح لفرحكَ حين أظهرَ اللهُ دِينَه!

🍃وددْنا لو كُنا معكَ في حجةِ الوداعِ لنسمع وصاياكَ بصوتِكَ ونقول لكَ: نشهدُ أنكَ قد بلَّغتَ!

🍃وددْنا لو كُنا في المدينةِ يوم وفاتِكَ لنبكيكَ، ونُخبركَ أنَّ فِداكَ أنفسنا وآباءنا وأمهاتنا وأولادنا وأموالنا!
عزاؤنا فيك قولك: موعدي معكم ليسَ الدُّنيا، موعدي معكم على الحوضِ، وإنَّا لنصدقكَ!
وعزاؤنا فيكَ قولك: المرءُ مع من أحبَّ يومَ القيامةِ، وإننا والله نُحبُّكَ

➖➖➖➖➖➖

أم حذيفة
02-13-2021, 12:38 AM
الحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات
وبهذه المقالة الأخيرة نكون قد اتممنا سلسلة على منهاج النبوة

بفضل من الله والحمدلله

وأزكى صلواتِ الله وتسليماتِه على المبعوث رحمة للعالمين نبيِّ الرحمة وإمامِ الهدى سيدنا محمدٍ وآله وصحبه أجمعين

منقول