ثمرات الإيمان باليوم الآخر
قال ابنُ عُثَيمين: لِلإيمانِ باليَومِ الآخِرِ ثَمَراتٌ جَليلةٌ؛ مِنها:
الأولَى: الرَّغبةُ في فِعلِ الطَّاعةِ والحِرصُ عليها رِجاءً لِثَوابِ ذلك اليَومِ.
الثَّانيةُ: الرَّهبةُ من فِعلِ المَعصيةِ والرِّضا بها خَوفًا من عِقابِ ذلك اليَومِ.
الثَّالِثةُ: تَسليةُ المُؤمِنِ عَمَّا يَفوتُه مِنَ الدُّنيا بما يَرجوه من نَعيمِ الآخِرةِ وثَوابِها. كتاب شرح ثلاثة الأصول للعثيمين.
ذِكر اليومِ الآخرِ يمسحُ على قلوبِ المستضعفينَ والمضطهدينَ والمظلومينَ مسحة يقين، تسكن معه القلوب؛ لأنهم يتطلعون لِمَا أعدَّه الله للصابرين، من نعيم يُنسَى معه كل ضُرٍّ وبلاءٍ، وسوء وعناء، ويهوِّن عليهم ويعزِّيهم، وما أعدَّه الله للظالمين من بؤس يُنْسَى معه كل هناء.
قيام الساعة على شرار القوم:
قال صلى الله عليه وسلم "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ علَى أَحَدٍ يقولُ: اللَّهُ، اللَّهُ."الراوي : أنس بن مالك - صحيح مسلم. أي: تَقومُ على خَلقٍ لا يَذكُرُون اسمَ اللهِ، وهذا كِنايةٌ عن أنَّها تَقومُ على قَومٍ لا يَعبُدون اللهَ سُبحانَه، فتَقومُ على شِرارِ الخَلقِ.
وذلك أنَّ اللهَ سُبحانَه يَقبِضُ أرواحَ المؤمِنين، كما في صَحيحِ مُسلِمٍ :قال صلى الله عليه وسلم "....لا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِن أُمَّتي يُقَاتِلُونَ علَى أَمْرِ اللهِ ، قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ، لا يَضُرُّهُمْ مَن خَالَفَهُمْ، حتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ علَى ذلكَ. فَقالَ عبدُ اللهِ: أَجَلْ ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا كَرِيحِ المِسْكِ مَسُّهَا مَسُّ الحَرِيرِ، فلا تَتْرُكُ نَفْسًا في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنَ الإيمَانِ إلَّا قَبَضَتْهُ، ثُمَّ يَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ عليهم تَقُومُ السَّاعَةُ. "الراوي : عقبة بن عامر - صحيح مسلم.
حتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ علَى ذلكَ :أي أنَّهم لا يَزالُون على الحقِّ حتَّى تَقبِضَهم هذه الرِّيحُ اللَّينةُ قُربَ القيامةِ وعندَ تَظاهُرِ أشراطِها، فأطلَقَ في هذا الحديثِ بَقاءَهم إلى قيامِ السَّاعةِ على أشراطِها ودُنوِّها المُتناهي في القُربِ.
أحداث يوم القيامة بالترتيب:
اختلف أهل العلم في ترتيب أحوال يوم القيامة.فإنَّ ما يحصل يوم القيامة، وما يكون مِمَّا ورد في الكتاب والسُّنَّة، أشياء كثيرة: قيام الناس، والحوض، والميزان، والصُّحُف، والحساب، والعرض، وتطاير الصُّحُف، وأخذ الكتاب، الصراط، والظلمة، وهذه أشياء متنوعة.....
فكيف يكون ترتيبها؟ أحداث يوم القيامة ذكرت في نصوص متفرقة .ولا يوجد نصٌّ صريح في ترتيبها، ولذا وقع الخلاف في ترتيب بعض الأحداث.فعلى المسلم الموحد أن يؤمن بجميع أحداث ذلك اليوم المذكورة في الكتاب والسنة الصحيحة ، مع التماس العذر والتطاوع دون إنكار في ترتيب هذه الأحدث.
