سماع الميت لِقَرعِ نِعالِ مشيعِيه:
قالصلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ "إنَّ المَيِّتَ إذا وُضِعَ في قَبْرِهِ، إنَّه لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِهِمْ إذا انْصَرَفُوا. وفي رواية : إنَّ العَبْدَ إذا وُضِعَ في قَبْرِهِ وتَوَلَّى عنْه أصْحابُهُ."الراوي : أنس بن مالك - صحيح مسلم.
شرح الحديث: في هذا الحديثِ يُخبُر صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بما يَتعرَّضُ له الإنسانُ عندَ موتِه ووضْعِه في قَبرِه؛ مِن أنَّه يَسمعُ قَرْعَ نِعالِ مَن أتى لِدفنِه، فيَسمَعُ صَوتَ أرجُلِهم وهم مُنصرِفون.
سؤال الملكين – فتنة القبر- :
فإذا انصَرفوا جاءَه مَلَكانِ فيُقْعِدانِه فيَسألانِه: ما كنتَ تقولُ في هذا الرَّجُلِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ فإذا كان مؤمنًا يقولُ: أَشهدُ أنَّه عبدُ اللهِ ورسولُه، فيُقالُ له: انظُرْ إلى مَقعدِكَ مِنَ النَّارِ، الَّذي كان مُعَدًّا لك في جهنَّمَ لو لم تكُنْ مؤمنًا، أبدَلَك اللهُ به مَقعدًا في الجنَّةِ، فَيَرى كِلا المَقعدَينِ. فإنْ كان المَيتُ كافرًا أو مُنافقًا فإنَّه لا يتمكَّنُ مِن الإجابةِ عن سُؤالِ الملَكَينِ، فيَقولُ: لا أدري! كنتُ أقولُ ما يقولُ النَّاسُ! فيُقالُ له: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، وهو دُعاءٌ عليه، ومعناه: لا كنتَ دَاريًا ولا تاليًا؛ فلا تُوفَّقُ في هذا الموقِفِ، ولا تَنتفعُ بما كنتَ تسمعُ أو تقرأُ، ثُمَّ يُضرَبُ بِمِطْرَقةٍ مِن حَديدٍ ضرْبةً بيْنَ أُذُنَيْه، فَيصيحُ صَيْحةً يَسمعُه مَن يكونُ قريبًا منه مِن الخلائقِ إلَّا الثَّقَلَينِ، وهُما الإنسُ والجنُّ؛ فإنَّ السَّمعَ مَحجوبٌ عنهما؛ وذلك رحمةً بهم، وإبقاءً على حياتِهم؛ لأنَّهم لو سَمِعوها لصَعِقوا، وسُمُّوا الثَّقلَينِ لثقلِهم على الأرضِ، فاللَّهمَّ قِنَا فِتنةَ القبرِ وعذابَه بِمَنِّك وفضْلِك يا أرحمَ الرَّاحِمِينَ. وفي الحديثِ: إثباتُ سؤالِ الملَكينِ للمَيتِ في القبرِ. وفيه: إثباتُ عذابِ القبرِ.
قالصلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ "العَبْدُ إذَا وُضِعَ في قَبْرِهِ، وتُوُلِّيَ وذَهَبَ أصْحَابُهُ حتَّى إنَّه لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أتَاهُ مَلَكَانِ، فأقْعَدَاهُ، فَيَقُولَانِ له: ما كُنْتَ تَقُولُ في هذا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ فيَقولُ: أشْهَدُ أنَّه عبدُ اللَّهِ ورَسولُهُ، فيُقَالُ: انْظُرْ إلى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أبْدَلَكَ اللَّهُ به مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، قَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فَيَرَاهُما جَمِيعًا، وأَمَّا الكَافِرُ - أوِ المُنَافِقُ - فيَقولُ: لا أدْرِي، كُنْتُ أقُولُ ما يقولُ النَّاسُ، فيُقَالُ: لا دَرَيْتَ ولَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بمِطْرَقَةٍ مِن حَدِيدٍ ضَرْبَةً بيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَن يَلِيهِ إلَّا الثَّقَلَيْنِ."الراوي : أنس بن مالك - صحيح البخاري.
