الفرق بين سكرات الموت وخروج الروح: إنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ ، فكل من يموت يناله من سكرات الموت وآلامها ما قدره الله تعالى عليه، إلا أن الأغلب خفتها على المؤمنين وشدتها على الكفار، وقد تشتد على بعض المؤمنين لرفع درجاتهم وتكفير سيئاتهم كما قد تكون خفيفة على كثير منهم، وهذا لا يدل على نقص منزلة المسلم عند الله. . وتَحْكي أمُّ المؤمِنينَ رَضيَ اللهُ عنها عن شدَّةِ ما كان يُعانيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن سَكَراتِ المَوتِ؛ فتَذكُرُ أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان بيْنَ يَدَيْه رَكْوةٌ فيها ماءٌ، أي: قِرْبةٌ مِن جِلدٍ مَمْلوءةٌ ماءً، فجعَلَ يُدخِلُ يَدَه، فيَأخُذُ ماءً منها، ثمَّ يُمرِّرُها على وَجهِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ تَخْفيفًا لحَرارةِ الحُمَّى ووَجَعِه الَّذي به، ويقولُ"لا إلهَ إلَّا اللهُ، إنَّ للمَوتِ سَكَراتٍ"، أي: شَدائِدَ وأهْوالًا وآلامًا عَظيمةً. وما يصيب المؤمن من سكرات الموت وشدته فإنه من جملة المصائب التي يجعلها الله تعالى رفعة لدرجاته أو تكفيرًا لسيئاته. أما عند نزع الروح وقت الاحتضار فقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة أن روح المؤمن تخرج بسهولة بالغة وهي مطمئنة بخلاف روح الكافر التي تتفرق في الجسد فتنزع بشدة بلا رفق ولا هوادة. "إنَّ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيَّ: أنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تُوُفِّيَ في بَيْتِي، وفي يَومِي، وبيْنَ سَحْرِي ونَحْرِي، وأنَّ اللَّهَ جَمَع بيْنَ رِيقِي ورِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ؛ دَخَلَ عَلَيَّ عبدُ الرَّحْمَنِ وبِيَدِهِ السِّوَاكُ، وأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ، وعَرَفْتُ أنَّه يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فأشَارَ برَأْسِهِ: أنْ نَعَمْ، فَتَنَاوَلْتُهُ، فَاشْتَدَّ عليه، وقُلتُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ؟ فأشَارَ برَأْسِهِ: أنْ نَعَمْ، فَلَيَّنْتُهُ، فأمَرَّهُ، وبيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ -أوْ عُلْبَةٌ؛ يَشُكُّ عُمَرُ- فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ في المَاءِ فَيَمْسَحُ بهِما وجْهَهُ، يقولُ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، إنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ، ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ، فَجَعَلَ يقولُ: في الرَّفِيقِ الأعْلَى، حتَّى قُبِضَ ومَالَتْ يَدُهُ."الراوي : عائشة أم المؤمنين - صحيح البخاري. إنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ: أي: شَدائِدَ وأهْوالًا وآلامًا عَظيمةً،وفي الحَديثِ: أنَّ شِدَّةَ المَوتِ لا تَدُلُّ على نَقصٍ في المَرتَبةِ، بَل هيَ لِلمُؤمِنِ إمَّا زيادةٌ في حَسَناتِه، وإمَّا تَكفيرٌ لِسَيِّئاتِه. الحياة البرزخية في القبر: مراحل الحياة البرزخية: إن الله تعالى جعل الآخرة وما كان متصلًا بها من موت، وقبر، وبعث، من أمور الغيب، وحَجَبَها عن إدراك المكلَّف؛ ليتميز المؤمن الصادق بالغيب من غيره. تبدأ هذه الحياة بالدفن ،ثم ضمة القبر ، ثم سماع خَفْقَ نِعالِ مشيعيه إذا انْصَرَفُوا ، ثم سؤال الملكين ، ثم رؤية مقعديه في الجنة والنار ويُبَشَّر بأحدهما ،ثم نعيم القبر للمؤمن حتى قيام الساعة ؛ وعذاب القبر للكافر حتى قيام الساعة. والبرزخ هو الحاجز بين