ينفخ في الصور نفختان :
أولًا نفخة الصعق: يَمُوتُ بِسَبَبِهَا جَمِيعُ الْمَوْجُودِينَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ; إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقِيلَ: هُمْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَجِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ، وَمَلَكُ الْمَوْتِ. وَقِيلَ: هُمُ الشُّهَدَاءُ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
قال صلى الله عليه وسلم "صاحبُ الصورِ واضعٌ الصورَ على فِيهِ، منذُ خُلِقَ، ينتظِرُ متى يؤمَرُ أنْ ينفُخَ فيه، فينفُخَ".خلاصة حكم المحدث : صحيح- الراوي : البراء بن عازب وأبو سعيد الخدري - المحدث : الألباني -صحيح الجامع.
قال صلى الله عليه وسلم "كيفَ أنعَمُ وقدِ التقَمَ صاحبُ القرنِ القرنَ وحنَى جبهتَهُ وأصغى سمعَهُ ينتَظِرُ أن يؤمَرَ أن ينفخَ فينفخ .قالَ المسلمونَ: فَكَيفَ نقولُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: قولوا حَسبُنا اللَّهُ ونعمَ الوَكيلُ توَكَّلنا على اللَّهِ ربِّنا .وربَّما قالَ سفيانُ: على اللَّهِ توَكَّلنا "الراوي : أبو سعيد الخدري -المحدث :الألباني - صحيح الترمذي.
تستمر الحياة حتى إذا شاءَ الله أن تقوم الساعة ،يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِن قِبَلِ الشَّأْمِ، فلا يَبْقَى علَى وَجْهِ الأرْضِ أَحَدٌ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ أَوْ إيمَانٍ إلَّا قَبَضَتْهُ، ثم أمرَ إسرافيلَ عليه السلامُ بالنفخ في الصور ،فينفخ نفخة عظيمة تفزع جميع الخلائق فيصعقون منها ويهلكون ، وتنتهي الدنيا بأكملها .. كل ما تراه سيفنى .. لن تبقى القوى البشرية ، ولا قدراتهم التكنلوجية ، ولا وكالاتهم الفضائية ، ولا مراكبهم وأقمارهم الصناعية .
ثم يمكثون على ذلك مدة ، الله أعلم بمقدارها ، فتتحلل أجسادهم في هذه المدة ولا يبقى منها إلا عجب الذنب ، وهو العظم المستدير الذي في أصل الظهر ، ثم يرسل الله سحابًا فتمطر مطرًا فإذا أصاب الماء هذا العظم نبت منه الجسم كما ينبت النبات ويتركب الخلق من هذا العظم ، ثم ينفخ في الصور نفخة البعث فتعود الأرواح إلى الأجساد ، فيخرجون من القبور سراعًا إلى أرض المحشر.
" يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِن قِبَلِ الشَّأْمِ، فلا يَبْقَى علَى وَجْهِ الأرْضِ أَحَدٌ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ أَوْ إيمَانٍ إلَّا قَبَضَتْهُ، حتَّى لو أنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ في كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عليه حتَّى تَقْبِضَهُ، قالَ: سَمِعْتُهَا مِن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ. قالَ: فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ في خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ؛ لا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لهمُ الشَّيْطَانُ، فيَقولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فيَقولونَ: فَما تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بعِبَادَةِ الأوْثَانِ، وَهُمْ في ذلكَ دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ في الصُّورِ، فلا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا، قالَ: وَأَوَّلُ مَن يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إبِلِهِ، قالَ: فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ النَّاسُ..." الراوي : عبدالله بن عمرو -صحيح مسلم.
قال تعالى "وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ". الزمر : 68.
" فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ"وهُم خُبثاؤهم ورَذائلُهم، فإنَّهم يَبْقَون على حالٍ يُشبِهُ " في خِفَّةِ الطَّيْرِ "أي: اضطرابَها ونُفورَها وسُرعتَها، " وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ"أي: في عقولِ السِّباعِ النَّاقصةِ، ومعنى ذلك أنَّهم يَكونون في سُرعتِهم إلى الشُّرورِ وقَضاءِ الشَّهواتِ والفسادِ كسُرعةِ طَيَرانِ الطَّيرِ، ويكونونَ في حالةِ كَونِهم في المعاداةِ وظُلمِ بعضِهم بعضًا في أخلاقِ السِّباعِ العاديةِ بعضِها على بَعض، " وَهُمْ في ذلكَ"أي: والحالُ أنَّهم فيما ذُكِر مِن الأوصافِ الرَّديئةِ والعباداتِ الوَثَنِيَّةِ دَارٌّ "أي: نازلٌ عليهم " رِزْقُهُمْ" بكَثرةٍ كدُرورِ الضَّرعِ اللَّبَنَ غيْرَ المنقطِعِ والسَّماءِ بالمطَرِ الغزيرِ، " حَسَنٌ عَيْشُهُمْ"فهم في سَعةٍ في مَعاشِهم مِن مَطْعَمٍ ومَشرَبٍ ومَلبَسٍ وعافيةٍ.
ثُمَّ يُنْفَخُ في الصُّورِ:والصُّورُ: قَرنٌ أو بوقٌ يُنفَخُ فيه، والنَّافخُ هو ملَكٌ مِن الملائكةِ، واسمُه إسرافيلُ عليه السَّلامُ، "فلا يَسْمَعُه أحدٌ إلَّا أَصْغَى لِيتًا ورَفَع لِيتًا"، والمرادُ: أنَّ كلَّ مَن يَسمَعُ نَفخةَ الصُّورِ، فإنَّه يُصْغي جانبًا مِن عُنقِه للسُّقوطِ على الأرضِ، ويَرفَعُ الجانبَ الآخَرَ لاستماعِ النَّفخةِ، وهو كنايةٌ عن سُقوطِ رَأسِه على أحدِ الشِّقَّينِ بسَببِ الصَّعقةِ الَّتي تَأخُذُه عندَ ذلك، فلا تُمهِلُه، "وأوَّلُ مَن يَسمَعُه رَجلٌ يَلُوطُ"، أي: يُطيِّنُ ويُصلِحُ "حَوْضَ إبِلِه" بالطِّينِ حتَّى لا يَتسرَّبَ الماءُ، ويُنظِّفُه مِن الغُثاءِ لِيَسقِيَ الإبلَ الماءَ، "فيَصعَقُ"، أي: يَموتُ هو أوَّلًا "ويَصْعَقُ النَّاسُ" كلُّهم معه.
وهي نفخة هائلة مدمرة، يسمعها المرء فلا يستطيع أن يوصي بشيء، ولا يقدر على العودة إلى أهله وخلانه "مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ-فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ"يس: ٤٩-٥٠.
تقوم الساعة يوم الجمعة:
"خيرُ يومٍ طلَعت فيهِ الشَّمسُ يومُ الجمُعةِ فيهِ خُلِقَ آدمُ وفيهِ أُهْبِطَ وفيهِ تيبَ عليهِ وفيهِ ماتَ، وفيهِ تقومُ السَّاعةُ، وما من دابَّةٍ إلَّا وَهيَ مُسيخةٌ يومَ الجمُعةِ مِن حينَ تُصبحُ حتَّى تطلعَ الشَّمسُ شفقًا منَ السَّاعةِ إلَّا الجنَّ والإنسَ ،وفيهِ ساعةٌ لا يصادفُها عبدٌ مسلمٌ وَهوَ يصلِّي يسألُ اللَّهَ حاجةً إلَّا أعطاهُ إيَّاها..."الراوي : أبو هريرة وعبد الله بن سلام - المحدث :الألباني - صحيح أبي داود.
"إلَّا وهي مُسِيخَةٌ يومَ الجمعةِ"، أي: مُصغِيَة ومُستَمِعة "مِن حِين تُصبِحُ حتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ شفقًا مِن السَّاعةِ"، أي: خوفًا مِن السَّاعةِ؛ وذلك لِمَا جَبَلها اللهُ عليه، هذا الحديث يُدلنا على أنَّ الساعة تقوم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس"إلَّا الجِنَّ والإنسَ"، أي: فإنَّهم لا يَترقَّبون ولا يَخافون قيامَ السَّاعةِ في هذا اليومِ؛ لعِظَمِ غفلتِهم.