ويكون السؤال بإعادة الرّوح إلى الجسد بكيفية لا نعلمها ولا تقاس على عالم الدنيا المادي ، فتكون غير الإعادة المألوفة التي تكون في الدُّنيا، ثم سؤال الملَكين ،قال تعالى"يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ"،سورة إبراهيم، آية: 27.
وهذا السؤال يكون لجميع البشر، وليس خاصًّا بِأُمّةٍ من الأُمم، وهذين الملَكين هُما مُنكر ونكير، ويسألان الميّت ثلاثةٌ أسئلة؛ عن ربّه، ودينه، ونبيّه، وجاء في بعض الرّوايات أنَّ المرابط والشّهيد لا يُفتنا في قبرهما.
"كلُّ الميِّتِ يُختَمُ على عملِهِ إلَّا المرابطَ، فإنَّهُ يَنمو لَهُ عملُهُ إلى يومِ القيامةِ، ويؤمَّنُ من فتَّانِ القبرِ" الراوي : فضالة بن عبيد - المحدث : الألباني المصدر : صحيح أبي داود- خلاصة حكم المحدث : صحيح.
"كلُّ الميِّتِ يُخْتَمُ على عمَلِه" أي: كل الأمواتِ تُطْوى صَحيفتُهم فلا يُكْتبُ لهم عملٌ بعد موتِهم, "إلَّا المُرابِط" أي: المدافِع عن حُدودِ المسلمين وثُغورِهم، فإنَّ ثوابَ عمَلِه يَزدادُ "ويَنْمو"، أي: يتَضاعفُ، "إلى يومِ القيامةِ"، أي: حتَّى بعدَ موتِه، "ويُؤمَّنُ مِنْ فتَّانِ القَبْرِ"، أي: مُنْكرٍ ونكيرٍ يؤمَّنُ فِتنةَ سؤالِهما؛ قيل: يَحتِمَلُ أن يَكونَ المرادُ أنَّ الملَكَين لا يَجيئانِ إليه ولا يَختبِرانه، بل يَكْفي موتُه مُرابِطًا في سبيلِ اللهِ شاهِدًا على صِحَّةِ إيمانِه، ويُحتمَلُ أنَّهما يَجيئانِ إليه، لكن لا يَضُرَّانِه، ولا يَحصُلُ بسببِ مَجيئِهما فتنةٌ.الدرر السنية.
" يا رسولَ اللَّهِ ! ما بالُ المؤمنينَ يُفتَنونَ في قبورِهِم إلَّا الشَّهيدَ ؟ ! قالَ : كفَى ببارقةِ السُّيوفِ علَى رأسِهِ فتنةً"الراوي : رجل من الصحابة - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح النسائي - خلاصة حكم المحدث : صحيح .
شرح الحديث : للشَّهادةِ في سَبيلِ اللهِ تعالى مَنزِلةٌ عظيمةٌ، ومرتبةٌ جليلةٌ، وأجرُها عظيمٌ، وثوابُها كبيرٌ، ومِن فَضائلِ الشَّهيدِ ما جاء في هذا الحديثِ، حيثُ قال رجلٌ مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم "يا رسولَ اللهِ، ما بالُ المؤمِنين يُفتَنون في قُبورِهم؟!"، أي: بامتِحانهم بسُؤالِ الملَكَينِ مُنكَرٍ ونَكيرٍ، "إلَّا الشَّهيدَ؟!"، أي: ما سبَبُ استثناءِ الشَّهيدِ عن باقي المؤمِنين مِن ذلك السُّؤالِ؟ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم "كفَى ببارِقَةِ السُّيوفِ على رأسِه فتنةً"! أي: يَكْفي في صِدْقِ إيمانِهم ثَباتُهم عِندَ لَمَعانِ السُّيوفِ فوقَ رُؤوسِهم؛ فنَجاحُهم في ذلك الاختبارِ يُغْنيهم عن اختِبارِ القبرِ؛ فالسُّؤالُ في القَبرِ إنَّما جُعِل لامتحانِ المؤمنِ الصَّادقِ في إيمانِه مِن المنافِقِ، وثَباتُه تحتَ بارِقةِ السُّيوفِ أدَلُّ دليلٍ على صدقِه في إيمانِه، وإلَّا لَفَرَّ مِن الكفَّارِ.الدرر السنية.
