*القاعدة السادسة والعشرون*
الأحكام في الآيات المقيدة:
الأصل: أن الآيات التي فيها قيود لا تثبت أحكامها إلا بوجود تلك القيود، إلا في آيات يسيرة. وهذه قاعدة لطيفة. فإن الله متى رتب في كتابه حكماً على شيء، وقيده بقيد، أو شرط لذلك شرطاً، تعلق الحكم به على ذلك الوصف، الذي وصفه الله تعالى.
وهذا في القرآن لا حصر له. وإنما المقصود ذكر المستثنى من هذا الأصل الذي يقول كثير من المفسرين- إذا تكلموا عليها-: هذا قيد غير مراد. ففي هذه العبارة نظر؛ فإن كل لفظة في كتاب الله فإن الله أرادها لما فيها من فائدة، وقد تظهر للمخاطب وقد تخفى. وإنما مرادهم بقولهم: (غير مراد) ثبوت الحكم لها.
فاعلم أن الله تعالى يذكر الأحكام الشرعية من أصول وفروع، ويذكر أعلى حالة لها ليبرزها لعباده، وليظهر لهم حسنها، إن كانت مأموراً بها، أو قبحها إن كانت منهياً عنها.
وعند تأمل هذه الآيات التي بهذا الصدد يظهر لك هذا منها عياناً.
فمنها قوله تعالى:*{وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ}*[المؤمنون: 117] ومن المعلوم أن من دعا مع الله إلهاً آخر فإنه كافر، وأنه ليس له برهان مطلقاً. وإنما قيدها الله بهذا القيد بياناً لشناعة الشرك والمشرك وأن الشرك ليس له دليل شرعي، ولا عقلي قطعاً، والمشرك ليس بيده ما يُسوِّغ له شيئاً من ذلك.
ففائدة هذا القيد: التشنيع البليغ على المشركين من المعاندة ومخالفة البراهين الشرعية والعقلية، وأنه ليس بأيديهم إلا أغراض نفسية ومقاصد سيئة، وأنهم لو التفتوا أدنى التفات لعرفوا أن ما هم عليه لا يستجيزه من له أدنى إيمان ولا معقول.
ومنها قوله تعالى:*{وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}*[النساء: 23] مع أن كونها في حجره أو في غير حجره ليس شرطاً لتحريمها، فإنها تحرم مطلقاً. ولكن ذكر الله هذا القيد تشنيعاً لهذه الحالة، وأنه من القبيح إباحة الربيبة التي هي في حجر الإنسان بمنزلة بنته. فذكر الله المسألة متجليةً بثياب قبحها، لينفر عنها ذوي الألباب، مع أن التحريم لم يُعلَّق بمثل هذه الحالة. فالأنثى إما أن تكون مباحة مطلقاً، أو محرمة مطلقاً، سواء كانت عند الإنسان أم لا. كحالة بقية النساء المحللات والمحرمات.
ومنها قوله تعالى:*{وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ}*[الإسراء: 31] و{مِنْ إِمْلاقٍ}*[الأنعام: 151] مع أن المعلوم النهي على قتل الأولاد على أي حال. فالفائدة في ذكر هذه الحالة: أنها حالة جامعة للشر كله: كونه قتل بغير حق، وقتل مَنْ جُبلت النفوس على شدة الشفقة عليه شفقةٍ لا نظير لها، وكون ذلك صادراً عن التسخط لقدر الله، وإساءة الظن بالله. فأولئك الذين يقتلون أولادهم خشية الفقر والإملاق إنما يقتلونهم تبرماً وتسخطاً بقدر الله، فهم قد تبرموا بالفقر هذا التبرم، وأساءوا ظنونهم بربهم حيث ظنوا أنهم إن أبقوهم زاد فقرهم، واشتدت فاقتهم، فصار الأمر بالعكس.
وأيضاً فإنه إذا كان منهياً عن قتلهم في هذه الحال التي دفعهم إليها خشية الفقر وحدوثه، ففي حال سعة الرزق من باب أولى وأحرى.
وأيضاً ففي هذا: بيان للحالة الموجودة غالباً عندهم، فالتعرض لذكر الأسباب الموجودة في الحادثة يكون أجلى وأوضح للمسائل.
وأما قوله تعالى في الرجعة:*{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً}*[البقرة: 228] فمن العلماء من قال: إنه من هذا النوع، وإنه يستحق ردها سواء أراد الإصلاح أم لم يرده، فيكون ذكر هذا القيد حثاً على لزوم ما أمر الله به من قصد الإصلاح، وتحريماً لردها على وجه المضارة، وإن كان يملك ردها، كقوله تعالى:*{فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}*[البقرة: 231].
ومن العلماء من جعل هذا القيد على الأصل العام، وأن الزوج لا يستحق رجعة زوجته في عدتها إلا إذا قصد الإصلاح. فأما إذا قصد ضد ذلك فلا حق له في رجعتها، وهذا هو الصواب.
ومنها قوله تعالى:*{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}*[البقرة: 283] مع أن الرهن يصح حضراً وسفراً. ففائدة هذا القيد: أن الله ذكر أعلى الحالات، وأشد الحاجات للرهن، وهي هذه الحالة في السفر، والكاتب مفقود، والرهن مقبوض، فأحوج ما يحتاج الإنسان للرهن في هذه الحالة التي تعذرت فيها التوثيقات إلا بالرهن المقبوض، وكما قاله الناس في قيد السفر فكذلك على الصحيح في قيده بالقبض، وأن قبضه ليس شرطاً لصحته، وإنما ذلك للاحتياط وزيادة الاستيثاق، وكذلك فقد الكاتب.
ومنها قوله:*{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}*[البقرة: 282] مع أن الحق يثبت بالرجل والمرأتين ومع وجود الرجلين، ولكن ذكر الله أكمل حالة يحصل بها الحفظ للحقوق، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد الواحد مع اليمين، والآية ليس فيها ذلك لهذه الحكمة
|