عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 05-19-2026, 04:48 AM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
مدير
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 4,457
Haedphone

الزلزلة :
"إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا" الزلزلة:1.
اختلف العلماء في وقت الزلزلة المذكورة في قوله تعالى"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ"الحج:1.هل الزلزلة قبل نفخة البعث أم بعدها؟
قال صاحب أضواء البيان: اختلف العلماء في وقت هذه الزلزلة المذكورة هنا، هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عَرَصَات القيامِةِ - قال ابن حجر في الفتح :181/6 :العَرْصَة: هي البقعة الواسعة بغير بناء من دار و غيرها. "ومنه: عرصات يوم القيامة، وهي المكان الواسع الذي يقف فيه الناس للحساب. - ، أو هي عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من القبور؟
فقالت جماعة من أهل العلم: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر هذه الدنيا، وأول أحوال الساعة، وممن قال بهذا القول، علقمة والشعبي وإبراهيم وعبيد بن عبيد، وهذا القول من حيث المعنى له وجه من النظر، لكنه لم يثبت ما يؤيده من النقل؛ بل الثابت من النقل يؤيد خلافه وهو القول الآخر.
القول الآخر القائلين بأن الزلزلة المذكورة كائنة يوم القيامة بعد البعث من القبور، فهي ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من تصريحه بذلك، وبذلك تعلم أن هذا القول هو الصواب كما لا يخفى.
قال تعالى " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)الحج.
قال البخاري رحمه الله في صحيحه في التفسير في باب قوله : وترى الناس سكارى : قال :حدثنا عمر بن حفص ، قال حدثنا أبي ، قال: حدثنا الأعمش ، قال: حدثنا أبو صالح ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " يقول الله عز وجل يوم القيامة : يا آدم . فيقول : لبيك ربنا وسعديك . فينادى بصوت : إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار . قال : يا رب ، وما بعث النار ؟ قال : من كل ألف - أراه قال - تسعمائة وتسعة وتسعين ، فحينئذ تضع الحامل حملها ، ويشيب الوليد ، وترى الناس سكارى ، وما هم بسكارى ، ولكن عذاب الله شديد . فشق ذلك على الناس ، حتى تغيرت وجوههم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ، ومنكم واحد ، وأنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض ، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود ، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة . فكبرنا ، ثم قال : ثلث أهل الجنة . فكبرنا ، ثم قال : شطر أهل الجنة . فكبرنا " .انتهى من صحيح البخاري.
وفيه تصريح النبي صلى الله عليه وسلم بأن الوقت الذي تضع فيه الحامل حملها ، وترى الناس سكارى ، وما هم بسكارى : هو يوم القيامة لا آخر الدنيا .
مَنْ أول مَنْ يُبْعَث :
أولُ مَنْ يُبْعَث رسولنا صلى الله عليه وسلم ، وهو أول من تنشق عنه الأرض ، كما جاء في الصحيحين .
قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ" أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر، وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه يومَ القيامةِ ولا فخر وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فخر ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فخرَ"خلاصة حكم المحدث : صحيح- الراوي : أبو سعيد الخدري- المحدث : الألباني- المصدر : صحيح ابن ماجه.
"عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ ، فَقَالَ المُسْلِمُ : وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى العَالَمِينَ ، فِي قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ : وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى العَالَمِينَ ، فَرَفَعَ المُسْلِمُ عِنْدَ ذَلِكَ يَدَهُ فَلَطَمَ اليَهُودِيَّ ، فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ المُسْلِمِ ، فَقَالَ: لاَ تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ العَرْشِ ، فَلاَ أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي ، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ"صحيح البخاري كتاب أحاديث الأنبياء.
ثم بعد إفاقة النبي صلى الله عليه وسلم يخرج الناس جميعًا من قبورهم حفاة ؛عراة ؛غُرْلًا أي: غير مختونين.
"يُحْشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، النِّساءُ والرِّجالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ! قالَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: يا عائِشَةُ، الأمْرُ أشَدُّ مِن أنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ."الراوي : عائشة أم المؤمنين -صحيح مسلم.