عذابُ القَبرِ ونَعيمُه:
عذاب القبر ثبت بالتّواتر المعنويّ عن النبيّ -عليه الصّلاةُ والسّلام- أنّ القبر قد يكون حُفرةً من النّار، وجاءت الكثير من الأدلّة التي تُثبت وُقوع عذاب القبر على من يستحقّه، كقولهِ -تعالى"النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ" غافر: 46. ويكون ذلك قبل يوم القيامة؛ أي في القبر، ويقع العذاب على الكافر حتّى وإن لم يُدفن.
"إذا قُبِرَ الميِّتُ - أو قالَ أحدُكم - أتاهُ ملَكانِ أسودانِ أزرَقانِ يقالُ لأحدِهما المنْكَرُ والآخرِ النَّكيرُ فيقولانِ ما كنتَ تقولُ في هذا الرَّجلِ فيقولُ ما كانَ يقولُ هوَ عبدُ اللَّهِ ورسولُهُ أشْهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، فيقولانِ قد كنَّا نعلمُ أنَّكَ تقولُ هذا ثمَّ يفسحُ لَهُ في قبرِهِ سبعونَ ذراعًا في سبعينَ ثمَّ ينوَّرُ لَهُ فيهِ ثمَّ يقالُ لَهُ نم فيقولُ أرجعُ إلى أَهلي فأخبرُهم فيقولانِ نم كنومةِ العروسِ الَّذي لا يوقظُهُ إلَّا أحبُّ أَهلِهِ إليْهِ حتَّى يبعثَهُ اللَّهُ من مَضجعِهِ ذلِكَ. وإن كانَ منافقًا قالَ سمعتُ النَّاسَ يقولونَ فقلتُ مثلَهُ لا أدري فيقولانِ قد كنَّا نعلمُ أنَّكَ تقولُ ذلِكَ فيقالُ للأرضِ التئِمي عليْهِ فتَلتَئمُ عليْهِ فتختلفُ أضلاعُهُ فلا يزالُ فيها معذَّبًا حتَّى يبعثَهُ اللَّهُ من مَضجعِهِ ذلِكَ"خلاصة حكم المحدث : حسن - الراوي : أبو هريرة - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي.
شرح الحديث:عذابُ القَبرِ ونَعيمُه قد ثبَت بالكِتابِ وبالسُّنَّةِ، وأجمعَتْ على ثُبوتِه الأمَّةُ؛ فهو مَنقولٌ إلينا بالتَّواترِ؛ فعلى المُسلِم أن يؤمِنَ به، وأن يستعيذَ باللهِ تعالى مِن فتنةِ القبرِ وعذابِه.
