{إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ}*[إبراهيم: 39].
وأما ختم قوله:*{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ}*[البقرة: 129] بقوله:*{إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}*[البقرة: 129] فمعناه: كما أن بعثك لهذا الرسول فيه الرحمة السابغة، ففيه تمام عزة الله وكمال حكمته، فإنه ليس من حكمة أحكم الحاكمين أن يترك الخلق سدى عبثا، لا يرسل إليهم رسولا، فحقق الله حكمته ببعثه، كما حقق حكمته لئلا يكون للناس على الله حجة، والأمور كلها: قدريها وشرعيها، لا تقوم إلا بعزة الله، ونفوذ حكمه.
وقد يكتفي الله بذكر أسمائه الحسنى عن التصريح بذكر أحكامها وجزائها، لينبه عباده أنهم إذا عرفوا الله بذكر الاسم العظيم، عرفوا ما يترتب عليه من الأحكام، مثل قوله تعالى:*{فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ}*[البقرة: 209] لم يقل: فلكم من العقوبة كذا، بل قال:*{فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}*[البقرة: 209] أي: فإذا عرفتم عزته وهي قهره وغلبته وقوته وامتناعه، وعرفتم حكمته- وهي وضعه الأشياء موضعها، وتنزيلها محالها- أوجب لكم ذلك الخوف من البقاء على ذنوبكم وزللكم، لأن من حكمته معاقبة من يستحق العقوبة: وهو المصر على الذنب مع علمه، وأنه ليس لكم امتناع عليه، ولا خروج عن حكمه وجزائه، لكمال قهره وعزته.
وكذلك لما قال في سورة المائدة:*{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ}*[المائدة: 34] لم يقل: فاعفوا عنهم أو اتركوهم ونحوها، بل قال:*{فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}*[المائدة: 34] يعني: فإذا عرفتم ذلك وعلمتموه، عرفتم أن من تاب وأناب فإن الله يغفر له ويرحمه، فيدفع عنه العقوبة.
ولما ذكر عقوبة السارق قال في آخرها:*{نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}*[المائدة: 38] أي: عز وحكم فقطع يد السارق، وعز وحكم فعاقب المعتدي شرعاً وقدراً وجزاء.
ولما ذكر مواريث الورثة وقدرها قال:*{فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}*[النساء: 11] فكونه عليماً حكيماً يعلم ما لا يعلم العباد، ويضع الأشياء مواضعها، فاخضعوا لما قاله وفِعْله، وفصَّله في توزيع الأموال على مستحقيها الذين يستحقونها بحسب علم الله وحكمته، فلو وَكَلَ العبادَ إلى أنفسهم، وقيل لهم: وزعوها أنتم بحسب اجتهادكم لدخلها الجهل والهوى وعدم الحكمة، وصارت المواريث فوضى، وحصل بذلك من الضرر ما الله به عليم، ولكن تولاها وقسمها بأحكم قسمة وأوفقها للأحوال وأقواها للنفع.
ويختم الأدعية بأسماء تناسب المطلوب. وهذا من الدعاء بالأسماء الحسنى:*{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}*[الأعراف: 180] أي: تعبَّدوا لله بدعائه بها، واطلبوه بكل اسم مناسب لمطلوبكم.
وقوله تعالى في سورة الحج:*{لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ}*[الحج: 59] والآيات المتتابعة التي بعدها، كل واحدة ختمت باسمين كريمين.
فالأول منها: ختمها بالعلم والحلم: يقتضي علمه بنياتهم الجميلة، وأعمالهم الجليلة ومقاماتهم الشامخة، فيجازيهم على ذلك بالفضل العظيم، ويعفو ويحلم عن سيئاتهم فكأنهم ما فعلوها.
وختم الثانية بالعفو الغفور، فإنه أباح المعاقبة بالمثل، وندب إلى مقام الفضل، وهو العفو وعدم معاقبة المسيء، وأنه ينبغي لكم أن تتعبدوا لله بالاتصاف بهذين الوصفين الجليلين لتنالوا عفوه ومغفرته.
وختم الآية الثالثة بالسميع البصير يقتضي سمعه لجميع أصوات ما سكن في الليل والنهار، وبصره بحركاتهم على اختلاف الأوقات وتباين الحالات.
وختم الآية الرابعة: بالعلي الكبير، لأن علوه المطلق وكبرياءه وعظمته ومجده تضمحل معه جميع المخلوقات، ويبطل معها كل ما عبد من دونه، وبإثبات كمال علوه وكبريائه، يتعين أنه هو الحق وما سواه هو الباطل.
وختم الآية الخامسة: باللطيف الخبير، الدالين على سعة علمه ودقيق خبرته بالبواطن. كالظواهر، وبما تحتوى عليه الأرض من أصناف البذور وألوان النباتات، وأنه لطف بعباده حيث أخرج لهم أصناف الأرزاق، بما أنزله من الماء النَّمير، والخير الغزير.
وختم الآية السادسة: بالغني الحميد، بعد ما ذكر ملكه للسماوات والأرض، وما فيهما من المخلوقات، وأنه لم يخلقها لحاجة منه لها، فإنه غني مطلق، ولا ليتكمَّل بها. فإنه الحميد الكامل، وليدلهم على أنهم كلهم فقراء إليه من جميع الوجوه، وأنه حميد في أقداره، حميد في شرعه، حميد في جزائه، فله الحمد المطلق ذاتا وصفات وأفعالاً.
وختم الآية السابعة: بالرءوف الرحيم، أي: من رأفته ورحمته تسخيره المخلوقات لبني آدم وحفظ السماوات والأرض وإبقاؤها لئلا تزول، فتختل مصالحهم. ومن رحمته سخر لهم البحار لتجري فيها الفلك في منافعهم ومصالحهم، فرحمهم حيث خلق لهم المسكن، وأودع لهم فيه كل ما يحتاجونه، وحفظه عليهم وأبقاه.
ولنقتصر على هذه الأمثلة فإنه يعرف بها صفة الاستدلال بذلك.
يتبع.
|