الشيئين بحيث يمنع من اختلاطهما، يقول -سبحانه"وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا" الفرقان:53،أيجعل بينهما حاجزًا. ويقول -سبحانه"مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ"الرحمن:19-20. الحياة البرزخية :هي حياة أهل القبور، وسُميّت بالحياة البرزخيّة نسبة للبرزخ: وهو الحاجز أو الطّريق الذي يفصل بين زمانين أو مكانين ، وتكون بعد دفن الميّت إلى وقت البعث والنُّشور، وهذه الحياة يمرُّ بها جميع البشر، لِقولهِ تعالى" وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ" المؤمنون، آية: 100. وهي عالم روحاني لا يقاس ما فيه على عالم الدنيا المادي، فلا تحكمه قوانين المكان والزمان والمادة؛ بل هو عالم آخر له أحواله وأسراره التي نجهلها أو نجهل معظمها. فالقبْرُ هو أوَّلُ منازِلِ الآخِرةِ، والعذابُ والنَّعيمُ فيه حقٌّ، وهو إمَّا رَوضةٌ مِن رِياضِ الجنَّةِ، أو حُفرةٌ مِن حُفَرِ النَّارِ، أعاذَنا اللهُ منها. ضمَّةُ القَبْرِ:، وتكون هذه الضمّة بعد وضع الميّت في قبره، فضمَّةُ القبرِ أوَّلُ ما يلاقيه الميتُ في عالم البرزخ ولا ينجو منها أحدٌ من البشر، سواءً كان مؤمنًا أو غير مؤمنٍ. فمن كان مُطيعًا لربّه؛ ضمّته برأفةٍ ورِفْق، ومن كان عاصيًّا؛ ضمّتهُ بعنفٍ وسخط. قال الرملي " وضمة القبر للميت قبل سؤال الملكين"، وقال أيضًا " وحصول هذه الحالة للمسلم في أول نزوله إلى قبره ثم يعود إلى الإفساح له فيه.ا.هـ. وقال ابن عثيمين " الأحاديث الصحيحة تدل على أن الرجل إذا سأله الملكان وأجاب بالصواب فُسِحَ له في قبره، فإن صح الحديث فالمعنى أنه أول ما دخل ضمه القبر ثم فسح له" وقد جاءت بإثبات ضمة القبر نصوصٌ صريحةٌ صحيحةٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، منها : "لو نجا أحدٌ من ضمَّةِ القبرِ ، لنجا سعدُ بنُ معاذٍ ، ولقدْ ضُمَّ ضمةً ، ثُمَّ رُوخِيَ عنه"خلاصة حكم المحدث : صحيح .الراوي : عبدالله بن عمر وعائشة - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الجامع. أي لكان سعد أولى الناس أن ينجو منها ، لو كان أحد ناجيًا لفضْلِهِ عند ربِهِ وقُربه منه. "هذا الَّذي تحرَّك له العرشُ ، وفُتحَتْ له أبوابُ السَّماءِ ، وشهِده سبعونَ ألفًا من الملائكةِ ، لقد ضُمَّ ضمَّه ، ثمَّ فُرِّجَ عنهُ" الراوي : عبدالله بن عمر- المحدث :الألباني - صحيح النسائي. وفُتحَتْ له أبوابُ السَّماءِ: أي: فرَحًا بقُدومِ سَعدٍ وصُعودِ رُوحِه. وشهِده سبعونَ ألفًا من الملائكةِ: أي: في تَشييعِ جِنازتِه. والمعنى أن الله سبحانه وتعالى قدَّرَ ضمةَ القبرِ على كل ميتٍ، ولو كان أحدٌ ناجيًا منها لفضْلِهِ عند ربِهِ وقُربه منه لَكَانَ سعدُ بن معاذ رضي الله عنه من الناجينَ مِنْ ذلكَ. وقال النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم هذا القول عندَ موتِ سعد رضي الله عنه لمكانته في الإسلام، ولبلائه في سبيل الله ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل أيضًا قالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وجِنازةُ سَعْدِ بنِ مُعاذٍ بيْنَ أيْدِيهِم: اهْتَزَّ لَها عَرْشُ الرَّحْمَنِ." الراوي : جابر بن عبدالله - صحيح مسلم . وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّه لَمَّا حَضَرَت جِنازةُ سَعْدٍ بيْنَ يَدَيْ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابِه رِضوانُ اللهِ عليهم، أي: وُضِعَتْ أَمامَهُمْ لأجْلِ الصَّلاةِ عليها أو دَفْنِها عندَ المقابِرِ، وكان سَعدٌ رَضيَ اللهُ عنه سيِّدَ الأوْسِ، وقدْ رُمِيَ يوْمَ الخَنْدقِ بسَهمٍ، فعاشَ بعْدَ ذلك شَهرًا ثمَّ انتَقَضَ جُرحُه فمات منه، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ "اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحمنِ" أي: اهتَزَّ لجِنازتِه؛ وذلكَ استِبْشارًا وفَرَحًا بقُدومِ رُوح سَعْدٍ، وإشعارًا بِفضلِه، وهو اهتزازٌ مَعلومُ الحُدوثِ، ولكنَّه مَجهولُ الكيفيَّةِ. والعَرْشُ: هو عرْشُ الرَّحمنِ الَّذي استوَى عليه جلَّ جَلالُه، وهو أعْلَى المَخلوقاتِ وأكبرُها وأعظمُها، وصَفَه اللهِ بأنَّه عظيمٌ وبأنَّه كريمٌ؛ فوصفَه بالحُسنِ مِن جِهةِ الكَمِّيَّةِ، وبالحُسنِ مِن جِهةِ الكَيفيَّةِ. وفي الحديثِ: شَرَفُ سَعدِ بنِ مُعاذٍ رَضيَ اللهُ عنه وفَضْلُه، وتَبشيرٌ بأنَّه رَضيَ اللهُ عنه من أهلِ الجنَّةِ.الدرر السنية. اختلف أهل العلم في حال المؤمن ، عندما تصيبه ضمة القبر، على قولين: تصيب ضمةُ القبرِ كلَّ مؤمنٍ وتشتدُّ عليه ، غير أن المؤمن الصالح سرعان ما يُفرج عنه ويفسح له في قبره ، فلا يطول العذاب عليه ، أما الفاسق فتشتد عليه الضمة ويطول عليه ضيق بحسب ذنبه ومعصيته . قال أبو القاسم السعدي رحمه الله : " لا ينجو من ضغطة القبر صالح ولا طالح غير أن الفرق بين المسلم والكافر فيها دوام الضغط للكافر وحصول هذه الحالة للمؤمن في أول نزوله إلى قبره ثم يعود إلى الانفساح له " انتهى. وقال الحكيم الترمذي رحمه الله : " سبب هذا الضغط أنه ما من أحد إلا وقد ألم بذنب ما فتدركه هذه الضغطة جزاء لها ثم تدركه الرحمة " انتهى.نقلًا عن حاشية السيوطي على " سنن النسائي " (3/292)، ونقله الرملي في " فتاواه " .4/210 تصيب ضمة القبر المؤمنين الصالحين ولكنها ضمة رفق وحنان ، ليس فيها أذى ولا ألم ، أما المسلمون العاصون فتشتد عليهم سخطًا بحسب كثرة ذنوبهم وسوء أعمالهم. عن محمد التيمي رحمه الله قال:كان يقال : إن ضمة القبر إنما أصلها أنها أُمُّهُم ، ومنها خُلقوا ، فغابوا عنها الغيبة الطويلة ، فلما رد إليها أولادها ضمتهم ضم الوالدة الشفيقة التي غاب عنها ولدها ثم قدِمَ عليها ، فمن كان لله مطيعًا ضمته برفق ورأفة ، ومن كان لله عاصيًا ضمته بعنف سخطًا منها عليه.ذكره السيوطي في حاشيته على " سنن النسائي " (3/292) من رواية ابن أبي الدنيا، وذكره في " بشرى الكئيب بلقاء الحبيب " (ص/5) تحت باب : " ذكر تخفيف ضمة القبر على المؤمن ". وقد روي في هذا المعنى حديث مرفوع ضعيف عن عائشة رضي الله عنها. وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " هذا الحديث – يعني حديث " لقد ضم القبر سعدًا ضمة.." - مشهور عند العلماء ، وعلى تقدير صحته : فإن ضمة الأرض للمؤمن ضمة رحمة وشفقة ، كالأم تضم ولدها إلى صدرها ، أما ضمتها للكافر فهي ضمة عذاب والعياذ بالله ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الإنسان إذا دفن أتاه ملكان يسألانه عن ثلاثة أصول : من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ فالمؤمن يقول : ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبيي محمد ، أسأل الله أن يجعل جوابي وجوابكم هذا ، أما المنافق أو المرتد - أعاذنا الله وإياكم من هذا – فيقول : هاه هاه لا أدري ، سمعت الناس يقولون قولًا فقلته ، فيضيق عليه القبر حتى تختلف أضلاعه والعياذ بالله ، يدخل بعضه في بعض من شدة الضم ، ففرق بين ضم الأرض للكافر أو المرتد وضمها للمؤمن ." انتهى باختصار. لقاءات الباب المفتوح " لقاء رقم/161، سؤال رقم/17 . ..... .. والله أعلم .الإسلام سؤال وجواب.
التعديل الأخير تم بواسطة أم أبي التراب ; 09-21-2025 الساعة 10:53 PM
|