وفي هذا الحديثِ يقولُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ "إذا قُبِرَ الميِّتُ" بصيغةِ المفعولِ، أي: أُدخِلَ الميِّتُ قبرَه ودُفِنَ فيه، "أو قال" رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم"أحَدُكم"، والشَّكُّ مِن الرَّاوي، "أتاهُ"، أي: الميِّتَ، "مَلَكانِ" وهما اللَّذانِ سيَمتحِنانِ العبدَ في قبرِه، وصِفتُهما أنَّهما "أسوَدانِ"، أي: لونُهما أسوَدُ، "أزرقانِ"، أي: عيناه زَرْقاوانِ، وإنَّما يبعثُهُما اللهُ على هذه الصِّفةِ؛ لِمَا في السَّوادِ وزُرقةِ العينِ مِن الهولِ والوَحشةِ، ويكونُ خوفُهُما على الكُفَّارِ أشدَّ؛ ليتحيَّروا في الجوابِ، وأمَّا المُؤمنون فلهم في ذلك ابتلاءٌ، فيُثبِّتُهم اللهُ، فلا يخافون، ويأمَنونَ، جزاءً لخوفِهم منه في الدُّنيا، "يُقَالُ" في التَّسميةِ، "لأحدِهِمَا"، أي: أحَدِ الملَكينِ: المُنكَرُ، "والآخَرِ"، أي: ويُقالُ لِلملَكِ الآخَرِ: النَّكيرُ، "فيقولانِ" عند امتحانِهما للميِّتِ: "ما كنتَ تقولُ" وتُقِرُّ وتَعتقِدُ، "في هذا الرَّجلِ"، يَعني النَّبيَّ محمَّدًا صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم؟ "فيقولُ" الميِّتُ المؤمِنُ "ما كان يَقولُ"، أي: ما كان يَقولُ ويعتقِدُ ويُقِرُّ به قبلَ الموتِ "هو عبدُ اللهِ"، أي: النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم مِن عبادِ اللهِ تعالى وخَلْقِه، وهو أشرفُ خَلْقِ اللهِ تعالى وأَكرمُهم عليه سُبحانَه، "ورَسُولُه" أرسَله اللهُ تعالى للنَّاسِ كافَّةً بشيرًا ونذيرًا، وختَم به النَّبيِّين.ثمَّ يقولُ الميِّتُ تأكيدًا لقولِه "أشهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ"، أي: أعلَمُ وأعتقِدُ أنَّه لا مَعبودَ بحقٍّ إلَّا اللهُ، "وأنَّ"، أي: وأشهَدُ أنَّ "محمَّدًا عبدُه ورسولُه" وأفضلُ خَلْقِه، "فيقولانِ"، أي: الملَكانِ: "قد كنَّا نعلَمُ" بإخبارٍ مِن اللهِ تعالى لنا، أو بمُشاهَدةِ أثَرِ ذلك عليك، "أنَّك تقولُ هذا"، أي: ما أقرَرْتَ به مِن الوَحْدانيَّةِ وإثباتِ الرِّسالةِ والعُبوديَّةِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، ثمَّ "يُفسَحُ" بصيغةِ المفعولِ، أي: يُوسِّعُ اللهُ له، أو يأمُرُ الملائكةَ بأن تُوسِّعَ، "لَهُ"، أي: لذلك الميِّتِ المُقرِّ بالوَحْدانيَّةِ والرِّسالةِ، "في قبرِه"، ومِقدارُ هذه التَّوسِعةِ "سَبْعون ذِراعًا" طولًا، "في سَبعين" ذِراعًا عَرْضًا، "ثمَّ" بعد ذلك، "يُنوَّرُ" بصِيغةِ المفعولِ، أي: يُنوِّرُ اللهُ تعالى، أو يأمُرُ مَلائِكتَه بأن تُنوِّرَ "لَهُ"، أي: لهذا الميِّتِ، "فِيهِ"، أي: في قبرِه الَّذي وُسِّعَ عليه بأن يُجعَلَ فيه النُّورُ، ويكونَ كالقَمرِ ليلةَ البَدْرِ، "ثمَّ" بعد ذلك، "يُقال له"، أي: تقولُ الملائكةُ لهذا الميِّتِ "نَمْ" وهو أَمْرٌ مِن النَّومِ، "فيقولُ" هذا الميِّتُ المُقرُّ بالوَحْدانيَّةِ والرِّسالةِ "أُريدُ أنْ أَرجِعَ إلى أهلي فأُخبِرُهم" بحالي فيَفْرَحوا لي، وقيل: هذا للاستفهامِ، أي: هل أرجِعُ إلى أهلي...إلخ؟ "فيقولانِ"، أي: الملَكانِ له: "نَمْ كنَومةِ"، أي: مِثلَ نَوْمةِ "العَرُوسِ"، ويُطلَقُ على الذَّكَرِ والأُنثى في أوَّلِ اجتماعِهما معًا، "الَّذي لا يوقِظُه" مِن لذَّتِه وطِيبِ نَوْمِه وعَيْشِه وفرَحِه، "إلَّا أحَبُّ أهلِه إِليهِ"، وذلك غَداةَ ليلةِ زِفافِه، فيَظَلُّ هذا العبدُ على هذه الحالةِ، "حتَّى يبعَثَه اللهُ" تعالى يومَ القيامةِ، "مِن مَضْجَعِه ذَلِكَ" ويُخرِجَه مِن قبرِه.
