توطئة
ينقسم الوجود الذي خلقه الله -تعالى- إلى عالَمَينِ: عالَم الشهادة، وعالَم الغيب. وبينهما تنقسم الحياة إلى ثلاثة أقسام: الحياة الدنيا، وهي في عالم الشهادة الذي نعيش فيه، وحياتان: حياة البرزخ، والحياة الآخرة، وهما في عالم الغيب الذي لا نراه والذي أنبأنا به نبينا -صلى الله عليه وسلم- في كتاب الله عز وجل وفي حديثه -عليه الصلاة والسلام-.
حقيقة الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ:
ورد في حديث جبريل الطويل أركان الإيمان الستة :
"...... قالَ: فأخْبِرْنِي عَنِ الإيمانِ، قالَ: أنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ، ومَلائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، والْيَومِ الآخِرِ، وتُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، قالَ: صَدَقْتَ، قالَ: فأخْبِرْنِي عَنِ الإحْسانِ، قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإنَّه يَراكَ، ...."الراوي : عمر بن الخطاب- صحيح مسلم.
قال الشيخ السَّعديُّ رحمه الله : كُلُّ ما جاءَ في الكِتاب والسُّنَّةِ مِمَّا يَكونُ بَعدَ المَوتِ فإنَّه داخِلٌ في الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ؛ كأحوالِ القَبرِ والبَرزَخِ ونَعيمِه وعَذابِه، وأحوالِ يَومِ القيامةِ وما فيها مِنَ الحِساب والثَّوابِ والعِقابِ والصُّحُفِ والميزانِ والشَّفَاعةِ، وأحوالِ الجَنَّةِ والنَّارِ وصَفاتِهما وصَفاتِ أهلِهما، وما أعَدَّ اللَّهُ لِأهلِها إجمالًا وتَفصيلًا، كُلُّ ذلك مِنَ الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ. الموسوعة العقدية الكِتابُ السَّادِس: الإيمانُ باليَومِ الآخِرِالبابُ الأوَّلُ: مَعنَى الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ وحُكمُه وأدِلَّتُه ومَنزِلَتُه وثَمَراتُه الفَصلُ الأوَّلُ: مَعنَى الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ.الدرر السنية.
والإيمان بما في اليوم الآخر وعلاماته من الإيمان بالغيب الذي لا يدركه العقل، ولا سبيل لمعرفته؛ إلا بالنص عن طريق الوحي.
نؤمن باليوم الآخر، وأنه ركن من أركان الإيمان الستة، وسمي باليوم الآخر؛ لأنه آخر أيام الدنيا، فليس بعده يوم.
قال الشيخ العثيمين رحمه الله وغفر له : الإيمانُ باليَومِ الآخِرِ يَتَضَمَّنُ ثَلاثةَ أمورٍ:
الأوَّلُ: الإيمانُ بالبَعثِ: وهو إحياءُ المَوتَى حينَ يُنفَخُ في الصُّورِ النَّفخة الثَّانية، فيَقومُ النَّاسُ لِرَبِّ العالَمينَ، حفَاةً غَيرَ مُنتَعِلينَ، عُراةً غَيرَ مُستَتِرينَ، غَرْلًا غَيرَ مُختَتَنِينَ.
الثَّاني: الإيمانُ بالحِساب والجَزاءِ: يُحاسَبُ العَبدُ على عَمَلِه، ويُجازَى عليه.
الثَّالِثُ: الإيمانُ بالجَنَّةِ والنَّارِ، وأنَّهما المَآلُ الأبَديُّ لِلخَلقِ.
ويَلتَحِقُ بالإيمانِ باليَومِ الآخِرِ: الإيمانُ بكُلِّ ما يَكونُ بَعدَ المَوتِ؛ مِثلُ:
(أ) فتنةِ القَبرِ: وهيَ سُؤالُ المَيِّتِ بَعدَ دَفنِه عَن رَبِّه، ودينِه، ونَبيِّه...
(ب) عَذابِ القَبرِ ونَعيمِه: فيَكونُ العَذابُ لِلظَّالِمينَ مِنَ المُنافِقَينَ والكافِرَينِ... وأمَّا نَعيمُ القَبرِ فلِلمُؤمِنينَ الصَّادِقينَ . ا.هـ. .
القِيَامَةُ الصُّغْرَى:القيامة الصغرى هي الموت ، فكل من مات فقد قامت قيامته ، وحان حينه ،وانقطعت أعماله . ففي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة قالت : كانَ رِجَالٌ مِنَ الأعْرَابِ جُفَاةً، يَأْتُونَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَيَسْأَلُونَهُ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَكانَ يَنْظُرُ إلى أصْغَرِهِمْ فيَقولُ: إنْ يَعِشْ هذا لا يُدْرِكْهُ الهَرَمُ حتَّى تَقُومَ علَيْكُم سَاعَتُكُمْ، قالَ هِشَامٌ: يَعْنِي مَوْتَهُمْ."الراوي : عائشة أم المؤمنين -صحيح البخاري .
وفي هذا الحَديثِ تروي أُمُّ المُؤمِنينَ عائشةُ رضِيَ اللهُ عنها أنَّ رِجَالًا مِن الأعرابِ -وهم الذين يَسكُنون الصَّحراءَ- وهم جُفاةٌ غِلاظُ الطِّباعِ؛ لأنَّ سُكَّانَ البَوادي يَغلِبُ عليهم خُشونةُ العيْشِ وقِلَّةُ مخالَطةِ النَّاسِ، فتجفو أخلاقُهم وتُصبِحُ صَعبةً غالبًا، كانوا يَأتون النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيَسْألونه: مَتى تَقومُ السَّاعةُ؟ ويَقصِدون بذلك وقتَ انتِهاءِ الدُّنيا وقيامِ القيامةِ للحِسابِ، فكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يجيبُهم بما ينفَعُهم وبما تقبَلُه عُقولُهم، فكان يَنظُرُ إلى أصْغرِهم سِنًّا، فيقولُ "إنْ يَعِشْ هذا" الأحدثُ سِنًّا، " لا يُدْرِكْهُ الهَرَمُ حتَّى تَقُومَ علَيْكُم سَاعَتُكُمْ". قال هِشامُ بنُ عُروةَ -وهو أحدُ رُواةِ الحديث- يَعْنِي بقولِه: سَاعَتُكُمْ:مَوْتَهُمْ ؛ لأنَّ ساعةَ كلِّ إنسانٍ مَوتُه، فهي السَّاعةُ الصُّغرى، لا الكُبْرى التي هي بعْثُ النَّاسِ للمُحاسَبةِ؛ فلا يعلَمُها إلَّا اللهُ عزَّ وجَلَّ.الدرر السنية.
وتسمى القيامة الصغرى أيضًا بالمعاد الأول ، وخُوَيْصَّةَ أحَدِكُمْ، كما تسمى البرزخ.
* فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ ؛ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال" بادِرُوا بالأعْمالِ سِتًّا: الدَّجَّالَ، والدُّخانَ، ودابَّةَ الأرْضِ، وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وأَمْرَ العامَّةِ، وخُوَيْصَّةَ أحَدِكُمْ."صحيح مسلم.
*فلنبادر بالعمل قبل أن يأتي الموت الذي عُبِّر عنه في الحديث " بخُوَيْصَّةَ أحَدِكُمْ " ، أو يأتي يوم القيامة الذي عُبِّر عنه في الحديث بـ " أَمْرَ العامَّةِ "
فالمُؤمِنُ الحقُّ يَكونُ حالُه مع اللهِ سُبحانَه بينَ الخَوفِ والرَّجاءِ؛ فيَخافُ منَ اللهِ، ويَخافُ أن يَصدُرَ منه ما يُوجِبُ العِقابَ، وفي الوَقتِ نفسِه يَرجو رحمةَ اللهِ؛ فيَعمَلُ الطَّاعاتِ والصَّالِحاتِ، وكانَ الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم خيرَ مِثالٍ لهذا الوَصفِ.وفي الحديثِ الآتي يَروي التَّابِعيُّ عبدُ الرَّحمنِ بنُ شِماسةَ المَهْريِّ أنَّهم دخلوا على عَمرِو بنِ العاصِ رَضيَ اللهُ عنه حينَ حَضَرَه الموتُ وهو في السَّكَراتِ ووصفَ حَالَهُ :
فعن ابنِ شِماسة المَهْريِّقال: حَضَرْنا عَمْرَو بنَ العاصِ، وهو في سِياقَةِ المَوْتِ، يَبكِي طَوِيلًا، وحَوَّلَ وجْهَهُ إلى الجِدارِ، فَجَعَلَ ابنُهُ يقولُ: يا أبَتاهُ، أما بَشَّرَكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بكَذا؟ أما بَشَّرَكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بكَذا؟ قالَ: فأقْبَلَ بوَجْهِهِ، فقالَ: إنَّ أفْضَلَ ما نُعِدُّ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، إنِّي قدْ كُنْتُ علَى أطْباقٍ ثَلاثٍ؛ لقَدْ رَأَيْتُنِي وما أحَدٌ أشَدَّ بُغْضًا لِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنِّي، ولا أحَبَّ إلَيَّ أنْ أكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ منه فَقَتَلْتُهُ، فلوْ مُتُّ علَى تِلكَ الحالِ لَكُنْتُ من أهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الإسْلامَ في قَلْبِي أتَيْتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَقُلتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قالَ: ما لكَ يا عَمْرُو؟ قالَ: قُلتُ: أرَدْتُ أنْ أشْتَرِطَ، قالَ: تَشْتَرِطُ بماذا؟ قُلتُ: أنْ يُغْفَرَ لِي، قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ الإسْلامَ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ؟ وأنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَها؟ وأنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ؟ وما كانَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيَّ من رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا أجَلَّ في عَيْنِي منه، وما كُنْتُ أُطِيقُ أنْ أمْلأَ عَيْنَيَّ منه إجْلالًا له، ولو سُئِلْتُ أنْ أصِفَهُ ما أطَقْتُ؛ لأَنِّي لَمْ أكُنْ أمْلأُ عَيْنَيَّ منه، ولو مُتُّ علَى تِلكَ الحالِ لَرَجَوْتُ أنْ أكُونَ من أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ ولِينا أشْياءَ ما أدْرِي ما حالِي فيها، فإذا أنا مُتُّ فلا تَصْحَبْنِي نائِحَةٌ، ولا نارٌ، فإذا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرابَ شَنًّا، ثُمَّ أقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ ما تُنْحَرُ جَزُورٌ ويُقْسَمُ لَحْمُها، حتَّى أسْتَأْنِسَ بكُمْ، وأَنْظُرَ ماذا أُراجِعُ به رُسُلَ رَبِّي"صحيح مسلم.
في الحديث: أنَّ المُؤمنَ لا تُفارقُه خَشيةُ اللهِ، ولو عَمِلَ مِنَ الصَّالحاتِ ما عَمِلَ.
وفيه: إثباتُ سُؤالِ الملَكَينِ في القَبرِ.
وفيه: المُكثُ عندَ القَبرِ بعدَ الدَّفنِ وقتًا ليَأنَسَ المَيتُ، والدُّعاءُ له بالتَّثبيتِ.