سورة الشعراء: من آية 52 إلى 110
"وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ"52.
وأوحى الله إلى موسى عليه السلام: أَنْ سِرْ ليلا بمن آمن من بني إسرائيل؛ لأن فرعون وجنوده متبعوكم حتى لا يدركوكم قبل وصولكم إلى البحر.
"فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ "53.
فأرسل فرعون جنده- حين بلغه مسير بني إسرائيل- يجمعون جيشه من مدائن مملكته.
"إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ "54"وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ "55" وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ "56.
قال فرعون: إن بني إسرائيل الذين فرُّوا مع موسى لَطائفة حقيرة قليلة العدد، وإنهم لمالئون صدورنا غيظًا؛ حيث خالفوا ديننا, وخرجوا بغير إذننا, وإنا لجميع متيقظون مستعدون لهم.
"فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ "57" وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ "58" كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ "59.
فأخرج الله فرعون وقومه من أرض "مصر" ذات البساتين وعيون الماء وخزائن المال والمنازل الحسان. وكما أخرجناهم، جعلنا هذه الديار من بعدهم لبني إسرائيل.
"فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ "60.
فلحق فرعون وجنده موسى ومَن معه وقت شروق الشمس.
"فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ "61.
فلما رأى كل واحد من الفريقين الآخر قال أصحاب موسى: إنَّ جَمْعَ فرعون مُدْرِكنا ومهلكنا.
"قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ "62.
قال موسى لهم: كلا ليس الأمر كما ذكرتم فلن تُدْرَكوا; إن معي ربي بالنصر، سيهديني لما فيه نجاتي ونجاتكم.
"فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ"63.
فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضرب، فانفلق البحر إلى اثني عشر طريقًا بعدد قبائل بني إسرائيل، فكانت كل قطعة انفصلت من البحر كالجبل العظيم.
"وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ "64" وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ "65" ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ "66.
وقرَّبْنا هناك فرعون وقومه حتى دخلوا البحر, وأنجينا موسى ومَن معه أجمعين. فاستمر البحر على انفلاقه حتى عبروا إلى البر، ثم أغرقنا فرعون ومن معه بإطباق البحر عليهم بعد أن دخلوا فيه متبعين موسى وقومه.
"إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ "67.
إن في ذلك الذي حدث لَعبرة عجيبة دالة على قدرة الله، وما صار أكثر أتباع فرعون مؤمنين مع هذه العلامة الباهرة.
"وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ "68.
وإن ربك لهو العزيز الرحيم, بعزته أهلك الكافرين المكذبين، وبرحمته نجَّى موسى ومَن معه أجمعين.
"وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ "69" إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ "70.
واقصص على الكافرين - أيها الرسول - خبر إبراهيم حين قال لأبيه وقومه: أي شيء تعبدونه؟
"قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ "71.
قالوا: نعبد أصنامًا، فنَعْكُف على عبادتها.
"قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ "72" أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ "73.
قال إبراهيم منبهًا على فساد مذهبهم: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم, أو يقدِّمون لكم نفعًا إذا عبدتموهم، أو يصيبونكم بضر إذا تركتم عبادتهم؟
"قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ "74.
قالوا: لا يكون منهم شيء من ذلك، ولكننا وجدنا آباءنا يعبدونهم, فقلَّدناهم فيما كانوا يفعلون.
"قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ "75" أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ "76"فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ"77"الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ "78" وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ "79" وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ "80" وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ "81" وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ"82.
قال إبراهيم: أفأبصرتم بتدبر ما كنتم تعبدون من الأصنام التي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر، أنتم وآباؤكم الأقدمون من قبلكم؟ فإن ما تعبدونهم من دون الله أعداء لي، لكن رب العالمين ومالك أمرهم هو وحده الذي أعبده. هو الذي خلقني في أحسن صورة فهو يرشدني إلى مصالح الدنيا والآخرة، وهو الذي ينعم عليَّ بالطعام والشراب، وإذا أصابني مرض فهو الذي يَشْفيني ويعافيني منه، وهو الذي يميتني في الدينا بقبض روحي, ثم يحييني يوم القيامة, لا يقدر على ذلك أحد سواه, والذي أطمع أن يتجاوز عن ذنبي يوم الجزاء.
" رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ "83.
قال إبراهيم داعيًا ربه: ربِّ امنحني العلم والفهم، وألحقني بالصالحين، واجمع بيني وبينهم في الجنة.
"وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ "84.
واجعل لي ثناء حسنًا وذكرًا جميلا في الذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة.
"وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ "85.
واجعلني من عبادك الذين تورثهم نعيم الجنة.
"وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ "86.
وهذا دعاء من إبراهيم عليه السلام أن ينقذ الله أباه من الضلال إلى الهدى، فيغفر له ويتجاوز عنه، كما وعد إبراهيم أباه بالدعاء له، فلما تبيَّن له أنه مستمر في الكفر والشرك إلى أن يموت تبرَّأ منه .
"وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ "87" يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ "88" إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ "89.
ولا تُلْحق بي الذل، يوم يخرج الناس من القبور للحساب والجزاء، يوم لا ينفع المال والبنون أحدًا من العباد، إلا مَن أتى الله بقلب سليم من الكفر والنفاق والرذيلة.
"وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ "90.
وقُرِّبت الجنة للذين اجتنبوا الكفر والمعاصي، وأقبلوا على الله بالطاعة.
"وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ "91.
وأُظهرت النار للكافرين الذين ضَلُّوا عن الهدى، وتجرَّؤوا على محارم الله وكذَّبوا رسله.
"وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ "92" مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ "93.
وقيل لهم توبيخًا: أين آلهتكم التي كنتم تعبدونها مِن دون الله، وتزعمون أنها تشفع لكم اليوم؟ هل ينصرونكم, فيدفعون العذاب عنكم, أو ينتصرون بدفع العذاب عن أنفسهم؟ لا شيء من ذلك.
" فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ "94" وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ "95.
فجُمِعوا وألقُوا في جهنم، هم والذين أضلوهم وأعوان إبليس الذين زيَّنوا لهم الشر, لم يُفْلِت منهم أحد.
" قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ "96" تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ "97" إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ "98" وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ "99.
قالوا معترفين بخطئهم، وهم يتنازعون في جهنم مع مَن أضلوهم، تالله إننا كنا في الدنيا في ضلال واضح لا خفاء فيه؛ إذ نسويكم برب العالمين المستحق للعبادة وحده. وما أوقعنا في هذا المصير السيِّئ إلا المجرمون الذين دعونا إلى عبادة غير الله فاتبعناهم.
"فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ "100" وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ "101.
فلا أحدَ يشفع لنا، ويخلِّصنا من العذاب، ولا مَن يَصْدُق في مودتنا ويشفق علينا.
"فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ "102.
فليت لنا رجعة إلى الدنيا, فنصير من جملة المؤمنين الناجين.
"إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ "103" وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ "104.
إن في نبأ إبراهيم السابق لَعبرة لِمن يعتبر, وما صار أكثر الذين سمعوا هذا النبأ مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز القادر على الانتقام من المكذبين، الرحيم بعباده المؤمنين.
"كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ "105" إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ "106" إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ "107" فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ "108" وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ "109" فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ "110.
كَذَّبت قوم نوح رسالة نبيهم، فكانوا بهذا مكذبين لجميع الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. إذ قال لهم أخوهم نوح: ألا تخشون الله بترك عبادة غيره؟ إني لكم رسول أمين فيما أبلغكم، فاجعلوا الإيمان وقاية لكم من عذاب الله وأطيعوني فيما آمركم به من عبادته وحده. وما أطلب منكم أجرًا على تبليغ الرسالة، ما أجري إلا على رب العالمين، المتصرف في خلقه، فاحذروا عقابه، وأطيعوني بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.