ثمَّ قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم "وإنْ كان" هذا الميِّتُ الَّذي دُفِن "مُنافقًا"، يُظهِرُ الإيمانَ ويُبطِنُ الكفرَ، "قال" بعد سؤالِ الملَكينِ له "سمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ" قولًا، وهو أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، "فقُلْتُ مِثلَه"، أي: مِثلَ هذا القولِ دُونَ أنْ أُقِرَّ به وأعترِفَ، "لا أَدْرِي" هل هو نبيٌّ حقًّا أم لا، "فيقولانِ"، أي: يقولُ له الملَكانِ "قد كنَّا نعلَمُ" بإخبارٍ مِن اللهِ تعالى لنا، أو بمشاهدةِ أثَرِ ذلك فيك، "أنَّك تقولُ ذلك" القولَ، وأنت مُنافِقٌ لا تَدْري ما هو، "فيُقال"، أي: يقولُ اللهُ تعالى أو يأمُرُ الملائكةَ أن تقولَ، "للأرضِ: التَئِمي عليه"، أي: انضَمِّي واجتَمِعي وانزَوِي عليه، "فتلتَئِمُ" الأرضُ "عليه، فتَختلِفُ" مِن شِدَّةِ الضَّغطةِ عليه والالتئامِ "أضلاعُه"، وهي عِظامُ الجَنْبِ، فتَزولُ عن هَيئتِها الَّتي كانتْ عليها، "فلا يزالُ" هذا الميِّتُ المنافقُ "فيها"، أي: في تلك الحالةِ، أو في الأرضِ، "مُعذَّبًا" بجَميعِ أنواعِ عَذابِ القبرِ، "حتَّى يبعَثَه اللهُ" تعالى يومَ القيامةِ، "مِن مَضْجَعِه ذلك" ويُخرِجَه مِن قبرِه.
وفي الحديثِ: بيانُ أنَّ مَن صَدَق في إيمانِه في الدُّنيا؛ فإنَّ الله تعالى يُثبِّتُه عندَ فِتنةِ القبرِ.
وفيه: عِلمُ الملائكةِ ببَعضِ ما قَدَّرهُ اللهُ تعالى وكَتَبه على عبدِه.الدرر السنية.