شرح الحديث : يومُ القيامةِ يَومٌ عَظيمٌ وشَديدٌ، يقومُ فيه النَّاسُ بيْنَ يَدَي ربِّ العالَمِين للحسابِ، وفيه مِن الأهوالِ ما يُذهِلُ العقولَ والألبابَ، ويَظهَرُ النَّاسُ فيه كالسُكارى مِن شِدَّةِ الخوفِ. وفي هذا الحديثِ يَصِفُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعضَ ما في هذا اليومِ، حيث يقولُ"يُحْشَرُ النَّاسُ يومَ القيامةِ"، فيُجْمَعون بعْدَ البَعثِ مِن الموتِ، ويَقُومون للحسابِ، وهم حُفاة الأقدامِ بلا أحذيةٍ ولا نِعالٍ، وعُراةُ الأجسادِ بلا ثِيابٍ ولا سُتُورٍ، غُرْلًا غيرَ مَخْتونِين، قد ذهَب عنهم كلُّ ما كَانوا فيهِ في الدُّنيا وعَادُوا كما خَلَقَهم اللهُ؛ كما في قولِه تعالَى"كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ"الأنبياء: 104، فلمَّا سَمِعَت عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها ذلكَ قالتْ مُتسائلةً مُتعجِّبةً"يا رسولَ اللهِ، النِّساءُ والرِّجالُ جميعًا يَنظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ؟!"، وهذا اسْتِفهامٌ واسْتِغرابٌ من أنْ يُجْمَعَ النُّاسُ عُراةً وعَوْراتهم ظَاهِرة أمام بعضِهم رجالًا ونساءً؛ فهل يَنظُرون إلى بعضِهم البَعضِ؟! فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"يا عائشةُ، الأمرُ أَشَدُّ مِن أنْ يَنظُرَ بعضُهم إلى بعضٍ"، أيْ: إنَّ شأنَ المُوقِفِ والحَشْرِ بَعْدَ البَعْثِ مِن الموتِ فيه مِن الأهوالِ ما يَأخُذُ اهْتِمامَ النَّاسِ وأَبْصارَهم عن النَّظرِ إلى العَوْراتِ، ومِنْها ما قال اللهُ تعالى"يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ"الحج: 2.
انتقال الناس إلى أرض المحشر:
الْحَشْرُ هو إخراج الجماعة عن مقرهم .الْحَشْرُ في الشرع عند الإطلاق إخراج الموتى من قبورهم ، وسوقهم إلى الموقف للحساب والجزاء . والنشر إحياء الميت بعد موته . ومنه قوله تعالى " ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ" عبس: 22. أي أحياه.والْحَشْر يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ النَّشْرِ لِاتِّصَالِهِ بِهِ.
"يُحْشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيامَةِ علَى أرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ، كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ. قالَ سَهْلٌ أوْ غَيْرُهُ: ليسَ فيها مَعْلَمٌ لأحَدٍ. "الراوي : سهل بن سعد الساعدي -صحيح البخاري.
عَفْراءَ : أي: ليْس بَياضُها بالنَّاصعِ، أو تَضرِبُ إلى الحُمرةِ قليلًا، كَقُرْصَةِ خُبْزٍ نَقِيٍّ سالمٍ دَقيقُه مِن الغشِّ والنُّخالةِ.
ليسَ فيها مَعْلَمٌ لأحَدٍ : ليْس في الأرضِ المذكورةِ شيءٌ مِنَ العلاماتِ التي يُهتدَى بها ويُستدَلُّ بها على الطَّريقِ، وفي هذا تعريضٌ بأنَّ أرضَ الدُّنيا ذهبت وانقطعت العَلاقةُ منها.
وَوَقَعَ خِلافٌ في أرضِ المَحْشَرِ فهَل هيَ أرضٌ أخرى غَيرُ أرضِ الدُّنيا أو هيَ ذاتُها مَعَ تَبديلِ صِفاتِها إلى صِفاتٍ أخرى؟
قال اللهُ تعالى" يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ "إبراهيم: 48.
وقال السَّعديُّ "يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيرَ الأَرْضِ والسَّمَوَاتُ" وهذا التَّبديلُ تَبديلُ صِفاتٍ، لا تَبديلُ ذاتٍ؛ فإنَّ الأرضَ يَومَ القيامةِ تُسوَّى وتُمَدُّ كمدِّ الأديمِ ويُلقى ما على ظَهرِها من جَبَلٍ ومَعلَمٍ، فتَصيرُ قاعًا صَفْصفًا – أي مستويًا لا يرى فيه أيها الناظر عِوَجًا، هذا من تمام استوائها ، لا تَرى فيها عِوَجًا ولا أَمْتًا.أَمْتًا :الروابي والنشوز.
".......يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ والكَرْبِ ما لا يُطِيقُونَ ولَا يَحْتَمِلُونَ...."الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري.
وفي رواية أخرى:
"...يَجْمَعُ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، فيُبْصِرُهُمُ النَّاظِرُ ويُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وتَدْنُو منهمُ الشَّمْسُ ...." الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري.
قال القُرطُبيُّ: المَعنى أنَّهم يُجمَعونَ في مَكانٍ واحِدٍ بحَيثُ لا يَخفى منهم أحَدٌ لَو دَعاهم داعٍ لسَمعوه، ولَو نَظَرَ إليهم ناظِرٌ لأدرَكَهم.
وقال ابنُ عُثَيمين: إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتعالى يَجمَعُ الأوَّلينَ والآخِرينَ في صَعيدٍ واحِدٍ مُتَساوٍ، يُسمِعُهمُ الدَّاعي ويَنفُذُهمُ البَصَرُ، نَحنُ في الدُّنيا لَسنا على أرضٍ مُتَساويةٍ، بَل على أرضٍ تُشبِه الكُرةَ؛ ولِذلك لا يَنفُذُ البَصَرُ إلى ما وراءَ المُنحَنى؛ مُنحَنى الكُرةِ، ولا يُسمعُ الدَّاعي، لَكِن في الآخِرةِ يَقولُ الله عزَّ وجَلَّ"وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ"الانشقاق: 3.يَعني: تُمَدُّ مَدًّا واحِدًا ليس فيها جِبالٌ ولا انحِناءٌ ولا مَساكِنُ؛ ولِهذا يُسمِعُهمُ الدَّاعي؛ لأنَّه لا يوجَدُ شَيءٌ يَرُدُّ الصَّوتَ، ويَنفُذُهمُ البَصَرُ: يُرى أقصاهم كما يُرى أدناهم، فيُحشَرُ الخَلائِقُ كُلُّهم على هذه الأرضِ المَسطوحةِ، لا جِبالَ ولا أنهارَ ولا شِعابَ ولا غَيرَها. لقاء الباب المفتوح: رقم اللقاء: 234.
صِفةُ حَشرِ الخَلْقِ:
هناك صِفاتٌ عامَّةٌ يُحشَرُ عليها جَميعُ البَشَرِ، وهيَ حَشرُهم حُفاةً عُراةً غُرْلًا.
" إنَّكُمْ مُلَاقُو اللهِ مُشَاةً حُفَاةً، عُرَاةً غُرْلًا." الراوي : عبدالله بن عباس -صحيح مسلم .
"إنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفاةً عُراةً غُرْلًا ، ثُمَّ قَرَأَ"كما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عليْنا إنَّا كُنَّا فاعِلِينَ"الأنبياء: 104، وأَوَّلُ مَن يُكْسَى يَومَ القِيامَةِ إبْراهِيمُ....."الراوي : عبدالله بن عباس - صحيح البخاري .
والمَقصودُ أنَّهم يُحشَرونَ كما خُلِقوا لا شَيءَ مَعَهم ولا يُفقَدُ منهم شَيءٌ حَتَّى الغُرلةُ تَكونُ مَعَهم.شرح صحيح مسلم.فمن بُتِرَ منه أي عضو في الدنيا يعود كما كان في هذا اليوم العصيب.
فكَما أنَّ الإنسانَ يَخرُجُ من بَطنِ أمِّه هَكَذا عاريًا غَيرَ مُنتَعِلٍ، غَيرَ مَختونٍ، ليس معه مالٌ، فكَذلك يَخرُجُ من بَطنِ الأرضِ يَومَ القيامةِ على هذه الصِّفةِ.
ذكَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ أوَّلَ مَن يُكْسى مِن الأنبياءِ يَومَ القيامةِ إبراهيمُ الخَليلُ عليه السَّلامُ، ولا يَلزَمُ مِن تَخصيصِ نَبيِّ اللهِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ بأنَّه أوَّلُ مَن يُكْسَى، أفْضلِيَّتُه على نَبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فاللهُ عزَّ وجلَّ قَد يَخُصُّ أحدًا مِن الأنبياءِ أو غيرِهم بشَيءٍ يَتمَيَّزُ به عَن غيرِه، ولا يُوجِبُ ذلكَ الفضْلَ المُطلَقَ.
وهناك صِفاتٌ خاصَّةٌ يَأتي بها بَعضُ الخَلائِقِ، وهيَ هَيئاتٌ مُختَلِفةٌ بَعضُها حَسَنٌ، وبَعضُها قَبيحٌ، بحَسَبِ ما قَدَّموه من خَيرٍ وشَرٍّ.
يَبعثُ اللهُ كلَّ إنسانٍ على ما ماتَ عليه مِن اعتقادٍ وعملٍ فيُجازِيه عليه.
"يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ علَى ما ماتَ عليه."الراوي : جابر بن عبدالله - صحيح مسلم .
فعلى الإنسانِ أنْ يَجتَهِدَ في فِعْلِ الأعْمالِ الصالِحَةِ؛ لأجْلِ أنْ يَبعَثَه اللهُ عزَّ وجلَّ على عَمَلٍ صالِحٍ، وعليه أنْ يَتَمسَّكَ بالإسلامِ وحدُودِهِ في حَياتِه؛ لِيَموتَ على ذلكَ الحال .
يَبعثُ اللهُ كلَّ إنسانٍ على ما ماتَ عليه مِن اعتقادٍ وعملٍ فيُجازِيه عليه.ومن ذلك:
موت الحاج:
"أنَّ رَجُلًا كانَ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وهو مُحْرِمٌ، فَمَاتَ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اغْسِلُوهُ بمَاءٍ وسِدْرٍ، وكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، ولَا تَمَسُّوهُ بطِيبٍ، ولَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فإنَّه يُبْعَثُ يَومَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا."الراوي : عبدالله بن عباس - صحيح البخاري .
أَمَر النبيُّ صَلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يَغسِلوه بِماءٍ وسِدْرٍ، وهو ورقُ شجرِ النَّبْقِ، له رائحةٌ طيِّبةٌ، ولكنْ لا يُستخدَمُ كطِيبٍ، وأن يُكَفِّنوه في ثَوبَينِ، ولا يُحَنِّطوه بوضعِ الطِّيبِ الَّذي يُخلطُ ويوضَعُ للمَيتِ؛ لأنَّه قد مات متلبِّسًا بالحجِّ، والحاجُّ لا يَتطيَّبُ، ولا يُخَمِّروا رَأْسَه، فلا يُغَطُّوه؛ لِأَنَّه مُحرِمٌ، وعلَّل ذلك بأنَّه يُبعَثُ يَومَ القيامةِ يُلَبِّي، وهي الصورةُ التي مات عليها. وفي الحَديثِ: أنَّ المُحرِمَ إذا مات فإنَّه يَبقى في حَقِّه حُكمُ الإحْرامِ، فلا يُحَنَّطُ، ولا يُغَطَّى رَأْسُه، ولا يُكَفَّنُ في ثَلاثةِ أثْوابٍ كغَيرِه. وفيه: الكَفَنُ في ثَوبَيْنِ لِلمُحْرِمِ. وفيه: مَشروعيَّةُ تَكْفينِ المُحرِمِ في ثيابِ إحْرامِه.الدرر السنية.
الشهيد: قال النبي صلى الله عليه وسلم :"كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ في سَبيلِ اللَّهِ، يَكونُ يَومَ القِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا، إذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، والعَرْفُ عَرْفُ المِسْكِ." الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري
يُبيِّنُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ كلَّ جُرحٍ يُجرَحُه المسلمُ في القتالِ في سَبيلِ اللهِ، يكونُ يومَ القِيامةِ على حالتِه الَّتي جُرحِ به في الدُّنيا عندَما طُعِنَ، يَسيلُ ويَتفجَّرُ منها الدَّمُ، ولكنَّ هذا الدَّمَ وإنْ كان لوْنُه لوْنَ الدَّمِ إلَّا أنَّ عَرْفَه -يعني: رائحتَه- تكونُ طَيِّبةً مِثلَ رائحةِ المِسْكِ. وقيل: الحِكمةُ في كَونِ الدَّمِ يَأتي يومَ القِيامةِ على هَيئتِه أنَّه يَشهَدُ لِصاحِبِه بفَضْلِه، وعلى قاتِلِه بفِعلِه، وفائدةُ رائحتِه الطَّيِّبةِ أنْ تَنتشِرَ في أهلِ الموقفِ؛ إظهارًا لفَضيلتِه أيضًا، ومِن ثَمَّ لم يُشرَعْ غَسْلُ شَهيدِ المَعركةِ.
حَشرُ المُتكَبِّرينَ يَوم القيامةِ:
"يُحشَرُ المتَكَبِّرونَ يومَ القيامةِ أمثالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجالِ يغشاهمُ الذُّلُّ من كلِّ مَكانٍ، يُساقونَ إلى سجنٍ في جَهَنَّمَ يسمَّى بولُسَ تعلوهُم نارُ الأَنْيارِ يُسقونَ من عُصارةِ أَهْلِ النَّارِ طينةَ الخبالِ"خلاصة حكم المحدث : حسن-الراوي : عبدالله بن عمرو - المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الترمذي .
توَعَّد اللهُ تعالى المتكبِّرين الَّذين يتَكبَّرون على عِبادةِ اللهِ تعالى، وعلى خلْقِ اللهِ بأشَدِّ أنواعِ العذابِ يومَ القيامةِ. والكِبرُ: إنكارُ الحقِّ وتَحقيرُ النَّاسِ.
"يومَ القيامةِ"، أي: يَحشُرُهم يَومَ القيامةِ في أرضِ المَحشَرِ، وهُم "أمثالُ"، أي: مِثلُ وفي حَجْمِ، "الذَّرِّ"، أي: النَّملِ الصَّغيرِ،وقيل: الذَّرَّةُ يُرادُ بها ما يُرى مِن هباءٍ وغُبارٍ في شُعاعِ الشَّمسِ الدَّاخِلِ في النَّافذةِ، في "صُورِ الرِّجالِ"، أي: على صُورِ الرِّجالِ في هيئَتِهم، ولكنَّ حَجْمَهم حَجمُ النَّملِ في الصِّغَرِ والحقارةِ، "يَغْشاهم"، أي: يأتيهم ويَنالُهم، "الذُّلُّ"، أي: المهانةُ، "مِن كلِّ مكانٍ" ومِن كلِّ جانبٍ بأنْ يطَأَهم الخلائقُ ويَدوسوا عليهم بأرجُلِهم؛ وذلك الجَزاءُ مِن جِنسِ عَملِهم؛ فإنَّهم لَمَّا تَكبَّروا وأرادوا العِزَّةَ والعُلوَّ بغيرِ الحقِّ، أذلَّهم اللهُ تعالى وصَغَّرَ وحَقَّرَ شأنَهم؛ فعُومِلُوا بنقيض قَصدِهم جَزاءً وفاقًا. ، يُساقونَ إلى سجنٍ في جَهَنَّمَ يسمَّى بولُسَ: ويُسحَبون ويُجَرُّون، أي: تَسوقُهم الملائكةُ بأمرِ ربِّها إلى "سِجْنٍ"، وهو المكانُ المُظلِمُ الضَّيِّقُ المُعَدُّ للحبسِ "في جَهنَّمَ"، أعَدَّه اللهُ تعالى للمُتكبِّرين، "يُسمَّى" هذا السِّجنُ باسمِ "بَولَسَ"- بفتحِ الباءِ وقيل: بضَمِّها، وسكونِ الواو وفتحِ اللَّامِ- قيل: هو مِن الإبلاسِ، بمعنى: اليأسِ، ولعلَّ هذا السِّجنَ إنَّما سُمِّي به؛ لأنَّ الدَّاخِلَ فيه يائسٌ مِن الخَلاصِ عمَّا قريبٍ، "تَعْلوهُم"، أي: تأتي مِن فوقِهم، وتَغْشاهم وتُحيطُ بهم "نارُ الأنيارِ"، جمعُ نارٍ، وأُضيفَ إليها لفظُ نارٍ؛ للمُبالَغةِ في الإحراقِ وشِدَّةِ الحرِّ، وقيل: إنَّها أصلُ نيرانِ العالَمِ، "يُسقَون" بصيغةِ المجهولِ، أي: تَسْقيهم الملائكةُ مِن خزَنةِ جَهنَّمَ بأمرِ ربِّها، "مِن عُصارةِ أهلِ النَّارِ"، وهو ما يَسيلُ مِن دَمٍ وقيحٍ وصديدٍ مِن أهلِ النَّارِ، ونَتنِهم، وهذه العُصارةُ تُسمَّى "طِينةَ الخَبالِ"، أي: الفسادَ الَّذي يَفسُدُ به البدَنُ.
وفي الحديثِ: ذَمُّ الكِبْرِ والمتكبِّرين، وبيانُ سُوءِ عاقِبَتِهم.
وفيه: تَعدُّدُ أنواعِ العَذابِ في النَّارِ، أعاذَنا اللهُ منها.الدرر السنية.
حَشْرُ السَّائِلينَ غَيرِ المُحتاجينَ:
"ما يَزالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حتَّى يَأْتِيَ يَومَ القِيامَةِ وليسَ في وجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ."الراوي : عبدالله بن عمر-صحيح مسلم.
المالُ مِن فِتَنِ الحياةِ الدُّنيا التي يَنبغي لِلمُؤمِنِ أنْ يَصُونَ نفْسَه عن الحِرصِ عليه، ويَحترِزَ مِن أنْ يَتطلَّعَ إلى ما في أيْدي الناسِ، ويَجترِئَ على سُؤالِهم بغَيرِ حاجةٍ، فيَبَوءَ بخِزْيِ الدُّنيا والآخرةِ. وفي الحديثُ بَيَّنَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ الإنسانَ الذي يَسأَلُ الناسَ عن غَيرِ فَقْرٍ وَفاقةٍ، وإنَّما يَسأَلُ تَكثُّرًا، ويُذِلُّ نفْسَه، ويَمتهِنُ كَرامتَه الَّتي أوجَبَ اللهُ عليه صِيانتَها -يَغضَبُ اللهُ عليه، فيُذِلُّه ويُهِينُه يومَ القيامةِ كما أذَلَّ نفْسَه في الدُّنيا، ويَفضَحُه على رُؤوسِ الأشهادِ، فيَسلَخُ له وَجْهَه كلَّه، حتَّى يَأتيَ أمامَ النَّاسِ وليس في وَجْهِه قِطعةُ لحمٍ؛ جَزاءً وِفاقًا لِما فَعَله في الدُّنيا مِن إراقةِ ماءِ وَجْهِه.الدرر السنية.
حَشْرُ أصحابِ الغُلولِ:
قال اللهُ تعالى: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ "آل عمران: 161 .
يَعني لا تَغُلُّوا من الغَنيمةِ شَيئًا؛ فإنَّ من غَلَّ منها شَيئًا يَكونُ يَومُ القيامةِ حامِلًا لذلك الشَّيءِ؛ ليَكونَ أفضَحَ له.
قال القُرطُبيُّ: قَولُه تعالى: وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أي: يَأتي به حامِلًا له على ظَهرِه ورَقبَتِه، مُعَذَّبًا بحَملِه وثِقلِه، ومَرعوبًا بصَوتِه، ومُوبَّخًا بإظهارِ خيانَتِه على رُءوسِ الأشهادِ.
"أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اسْتَعْمَلَ عامِلًا، فَجاءَهُ العامِلُ حِينَ فَرَغَ مِن عَمَلِهِ، فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، هذا لَكُمْ، وهذا أُهْدِيَ لِي. فقالَ له: أفَلا قَعَدْتَ في بَيْتِ أبِيكَ وأُمِّكَ، فَنَظَرْتَ أيُهْدَى لكَ أمْ لا؟! ثُمَّ قامَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلاةِ، فَتَشَهَّدَ وأَثْنَى علَى اللَّهِ بما هو أهْلُهُ، ثُمَّ قالَ: أمَّا بَعْدُ؛ فَما بالُ العامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ، فَيَأْتِينا فيَقولُ: هذا مِن عَمَلِكُمْ، وهذا أُهْدِيَ لِي؟! أفَلا قَعَدَ في بَيْتِ أبِيهِ وأُمِّهِ فَنَظَرَ: هلْ يُهْدَى له أمْ لا؟! فَوالَّذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لا يَغُلُّ أحَدُكُمْ مِنْها شيئًا إلَّا جاءَ به يَومَ القِيامَةِ يَحْمِلُهُ علَى عُنُقِهِ؛ إنْ كانَ بَعِيرًا جاءَ به له رُغاءٌ ، وإنْ كانَتْ بَقَرَةً جاءَ بها لها خُوارٌ، وإنْ كانَتْ شاةً جاءَ بها تَيْعَرُ، فقَدْ بَلَّغْتُ. "الراوي : أبو حميد الساعدي -صحيح البخاري .
الوِلَايَةُ والإِمَارَةُ مِن الأَمانةِ التي سَيُسأَل عنها الوَالِي والأَمِيرُ؛ فكلُّ مَن تَولَّى أمرًا للمُسلِمين فإنَّه مَسؤُول عنه أمامَ اللهِ تعالَى، ولا يَنبغي لِمَن تَولَّى أمرًا أنْ يَستغِلَّ هذا الأمرَ لِتَحقيقِ مَصلحةٍ خاصَّةٍ له لم يكُنْ لِيُحقِّقَها إلَّا بتَوَلِّيه هذا المنصبَ.
ولذلك لَمَّا استَعْمَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عاملًا لِيَجْمَعَ الزَّكاةَ.فجاء هذا الرَّجُلُ إلى المدينةِ بعدَ رُجوعِه مِن عمَلِه، وأَعْطَى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مالًا وقال له"هذا مالُكم"، وقال لِمَالٍ معه"وهذا أُهْدِيَ لي"، فقَالَ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُنكِرًا عليه: لوْ قَعَدْتَ في بيْتِ أَبِيك أو بيْتِ أُمِّك، لم يكُنْ لِيُهْدَى إليك شَيْءٌ، وإنَّما أُهدِيَ إليك لأجْلِ العملِ الذي تَقَلَّدْتَه.الدرر السنية.
ثم أقسم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم باللهِ الذي يملِكُ قَبْضَ رُوحِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنه لا يَأخُذُ أحدٌ شيْئًا مِن الصَّدَقَةِ بغَيْر حَقٍّ، إلَّا أتى يوْمَ القِيامةِ حاملًا ما أَخَذَ وسَرَق منها على عُنقِه؛ فإنْ كان ما أَخَذه بَعيرًا مِن الجِمالِ، فإنَّه يَأْتي به حاملًا إيَّاهُ على عُنقِه، ويكونُ له رُغَاءٌ، وهو صَوْتُ البَعِير، وإنْ كانتْ بَقَرةً جاءتْ لها خُوَارٌ، وهو صَوْتُ البَقَرِ، وإن كانت شَاةً جاء بها تَيْعَرُ، أي: تَصِيح، وَاليُعَارُ: صَوْتُ الغَنَمِ.الدرر السنية.
رد مع اقتباس