ولقد أُرِيَ النبي -صلى الله عليه وسلم- عذاب البرزخ والمعذبين فيه؛ فقد أخرج البخاري:
يَحكي سَمُرةُ بنُ جُنْدُبٍ رَضيَ اللهُ عنه "كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا صَلَّى صَلَاةً أقْبَلَ عَلَيْنَا بوَجْهِهِ فَقالَ: مَن رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ قالَ: فإنْ رَأَى أحَدٌ قَصَّهَا، فيَقولُ: ما شَاءَ اللَّهُ فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقالَ: هلْ رَأَى أحَدٌ مِنكُم رُؤْيَا؟ قُلْنَا: لَا، قالَ: لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أتَيَانِي فأخَذَا بيَدِي، فأخْرَجَانِي إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، ورَجُلٌ قَائِمٌ، بيَدِهِ كَلُّوبٌ مِن حَدِيدٍ قالَ بَعْضُ أصْحَابِنَا عن مُوسَى: إنَّه يُدْخِلُ ذلكَ الكَلُّوبَ في شِدْقِهِ حتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذلكَ، ويَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هذا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ، قُلتُ: ما هذا؟ قالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حتَّى أتَيْنَا علَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ علَى قَفَاهُ ورَجُلٌ قَائِمٌ علَى رَأْسِهِ بفِهْرٍ - أوْ صَخْرَةٍ - فَيَشْدَخُ به رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فلا يَرْجِعُ إلى هذا حتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ وعَادَ رَأْسُهُ كما هُوَ، فَعَادَ إلَيْهِ، فَضَرَبَهُ، قُلتُ: مَن هذا؟ قالَا: انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا إلى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ ، أعْلَاهُ ضَيِّقٌ وأَسْفَلُهُ واسِعٌ يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا، فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حتَّى كَادَ أنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وفيهَا رِجَالٌ ونِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلتُ: مَن هذا؟ قالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حتَّى أتَيْنَا علَى نَهَرٍ مِن دَمٍ فيه رَجُلٌ قَائِمٌ علَى وسَطِ النَّهَرِ - قالَ يَزِيدُ، ووَهْبُ بنُ جَرِيرٍ: عن جَرِيرِ بنِ حَازِمٍ - وعلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ بيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فأقْبَلَ الرَّجُلُ الذي في النَّهَرِ، فَإِذَا أرَادَ أنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بحَجَرٍ في فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّما جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى في فيه بحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كما كَانَ، فَقُلتُ: ما هذا؟ قالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حتَّى انْتَهَيْنَا إلى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وفي أصْلِهَا شيخٌ وصِبْيَانٌ، وإذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدَا بي في الشَّجَرَةِ، وأَدْخَلَانِي دَارًا لَمْ أرَ قَطُّ أحْسَنَ منها، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وشَبَابٌ، ونِسَاءٌ، وصِبْيَانٌ، ثُمَّ أخْرَجَانِي منها فَصَعِدَا بي الشَّجَرَةَ، فأدْخَلَانِي دَارًا هي أحْسَنُ وأَفْضَلُ فِيهَا شُيُوخٌ، وشَبَابٌ، قُلتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ، فأخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ، قالَا: نَعَمْ، أمَّا الذي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ، فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بالكَذْبَةِ، فَتُحْمَلُ عنْه حتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فيُصْنَعُ به إلى يَومِ القِيَامَةِ، والذي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ، فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ القُرْآنَ، فَنَامَ عنْه باللَّيْلِ ولَمْ يَعْمَلْ فيه بالنَّهَارِ، يُفْعَلُ به إلى يَومِ القِيَامَةِ، والذي رَأَيْتَهُ في الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ، والذي رَأَيْتَهُ في النَّهَرِ آكِلُوا الرِّبَا ، والشَّيْخُ في أصْلِ الشَّجَرَةِ إبْرَاهِيمُ عليه السَّلَامُ، والصِّبْيَانُ، حَوْلَهُ، فأوْلَادُ النَّاسِ والذي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، والدَّارُ الأُولَى الَّتي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ المُؤْمِنِينَ، وأَمَّا هذِه الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وأَنَا جِبْرِيلُ، وهذا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ، قالَا: ذَاكَ مَنْزِلُكَ، قُلتُ: دَعَانِي أدْخُلْ مَنْزِلِي، قالَا: إنَّه بَقِيَ لكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ أتَيْتَ مَنْزِلَكَ."الراوي : سمرة بن جندب - صحيح البخاري.
فهذا الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم هو ما يكون في البرزخ من عذاب لأهل العذاب، ومن نعيم لأهل النعيم.شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - أحمد حطيبة.
لقد قدر الله على نبيه أن يرى هذه الرؤيا، ويقصها على أصحابه ليحذر الناس من الذنوب التي توجب عذاب القبر على مرتكبها ليحذر العبد؛ فإن عُمر الإنسان في قبره أطول من عمره في حياته بآلاف السنين؛ فليحذر أن يؤْثِرَ العاجلةَ الفانيةَ على الباقيةِ.
"وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ *فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ". الحجرات 7 ،8.
اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان.اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك