ملتقى قطرات العلم النسائي

ملتقى قطرات العلم النسائي (http://www.katarat1.com/forum/index.php)
-   ملتقى المعتقد الصحيح (http://www.katarat1.com/forum/forumdisplay.php?f=6)
-   -   مدخل لدراسة المعتقد الصحيح-الجزء الثالث اليوم الآخر (http://www.katarat1.com/forum/showthread.php?t=3448)

أم أبي التراب 09-21-2025 06:22 AM

مدخل لدراسة المعتقد الصحيح-الجزء الثالث اليوم الآخر
 
مدخل لدراسة المعتقد الصحيح-الجزء الثالث اليوم الآخر
الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّـه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ"
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا".
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا *يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّـه وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا"
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. ثم أَمَّا بَعْدُ:
نتدارس ركن من أركان الإيمان الستة وهو الإيمان باليوم الآخر ، من خلال كتاب الله عز وجل ؛ وسنة نبيهِ صلى الله عليه وسلم الصحيحة ، مستعينين بالمراجع الصحيحة لعلمائنا الأجلاء جَزاهُم المَوْلى عَظِيمَ الأَجْرِ والعَفوَ مَعْ غُفْرانِه والبِرِّ.
اعلَم هُدِيتَ أَنَّ أفضلَ المِنَنْ عِلمٌ يُزيلُ الشَّكَ عَنْكَ والدَّرنْ ،وَيكْشِفُ الحقَّ لذي القلوبِ وَيُوصِلُ العَبْدَ إلى المَطْلوبِ. نسأل الله السداد والتوفيق لما يحب ويرضى .


أم أبي التراب 09-21-2025 06:23 AM



توطئة
ينقسم الوجود الذي خلقه الله -تعالى- إلى عالَمَينِ: عالَم الشهادة، وعالَم الغيب. وبينهما تنقسم الحياة إلى ثلاثة أقسام: الحياة الدنيا، وهي في عالم الشهادة الذي نعيش فيه، وحياتان: حياة البرزخ، والحياة الآخرة، وهما في عالم الغيب الذي لا نراه والذي أنبأنا به نبينا -صلى الله عليه وسلم- في كتاب الله عز وجل وفي حديثه -عليه الصلاة والسلام-.
حقيقة الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ:
ورد في حديث جبريل الطويل أركان الإيمان الستة :
"...... قالَ: فأخْبِرْنِي عَنِ الإيمانِ، قالَ: أنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ، ومَلائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، والْيَومِ الآخِرِ، وتُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، قالَ: صَدَقْتَ، قالَ: فأخْبِرْنِي عَنِ الإحْسانِ، قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإنَّه يَراكَ، ...."الراوي : عمر بن الخطاب- صحيح مسلم.
قال الشيخ السَّعديُّ رحمه الله : كُلُّ ما جاءَ في الكِتاب والسُّنَّةِ مِمَّا يَكونُ بَعدَ المَوتِ فإنَّه داخِلٌ في الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ؛ كأحوالِ القَبرِ والبَرزَخِ ونَعيمِه وعَذابِه، وأحوالِ يَومِ القيامةِ وما فيها مِنَ الحِساب والثَّوابِ والعِقابِ والصُّحُفِ والميزانِ والشَّفَاعةِ، وأحوالِ الجَنَّةِ والنَّارِ وصَفاتِهما وصَفاتِ أهلِهما، وما أعَدَّ اللَّهُ لِأهلِها إجمالًا وتَفصيلًا، كُلُّ ذلك مِنَ الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ. الموسوعة العقدية الكِتابُ السَّادِس: الإيمانُ باليَومِ الآخِرِالبابُ الأوَّلُ: مَعنَى الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ وحُكمُه وأدِلَّتُه ومَنزِلَتُه وثَمَراتُه الفَصلُ الأوَّلُ: مَعنَى الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ.الدرر السنية.
والإيمان بما في اليوم الآخر وعلاماته من الإيمان بالغيب الذي لا يدركه العقل، ولا سبيل لمعرفته؛ إلا بالنص عن طريق الوحي.
نؤمن باليوم الآخر، وأنه ركن من أركان الإيمان الستة، وسمي باليوم الآخر؛ لأنه آخر أيام الدنيا، فليس بعده يوم.
قال الشيخ العثيمين رحمه الله وغفر له : الإيمانُ باليَومِ الآخِرِ يَتَضَمَّنُ ثَلاثةَ أمورٍ:
الأوَّلُ: الإيمانُ بالبَعثِ: وهو إحياءُ المَوتَى حينَ يُنفَخُ في الصُّورِ النَّفخة الثَّانية، فيَقومُ النَّاسُ لِرَبِّ العالَمينَ، حفَاةً غَيرَ مُنتَعِلينَ، عُراةً غَيرَ مُستَتِرينَ، غَرْلًا غَيرَ مُختَتَنِينَ.
الثَّاني: الإيمانُ بالحِساب والجَزاءِ: يُحاسَبُ العَبدُ على عَمَلِه، ويُجازَى عليه.
الثَّالِثُ: الإيمانُ بالجَنَّةِ والنَّارِ، وأنَّهما المَآلُ الأبَديُّ لِلخَلقِ.
ويَلتَحِقُ بالإيمانِ باليَومِ الآخِرِ: الإيمانُ بكُلِّ ما يَكونُ بَعدَ المَوتِ؛ مِثلُ:
(أ) فتنةِ القَبرِ: وهيَ سُؤالُ المَيِّتِ بَعدَ دَفنِه عَن رَبِّه، ودينِه، ونَبيِّه...
(ب) عَذابِ القَبرِ ونَعيمِه: فيَكونُ العَذابُ لِلظَّالِمينَ مِنَ المُنافِقَينَ والكافِرَينِ... وأمَّا نَعيمُ القَبرِ فلِلمُؤمِنينَ الصَّادِقينَ . ا.هـ. .
القِيَامَةُ الصُّغْرَى:القيامة الصغرى هي الموت ، فكل من مات فقد قامت قيامته ، وحان حينه ،وانقطعت أعماله . ففي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة قالت : كانَ رِجَالٌ مِنَ الأعْرَابِ جُفَاةً، يَأْتُونَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَيَسْأَلُونَهُ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَكانَ يَنْظُرُ إلى أصْغَرِهِمْ فيَقولُ: إنْ يَعِشْ هذا لا يُدْرِكْهُ الهَرَمُ حتَّى تَقُومَ علَيْكُم سَاعَتُكُمْ، قالَ هِشَامٌ: يَعْنِي مَوْتَهُمْ."الراوي : عائشة أم المؤمنين -صحيح البخاري .
وفي هذا الحَديثِ تروي أُمُّ المُؤمِنينَ عائشةُ رضِيَ اللهُ عنها أنَّ رِجَالًا مِن الأعرابِ -وهم الذين يَسكُنون الصَّحراءَ- وهم جُفاةٌ غِلاظُ الطِّباعِ؛ لأنَّ سُكَّانَ البَوادي يَغلِبُ عليهم خُشونةُ العيْشِ وقِلَّةُ مخالَطةِ النَّاسِ، فتجفو أخلاقُهم وتُصبِحُ صَعبةً غالبًا، كانوا يَأتون النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيَسْألونه: مَتى تَقومُ السَّاعةُ؟ ويَقصِدون بذلك وقتَ انتِهاءِ الدُّنيا وقيامِ القيامةِ للحِسابِ، فكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يجيبُهم بما ينفَعُهم وبما تقبَلُه عُقولُهم، فكان يَنظُرُ إلى أصْغرِهم سِنًّا، فيقولُ "إنْ يَعِشْ هذا" الأحدثُ سِنًّا، " لا يُدْرِكْهُ الهَرَمُ حتَّى تَقُومَ علَيْكُم سَاعَتُكُمْ". قال هِشامُ بنُ عُروةَ -وهو أحدُ رُواةِ الحديث- يَعْنِي بقولِه: سَاعَتُكُمْ:مَوْتَهُمْ ؛ لأنَّ ساعةَ كلِّ إنسانٍ مَوتُه، فهي السَّاعةُ الصُّغرى، لا الكُبْرى التي هي بعْثُ النَّاسِ للمُحاسَبةِ؛ فلا يعلَمُها إلَّا اللهُ عزَّ وجَلَّ.الدرر السنية.
وتسمى القيامة الصغرى أيضًا بالمعاد الأول ، وخُوَيْصَّةَ أحَدِكُمْ، كما تسمى البرزخ.
* فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ ؛ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال" بادِرُوا بالأعْمالِ سِتًّا: الدَّجَّالَ، والدُّخانَ، ودابَّةَ الأرْضِ، وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وأَمْرَ العامَّةِ، وخُوَيْصَّةَ أحَدِكُمْ."صحيح مسلم.
*فلنبادر بالعمل قبل أن يأتي الموت الذي عُبِّر عنه في الحديث " بخُوَيْصَّةَ أحَدِكُمْ " ، أو يأتي يوم القيامة الذي عُبِّر عنه في الحديث بـ " أَمْرَ العامَّةِ "
فالمُؤمِنُ الحقُّ يَكونُ حالُه مع اللهِ سُبحانَه بينَ الخَوفِ والرَّجاءِ؛ فيَخافُ منَ اللهِ، ويَخافُ أن يَصدُرَ منه ما يُوجِبُ العِقابَ، وفي الوَقتِ نفسِه يَرجو رحمةَ اللهِ؛ فيَعمَلُ الطَّاعاتِ والصَّالِحاتِ، وكانَ الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم خيرَ مِثالٍ لهذا الوَصفِ.وفي الحديثِ الآتي يَروي التَّابِعيُّ عبدُ الرَّحمنِ بنُ شِماسةَ المَهْريِّ أنَّهم دخلوا على عَمرِو بنِ العاصِ رَضيَ اللهُ عنه حينَ حَضَرَه الموتُ وهو في السَّكَراتِ ووصفَ حَالَهُ :
فعن ابنِ شِماسة المَهْريِّقال: حَضَرْنا عَمْرَو بنَ العاصِ، وهو في سِياقَةِ المَوْتِ، يَبكِي طَوِيلًا، وحَوَّلَ وجْهَهُ إلى الجِدارِ، فَجَعَلَ ابنُهُ يقولُ: يا أبَتاهُ، أما بَشَّرَكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بكَذا؟ أما بَشَّرَكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بكَذا؟ قالَ: فأقْبَلَ بوَجْهِهِ، فقالَ: إنَّ أفْضَلَ ما نُعِدُّ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، إنِّي قدْ كُنْتُ علَى أطْباقٍ ثَلاثٍ؛ لقَدْ رَأَيْتُنِي وما أحَدٌ أشَدَّ بُغْضًا لِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنِّي، ولا أحَبَّ إلَيَّ أنْ أكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ منه فَقَتَلْتُهُ، فلوْ مُتُّ علَى تِلكَ الحالِ لَكُنْتُ من أهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الإسْلامَ في قَلْبِي أتَيْتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَقُلتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قالَ: ما لكَ يا عَمْرُو؟ قالَ: قُلتُ: أرَدْتُ أنْ أشْتَرِطَ، قالَ: تَشْتَرِطُ بماذا؟ قُلتُ: أنْ يُغْفَرَ لِي، قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ الإسْلامَ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ؟ وأنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَها؟ وأنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ؟ وما كانَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيَّ من رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا أجَلَّ في عَيْنِي منه، وما كُنْتُ أُطِيقُ أنْ أمْلأَ عَيْنَيَّ منه إجْلالًا له، ولو سُئِلْتُ أنْ أصِفَهُ ما أطَقْتُ؛ لأَنِّي لَمْ أكُنْ أمْلأُ عَيْنَيَّ منه، ولو مُتُّ علَى تِلكَ الحالِ لَرَجَوْتُ أنْ أكُونَ من أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ ولِينا أشْياءَ ما أدْرِي ما حالِي فيها، فإذا أنا مُتُّ فلا تَصْحَبْنِي نائِحَةٌ، ولا نارٌ، فإذا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرابَ شَنًّا، ثُمَّ أقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ ما تُنْحَرُ جَزُورٌ ويُقْسَمُ لَحْمُها، حتَّى أسْتَأْنِسَ بكُمْ، وأَنْظُرَ ماذا أُراجِعُ به رُسُلَ رَبِّي"صحيح مسلم.
في الحديث: أنَّ المُؤمنَ لا تُفارقُه خَشيةُ اللهِ، ولو عَمِلَ مِنَ الصَّالحاتِ ما عَمِلَ.
وفيه: إثباتُ سُؤالِ الملَكَينِ في القَبرِ.
وفيه: المُكثُ عندَ القَبرِ بعدَ الدَّفنِ وقتًا ليَأنَسَ المَيتُ، والدُّعاءُ له بالتَّثبيتِ.

أم أبي التراب 09-21-2025 06:24 AM

أحوال خروج الروح وما بعدها :

"الميِّتُ تحضرُهُ الملائِكَةُ، فإذا كانَ الرَّجلُ صالحًا، قالوا: اخرجي أيَّتُها النَّفسُ الطَّيِّبةُ، كانت في الجسدِ الطَّيِّبِ، اخرجي حميدةً، وأبشري برَوحٍ ورَيحانٍ، وربٍّ غيرِ غضبانَ، فلا يزالُ يقالُ لَها ذلِكَ حتَّى تخرُجَ، ثمَّ يُعرَجُ بِها إلى السَّماءِ، فيُفتَحُ لَها، فيقالُ: مَن هذا؟ فيقولونَ: فلانٌ، فيقالُ: مرحبًا بالنَّفسِ الطَّيِّبةِ، كانت في الجسدِ الطَّيِّبِ، ادخُلي حميدةً، وأبشِري برَوحٍ وريحانٍ، وربٍّ غيرِ غضبانَ، فلا يزالُ يقالُ لَها ذلِكَ حتَّى يُنتَهَى بِها إلى السَّماءِ الَّتي فيها اللَّهُ عزَّ وجلَّ، وإذا كانَ الرَّجلُ السُّوءُ، قالَ: اخرُجي أيَّتُها النَّفسُ الخبيثَةُ، كانَت في الجسدِ الخبيثِ ، اخرُجي ذميمةً، وأبشري بحَميمٍ، وغسَّاقٍ، وآخرَ من شَكْلِهِ أزواجٌ، فلا يزالُ يقالُ لَها ذلِكَ حتَّى تخرجَ، ثمَّ يعرجُ بِها إلى السَّماءِ، فلا يفتحُ لَها، فيقالُ: من هذا؟ فيقالُ: فلانٌ، فيقالُ: لا مرحبًا بالنَّفسِ الخبيثةِ، كانت في الجسدِ الخبيثِ ، ارجعي ذميمةً، فإنَّها لا تفتحُ لَكِ أبوابُ السَّماءِ، فيرسلُ بِها منَ السَّماءِ، ثمَّ تصيرُ إلى القَبرِ " الراوي : أبو هريرة - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح ابن ماجه.
بيَّن النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أحوالَ النَّاسِ عِندَ سكَراتِ الموتِ، وما يَراه كلُّ امرِئٍ بحسَبِ حالِه مِن الإيمانِ والكُفرِ.
"تَحضُرُه الملائكةُ" أي: مَلائكةُ الرَّحمةِ أو مَلائكةُ العذابِ، ولعلَّ الأظهَرَ اجتِماعُ الطَّائفتَينِ؛ لإبهامِ جِنسِ الميِّتِ، ثمَّ بعْدَ العلمِ بالصَّلاحِ والفُجورِ في آخِرِ الأمرِ، كلٌّ يَعمَلُ عليه .الدرر السنية.
حديث البراء بن عازب الطويل الجامع لأحوال الموتى عند قبض أرواحهم وفي قبورهم:
قال البراء بن عازب" خرجنا مع رسولِ اللهِ فذكر مثلَه إلى أن قال فرفع لرأسِه فقال: استعيذوا باللهِ من عذابِ القبرِ مرَّتَيْن أو ثلاثًا، ثمَّ قالإنَّ العبدَ المؤمنَ إذا كان في انقطاعٍ من الدُّنيا وإقبالٍ من الآخرةِ نزل إليه ملائكةٌ من السَّماءِ بيضُ الوجوهِ كأنَّ وجوهَهم الشَّمسُ معهم كفنٌ من أكفانِ الجنَّةِ وحَنوطٌ من حنوطِ الجنَّةِ حتَّى يجلِسوا منه مدَّ البصرِ ثمَّ يجيءُ ملَكُ الموتِ عليه السَّلامُ حتَّى يجلسَ عند رأسِه فيقولُ أيَّتها النَّفسُ الطَّيِّبةُ اخرُجي إلى مغفرةٍ من اللهِ ورضوانٍ قال فتخرُجُ فتسيلُ كما تسيلُ القطرةُ من في السِّقاءِ فيأخذُها فإذا أخذها لم يدَعوها في يدِه طرْفةَ عينٍ حتَّى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفنِ وفي ذلك الحنوطِ ويخرُجُ منها كأطيَبِ نفْحةِ مِسكٍ وُجِدت على وجهِ الأرضِ قال فيصعَدون بها فلا يمُرُّون يعني بها على ملأٍ من الملائكةِ إلَّا قالوا ما هذا الرُّوحُ الطَّيِّبُ فيقولون فلانُ بنُ فلانٍ بأحسنِ أسمائِه الَّتي كان يُسمُّونه بها في الدُّنيا حتَّى ينتهوا بها إلى السَّماءِ الدُّنيا فيستفتحون له فيُفتحُ لهم فيُشيِّعُه من كلِّ سماءٍ مُقرَّبوها إلى السَّماءِ الَّتي تليها حتَّى ينتهيَ بها إلى السَّماءِ السَّابعةِ فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ اكتبوا كتابَ عبدي في عِلِّيِّين أعيدوه إلى الأرضِ فإنِّي منها خلقتهم وفيها أُعيدهم ومنها أُخرجُهم تارةً أخرَى فتُعادُ روحُه في جسدِه فيأتيه ملَكان فيُجلسانه فيقولان من ربُّك فيقولُ ربِّي اللهُ فيقولان ما دينُك فيقولُ ديني الإسلامُ فيقولان ما هذا الرَّجلُ الَّذى بُعِث فيكم فيقولُ هو رسولُ اللهِ فيقولان له وما عمَلُك فيقولُ قرأتُ كتابَ اللهِ فآمنتُ به وصدَّقتُه فيُنادي منادٍ من السَّماءِ أن صدق عبدي فأفرِشوه من الجنَّةِ وألبِسوه من الجنَّةِ وافتَحوا له بابًا إلى الجنَّةِ قال فيأتيه من روحِها وطيبِها ويُفسَحُ له في قبرِه مدَّ بصرِه قال ويأتيه رجلٌ حسنُ الوجهِ حسنُ الثِّيابِ طيِّبُ الرِّيحِ فيقولُ أبشِرْ بالَّذي يسُرُّك هذا يومُك الَّذي كنتَ تُوعَدُ فيقولُ من أنت فوجهُك الوجهُ يجيءُ بالخيرِ فيقولُ أنا عملُك الصَّالحُ فيقولُ ربِّ أقِمِ السَّاعةَ حتَّى أرجِعَ إلى أهلي ومالي ،وإنَّ العبدَ الكافرَ إذا كان في انقطاعٍ من الدُّنيا وإقبالٍ من الآخرةِ نزل إليه من السَّماءِ ملائكةٌ سودُ الوجوهِ معهم المُسوحُ فيجلِسون منه مدَّ البصرِثمَّ يجيءُ ملَكُ الموتِ حتَّى يجلِسَ عند رأسِه فيقولُ أيَّتها النَّفسُ الخبيثةُ اخرُجي إلى سخطٍ من اللهِ وغضبٍ قال فتُفرَّقُ في جسدِه فينتزِعُها كما يُنتزَعُ السُّفُّودُ من الصُّوفِ المبلولِ فيأخذُها فإذا أخذها لم يدَعوها في يدِه طرفةَ عينٍ حتَّى يجعلوها في تلك المُسوحِ ويخرُجُ منها كأنتنِ جيفةٍ وُجِدت على وجهِ الأرضِ فيصعدون بها فلا يمُرُّون بها على ملأٍ من الملائكةِ إلَّا قالوا ما هذا الرُّوحُ الخبيثُ فيقولون فلانُ بنُ فلانٍ بأقبحِ أسمائِه الَّتي كان يُسمَّى بها في الدُّنيا حتَّى يُنتهَى به إلى السَّماءِ الدُّنيا فيُستفتَحُ له فلا يُفتَحُ له ثمَّ قرأ رسولُ اللهِ لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ اكتبوا كتابَه في سِجِّين في الأرضِ السُّفلَى فتُطرَحُ روحُه طرحًا ثمَّ قرأ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ فتُعادُ روحُه في جسدِه ويأتيه ملَكان فيُجلسانه فيقولان له من ربُّك فيقولُ هاه هاه لا أدري قال فيقولان له ما دينُك فيقولُ هاه هاه لا أدري فيقولان له ما الرَّجلُ الَّذي بُعِث فيكم فيقولُ هاه هاه لا أدري فيُنادي منادي من السَّماءِ أن كذب فأفرِشوه من النَّارِ وافتحوا له بابًا إلى النَّارِ فيأتيه من حَرِّها وسَمومِها ويُضيَّقُ عليه قبرُه حتَّى تختلِفَ أضلاعُه ويأتيه رجلٌ قبيحُ الوجهِ قبيحُ الثِّيابِ مُنتِنُ الرِّيحِ فيقولُ له أبشِرْ بالَّذي يسوءُك هذا يومُك الَّذي كنتَ توعدُ فيقولُ من أنت فوجهُك الوجهُ يجيءُ بالشَّرِّ فيقولُ أنا عملُك الخبيثُ فيقولُ ربِّ لا تُقِمِ السَّاعةَ" خلاصة حكم المحدث : صحيح -الراوي : البراء بن عازب - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترغيب.


أم أبي التراب 09-21-2025 06:26 AM

الفرق بين سكرات الموت وخروج الروح:
إنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ قد تشتد على بعض الصالحين ، وهذا لا يدل على نقص منزلة المسلم عند الله. وتَحْكي أمُّ المؤمِنينَ رَضيَ اللهُ عنها عن شدَّةِ ما كان يُعانيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن سَكَراتِ المَوتِ؛ فتَذكُرُ أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان بيْنَ يَدَيْه رَكْوةٌ فيها ماءٌ، أي: قِرْبةٌ مِن جِلدٍ مَمْلوءةٌ ماءً، فجعَلَ يُدخِلُ يَدَه، فيَأخُذُ ماءً منها، ثمَّ يُمرِّرُها على وَجهِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ تَخْفيفًا لحَرارةِ الحُمَّى ووَجَعِه الَّذي به، ويقولُ"لا إلهَ إلَّا اللهُ، إنَّ للمَوتِ سَكَراتٍ"، أي: شَدائِدَ وأهْوالًا وآلامًا عَظيمةً.
وما يصيب المؤمن من سكرات الموت وشدته فإنه من جملة المصائب التي يجعلها الله تعالى رفعة لدرجاته أو تكفيرًا لسيئاته.
أما عند نزع الروح وقت الاحتضار فقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة أن روح المؤمن تخرج بسهولة بالغة وهي مطمئنة بخلاف روح الكافر التي تتفرق في الجسد فتنزع بشدة بلا رفق ولا هوادة.
"إنَّ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيَّ: أنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تُوُفِّيَ في بَيْتِي، وفي يَومِي، وبيْنَ سَحْرِي ونَحْرِي، وأنَّ اللَّهَ جَمَع بيْنَ رِيقِي ورِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ؛ دَخَلَ عَلَيَّ عبدُ الرَّحْمَنِ وبِيَدِهِ السِّوَاكُ، وأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ، وعَرَفْتُ أنَّه يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فأشَارَ برَأْسِهِ: أنْ نَعَمْ، فَتَنَاوَلْتُهُ، فَاشْتَدَّ عليه، وقُلتُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ؟ فأشَارَ برَأْسِهِ: أنْ نَعَمْ، فَلَيَّنْتُهُ، فأمَرَّهُ، وبيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ -أوْ عُلْبَةٌ؛ يَشُكُّ عُمَرُ- فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ في المَاءِ فَيَمْسَحُ بهِما وجْهَهُ، يقولُ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، إنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ، ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ، فَجَعَلَ يقولُ: في الرَّفِيقِ الأعْلَى، حتَّى قُبِضَ ومَالَتْ يَدُهُ."الراوي : عائشة أم المؤمنين - صحيح البخاري.
إنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ: أي: شَدائِدَ وأهْوالًا وآلامًا عَظيمةً،وفي الحَديثِ: أنَّ شِدَّةَ المَوتِ لا تَدُلُّ على نَقصٍ في المَرتَبةِ، بَل هيَ لِلمُؤمِنِ إمَّا زيادةٌ في حَسَناتِه، وإمَّا تَكفيرٌ لِسَيِّئاتِه.
الحياة البرزخية في القبر:
مراحل الحياة البرزخية: إن الله تعالى جعل الآخرة وما كان متصلًا بها من موت، وقبر، وبعث، من أمور الغيب، وحَجَبَها عن إدراك المكلَّف؛ ليتميز المؤمن الصادق بالغيب من غيره.
تبدأ هذه الحياة بالدفن ،ثم ضمة القبر ، ثم سماع خَفْقَ نِعالِ مشيعيه إذا انْصَرَفُوا ، ثم سؤال الملكين ، ثم رؤية مقعديه في الجنة والنار ويُبَشَّر بأحدهما ،ثم نعيم القبر للمؤمن حتى قيام الساعة ؛ وعذاب القبر للكافر حتى قيام الساعة.
والبرزخ هو الحاجز بين الشيئين بحيث يمنع من اختلاطهما، يقول -سبحانه"وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا" الفرقان:53،أيجعل بينهما حاجزًا.
ويقول -سبحانه"مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ"الرحمن:19-20.
الحياة البرزخية :هي حياة أهل القبور، وسُميّت بالحياة البرزخيّة نسبة للبرزخ: وهو الحاجز أو الطّريق الذي يفصل بين زمانين أو مكانين ، وتكون بعد دفن الميّت إلى وقت البعث والنُّشور، وهذه الحياة يمرُّ بها جميع البشر، لِقولهِ تعالى" وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ" المؤمنون، آية: 100.
وهي عالم روحاني لا يقاس ما فيه على عالم الدنيا المادي، فلا تحكمه قوانين المكان والزمان والمادة؛ بل هو عالم آخر له أحواله وأسراره التي نجهلها أو نجهل معظمها.
فالقبْرُ هو أوَّلُ منازِلِ الآخِرةِ، والعذابُ والنَّعيمُ فيه حقٌّ، وهو إمَّا رَوضةٌ مِن رِياضِ الجنَّةِ، أو حُفرةٌ مِن حُفَرِ النَّارِ، أعاذَنا اللهُ منها.
ضمَّةُ القَبْرِ:، وتكون هذه الضمّة بعد وضع الميّت في قبره، فضمَّةُ القبرِ أوَّلُ ما يلاقيه الميتُ في عالم البرزخ ولا ينجو منها أحدٌ من البشر، سواءً كان مؤمنًا أو غير مؤمنٍ. فمن كان مُطيعًا لربّه؛ ضمّته برأفةٍ ورِفْق، ومن كان عاصيًّا؛ ضمّتهُ بعنفٍ وسخط.
قال الرملي " وضمة القبر للميت قبل سؤال الملكين"، وقال أيضًا " وحصول هذه الحالة للمسلم في أول نزوله إلى قبره ثم يعود إلى الإفساح له فيه.ا.هـ.
وقال ابن عثيمين " الأحاديث الصحيحة تدل على أن الرجل إذا سأله الملكان وأجاب بالصواب فُسِحَ له في قبره، فإن صح الحديث فالمعنى أنه أول ما دخل ضمه القبر ثم فسح له"
وقد جاءت بإثبات ضمة القبر نصوصٌ صريحةٌ صحيحةٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، منها :
"لو نجا أحدٌ من ضمَّةِ القبرِ ، لنجا سعدُ بنُ معاذٍ ، ولقدْ ضُمَّ ضمةً ، ثُمَّ رُوخِيَ عنه"خلاصة حكم المحدث : صحيح .الراوي : عبدالله بن عمر وعائشة - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الجامع.
أي لكان سعد أولى الناس أن ينجو منها ، لو كان أحد ناجيًا لفضْلِهِ عند ربِهِ وقُربه منه.
"هذا الَّذي تحرَّك له العرشُ ، وفُتحَتْ له أبوابُ السَّماءِ ، وشهِده سبعونَ ألفًا من الملائكةِ ، لقد ضُمَّ ضمَّه ، ثمَّ فُرِّجَ عنهُ" الراوي : عبدالله بن عمر- المحدث :الألباني - صحيح النسائي.
وفُتحَتْ له أبوابُ السَّماءِ: أي: فرَحًا بقُدومِ سَعدٍ وصُعودِ رُوحِه.
وشهِده سبعونَ ألفًا من الملائكةِ: أي: في تَشييعِ جِنازتِه.
والمعنى أن الله سبحانه وتعالى قدَّرَ ضمةَ القبرِ على كل ميتٍ، ولو كان أحدٌ ناجيًا منها لفضْلِهِ عند ربِهِ وقُربه منه لَكَانَ سعدُ بن معاذ رضي الله عنه من الناجينَ مِنْ ذلكَ. وقال النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم هذا القول عندَ موتِ سعد رضي الله عنه لمكانته في الإسلام، ولبلائه في سبيل الله ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل أيضًا قالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وجِنازةُ سَعْدِ بنِ مُعاذٍ بيْنَ أيْدِيهِم: اهْتَزَّ لَها عَرْشُ الرَّحْمَنِ." الراوي : جابر بن عبدالله - صحيح مسلم .
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّه لَمَّا حَضَرَت جِنازةُ سَعْدٍ بيْنَ يَدَيْ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابِه رِضوانُ اللهِ عليهم، أي: وُضِعَتْ أَمامَهُمْ لأجْلِ الصَّلاةِ عليها أو دَفْنِها عندَ المقابِرِ، وكان سَعدٌ رَضيَ اللهُ عنه سيِّدَ الأوْسِ، وقدْ رُمِيَ يوْمَ الخَنْدقِ بسَهمٍ، فعاشَ بعْدَ ذلك شَهرًا ثمَّ انتَقَضَ جُرحُه فمات منه، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ "اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحمنِ" أي: اهتَزَّ لجِنازتِه؛ وذلكَ استِبْشارًا وفَرَحًا بقُدومِ رُوح سَعْدٍ، وإشعارًا بِفضلِه، وهو اهتزازٌ مَعلومُ الحُدوثِ، ولكنَّه مَجهولُ الكيفيَّةِ.
والعَرْشُ: هو عرْشُ الرَّحمنِ الَّذي استوَى عليه جلَّ جَلالُه، وهو أعْلَى المَخلوقاتِ وأكبرُها وأعظمُها، وصَفَه اللهِ بأنَّه عظيمٌ وبأنَّه كريمٌ؛ فوصفَه بالحُسنِ مِن جِهةِ الكَمِّيَّةِ، وبالحُسنِ مِن جِهةِ الكَيفيَّةِ.
وفي الحديثِ: شَرَفُ سَعدِ بنِ مُعاذٍ رَضيَ اللهُ عنه وفَضْلُه، وتَبشيرٌ بأنَّه رَضيَ اللهُ عنه من أهلِ الجنَّةِ.الدرر السنية.
اختلف أهل العلم في حال المؤمن ، عندما تصيبه ضمة القبر، على قولين:
القول الأول :
تصيب ضمةُ القبرِ كلَّ مؤمنٍ وتشتدُّ عليه ، غير أن المؤمن الصالح سرعان ما يُفرج عنه ويفسح له في قبره ، فلا يطول العذاب عليه ، أما الفاسق فتشتد عليه الضمة ويطول عليه ضيق بحسب ذنبه ومعصيته .
قال أبو القاسم السعدي رحمه الله :
" لا ينجو من ضغطة القبر صالح ولا طالح غير أن الفرق بين المسلم والكافر فيها دوام الضغط للكافر وحصول هذه الحالة للمؤمن في أول نزوله إلى قبره ثم يعود إلى الانفساح له " انتهى.
وقال الحكيم الترمذي رحمه الله :
" سبب هذا الضغط أنه ما من أحد إلا وقد ألم بذنب ما فتدركه هذه الضغطة جزاء لها ثم تدركه الرحمة " انتهى.نقلًا عن حاشية السيوطي على " سنن النسائي " (3/292)، ونقله الرملي في " فتاواه " .4/210
القول الثاني :
تصيب ضمة القبر المؤمنين الصالحين ولكنها ضمة رفق وحنان ، ليس فيها أذى ولا ألم ، أما المسلمون العاصون فتشتد عليهم سخطًا بحسب كثرة ذنوبهم وسوء أعمالهم.
عن محمد التيمي رحمه الله قال:كان يقال : إن ضمة القبر إنما أصلها أنها أُمُّهُم ، ومنها خُلقوا ، فغابوا عنها الغيبة الطويلة ، فلما رد إليها أولادها ضمتهم ضم الوالدة الشفيقة التي غاب عنها ولدها ثم قدِمَ عليها ، فمن كان لله مطيعًا ضمته برفق ورأفة ، ومن كان لله عاصيًا ضمته بعنف سخطًا منها عليه.ذكره السيوطي في حاشيته على " سنن النسائي " (3/292) من رواية ابن أبي الدنيا، وذكره في " بشرى الكئيب بلقاء الحبيب " (ص/5) تحت باب : " ذكر تخفيف ضمة القبر على المؤمن ".
وقد روي في هذا المعنى حديث مرفوع ضعيف عن عائشة رضي الله عنها.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
" هذا الحديث – يعني حديث " لقد ضم القبر سعدًا ضمة.." - مشهور عند العلماء ، وعلى تقدير صحته : فإن ضمة الأرض للمؤمن ضمة رحمة وشفقة ، كالأم تضم ولدها إلى صدرها ، أما ضمتها للكافر فهي ضمة عذاب والعياذ بالله ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الإنسان إذا دفن أتاه ملكان يسألانه عن ثلاثة أصول : من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ فالمؤمن يقول : ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبيي محمد ، أسأل الله أن يجعل جوابي وجوابكم هذا ، أما المنافق أو المرتد - أعاذنا الله وإياكم من هذا – فيقول : هاه هاه لا أدري ، سمعت الناس يقولون قولًا فقلته ، فيضيق عليه القبر حتى تختلف أضلاعه والعياذ بالله ، يدخل بعضه في بعض من شدة الضم ، ففرق بين ضم الأرض للكافر أو المرتد وضمها للمؤمن ." انتهى باختصار. لقاءات الباب المفتوح " لقاء رقم/161، سؤال رقم/17 .
..... .. والله أعلم .الإسلام سؤال وجواب.

أم أبي التراب 09-21-2025 06:28 AM

سماع الميت لِقَرعِ نِعالِ مشيعِيه:
قالصلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ "إنَّ المَيِّتَ إذا وُضِعَ في قَبْرِهِ، إنَّه لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِهِمْ إذا انْصَرَفُوا. وفي رواية : إنَّ العَبْدَ إذا وُضِعَ في قَبْرِهِ وتَوَلَّى عنْه أصْحابُهُ."الراوي : أنس بن مالك - صحيح مسلم.
شرح الحديث: في هذا الحديثِ يُخبُر صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بما يَتعرَّضُ له الإنسانُ عندَ موتِه ووضْعِه في قَبرِه؛ مِن أنَّه يَسمعُ قَرْعَ نِعالِ مَن أتى لِدفنِه، فيَسمَعُ صَوتَ أرجُلِهم وهم مُنصرِفون.
سؤال الملكين – فتنة القبر- :
فإذا انصَرفوا جاءَه مَلَكانِ فيُقْعِدانِه فيَسألانِه: ما كنتَ تقولُ في هذا الرَّجُلِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ فإذا كان مؤمنًا يقولُ: أَشهدُ أنَّه عبدُ اللهِ ورسولُه، فيُقالُ له: انظُرْ إلى مَقعدِكَ مِنَ النَّارِ، الَّذي كان مُعَدًّا لك في جهنَّمَ لو لم تكُنْ مؤمنًا، أبدَلَك اللهُ به مَقعدًا في الجنَّةِ، فَيَرى كِلا المَقعدَينِ. فإنْ كان المَيتُ كافرًا أو مُنافقًا فإنَّه لا يتمكَّنُ مِن الإجابةِ عن سُؤالِ الملَكَينِ، فيَقولُ: لا أدري! كنتُ أقولُ ما يقولُ النَّاسُ! فيُقالُ له: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، وهو دُعاءٌ عليه، ومعناه: لا كنتَ دَاريًا ولا تاليًا؛ فلا تُوفَّقُ في هذا الموقِفِ، ولا تَنتفعُ بما كنتَ تسمعُ أو تقرأُ، ثُمَّ يُضرَبُ بِمِطْرَقةٍ مِن حَديدٍ ضرْبةً بيْنَ أُذُنَيْه، فَيصيحُ صَيْحةً يَسمعُه مَن يكونُ قريبًا منه مِن الخلائقِ إلَّا الثَّقَلَينِ، وهُما الإنسُ والجنُّ؛ فإنَّ السَّمعَ مَحجوبٌ عنهما؛ وذلك رحمةً بهم، وإبقاءً على حياتِهم؛ لأنَّهم لو سَمِعوها لصَعِقوا، وسُمُّوا الثَّقلَينِ لثقلِهم على الأرضِ، فاللَّهمَّ قِنَا فِتنةَ القبرِ وعذابَه بِمَنِّك وفضْلِك يا أرحمَ الرَّاحِمِينَ. وفي الحديثِ: إثباتُ سؤالِ الملَكينِ للمَيتِ في القبرِ. وفيه: إثباتُ عذابِ القبرِ.
قالصلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ "العَبْدُ إذَا وُضِعَ في قَبْرِهِ، وتُوُلِّيَ وذَهَبَ أصْحَابُهُ حتَّى إنَّه لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أتَاهُ مَلَكَانِ، فأقْعَدَاهُ، فَيَقُولَانِ له: ما كُنْتَ تَقُولُ في هذا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ فيَقولُ: أشْهَدُ أنَّه عبدُ اللَّهِ ورَسولُهُ، فيُقَالُ: انْظُرْ إلى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أبْدَلَكَ اللَّهُ به مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، قَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فَيَرَاهُما جَمِيعًا، وأَمَّا الكَافِرُ - أوِ المُنَافِقُ - فيَقولُ: لا أدْرِي، كُنْتُ أقُولُ ما يقولُ النَّاسُ، فيُقَالُ: لا دَرَيْتَ ولَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بمِطْرَقَةٍ مِن حَدِيدٍ ضَرْبَةً بيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَن يَلِيهِ إلَّا الثَّقَلَيْنِ."الراوي : أنس بن مالك - صحيح البخاري.
ويكون السؤال بإعادة الرّوح إلى الجسد بكيفية لا نعلمها ولا تقاس على عالم الدنيا المادي ، فتكون غير الإعادة المألوفة التي تكون في الدُّنيا، ثم سؤال الملَكين ،قال تعالى"يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ"،سورة إبراهيم، آية: 27.
وهذا السؤال يكون لجميع البشر، وليس خاصًّا بِأُمّةٍ من الأُمم، وهذين الملَكين هُما مُنكر ونكير، ويسألان الميّت ثلاثةٌ أسئلة؛ عن ربّه، ودينه، ونبيّه، وجاء في بعض الرّوايات أنَّ المرابط والشّهيد لا يُفتنا في قبرهما.
"كلُّ الميِّتِ يُختَمُ على عملِهِ إلَّا المرابطَ، فإنَّهُ يَنمو لَهُ عملُهُ إلى يومِ القيامةِ، ويؤمَّنُ من فتَّانِ القبرِ" الراوي : فضالة بن عبيد - المحدث : الألباني المصدر : صحيح أبي داود- خلاصة حكم المحدث : صحيح.
"كلُّ الميِّتِ يُخْتَمُ على عمَلِه" أي: كل الأمواتِ تُطْوى صَحيفتُهم فلا يُكْتبُ لهم عملٌ بعد موتِهم, "إلَّا المُرابِط" أي: المدافِع عن حُدودِ المسلمين وثُغورِهم، فإنَّ ثوابَ عمَلِه يَزدادُ "ويَنْمو"، أي: يتَضاعفُ، "إلى يومِ القيامةِ"، أي: حتَّى بعدَ موتِه، "ويُؤمَّنُ مِنْ فتَّانِ القَبْرِ"، أي: مُنْكرٍ ونكيرٍ يؤمَّنُ فِتنةَ سؤالِهما؛ قيل: يَحتِمَلُ أن يَكونَ المرادُ أنَّ الملَكَين لا يَجيئانِ إليه ولا يَختبِرانه، بل يَكْفي موتُه مُرابِطًا في سبيلِ اللهِ شاهِدًا على صِحَّةِ إيمانِه، ويُحتمَلُ أنَّهما يَجيئانِ إليه، لكن لا يَضُرَّانِه، ولا يَحصُلُ بسببِ مَجيئِهما فتنةٌ.الدرر السنية.
" يا رسولَ اللَّهِ ! ما بالُ المؤمنينَ يُفتَنونَ في قبورِهِم إلَّا الشَّهيدَ ؟ ! قالَ : كفَى ببارقةِ السُّيوفِ علَى رأسِهِ فتنةً"الراوي : رجل من الصحابة - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح النسائي - خلاصة حكم المحدث : صحيح .
شرح الحديث : للشَّهادةِ في سَبيلِ اللهِ تعالى مَنزِلةٌ عظيمةٌ، ومرتبةٌ جليلةٌ، وأجرُها عظيمٌ، وثوابُها كبيرٌ، ومِن فَضائلِ الشَّهيدِ ما جاء في هذا الحديثِ، حيثُ قال رجلٌ مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم "يا رسولَ اللهِ، ما بالُ المؤمِنين يُفتَنون في قُبورِهم؟!"، أي: بامتِحانهم بسُؤالِ الملَكَينِ مُنكَرٍ ونَكيرٍ، "إلَّا الشَّهيدَ؟!"، أي: ما سبَبُ استثناءِ الشَّهيدِ عن باقي المؤمِنين مِن ذلك السُّؤالِ؟ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم "كفَى ببارِقَةِ السُّيوفِ على رأسِه فتنةً"! أي: يَكْفي في صِدْقِ إيمانِهم ثَباتُهم عِندَ لَمَعانِ السُّيوفِ فوقَ رُؤوسِهم؛ فنَجاحُهم في ذلك الاختبارِ يُغْنيهم عن اختِبارِ القبرِ؛ فالسُّؤالُ في القَبرِ إنَّما جُعِل لامتحانِ المؤمنِ الصَّادقِ في إيمانِه مِن المنافِقِ، وثَباتُه تحتَ بارِقةِ السُّيوفِ أدَلُّ دليلٍ على صدقِه في إيمانِه، وإلَّا لَفَرَّ مِن الكفَّارِ.الدرر السنية.
عذابُ القَبرِ ونَعيمُه:
عذاب القبر ثبت بالتّواتر المعنويّ عن النبيّ -عليه الصّلاةُ والسّلام- أنّ القبر قد يكون حُفرةً من النّار، وجاءت الكثير من الأدلّة التي تُثبت وُقوع عذاب القبر على من يستحقّه، كقولهِ -تعالى"النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ" غافر: 46. ويكون ذلك قبل يوم القيامة؛ أي في القبر، ويقع العذاب على الكافر حتّى وإن لم يُدفن.
"إذا قُبِرَ الميِّتُ - أو قالَ أحدُكم - أتاهُ ملَكانِ أسودانِ أزرَقانِ يقالُ لأحدِهما المنْكَرُ والآخرِ النَّكيرُ فيقولانِ ما كنتَ تقولُ في هذا الرَّجلِ فيقولُ ما كانَ يقولُ هوَ عبدُ اللَّهِ ورسولُهُ أشْهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، فيقولانِ قد كنَّا نعلمُ أنَّكَ تقولُ هذا ثمَّ يفسحُ لَهُ في قبرِهِ سبعونَ ذراعًا في سبعينَ ثمَّ ينوَّرُ لَهُ فيهِ ثمَّ يقالُ لَهُ نم فيقولُ أرجعُ إلى أَهلي فأخبرُهم فيقولانِ نم كنومةِ العروسِ الَّذي لا يوقظُهُ إلَّا أحبُّ أَهلِهِ إليْهِ حتَّى يبعثَهُ اللَّهُ من مَضجعِهِ ذلِكَ. وإن كانَ منافقًا قالَ سمعتُ النَّاسَ يقولونَ فقلتُ مثلَهُ لا أدري فيقولانِ قد كنَّا نعلمُ أنَّكَ تقولُ ذلِكَ فيقالُ للأرضِ التئِمي عليْهِ فتَلتَئمُ عليْهِ فتختلفُ أضلاعُهُ فلا يزالُ فيها معذَّبًا حتَّى يبعثَهُ اللَّهُ من مَضجعِهِ ذلِكَ"خلاصة حكم المحدث : حسن - الراوي : أبو هريرة - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي.
شرح الحديث:عذابُ القَبرِ ونَعيمُه قد ثبَت بالكِتابِ وبالسُّنَّةِ، وأجمعَتْ على ثُبوتِه الأمَّةُ؛ فهو مَنقولٌ إلينا بالتَّواترِ؛ فعلى المُسلِم أن يؤمِنَ به، وأن يستعيذَ باللهِ تعالى مِن فتنةِ القبرِ وعذابِه.
وفي هذا الحديثِ يقولُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ "إذا قُبِرَ الميِّتُ" بصيغةِ المفعولِ، أي: أُدخِلَ الميِّتُ قبرَه ودُفِنَ فيه، "أو قال" رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم"أحَدُكم"، والشَّكُّ مِن الرَّاوي، "أتاهُ"، أي: الميِّتَ، "مَلَكانِ" وهما اللَّذانِ سيَمتحِنانِ العبدَ في قبرِه، وصِفتُهما أنَّهما "أسوَدانِ"، أي: لونُهما أسوَدُ، "أزرقانِ"، أي: عيناه زَرْقاوانِ، وإنَّما يبعثُهُما اللهُ على هذه الصِّفةِ؛ لِمَا في السَّوادِ وزُرقةِ العينِ مِن الهولِ والوَحشةِ، ويكونُ خوفُهُما على الكُفَّارِ أشدَّ؛ ليتحيَّروا في الجوابِ، وأمَّا المُؤمنون فلهم في ذلك ابتلاءٌ، فيُثبِّتُهم اللهُ، فلا يخافون، ويأمَنونَ، جزاءً لخوفِهم منه في الدُّنيا، "يُقَالُ" في التَّسميةِ، "لأحدِهِمَا"، أي: أحَدِ الملَكينِ: المُنكَرُ، "والآخَرِ"، أي: ويُقالُ لِلملَكِ الآخَرِ: النَّكيرُ، "فيقولانِ" عند امتحانِهما للميِّتِ: "ما كنتَ تقولُ" وتُقِرُّ وتَعتقِدُ، "في هذا الرَّجلِ"، يَعني النَّبيَّ محمَّدًا صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم؟ "فيقولُ" الميِّتُ المؤمِنُ "ما كان يَقولُ"، أي: ما كان يَقولُ ويعتقِدُ ويُقِرُّ به قبلَ الموتِ "هو عبدُ اللهِ"، أي: النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم مِن عبادِ اللهِ تعالى وخَلْقِه، وهو أشرفُ خَلْقِ اللهِ تعالى وأَكرمُهم عليه سُبحانَه، "ورَسُولُه" أرسَله اللهُ تعالى للنَّاسِ كافَّةً بشيرًا ونذيرًا، وختَم به النَّبيِّين.ثمَّ يقولُ الميِّتُ تأكيدًا لقولِه "أشهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ"، أي: أعلَمُ وأعتقِدُ أنَّه لا مَعبودَ بحقٍّ إلَّا اللهُ، "وأنَّ"، أي: وأشهَدُ أنَّ "محمَّدًا عبدُه ورسولُه" وأفضلُ خَلْقِه، "فيقولانِ"، أي: الملَكانِ: "قد كنَّا نعلَمُ" بإخبارٍ مِن اللهِ تعالى لنا، أو بمُشاهَدةِ أثَرِ ذلك عليك، "أنَّك تقولُ هذا"، أي: ما أقرَرْتَ به مِن الوَحْدانيَّةِ وإثباتِ الرِّسالةِ والعُبوديَّةِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، ثمَّ "يُفسَحُ" بصيغةِ المفعولِ، أي: يُوسِّعُ اللهُ له، أو يأمُرُ الملائكةَ بأن تُوسِّعَ، "لَهُ"، أي: لذلك الميِّتِ المُقرِّ بالوَحْدانيَّةِ والرِّسالةِ، "في قبرِه"، ومِقدارُ هذه التَّوسِعةِ "سَبْعون ذِراعًا" طولًا، "في سَبعين" ذِراعًا عَرْضًا، "ثمَّ" بعد ذلك، "يُنوَّرُ" بصِيغةِ المفعولِ، أي: يُنوِّرُ اللهُ تعالى، أو يأمُرُ مَلائِكتَه بأن تُنوِّرَ "لَهُ"، أي: لهذا الميِّتِ، "فِيهِ"، أي: في قبرِه الَّذي وُسِّعَ عليه بأن يُجعَلَ فيه النُّورُ، ويكونَ كالقَمرِ ليلةَ البَدْرِ، "ثمَّ" بعد ذلك، "يُقال له"، أي: تقولُ الملائكةُ لهذا الميِّتِ "نَمْ" وهو أَمْرٌ مِن النَّومِ، "فيقولُ" هذا الميِّتُ المُقرُّ بالوَحْدانيَّةِ والرِّسالةِ "أُريدُ أنْ أَرجِعَ إلى أهلي فأُخبِرُهم" بحالي فيَفْرَحوا لي، وقيل: هذا للاستفهامِ، أي: هل أرجِعُ إلى أهلي...إلخ؟ "فيقولانِ"، أي: الملَكانِ له: "نَمْ كنَومةِ"، أي: مِثلَ نَوْمةِ "العَرُوسِ"، ويُطلَقُ على الذَّكَرِ والأُنثى في أوَّلِ اجتماعِهما معًا، "الَّذي لا يوقِظُه" مِن لذَّتِه وطِيبِ نَوْمِه وعَيْشِه وفرَحِه، "إلَّا أحَبُّ أهلِه إِليهِ"، وذلك غَداةَ ليلةِ زِفافِه، فيَظَلُّ هذا العبدُ على هذه الحالةِ، "حتَّى يبعَثَه اللهُ" تعالى يومَ القيامةِ، "مِن مَضْجَعِه ذَلِكَ" ويُخرِجَه مِن قبرِه.
ثمَّ قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم "وإنْ كان" هذا الميِّتُ الَّذي دُفِن "مُنافقًا"، يُظهِرُ الإيمانَ ويُبطِنُ الكفرَ، "قال" بعد سؤالِ الملَكينِ له "سمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ" قولًا، وهو أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، "فقُلْتُ مِثلَه"، أي: مِثلَ هذا القولِ دُونَ أنْ أُقِرَّ به وأعترِفَ، "لا أَدْرِي" هل هو نبيٌّ حقًّا أم لا، "فيقولانِ"، أي: يقولُ له الملَكانِ "قد كنَّا نعلَمُ" بإخبارٍ مِن اللهِ تعالى لنا، أو بمشاهدةِ أثَرِ ذلك فيك، "أنَّك تقولُ ذلك" القولَ، وأنت مُنافِقٌ لا تَدْري ما هو، "فيُقال"، أي: يقولُ اللهُ تعالى أو يأمُرُ الملائكةَ أن تقولَ، "للأرضِ: التَئِمي عليه"، أي: انضَمِّي واجتَمِعي وانزَوِي عليه، "فتلتَئِمُ" الأرضُ "عليه، فتَختلِفُ" مِن شِدَّةِ الضَّغطةِ عليه والالتئامِ "أضلاعُه"، وهي عِظامُ الجَنْبِ، فتَزولُ عن هَيئتِها الَّتي كانتْ عليها، "فلا يزالُ" هذا الميِّتُ المنافقُ "فيها"، أي: في تلك الحالةِ، أو في الأرضِ، "مُعذَّبًا" بجَميعِ أنواعِ عَذابِ القبرِ، "حتَّى يبعَثَه اللهُ" تعالى يومَ القيامةِ، "مِن مَضْجَعِه ذلك" ويُخرِجَه مِن قبرِه.
وفي الحديثِ: بيانُ أنَّ مَن صَدَق في إيمانِه في الدُّنيا؛ فإنَّ الله تعالى يُثبِّتُه عندَ فِتنةِ القبرِ.
وفيه: عِلمُ الملائكةِ ببَعضِ ما قَدَّرهُ اللهُ تعالى وكَتَبه على عبدِه.الدرر السنية.
ولقد أُرِيَ النبي -صلى الله عليه وسلم- عذاب البرزخ والمعذبين فيه؛ فقد أخرج البخاري:
يَحكي سَمُرةُ بنُ جُنْدُبٍ رَضيَ اللهُ عنه "كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا صَلَّى صَلَاةً أقْبَلَ عَلَيْنَا بوَجْهِهِ فَقالَ: مَن رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ قالَ: فإنْ رَأَى أحَدٌ قَصَّهَا، فيَقولُ: ما شَاءَ اللَّهُ فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقالَ: هلْ رَأَى أحَدٌ مِنكُم رُؤْيَا؟ قُلْنَا: لَا، قالَ: لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أتَيَانِي فأخَذَا بيَدِي، فأخْرَجَانِي إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، ورَجُلٌ قَائِمٌ، بيَدِهِ كَلُّوبٌ مِن حَدِيدٍ قالَ بَعْضُ أصْحَابِنَا عن مُوسَى: إنَّه يُدْخِلُ ذلكَ الكَلُّوبَ في شِدْقِهِ حتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذلكَ، ويَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هذا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ، قُلتُ: ما هذا؟ قالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حتَّى أتَيْنَا علَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ علَى قَفَاهُ ورَجُلٌ قَائِمٌ علَى رَأْسِهِ بفِهْرٍ - أوْ صَخْرَةٍ - فَيَشْدَخُ به رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فلا يَرْجِعُ إلى هذا حتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ وعَادَ رَأْسُهُ كما هُوَ، فَعَادَ إلَيْهِ، فَضَرَبَهُ، قُلتُ: مَن هذا؟ قالَا: انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا إلى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ ، أعْلَاهُ ضَيِّقٌ وأَسْفَلُهُ واسِعٌ يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا، فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حتَّى كَادَ أنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وفيهَا رِجَالٌ ونِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلتُ: مَن هذا؟ قالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حتَّى أتَيْنَا علَى نَهَرٍ مِن دَمٍ فيه رَجُلٌ قَائِمٌ علَى وسَطِ النَّهَرِ - قالَ يَزِيدُ، ووَهْبُ بنُ جَرِيرٍ: عن جَرِيرِ بنِ حَازِمٍ - وعلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ بيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فأقْبَلَ الرَّجُلُ الذي في النَّهَرِ، فَإِذَا أرَادَ أنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بحَجَرٍ في فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّما جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى في فيه بحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كما كَانَ، فَقُلتُ: ما هذا؟ قالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حتَّى انْتَهَيْنَا إلى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وفي أصْلِهَا شيخٌ وصِبْيَانٌ، وإذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدَا بي في الشَّجَرَةِ، وأَدْخَلَانِي دَارًا لَمْ أرَ قَطُّ أحْسَنَ منها، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وشَبَابٌ، ونِسَاءٌ، وصِبْيَانٌ، ثُمَّ أخْرَجَانِي منها فَصَعِدَا بي الشَّجَرَةَ، فأدْخَلَانِي دَارًا هي أحْسَنُ وأَفْضَلُ فِيهَا شُيُوخٌ، وشَبَابٌ، قُلتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ، فأخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ، قالَا: نَعَمْ، أمَّا الذي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ، فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بالكَذْبَةِ، فَتُحْمَلُ عنْه حتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فيُصْنَعُ به إلى يَومِ القِيَامَةِ، والذي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ، فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ القُرْآنَ، فَنَامَ عنْه باللَّيْلِ ولَمْ يَعْمَلْ فيه بالنَّهَارِ، يُفْعَلُ به إلى يَومِ القِيَامَةِ، والذي رَأَيْتَهُ في الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ، والذي رَأَيْتَهُ في النَّهَرِ آكِلُوا الرِّبَا ، والشَّيْخُ في أصْلِ الشَّجَرَةِ إبْرَاهِيمُ عليه السَّلَامُ، والصِّبْيَانُ، حَوْلَهُ، فأوْلَادُ النَّاسِ والذي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، والدَّارُ الأُولَى الَّتي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ المُؤْمِنِينَ، وأَمَّا هذِه الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وأَنَا جِبْرِيلُ، وهذا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ، قالَا: ذَاكَ مَنْزِلُكَ، قُلتُ: دَعَانِي أدْخُلْ مَنْزِلِي، قالَا: إنَّه بَقِيَ لكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ أتَيْتَ مَنْزِلَكَ."الراوي : سمرة بن جندب - صحيح البخاري.
فهذا الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم هو ما يكون في البرزخ من عذاب لأهل العذاب، ومن نعيم لأهل النعيم.شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - أحمد حطيبة.
لقد قدر الله على نبيه أن يرى هذه الرؤيا، ويقصها على أصحابه ليحذر الناس من الذنوب التي توجب عذاب القبر على مرتكبها ليحذر العبد؛ فإن عُمر الإنسان في قبره أطول من عمره في حياته بآلاف السنين؛ فليحذر أن يؤْثِرَ العاجلةَ الفانيةَ على الباقيةِ.
"وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ *فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ". الحجرات 7 ،8.
اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان.اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك

أم أبي التراب 11-24-2025 03:17 AM

اليَومُ الآخِرُ:
إذا أذن الله بانصرام هذه الدنيا؛ وانتهاء أجلها؛ وأفول شمسها؛ أمر إسرافيل -عليه السلام- أن ينفخ في الصور النفخة الأولى نفخة الصعق؛ والصورُ قرن عظيم كهيئة البوق -الله أعلم بكيفيته- وقد التقمه إسرافيل منذ زمن بعيد؛ وأصغى بأُذُنِه منتظرًا الأمر بالنفخ؛ وهذا دليل على قرب الساعة؛ وأنها كلمح البصر أو هو أقرب.
واليَومِ الآخِرِ : هُوَ يَوْمُ القِيَامَةِ وَأوَّلُهُ مِنْ خُرُوجِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِم إلى اسْتِقْرَارِ أهْلِ الجنَّةِ فِي الجَنَّةِ وأهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ، وَفي ذلِكَ اليومِ تدْنُو الشَّمْسُ مِنْ رُؤُوسِ العِبَادِ وَتَحْصُلُ فِيهِ أحْوَالٌ صَعْبَةٌ يَنْجُوَ مِنْها المؤْمِنُونَ الأتْقِيَاءُ، ويُجْمَعُ النَّاسُ للحِسَابِ فَتُعْرَضُ عَلَيْهِمْ أعْمالُهُمْ سَوَاءٌ كَانَتْ خَيْرًا أم شَرًّا، وتُوزَنُ أعْمَالُهُم بِميزانٍ فَتُوضَعُ الحَسَنَاتُ في كَفَّةٍ والسَّيّئاتُ في الكفّةِ الأخْرى.
أسماء اليَومِ الآخِرِ:
ليوم القيامة أسماء كثيرة ذكرها أهلُ العلمِ، أخذوها من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم،فليس ليومِ القيامةِ عددٌ محصورٌ ومحدّدٌ مِنَ الأسماءِ؛ وهذا راجع إلى أن أهل العلم يأخذون ويشتقون أسماء هذا اليوم العظيم من أحداثِهِ وأحوالِهِ وأوصافهِ، وهذه الأحداث والأوصاف والأحوال قد ذكر منها القرآن الكريم والسنة الثابتة عددًا كبيرًا، فيصح للإنسان أن يخبر عن يوم القيامة بأي اسم يشير إلى حدث أو حال أو وصف سيكون فيه. ومن ذلك:
1-يوم القيامة: قال الله تعالى" لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا "النساء:87. قال البغوي "وسُميت القيامة قيامة لأن الناس يقومون من قبورهم".
2-اليوم الآخر: قال تعالى"وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ"البقرة:177. قال ابن حجر في "فتح الباري" "وأما اليوم الآخر فقيل له ذلك لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة".
3-يوم الآزفة: قال تعالى"وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ"
غافر:18. قال السعدي" أي: يوم القيامة التي قد أزِفت وقرُبَت".
4 -يوم البعث: قال تعالى"وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ"الروم:56.قال الطبري"يقول: فهذا يوم يبعث الناس من قبورهم".
5-يوم التغابن: قال الله تعالى"يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ"التغابن:9. قال السعدي "أي: يظهر فيه التغابن والتفاوت بين الخلائق".
6-يوم التلاق: قال تعالى"رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ"غافر:16:15. قال ابن عباس "يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض". وقال قتادة وأبو العالية "يلتقي فيه الخَلق والخالق"، وقال البغوي"وقيل: الظالم والمظلوم"، وقيل "يلقى كل إنسان جزاء عمله"، وقال القرطبي: "وكله صحيح".
7
- يوم التناد: قال عز وجل"وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ"غافر:32. قال ابن كثير "يعني: يوم القيامة". وقال القرطبي "سُمي بذلك: لمناداة الناس بعضهم بعضًا، فينادي أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم، وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار.. وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة.. وينادي المنادي أيضًا بالشقوة والسعادة: ألا إن فلان بن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها.. وتنادي الملائكة أصحاب الجنة.. وينادَى حين يُذبح الموت"يا أهل الجنة، خلود لا موت، ويا أهل النار، خلود لا موت"رواه البخاري، وينادى كل قوم بإمامهم، إلى غير ذلك من النداء".
8-يوم الجمع: قال الله تعالى"وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ"الشورى:7. قال القرطبي: وسُمي يوم الجمع لأنه "يوم يجمع الله الأولين والآخرين، والإنس والجن، وأهل السماء وأهل الأرض، وقيل: هو يوم يجمع الله بين كل عبد وعمله، وقيل: لأنه يجمع فيه بين الظالم والمظلوم، قيل: لأنه يجمع فيه بين كل نبي وأمته، وقيل: لأنه يجمع فيه بين ثواب أهل الطاعات وعقاب أهل المعاصي".
9
-يوم الحساب: قال الله عز وجل"وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ"غافر:27. قال القرطبي "وسمي يوم الحساب: لأن الباري سبحانه يعدد على الخلق أعمالهم، من إحسان وإساءة، يعدد عليهم نعمه ثم يقابل البعض بالبعض".
10-الحاقة: قال الله تعالى"الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ"الحاقة:3:1. قال ابن حجر "سُميت الحاقة لأنها أحقت لقوم الجنة، ولقوم النار، وقيل: لأنها تحاقق الكفار الذين خالفوا الأنبياء، أي: تخاصمهم، وقيل: لأنها حق لا شك فيه".

11- يوم الحسرة: قال تعالى"وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ"مريم:39. قال السعدي "وأحق ما يُنْذَر به ويُخَوّف به العباد، يوم الحسرة حين يقضى الأمر، فيُجمع الأولون والآخرون في موقف واحد، ويسألون عن أعمالهم.. وأي: حسرة أعظم من فوات رضا الله وجنته، واستحقاق سخطه والنار، على وجه لا يتمكن من الرجوع، ليستأنف العمل".
12-يوم الخروج: قال الله تعالى"يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ"ق:24. قال الطبري "وسمي يوم الخروج: لخروج الناس فيه من قبورهم للبعث".
13-يوم الخلود: قال تعالى"ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ"ق:34. قال الشوكاني في "فتح القدير" سماه يوم الخلود لأنه لا انتهاء له، بل هو دائم أبدًا.
14-يوم الدين: قال الله تعالى"مَلِكِيَوْمِ الدِّينِ"الفاتحة:4. قال ابن عباس رضي الله عنه "يوم الدين: يوم الحساب للخلائق وهو يوم القيامة، يدينهم بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، إلا من عفا عنه".
15-الساعة: قال تعالى"إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى"طه:15. قال الطبري "يقول تعالى: إن الساعة التي يبعث الله فيها الخلائق من قبورهم لموقف القيامة جائية". وقال السعدي"إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ"أي: لا بد من وقوعها.. فعلمها قد أخفاه عن الخلائق كلهم، فلا يعلمها مَلك مقرب، ولا نبي مرسل".
16-الصاخة: قال الله عز وجل"فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ"عبس:37:33. قال أبو السعود " والصاخة هي: صيحة القيامة لأنها تصخ الآذان أي تصمها".
17- الطامة : قال الله عز وجل"فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُالْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى"النازعات:35:34.قال القرطبي "معناها الغالبة، من قولك: طم الشيء إذا علا وغلب، ولما كانت تغلب كل شيء كان لها هذا الاسم حقيقة دون كل شيء". وقال السعدي: "أي: إذا جاءت القيامة الكبرى، والشدة العظمى، التي يهون عندها كل شدة".
18-الغاشية: قال الله تعالى"هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ"الغاشية:1.قال السعدي "يذكر تعالى أحوال يوم القيامة وما فيها من الأهوال الطامة، وأنها تغشى الخلائق بشدائدها، فيجازون بأعمالهم، ويتميزون إلى فريقين: فريقًا في الجنة، وفريقًا في السعير".
19-يوم الفصل: قال عز وجل"إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا" النبأ:17. قال الطبري: "وسمي يوم الفصل: لأنه يوم عظَّمَهُ اللهُ، يفصلُ اللهُ فيه بين الأولينَ والآخرينَ بأعمالِهم".
20-القارعة: قال الله عز وجل"الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ"القارعة:3:1. قال القرطبي "سُميت بذلك لأنها تقرع القلوب بأهوالها".
21-الواقعة: قال الله تعالى"إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ"الواقعة:2:1. قال الطبري "عن ابن عباس في قوله"إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ"الواقعة والطامة والصاخة، ونحو هذا من أسماء القيامة، عظَّمه الله، وحذره عباده. وقوله"لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ"يقول تعالى: ليس لوقعة الواقعة تكذيب".
22-يوم الوعيد: قال عز وجل"وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ"ق:20. قال الشوكاني "سمي يوم الوعيد لأن الله أوعد به الكفار، قال مقاتل: يعني بالوعيد العذاب في الآخرة، وخصص الوعيد مع كون اليوم هو يوم الوعد والوعيد جميعاً لتهويله".
23-يوم الفزع الأكبر: قال الله تعالى"لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ"الأنبياء:103. قال السعدي"لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ:أي: لا يقلقهم إذا فزع الناس أكبر فزع، وذلك يوم القيامة".
24-يوم قيام الأشهاد، قال الله تعالى "إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ"غافر:51. قال ابن كثير "أي: يوم القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجل".
25-يوم الآزفة: قال الله تعالى"وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ"غافر:18. قال السعدي"وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ:أي: يوم القيامة التي قد أزِفت وقرُبت، وآن الوصول إلى أهوالها وقلاقلها وزلازلها".إسلام ويب.


أم أبي التراب 11-27-2025 03:12 AM

ثمرات الإيمان باليوم الآخر
قال ابنُ عُثَيمين: لِلإيمانِ باليَومِ الآخِرِ ثَمَراتٌ جَليلةٌ؛ مِنها:
الأولَى: الرَّغبةُ في فِعلِ الطَّاعةِ والحِرصُ عليها رِجاءً لِثَوابِ ذلك اليَومِ.
الثَّانيةُ: الرَّهبةُ من فِعلِ المَعصيةِ والرِّضا بها خَوفًا من عِقابِ ذلك اليَومِ.
الثَّالِثةُ: تَسليةُ المُؤمِنِ عَمَّا يَفوتُه مِنَ الدُّنيا بما يَرجوه من نَعيمِ الآخِرةِ وثَوابِها. كتاب شرح ثلاثة الأصول للعثيمين.
ذِكر اليومِ الآخرِ يمسحُ على قلوبِ المستضعفينَ والمضطهدينَ والمظلومينَ مسحة يقين، تسكن معه القلوب؛ لأنهم يتطلعون لِمَا أعدَّه الله للصابرين، من نعيم يُنسَى معه كل ضُرٍّ وبلاءٍ، وسوء وعناء، ويهوِّن عليهم ويعزِّيهم، وما أعدَّه الله للظالمين من بؤس يُنْسَى معه كل هناء.
قيام الساعة على شرار القوم:
قال صلى الله عليه وسلم "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ علَى أَحَدٍ يقولُ: اللَّهُ، اللَّهُ."الراوي : أنس بن مالك - صحيح مسلم. أي: تَقومُ على خَلقٍ لا يَذكُرُون اسمَ اللهِ، وهذا كِنايةٌ عن أنَّها تَقومُ على قَومٍ لا يَعبُدون اللهَ سُبحانَه، فتَقومُ على شِرارِ الخَلقِ.
وذلك أنَّ اللهَ سُبحانَه يَقبِضُ أرواحَ المؤمِنين، كما في صَحيحِ مُسلِمٍ :قال صلى الله عليه وسلم "....لا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِن أُمَّتي يُقَاتِلُونَ علَى أَمْرِ اللهِ ، قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ، لا يَضُرُّهُمْ مَن خَالَفَهُمْ، حتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ علَى ذلكَ. فَقالَ عبدُ اللهِ: أَجَلْ ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا كَرِيحِ المِسْكِ مَسُّهَا مَسُّ الحَرِيرِ، فلا تَتْرُكُ نَفْسًا في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنَ الإيمَانِ إلَّا قَبَضَتْهُ، ثُمَّ يَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ عليهم تَقُومُ السَّاعَةُ. "الراوي : عقبة بن عامر - صحيح مسلم.
حتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ علَى ذلكَ :أي أنَّهم لا يَزالُون على الحقِّ حتَّى تَقبِضَهم هذه الرِّيحُ اللَّينةُ قُربَ القيامةِ وعندَ تَظاهُرِ أشراطِها، فأطلَقَ في هذا الحديثِ بَقاءَهم إلى قيامِ السَّاعةِ على أشراطِها ودُنوِّها المُتناهي في القُربِ.
أحداث يوم القيامة بالترتيب:
اختلف أهل العلم في ترتيب أحوال يوم القيامة.فإنَّ ما يحصل يوم القيامة، وما يكون مِمَّا ورد في الكتاب والسُّنَّة، أشياء كثيرة: قيام الناس، والحوض، والميزان، والصُّحُف، والحساب، والعرض، وتطاير الصُّحُف، وأخذ الكتاب، الصراط، والظلمة، وهذه أشياء متنوعة.....
فكيف يكون ترتيبها؟ أحداث يوم القيامة ذكرت في نصوص متفرقة .ولا يوجد نصٌّ صريح في ترتيبها، ولذا وقع الخلاف في ترتيب بعض الأحداث.فعلى المسلم الموحد أن يؤمن بجميع أحداث ذلك اليوم المذكورة في الكتاب والسنة الصحيحة ، مع التماس العذر والتطاوع دون إنكار في ترتيب هذه الأحدث.
ينفخ في الصور نفختان :
أولًا نفخة الصعق: يَمُوتُ بِسَبَبِهَا جَمِيعُ الْمَوْجُودِينَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ; إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقِيلَ: هُمْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَجِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ، وَمَلَكُ الْمَوْتِ. وَقِيلَ: هُمُ الشُّهَدَاءُ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
قال صلى الله عليه وسلم "صاحبُ الصورِ واضعٌ الصورَ على فِيهِ، منذُ خُلِقَ، ينتظِرُ متى يؤمَرُ أنْ ينفُخَ فيه، فينفُخَ".خلاصة حكم المحدث : صحيح- الراوي : البراء بن عازب وأبو سعيد الخدري - المحدث : الألباني -صحيح الجامع.
قال صلى الله عليه وسلم "كيفَ أنعَمُ وقدِ التقَمَ صاحبُ القرنِ القرنَ وحنَى جبهتَهُ وأصغى سمعَهُ ينتَظِرُ أن يؤمَرَ أن ينفخَ فينفخ .قالَ المسلمونَ: فَكَيفَ نقولُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: قولوا حَسبُنا اللَّهُ ونعمَ الوَكيلُ توَكَّلنا على اللَّهِ ربِّنا .وربَّما قالَ سفيانُ: على اللَّهِ توَكَّلنا "الراوي : أبو سعيد الخدري -المحدث :الألباني - صحيح الترمذي.
تستمر الحياة حتى إذا شاءَ الله أن تقوم الساعة ،يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِن قِبَلِ الشَّأْمِ، فلا يَبْقَى علَى وَجْهِ الأرْضِ أَحَدٌ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ أَوْ إيمَانٍ إلَّا قَبَضَتْهُ، ثم أمرَ إسرافيلَ عليه السلامُ بالنفخ في الصور ،فينفخ نفخة عظيمة تفزع جميع الخلائق فيصعقون منها ويهلكون ، وتنتهي الدنيا بأكملها .. كل ما تراه سيفنى .. لن تبقى القوى البشرية ، ولا قدراتهم التكنلوجية ، ولا وكالاتهم الفضائية ، ولا مراكبهم وأقمارهم الصناعية .
ثم يمكثون على ذلك مدة ، الله أعلم بمقدارها ، فتتحلل أجسادهم في هذه المدة ولا يبقى منها إلا عجب الذنب ، وهو العظم المستدير الذي في أصل الظهر ، ثم يرسل الله سحابًا فتمطر مطرًا فإذا أصاب الماء هذا العظم نبت منه الجسم كما ينبت النبات ويتركب الخلق من هذا العظم ، ثم ينفخ في الصور نفخة البعث فتعود الأرواح إلى الأجساد ، فيخرجون من القبور سراعًا إلى أرض المحشر.

" يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِن قِبَلِ الشَّأْمِ، فلا يَبْقَى علَى وَجْهِ الأرْضِ أَحَدٌ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ أَوْ إيمَانٍ إلَّا قَبَضَتْهُ، حتَّى لو أنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ في كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عليه حتَّى تَقْبِضَهُ، قالَ: سَمِعْتُهَا مِن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ. قالَ: فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ في خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ؛ لا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لهمُ الشَّيْطَانُ، فيَقولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فيَقولونَ: فَما تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بعِبَادَةِ الأوْثَانِ، وَهُمْ في ذلكَ دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ في الصُّورِ، فلا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا، قالَ: وَأَوَّلُ مَن يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إبِلِهِ، قالَ: فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ النَّاسُ..." الراوي : عبدالله بن عمرو -صحيح مسلم.
قال تعالى "وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ". الزمر : 68.
" فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ"وهُم خُبثاؤهم ورَذائلُهم، فإنَّهم يَبْقَون على حالٍ يُشبِهُ " في خِفَّةِ الطَّيْرِ "أي: اضطرابَها ونُفورَها وسُرعتَها، " وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ"أي: في عقولِ السِّباعِ النَّاقصةِ، ومعنى ذلك أنَّهم يَكونون في سُرعتِهم إلى الشُّرورِ وقَضاءِ الشَّهواتِ والفسادِ كسُرعةِ طَيَرانِ الطَّيرِ، ويكونونَ في حالةِ كَونِهم في المعاداةِ وظُلمِ بعضِهم بعضًا في أخلاقِ السِّباعِ العاديةِ بعضِها على بَعض، " وَهُمْ في ذلكَ"أي: والحالُ أنَّهم فيما ذُكِر مِن الأوصافِ الرَّديئةِ والعباداتِ الوَثَنِيَّةِ دَارٌّ "أي: نازلٌ عليهم " رِزْقُهُمْ" بكَثرةٍ كدُرورِ الضَّرعِ اللَّبَنَ غيْرَ المنقطِعِ والسَّماءِ بالمطَرِ الغزيرِ، " حَسَنٌ عَيْشُهُمْ"فهم في سَعةٍ في مَعاشِهم مِن مَطْعَمٍ ومَشرَبٍ ومَلبَسٍ وعافيةٍ.
ثُمَّ يُنْفَخُ في الصُّورِ:والصُّورُ: قَرنٌ أو بوقٌ يُنفَخُ فيه، والنَّافخُ هو ملَكٌ مِن الملائكةِ، واسمُه إسرافيلُ عليه السَّلامُ، "فلا يَسْمَعُه أحدٌ إلَّا أَصْغَى لِيتًا ورَفَع لِيتًا"، والمرادُ: أنَّ كلَّ مَن يَسمَعُ نَفخةَ الصُّورِ، فإنَّه يُصْغي جانبًا مِن عُنقِه للسُّقوطِ على الأرضِ، ويَرفَعُ الجانبَ الآخَرَ لاستماعِ النَّفخةِ، وهو كنايةٌ عن سُقوطِ رَأسِه على أحدِ الشِّقَّينِ بسَببِ الصَّعقةِ الَّتي تَأخُذُه عندَ ذلك، فلا تُمهِلُه، "وأوَّلُ مَن يَسمَعُه رَجلٌ يَلُوطُ"، أي: يُطيِّنُ ويُصلِحُ "حَوْضَ إبِلِه" بالطِّينِ حتَّى لا يَتسرَّبَ الماءُ، ويُنظِّفُه مِن الغُثاءِ لِيَسقِيَ الإبلَ الماءَ، "فيَصعَقُ"، أي: يَموتُ هو أوَّلًا "ويَصْعَقُ النَّاسُ" كلُّهم معه.
وهي نفخة هائلة مدمرة، يسمعها المرء فلا يستطيع أن يوصي بشيء، ولا يقدر على العودة إلى أهله وخلانه "مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ-فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ"يس: ٤٩-٥٠.
تقوم الساعة يوم الجمعة:
"خيرُ يومٍ طلَعت فيهِ الشَّمسُ يومُ الجمُعةِ فيهِ خُلِقَ آدمُ وفيهِ أُهْبِطَ وفيهِ تيبَ عليهِ وفيهِ ماتَ، وفيهِ تقومُ السَّاعةُ، وما من دابَّةٍ إلَّا وَهيَ مُسيخةٌ يومَ الجمُعةِ مِن حينَ تُصبحُ حتَّى تطلعَ الشَّمسُ شفقًا منَ السَّاعةِ إلَّا الجنَّ والإنسَ ،وفيهِ ساعةٌ لا يصادفُها عبدٌ مسلمٌ وَهوَ يصلِّي يسألُ اللَّهَ حاجةً إلَّا أعطاهُ إيَّاها..."الراوي : أبو هريرة وعبد الله بن سلام - المحدث :الألباني - صحيح أبي داود.
"إلَّا وهي مُسِيخَةٌ يومَ الجمعةِ"، أي: مُصغِيَة ومُستَمِعة "مِن حِين تُصبِحُ حتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ شفقًا مِن السَّاعةِ"، أي: خوفًا مِن السَّاعةِ؛ وذلك لِمَا جَبَلها اللهُ عليه، هذا الحديث يُدلنا على أنَّ الساعة تقوم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس"إلَّا الجِنَّ والإنسَ"، أي: فإنَّهم لا يَترقَّبون ولا يَخافون قيامَ السَّاعةِ في هذا اليومِ؛ لعِظَمِ غفلتِهم.

أم أبي التراب 05-19-2026 04:44 AM

ثم تمر أربعون:
قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم " ما بيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ، قالَ: أرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قالَ: أبَيْتُ ، قالَ: أرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قالَ: أبَيْتُ ، قالَ: أرْبَعُونَ سَنَةً؟ قالَ: أبَيْتُ ، قالَ: ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيَنْبُتُونَ كما يَنْبُتُ البَقْلُ ، ليسَ مِنَ الإنْسانِ شَيءٌ إلَّا يَبْلَى، إلَّا عَظْمًا واحِدًا، وهو عَجْبُ الذَّنَبِ ، ومِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَومَ القِيامَةِ."الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري.
وفي هذا الحديثِ يُبيِّن النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُدَّةَ ما بيْن النَّفختَين، فيقولُ"ما بَينَ النَّفختَين أربعونَ"، ولَم يُبيِّن هل هي سَنةٌ، أو يومٌ، أو شَهْرٌ.
فسُئِل أبو هُرَيرةَ: هلْ هي أَربعونَ يومًا؟ فقال: أَبَيتُ -أي: امتنَعْتُ عن القولِ بتَعيينِ ذلك-، فقالوا: أربعونَ شَهرًا؟ فقال: أَبيتُ. فقالوا: أربعون سَنةً؟ فقال: أَبيتُ، وقد أبَى إخبارَهم بذلك.
فتتحلل أجسادهم في هذه المدة كما تحللت أجساد من مات قبلهم ؛ ولا يبقى منها إلا عَجْبُ الذَّنَبِ ، ومِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَومَ القِيامَةِ ، وهو العظم المستدير الذي في أصل الظهر.
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ:
اختلف العلماء هل هذا الموقف بعد النفخة الأولى - التي هي نفخة الصعق -، أم بعد النفخة الثانية - التي هي نفخة البعث-.المهم أن نعتقد الحدث نفسه بقطع النظر عن ترتيبه بين أهوال القيامة.
قال ابن الجوزي رحمه الله :
" قوله تعالى" لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ " اتفقوا على أن هذا يقوله الله عزّ وجلّ بعد فَناء الخلائق.
واختلفوا في وقت قوله عزّ وجلّ له على قولين :
أحدهما: أنه يقوله عند فَناء الخلائق إِذا لم يبق مجيب. فيَرُدّ هو على نفسه فيقول: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ، قاله الأكثرون.
والثاني: أنه يقوله يوم القيامة.
وفيمن يُجيبه حينئذ قولان: أحدهما: أنه يُجيب نفسه ، وقد سكت الخلائق لقوله تعالى . قاله عطاء.
والثاني: أن الخلائق كلَّهم يُجيبونه فيقولون: للهِ الواحدِ القهارِ ، قاله ابن جريج
".انتهى من "زاد المسير" 7/212.

" وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" سورة الزمر: 67.
"يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ"غافر: 16.
هذا مقام إظهار كبريائه وعظمته سبحانه ، وأن من كان ينازعه الملك في الدنيا ، بقوله ودعاواه وأكاذيبه ، لا يملك في ذلك اليوم العسير شيئًا من أمره ، ولو بمجرد القول والدعوى باللسان ، ولا يقوى أن يتقدم بين يدي رب العالمين بقول ، ولا فعل .
وَذِكْرُ الصِّفَتَيْنِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنَ الصِّفَاتِ الْعُلَى لِأَنَّ لِمَعْنَيَيْهِمَا مَزِيدَ مُنَاسَبَةٍ بِقَوْلِهِ" لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ " ، حَيْثُ شُوهِدَتْ دَلَائِلُ الْوَحْدَانِيَّةِ لله ، وقهره جَمِيع الطغاة والجبارين " .انتهى من "التحرير والتنوير
"يَقْبِضُ اللَّهُ الأرْضَ يَومَ القِيامَةِ، ويَطْوِي السَّماءَ بيَمِينِهِ ، ثُمَّ يقولُ: أنا المَلِكُ أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ."الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري.

النفخة الثانية نفخة البعث:
بعدَ النفخةِ الأولى - نفخة الصعقِ وقبض أرواح - من بقي حيًا إلا من شاء الله ؛وقبلَ النفخةِ الثانيةِ - نفخة النشورِ-؛ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيَنْبُتُونَ كما يَنْبُتُ البَقْلُ ، ليسَ مِنَ الإنْسانِ شَيءٌ إلَّا يَبْلَى، إلَّا عَظْمًا واحِدًا، وهو عَجْبُ الذَّنَبِ ، ومِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَومَ القِيامَةِ.فتكون أجساد بلا روح ،
قال النبي صلى الله عليه وسلم : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ "رواه أبو داود 1047، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود.
قال النبي صلى الله عليه وسلم ".... إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ، قد حرَّمَ علَى الأرضِ أن تأكلَ أجسادَ الأنبياءِ"خلاصة حكم المحدث : صحيح- الراوي : أوس بن أبي أوس وقيل أوس بن أوس والد عمرو - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح النسائي.
"إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ حرَّم على الأرضِ"، أي: منَعَها أن تُبلِيَ "أجسادَ الأنبياءِ"، أي: وهُم في قُبورِهم.
ثُمَّ يُنْفَخُ في الصور أُخْرَى،فَتُرَدُّ الأَروَاحُ إلى الأَجسَادِ ، فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ.
وإنبات الأجساد – مِنْ عَجْبِ الذَّنَبِ - من التراب بعد إنزال الله ذلك الماء الذي ينبتها يماثل إنبات النبات من الأرض إذا نزل عليها الماء من السماء في الدنيا، ولذا فإن الله قد أكثر في كتابه من ضرب المثل للبعث والنشور بإحياء الأرض بالنبات نزول الغيب، قال تعالى"وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ"الأعراف: ٥٧ .وقال في موضع آخر"وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ"فاطر: ٩.
ولاحظ في كلا الموضعين قوله"كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى"، "كَذَلِكَ النُّشُورُ"، فإنهما يدلان على المماثلة والمشابهة بين إعادة الأجسام بإنباتها من التراب بعد إنزال الماء قُبيل النفخ في الصورِ، وبين إنبات النبات بعد نزول الماء من السماء. ونحن نعلم أن النبات يتكون من بذور صغيرة، تكون في الأرض ساكنة.
قال ابن كثير رحمه الله :
" نَفْخَةُ الصَّعْقِ ، هِيَ الَّتِي يموت بها الأحياء من أهل السموات وَالْأَرْضِ ، إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ يَقْبِضُ الله أَرْوَاحَ الْبَاقِينَ ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُ مَنْ يَمُوتُ مَلَكَ الْمَوْتِ ، وَيَنْفَرِدُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الَّذِي كَانَ أَوَّلًا وَهُوَ الْبَاقِي آخِرًا بِالدَّيْمُومَةِ وَالْبَقَاءِ ، ثُمَّ يُحْيِي أَوَّلَ مَنْ يُحْيِي إِسْرَافِيلَ ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ يُنْفَخَ فِي الصُّورِ أُخْرَى. ا.هـ.
وقيل إن إسرافيل عليه السلام ممن استثناهم الله تعالى من الموت ، قال الله تعالى " وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ"الزمر/ 68 . انظر " تفسير ابن جرير " 21/330.
فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ : لا يلزم من لفظ الآية أن أول من يصعق من في السموات ثم من في الأرض ، فمن المعلوم أن الترتيب في الذِّكْرِ، لا يلزم منه الترتيب في الوجود، وأن حرف العطف الوارد في الآية "الواو" لا يقتضي ترتيبًا بين المتعاطفات، ولا تراخيًا؛ بل هي لمطلق العطف.الإسلام سؤال وجواب.
قال تعالى"وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ"الزمر/ 68 .
اختلف أهل العلم في النفخ في الصور ، هل هو نفختان ، أم ثلاث ؟ والراجح أنهما نفختان ، كما تدل عليه الآية السابقة
قال الشيخ ابن باز رحمه الله :
" الصُّور قرن عظيم ، ينفخ فيه إسرافيل النفخة الأولى للموت والفزع ، والنفخة الثانية للبعث والنشور . هاتان النفختان جاء بهما القرآن الكريم . إحداهما يقال لها : نفخة الصعق ، ويقال لها : نفخة الفزع ، وبها يموت الناس ، والثانية نفخة البعث ، وقال جماعة من العلماء : إنها ثلاث : نفخة الفزع ، وقد يفزع الناس فقط ، ثم تأتي بعدها نفخة الموت ، ثم نفخة البعث والنشور . والمحفوظ نفختان فقط ، كما دل عليهما كتاب الله العظيم " انتهى من " فتاوى نور على الدرب " 4/ 327 .
وقد ثَبَتَ في صَحيحِ مُسلِمٍ من حَديثِ عَبدِ الله بن عَمْرٍو أنَّهما نَفخَتانِ، ولَفظُه :
".....ثُمَّ يُنْفَخُ في الصُّورِ، فلا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا، قالَ: وَأَوَّلُ مَن يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إبِلِهِ، قالَ: فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ النَّاسُ ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ -أَوْ قالَ: يُنْزِلُ اللَّهُ- مَطَرًا كَأنَّهُ الطَّلُّ -أَوِ الظِّلُّ؛ نُعْمَانُ الشَّاكُّ- فَتَنْبُتُ منه أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فيه أُخْرَى، فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ، ثُمَّ يُقَالُ: يا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمَّ إلى رَبِّكُمْ، وَقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْؤُولونَ،.... " الراوي : عبدالله بن عمرو -صحيح مسلم.

أم أبي التراب 05-19-2026 04:45 AM

الزلزلة :
"إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا" الزلزلة:1.
اختلف العلماء في وقت الزلزلة المذكورة في قوله تعالى"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ" الحج:1.هل الزلزلة قبل نفخة البعث أم بعدها؟
قال صاحب أضواء البيان: اختلف العلماء في وقت هذه الزلزلة المذكورة هنا، هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عَرَصَات القيامِةِ - قال ابن حجر في الفتح :181/6 :العَرْصَة: هي البقعة الواسعة بغير بناء من دار و غيرها. "ومنه: عرصات يوم القيامة، وهي المكان الواسع الذي يقف فيه الناس للحساب. - ، أو هي عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من القبور؟
فقالت جماعة من أهل العلم: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر هذه الدنيا، وأول أحوال الساعة، وممن قال بهذا القول، علقمة والشعبي وإبراهيم وعبيد بن عبيد، وهذا القول من حيث المعنى له وجه من النظر، لكنه لم يثبت ما يؤيده من النقل؛ بل الثابت من النقل يؤيد خلافه وهو القول الآخر.
القول الآخر القائلين بأن الزلزلة المذكورة كائنة يوم القيامة بعد البعث من القبور، فهي ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من تصريحه بذلك، وبذلك تعلم أن هذا القول هو الصواب كما لا يخفى.
قال تعالى " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)الحج.
قال البخاري رحمه الله في صحيحه في التفسير في باب قوله : وترى الناس سكارى : قال :حدثنا عمر بن حفص ، قال حدثنا أبي ، قال: حدثنا الأعمش ، قال: حدثنا أبو صالح ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " يقول الله عز وجل يوم القيامة : يا آدم . فيقول : لبيك ربنا وسعديك . فينادى بصوت : إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار . قال : يا رب ، وما بعث النار ؟ قال : من كل ألف - أراه قال - تسعمائة وتسعة وتسعين ، فحينئذ تضع الحامل حملها ، ويشيب الوليد ، وترى الناس سكارى ، وما هم بسكارى ، ولكن عذاب الله شديد . فشق ذلك على الناس ، حتى تغيرت وجوههم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ، ومنكم واحد ، وأنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض ، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود ، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة . فكبرنا ، ثم قال : ثلث أهل الجنة . فكبرنا ، ثم قال : شطر أهل الجنة . فكبرنا " .انتهى من صحيح البخاري.
وفيه تصريح النبي صلى الله عليه وسلم بأن الوقت الذي تضع فيه الحامل حملها ، وترى الناس سكارى ، وما هم بسكارى : هو يوم القيامة لا آخر الدنيا .
مَنْ أول مَنْ يُبْعَث :
أولُ مَنْ يُبْعَث رسولنا صلى الله عليه وسلم ، وهو أول من تنشق عنه الأرض ، كما جاء في الصحيحين .
قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ" أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر، وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه يومَ القيامةِ ولا فخر وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فخر ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فخرَ"خلاصة حكم المحدث : صحيح- الراوي : أبو سعيد الخدري- المحدث : الألباني- المصدر : صحيح ابن ماجه.
"عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ ، فَقَالَ المُسْلِمُ : وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى العَالَمِينَ ، فِي قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ : وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى العَالَمِينَ ، فَرَفَعَ المُسْلِمُ عِنْدَ ذَلِكَ يَدَهُ فَلَطَمَ اليَهُودِيَّ ، فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ المُسْلِمِ ، فَقَالَ: لاَ تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ العَرْشِ ، فَلاَ أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي ، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ"صحيح البخاري كتاب أحاديث الأنبياء.
ثم بعد إفاقة النبي صلى الله عليه وسلم يخرج الناس جميعًا من قبورهم حفاة ؛عراة ؛غُرْلًا أي: غير مختونين.
"يُحْشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، النِّساءُ والرِّجالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ! قالَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: يا عائِشَةُ، الأمْرُ أشَدُّ مِن أنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ."الراوي : عائشة أم المؤمنين -صحيح مسلم.
شرح الحديث : يومُ القيامةِ يَومٌ عَظيمٌ وشَديدٌ، يقومُ فيه النَّاسُ بيْنَ يَدَي ربِّ العالَمِين للحسابِ، وفيه مِن الأهوالِ ما يُذهِلُ العقولَ والألبابَ، ويَظهَرُ النَّاسُ فيه كالسُكارى مِن شِدَّةِ الخوفِ. وفي هذا الحديثِ يَصِفُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعضَ ما في هذا اليومِ، حيث يقولُ"يُحْشَرُ النَّاسُ يومَ القيامةِ"، فيُجْمَعون بعْدَ البَعثِ مِن الموتِ، ويَقُومون للحسابِ، وهم حُفاة الأقدامِ بلا أحذيةٍ ولا نِعالٍ، وعُراةُ الأجسادِ بلا ثِيابٍ ولا سُتُورٍ، غُرْلًا غيرَ مَخْتونِين، قد ذهَب عنهم كلُّ ما كَانوا فيهِ في الدُّنيا وعَادُوا كما خَلَقَهم اللهُ؛ كما في قولِه تعالَى"كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ"الأنبياء: 104، فلمَّا سَمِعَت عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها ذلكَ قالتْ مُتسائلةً مُتعجِّبةً"يا رسولَ اللهِ، النِّساءُ والرِّجالُ جميعًا يَنظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ؟!"، وهذا اسْتِفهامٌ واسْتِغرابٌ من أنْ يُجْمَعَ النُّاسُ عُراةً وعَوْراتهم ظَاهِرة أمام بعضِهم رجالًا ونساءً؛ فهل يَنظُرون إلى بعضِهم البَعضِ؟! فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"يا عائشةُ، الأمرُ أَشَدُّ مِن أنْ يَنظُرَ بعضُهم إلى بعضٍ"، أيْ: إنَّ شأنَ المُوقِفِ والحَشْرِ بَعْدَ البَعْثِ مِن الموتِ فيه مِن الأهوالِ ما يَأخُذُ اهْتِمامَ النَّاسِ وأَبْصارَهم عن النَّظرِ إلى العَوْراتِ، ومِنْها ما قال اللهُ تعالى"يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ"الحج: 2.
انتقال الناس إلى أرض المحشر:
الْحَشْرُ هو إخراج الجماعة عن مقرهم .الْحَشْرُ في الشرع عند الإطلاق إخراج الموتى من قبورهم ، وسوقهم إلى الموقف للحساب والجزاء . والنشر إحياء الميت بعد موته . ومنه قوله تعالى " ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ" عبس: 22. أي أحياه.والْحَشْر يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ النَّشْرِ لِاتِّصَالِهِ بِهِ.
"يُحْشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيامَةِ علَى أرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ، كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ. قالَ سَهْلٌ أوْ غَيْرُهُ: ليسَ فيها مَعْلَمٌ لأحَدٍ. "الراوي : سهل بن سعد الساعدي -صحيح البخاري.
عَفْراءَ : أي: ليْس بَياضُها بالنَّاصعِ، أو تَضرِبُ إلى الحُمرةِ قليلًا، كَقُرْصَةِ خُبْزٍ نَقِيٍّ سالمٍ دَقيقُه مِن الغشِّ والنُّخالةِ.
ليسَ فيها مَعْلَمٌ لأحَدٍ : ليْس في الأرضِ المذكورةِ شيءٌ مِنَ العلاماتِ التي يُهتدَى بها ويُستدَلُّ بها على الطَّريقِ، وفي هذا تعريضٌ بأنَّ أرضَ الدُّنيا ذهبت وانقطعت العَلاقةُ منها.
وَوَقَعَ خِلافٌ في أرضِ المَحْشَرِ فهَل هيَ أرضٌ أخرى غَيرُ أرضِ الدُّنيا أو هيَ ذاتُها مَعَ تَبديلِ صِفاتِها إلى صِفاتٍ أخرى؟
قال اللهُ تعالى" يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ "إبراهيم: 48.
وقال السَّعديُّ "يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيرَ الأَرْضِ والسَّمَوَاتُ" وهذا التَّبديلُ تَبديلُ صِفاتٍ، لا تَبديلُ ذاتٍ؛ فإنَّ الأرضَ يَومَ القيامةِ تُسوَّى وتُمَدُّ كمدِّ الأديمِ ويُلقى ما على ظَهرِها من جَبَلٍ ومَعلَمٍ، فتَصيرُ قاعًا صَفْصفًا – أي مستويًا لا يرى فيه أيها الناظر عِوَجًا، هذا من تمام استوائها ، لا تَرى فيها عِوَجًا ولا أَمْتًا.أَمْتًا :الروابي والنشوز.
".......يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ والكَرْبِ ما لا يُطِيقُونَ ولَا يَحْتَمِلُونَ...."الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري.
وفي رواية أخرى:
"...يَجْمَعُ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، فيُبْصِرُهُمُ النَّاظِرُ ويُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وتَدْنُو منهمُ الشَّمْسُ ...." الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري.
قال القُرطُبيُّ: المَعنى أنَّهم يُجمَعونَ في مَكانٍ واحِدٍ بحَيثُ لا يَخفى منهم أحَدٌ لَو دَعاهم داعٍ لسَمعوه، ولَو نَظَرَ إليهم ناظِرٌ لأدرَكَهم.
وقال ابنُ عُثَيمين: إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتعالى يَجمَعُ الأوَّلينَ والآخِرينَ في صَعيدٍ واحِدٍ مُتَساوٍ، يُسمِعُهمُ الدَّاعي ويَنفُذُهمُ البَصَرُ، نَحنُ في الدُّنيا لَسنا على أرضٍ مُتَساويةٍ، بَل على أرضٍ تُشبِه الكُرةَ؛ ولِذلك لا يَنفُذُ البَصَرُ إلى ما وراءَ المُنحَنى؛ مُنحَنى الكُرةِ، ولا يُسمعُ الدَّاعي، لَكِن في الآخِرةِ يَقولُ الله عزَّ وجَلَّ"وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ"الانشقاق: 3.يَعني: تُمَدُّ مَدًّا واحِدًا ليس فيها جِبالٌ ولا انحِناءٌ ولا مَساكِنُ؛ ولِهذا يُسمِعُهمُ الدَّاعي؛ لأنَّه لا يوجَدُ شَيءٌ يَرُدُّ الصَّوتَ، ويَنفُذُهمُ البَصَرُ: يُرى أقصاهم كما يُرى أدناهم، فيُحشَرُ الخَلائِقُ كُلُّهم على هذه الأرضِ المَسطوحةِ، لا جِبالَ ولا أنهارَ ولا شِعابَ ولا غَيرَها. لقاء الباب المفتوح: رقم اللقاء: 234.
صِفةُ حَشرِ الخَلْقِ:
هناك صِفاتٌ عامَّةٌ يُحشَرُ عليها جَميعُ البَشَرِ، وهيَ حَشرُهم حُفاةً عُراةً غُرْلًا.
" إنَّكُمْ مُلَاقُو اللهِ مُشَاةً حُفَاةً، عُرَاةً غُرْلًا." الراوي : عبدالله بن عباس -صحيح مسلم .
"إنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفاةً عُراةً غُرْلًا ، ثُمَّ قَرَأَ"كما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عليْنا إنَّا كُنَّا فاعِلِينَ"الأنبياء: 104، وأَوَّلُ مَن يُكْسَى يَومَ القِيامَةِ إبْراهِيمُ....."الراوي : عبدالله بن عباس - صحيح البخاري .
والمَقصودُ أنَّهم يُحشَرونَ كما خُلِقوا لا شَيءَ مَعَهم ولا يُفقَدُ منهم شَيءٌ حَتَّى الغُرلةُ تَكونُ مَعَهم.شرح صحيح مسلم.فمن بُتِرَ منه أي عضو في الدنيا يعود كما كان في هذا اليوم العصيب.
فكَما أنَّ الإنسانَ يَخرُجُ من بَطنِ أمِّه هَكَذا عاريًا غَيرَ مُنتَعِلٍ، غَيرَ مَختونٍ، ليس معه مالٌ، فكَذلك يَخرُجُ من بَطنِ الأرضِ يَومَ القيامةِ على هذه الصِّفةِ.
ذكَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ أوَّلَ مَن يُكْسى مِن الأنبياءِ يَومَ القيامةِ إبراهيمُ الخَليلُ عليه السَّلامُ، ولا يَلزَمُ مِن تَخصيصِ نَبيِّ اللهِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ بأنَّه أوَّلُ مَن يُكْسَى، أفْضلِيَّتُه على نَبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فاللهُ عزَّ وجلَّ قَد يَخُصُّ أحدًا مِن الأنبياءِ أو غيرِهم بشَيءٍ يَتمَيَّزُ به عَن غيرِه، ولا يُوجِبُ ذلكَ الفضْلَ المُطلَقَ.
وهناك صِفاتٌ خاصَّةٌ يَأتي بها بَعضُ الخَلائِقِ، وهيَ هَيئاتٌ مُختَلِفةٌ بَعضُها حَسَنٌ، وبَعضُها قَبيحٌ، بحَسَبِ ما قَدَّموه من خَيرٍ وشَرٍّ.
يَبعثُ اللهُ كلَّ إنسانٍ على ما ماتَ عليه مِن اعتقادٍ وعملٍ فيُجازِيه عليه.
"يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ علَى ما ماتَ عليه."الراوي : جابر بن عبدالله - صحيح مسلم .
فعلى الإنسانِ أنْ يَجتَهِدَ في فِعْلِ الأعْمالِ الصالِحَةِ؛ لأجْلِ أنْ يَبعَثَه اللهُ عزَّ وجلَّ على عَمَلٍ صالِحٍ، وعليه أنْ يَتَمسَّكَ بالإسلامِ وحدُودِهِ في حَياتِه؛ لِيَموتَ على ذلكَ الحال .
يَبعثُ اللهُ كلَّ إنسانٍ على ما ماتَ عليه مِن اعتقادٍ وعملٍ فيُجازِيه عليه.ومن ذلك:
موت الحاج:
"أنَّ رَجُلًا كانَ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وهو مُحْرِمٌ، فَمَاتَ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اغْسِلُوهُ بمَاءٍ وسِدْرٍ، وكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، ولَا تَمَسُّوهُ بطِيبٍ، ولَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فإنَّه يُبْعَثُ يَومَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا."الراوي : عبدالله بن عباس - صحيح البخاري .
أَمَر النبيُّ صَلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يَغسِلوه بِماءٍ وسِدْرٍ، وهو ورقُ شجرِ النَّبْقِ، له رائحةٌ طيِّبةٌ، ولكنْ لا يُستخدَمُ كطِيبٍ، وأن يُكَفِّنوه في ثَوبَينِ، ولا يُحَنِّطوه بوضعِ الطِّيبِ الَّذي يُخلطُ ويوضَعُ للمَيتِ؛ لأنَّه قد مات متلبِّسًا بالحجِّ، والحاجُّ لا يَتطيَّبُ، ولا يُخَمِّروا رَأْسَه، فلا يُغَطُّوه؛ لِأَنَّه مُحرِمٌ، وعلَّل ذلك بأنَّه يُبعَثُ يَومَ القيامةِ يُلَبِّي، وهي الصورةُ التي مات عليها. وفي الحَديثِ: أنَّ المُحرِمَ إذا مات فإنَّه يَبقى في حَقِّه حُكمُ الإحْرامِ، فلا يُحَنَّطُ، ولا يُغَطَّى رَأْسُه، ولا يُكَفَّنُ في ثَلاثةِ أثْوابٍ كغَيرِه. وفيه: الكَفَنُ في ثَوبَيْنِ لِلمُحْرِمِ. وفيه: مَشروعيَّةُ تَكْفينِ المُحرِمِ في ثيابِ إحْرامِه.الدرر السنية.
الشهيد: قال النبي صلى الله عليه وسلم :"كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ في سَبيلِ اللَّهِ، يَكونُ يَومَ القِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا، إذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، والعَرْفُ عَرْفُ المِسْكِ." الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري
يُبيِّنُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ كلَّ جُرحٍ يُجرَحُه المسلمُ في القتالِ في سَبيلِ اللهِ، يكونُ يومَ القِيامةِ على حالتِه الَّتي جُرحِ به في الدُّنيا عندَما طُعِنَ، يَسيلُ ويَتفجَّرُ منها الدَّمُ، ولكنَّ هذا الدَّمَ وإنْ كان لوْنُه لوْنَ الدَّمِ إلَّا أنَّ عَرْفَه -يعني: رائحتَه- تكونُ طَيِّبةً مِثلَ رائحةِ المِسْكِ. وقيل: الحِكمةُ في كَونِ الدَّمِ يَأتي يومَ القِيامةِ على هَيئتِه أنَّه يَشهَدُ لِصاحِبِه بفَضْلِه، وعلى قاتِلِه بفِعلِه، وفائدةُ رائحتِه الطَّيِّبةِ أنْ تَنتشِرَ في أهلِ الموقفِ؛ إظهارًا لفَضيلتِه أيضًا، ومِن ثَمَّ لم يُشرَعْ غَسْلُ شَهيدِ المَعركةِ.
حَشرُ المُتكَبِّرينَ يَوم القيامةِ:
"يُحشَرُ المتَكَبِّرونَ يومَ القيامةِ أمثالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجالِ يغشاهمُ الذُّلُّ من كلِّ مَكانٍ، يُساقونَ إلى سجنٍ في جَهَنَّمَ يسمَّى بولُسَ تعلوهُم نارُ الأَنْيارِ يُسقونَ من عُصارةِ أَهْلِ النَّارِ طينةَ الخبالِ"خلاصة حكم المحدث : حسن-الراوي : عبدالله بن عمرو - المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الترمذي .
توَعَّد اللهُ تعالى المتكبِّرين الَّذين يتَكبَّرون على عِبادةِ اللهِ تعالى، وعلى خلْقِ اللهِ بأشَدِّ أنواعِ العذابِ يومَ القيامةِ. والكِبرُ: إنكارُ الحقِّ وتَحقيرُ النَّاسِ.
"يومَ القيامةِ"، أي: يَحشُرُهم يَومَ القيامةِ في أرضِ المَحشَرِ، وهُم "أمثالُ"، أي: مِثلُ وفي حَجْمِ، "الذَّرِّ"، أي: النَّملِ الصَّغيرِ،وقيل: الذَّرَّةُ يُرادُ بها ما يُرى مِن هباءٍ وغُبارٍ في شُعاعِ الشَّمسِ الدَّاخِلِ في النَّافذةِ، في "صُورِ الرِّجالِ"، أي: على صُورِ الرِّجالِ في هيئَتِهم، ولكنَّ حَجْمَهم حَجمُ النَّملِ في الصِّغَرِ والحقارةِ، "يَغْشاهم"، أي: يأتيهم ويَنالُهم، "الذُّلُّ"، أي: المهانةُ، "مِن كلِّ مكانٍ" ومِن كلِّ جانبٍ بأنْ يطَأَهم الخلائقُ ويَدوسوا عليهم بأرجُلِهم؛ وذلك الجَزاءُ مِن جِنسِ عَملِهم؛ فإنَّهم لَمَّا تَكبَّروا وأرادوا العِزَّةَ والعُلوَّ بغيرِ الحقِّ، أذلَّهم اللهُ تعالى وصَغَّرَ وحَقَّرَ شأنَهم؛ فعُومِلُوا بنقيض قَصدِهم جَزاءً وفاقًا. ، يُساقونَ إلى سجنٍ في جَهَنَّمَ يسمَّى بولُسَ: ويُسحَبون ويُجَرُّون، أي: تَسوقُهم الملائكةُ بأمرِ ربِّها إلى "سِجْنٍ"، وهو المكانُ المُظلِمُ الضَّيِّقُ المُعَدُّ للحبسِ "في جَهنَّمَ"، أعَدَّه اللهُ تعالى للمُتكبِّرين، "يُسمَّى" هذا السِّجنُ باسمِ "بَولَسَ"- بفتحِ الباءِ وقيل: بضَمِّها، وسكونِ الواو وفتحِ اللَّامِ- قيل: هو مِن الإبلاسِ، بمعنى: اليأسِ، ولعلَّ هذا السِّجنَ إنَّما سُمِّي به؛ لأنَّ الدَّاخِلَ فيه يائسٌ مِن الخَلاصِ عمَّا قريبٍ، "تَعْلوهُم"، أي: تأتي مِن فوقِهم، وتَغْشاهم وتُحيطُ بهم "نارُ الأنيارِ"، جمعُ نارٍ، وأُضيفَ إليها لفظُ نارٍ؛ للمُبالَغةِ في الإحراقِ وشِدَّةِ الحرِّ، وقيل: إنَّها أصلُ نيرانِ العالَمِ، "يُسقَون" بصيغةِ المجهولِ، أي: تَسْقيهم الملائكةُ مِن خزَنةِ جَهنَّمَ بأمرِ ربِّها، "مِن عُصارةِ أهلِ النَّارِ"، وهو ما يَسيلُ مِن دَمٍ وقيحٍ وصديدٍ مِن أهلِ النَّارِ، ونَتنِهم، وهذه العُصارةُ تُسمَّى "طِينةَ الخَبالِ"، أي: الفسادَ الَّذي يَفسُدُ به البدَنُ.
وفي الحديثِ: ذَمُّ الكِبْرِ والمتكبِّرين، وبيانُ سُوءِ عاقِبَتِهم.
وفيه: تَعدُّدُ أنواعِ العَذابِ في النَّارِ، أعاذَنا اللهُ منها.الدرر السنية.
حَشْرُ السَّائِلينَ غَيرِ المُحتاجينَ:
"ما يَزالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حتَّى يَأْتِيَ يَومَ القِيامَةِ وليسَ في وجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ."الراوي : عبدالله بن عمر-صحيح مسلم.
المالُ مِن فِتَنِ الحياةِ الدُّنيا التي يَنبغي لِلمُؤمِنِ أنْ يَصُونَ نفْسَه عن الحِرصِ عليه، ويَحترِزَ مِن أنْ يَتطلَّعَ إلى ما في أيْدي الناسِ، ويَجترِئَ على سُؤالِهم بغَيرِ حاجةٍ، فيَبَوءَ بخِزْيِ الدُّنيا والآخرةِ. وفي الحديثُ بَيَّنَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ الإنسانَ الذي يَسأَلُ الناسَ عن غَيرِ فَقْرٍ وَفاقةٍ، وإنَّما يَسأَلُ تَكثُّرًا، ويُذِلُّ نفْسَه، ويَمتهِنُ كَرامتَه الَّتي أوجَبَ اللهُ عليه صِيانتَها -يَغضَبُ اللهُ عليه، فيُذِلُّه ويُهِينُه يومَ القيامةِ كما أذَلَّ نفْسَه في الدُّنيا، ويَفضَحُه على رُؤوسِ الأشهادِ، فيَسلَخُ له وَجْهَه كلَّه، حتَّى يَأتيَ أمامَ النَّاسِ وليس في وَجْهِه قِطعةُ لحمٍ؛ جَزاءً وِفاقًا لِما فَعَله في الدُّنيا مِن إراقةِ ماءِ وَجْهِه.الدرر السنية.
حَشْرُ أصحابِ الغُلولِ:
قال اللهُ تعالى: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ "آل عمران: 161 .
يَعني لا تَغُلُّوا من الغَنيمةِ شَيئًا؛ فإنَّ من غَلَّ منها شَيئًا يَكونُ يَومُ القيامةِ حامِلًا لذلك الشَّيءِ؛ ليَكونَ أفضَحَ له.
قال القُرطُبيُّ: قَولُه تعالى: وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أي: يَأتي به حامِلًا له على ظَهرِه ورَقبَتِه، مُعَذَّبًا بحَملِه وثِقلِه، ومَرعوبًا بصَوتِه، ومُوبَّخًا بإظهارِ خيانَتِه على رُءوسِ الأشهادِ.
"أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اسْتَعْمَلَ عامِلًا، فَجاءَهُ العامِلُ حِينَ فَرَغَ مِن عَمَلِهِ، فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، هذا لَكُمْ، وهذا أُهْدِيَ لِي. فقالَ له: أفَلا قَعَدْتَ في بَيْتِ أبِيكَ وأُمِّكَ، فَنَظَرْتَ أيُهْدَى لكَ أمْ لا؟! ثُمَّ قامَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلاةِ، فَتَشَهَّدَ وأَثْنَى علَى اللَّهِ بما هو أهْلُهُ، ثُمَّ قالَ: أمَّا بَعْدُ؛ فَما بالُ العامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ، فَيَأْتِينا فيَقولُ: هذا مِن عَمَلِكُمْ، وهذا أُهْدِيَ لِي؟! أفَلا قَعَدَ في بَيْتِ أبِيهِ وأُمِّهِ فَنَظَرَ: هلْ يُهْدَى له أمْ لا؟! فَوالَّذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لا يَغُلُّ أحَدُكُمْ مِنْها شيئًا إلَّا جاءَ به يَومَ القِيامَةِ يَحْمِلُهُ علَى عُنُقِهِ؛ إنْ كانَ بَعِيرًا جاءَ به له رُغاءٌ ، وإنْ كانَتْ بَقَرَةً جاءَ بها لها خُوارٌ، وإنْ كانَتْ شاةً جاءَ بها تَيْعَرُ، فقَدْ بَلَّغْتُ. "الراوي : أبو حميد الساعدي -صحيح البخاري .
الوِلَايَةُ والإِمَارَةُ مِن الأَمانةِ التي سَيُسأَل عنها الوَالِي والأَمِيرُ؛ فكلُّ مَن تَولَّى أمرًا للمُسلِمين فإنَّه مَسؤُول عنه أمامَ اللهِ تعالَى، ولا يَنبغي لِمَن تَولَّى أمرًا أنْ يَستغِلَّ هذا الأمرَ لِتَحقيقِ مَصلحةٍ خاصَّةٍ له لم يكُنْ لِيُحقِّقَها إلَّا بتَوَلِّيه هذا المنصبَ.
ولذلك لَمَّا استَعْمَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عاملًا لِيَجْمَعَ الزَّكاةَ.فجاء هذا الرَّجُلُ إلى المدينةِ بعدَ رُجوعِه مِن عمَلِه، وأَعْطَى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مالًا وقال له"هذا مالُكم"، وقال لِمَالٍ معه"وهذا أُهْدِيَ لي"، فقَالَ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُنكِرًا عليه: لوْ قَعَدْتَ في بيْتِ أَبِيك أو بيْتِ أُمِّك، لم يكُنْ لِيُهْدَى إليك شَيْءٌ، وإنَّما أُهدِيَ إليك لأجْلِ العملِ الذي تَقَلَّدْتَه.الدرر السنية.
ثم أقسم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم باللهِ الذي يملِكُ قَبْضَ رُوحِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنه لا يَأخُذُ أحدٌ شيْئًا مِن الصَّدَقَةِ بغَيْر حَقٍّ، إلَّا أتى يوْمَ القِيامةِ حاملًا ما أَخَذَ وسَرَق منها على عُنقِه؛ فإنْ كان ما أَخَذه بَعيرًا مِن الجِمالِ، فإنَّه يَأْتي به حاملًا إيَّاهُ على عُنقِه، ويكونُ له رُغَاءٌ، وهو صَوْتُ البَعِير، وإنْ كانتْ بَقَرةً جاءتْ لها خُوَارٌ، وهو صَوْتُ البَقَرِ، وإن كانت شَاةً جاء بها تَيْعَرُ، أي: تَصِيح، وَاليُعَارُ: صَوْتُ الغَنَمِ.الدرر السنية.

أم أبي التراب 05-19-2026 04:48 AM

الزلزلة :
"إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا" الزلزلة:1.
اختلف العلماء في وقت الزلزلة المذكورة في قوله تعالى"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ"الحج:1.هل الزلزلة قبل نفخة البعث أم بعدها؟
قال صاحب أضواء البيان: اختلف العلماء في وقت هذه الزلزلة المذكورة هنا، هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عَرَصَات القيامِةِ - قال ابن حجر في الفتح :181/6 :العَرْصَة: هي البقعة الواسعة بغير بناء من دار و غيرها. "ومنه: عرصات يوم القيامة، وهي المكان الواسع الذي يقف فيه الناس للحساب. - ، أو هي عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من القبور؟
فقالت جماعة من أهل العلم: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر هذه الدنيا، وأول أحوال الساعة، وممن قال بهذا القول، علقمة والشعبي وإبراهيم وعبيد بن عبيد، وهذا القول من حيث المعنى له وجه من النظر، لكنه لم يثبت ما يؤيده من النقل؛ بل الثابت من النقل يؤيد خلافه وهو القول الآخر.
القول الآخر القائلين بأن الزلزلة المذكورة كائنة يوم القيامة بعد البعث من القبور، فهي ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من تصريحه بذلك، وبذلك تعلم أن هذا القول هو الصواب كما لا يخفى.
قال تعالى " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)الحج.
قال البخاري رحمه الله في صحيحه في التفسير في باب قوله : وترى الناس سكارى : قال :حدثنا عمر بن حفص ، قال حدثنا أبي ، قال: حدثنا الأعمش ، قال: حدثنا أبو صالح ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " يقول الله عز وجل يوم القيامة : يا آدم . فيقول : لبيك ربنا وسعديك . فينادى بصوت : إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار . قال : يا رب ، وما بعث النار ؟ قال : من كل ألف - أراه قال - تسعمائة وتسعة وتسعين ، فحينئذ تضع الحامل حملها ، ويشيب الوليد ، وترى الناس سكارى ، وما هم بسكارى ، ولكن عذاب الله شديد . فشق ذلك على الناس ، حتى تغيرت وجوههم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ، ومنكم واحد ، وأنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض ، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود ، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة . فكبرنا ، ثم قال : ثلث أهل الجنة . فكبرنا ، ثم قال : شطر أهل الجنة . فكبرنا " .انتهى من صحيح البخاري.
وفيه تصريح النبي صلى الله عليه وسلم بأن الوقت الذي تضع فيه الحامل حملها ، وترى الناس سكارى ، وما هم بسكارى : هو يوم القيامة لا آخر الدنيا .
مَنْ أول مَنْ يُبْعَث :
أولُ مَنْ يُبْعَث رسولنا صلى الله عليه وسلم ، وهو أول من تنشق عنه الأرض ، كما جاء في الصحيحين .
قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ" أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر، وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه يومَ القيامةِ ولا فخر وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فخر ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فخرَ"خلاصة حكم المحدث : صحيح- الراوي : أبو سعيد الخدري- المحدث : الألباني- المصدر : صحيح ابن ماجه.
"عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ ، فَقَالَ المُسْلِمُ : وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى العَالَمِينَ ، فِي قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ : وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى العَالَمِينَ ، فَرَفَعَ المُسْلِمُ عِنْدَ ذَلِكَ يَدَهُ فَلَطَمَ اليَهُودِيَّ ، فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ المُسْلِمِ ، فَقَالَ: لاَ تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ العَرْشِ ، فَلاَ أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي ، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ"صحيح البخاري كتاب أحاديث الأنبياء.
ثم بعد إفاقة النبي صلى الله عليه وسلم يخرج الناس جميعًا من قبورهم حفاة ؛عراة ؛غُرْلًا أي: غير مختونين.
"يُحْشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، النِّساءُ والرِّجالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ! قالَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: يا عائِشَةُ، الأمْرُ أشَدُّ مِن أنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ."الراوي : عائشة أم المؤمنين -صحيح مسلم.
شرح الحديث : يومُ القيامةِ يَومٌ عَظيمٌ وشَديدٌ، يقومُ فيه النَّاسُ بيْنَ يَدَي ربِّ العالَمِين للحسابِ، وفيه مِن الأهوالِ ما يُذهِلُ العقولَ والألبابَ، ويَظهَرُ النَّاسُ فيه كالسُكارى مِن شِدَّةِ الخوفِ. وفي هذا الحديثِ يَصِفُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعضَ ما في هذا اليومِ، حيث يقولُ"يُحْشَرُ النَّاسُ يومَ القيامةِ"، فيُجْمَعون بعْدَ البَعثِ مِن الموتِ، ويَقُومون للحسابِ، وهم حُفاة الأقدامِ بلا أحذيةٍ ولا نِعالٍ، وعُراةُ الأجسادِ بلا ثِيابٍ ولا سُتُورٍ، غُرْلًا غيرَ مَخْتونِين، قد ذهَب عنهم كلُّ ما كَانوا فيهِ في الدُّنيا وعَادُوا كما خَلَقَهم اللهُ؛ كما في قولِه تعالَى"كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ"الأنبياء: 104، فلمَّا سَمِعَت عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها ذلكَ قالتْ مُتسائلةً مُتعجِّبةً"يا رسولَ اللهِ، النِّساءُ والرِّجالُ جميعًا يَنظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ؟!"، وهذا اسْتِفهامٌ واسْتِغرابٌ من أنْ يُجْمَعَ النُّاسُ عُراةً وعَوْراتهم ظَاهِرة أمام بعضِهم رجالًا ونساءً؛ فهل يَنظُرون إلى بعضِهم البَعضِ؟! فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"يا عائشةُ، الأمرُ أَشَدُّ مِن أنْ يَنظُرَ بعضُهم إلى بعضٍ"، أيْ: إنَّ شأنَ المُوقِفِ والحَشْرِ بَعْدَ البَعْثِ مِن الموتِ فيه مِن الأهوالِ ما يَأخُذُ اهْتِمامَ النَّاسِ وأَبْصارَهم عن النَّظرِ إلى العَوْراتِ، ومِنْها ما قال اللهُ تعالى"يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ"الحج: 2.
انتقال الناس إلى أرض المحشر:
الْحَشْرُ هو إخراج الجماعة عن مقرهم .الْحَشْرُ في الشرع عند الإطلاق إخراج الموتى من قبورهم ، وسوقهم إلى الموقف للحساب والجزاء . والنشر إحياء الميت بعد موته . ومنه قوله تعالى " ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ" عبس: 22. أي أحياه.والْحَشْر يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ النَّشْرِ لِاتِّصَالِهِ بِهِ.
"يُحْشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيامَةِ علَى أرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ، كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ. قالَ سَهْلٌ أوْ غَيْرُهُ: ليسَ فيها مَعْلَمٌ لأحَدٍ. "الراوي : سهل بن سعد الساعدي -صحيح البخاري.
عَفْراءَ : أي: ليْس بَياضُها بالنَّاصعِ، أو تَضرِبُ إلى الحُمرةِ قليلًا، كَقُرْصَةِ خُبْزٍ نَقِيٍّ سالمٍ دَقيقُه مِن الغشِّ والنُّخالةِ.
ليسَ فيها مَعْلَمٌ لأحَدٍ : ليْس في الأرضِ المذكورةِ شيءٌ مِنَ العلاماتِ التي يُهتدَى بها ويُستدَلُّ بها على الطَّريقِ، وفي هذا تعريضٌ بأنَّ أرضَ الدُّنيا ذهبت وانقطعت العَلاقةُ منها.
وَوَقَعَ خِلافٌ في أرضِ المَحْشَرِ فهَل هيَ أرضٌ أخرى غَيرُ أرضِ الدُّنيا أو هيَ ذاتُها مَعَ تَبديلِ صِفاتِها إلى صِفاتٍ أخرى؟
قال اللهُ تعالى" يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ "إبراهيم: 48.
وقال السَّعديُّ "يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيرَ الأَرْضِ والسَّمَوَاتُ" وهذا التَّبديلُ تَبديلُ صِفاتٍ، لا تَبديلُ ذاتٍ؛ فإنَّ الأرضَ يَومَ القيامةِ تُسوَّى وتُمَدُّ كمدِّ الأديمِ ويُلقى ما على ظَهرِها من جَبَلٍ ومَعلَمٍ، فتَصيرُ قاعًا صَفْصفًا – أي مستويًا لا يرى فيه أيها الناظر عِوَجًا، هذا من تمام استوائها ، لا تَرى فيها عِوَجًا ولا أَمْتًا.أَمْتًا :الروابي والنشوز.
".......يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ والكَرْبِ ما لا يُطِيقُونَ ولَا يَحْتَمِلُونَ...."الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري.
وفي رواية أخرى:
"...يَجْمَعُ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، فيُبْصِرُهُمُ النَّاظِرُ ويُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وتَدْنُو منهمُ الشَّمْسُ ...." الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري.
قال القُرطُبيُّ: المَعنى أنَّهم يُجمَعونَ في مَكانٍ واحِدٍ بحَيثُ لا يَخفى منهم أحَدٌ لَو دَعاهم داعٍ لسَمعوه، ولَو نَظَرَ إليهم ناظِرٌ لأدرَكَهم.
وقال ابنُ عُثَيمين: إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتعالى يَجمَعُ الأوَّلينَ والآخِرينَ في صَعيدٍ واحِدٍ مُتَساوٍ، يُسمِعُهمُ الدَّاعي ويَنفُذُهمُ البَصَرُ، نَحنُ في الدُّنيا لَسنا على أرضٍ مُتَساويةٍ، بَل على أرضٍ تُشبِه الكُرةَ؛ ولِذلك لا يَنفُذُ البَصَرُ إلى ما وراءَ المُنحَنى؛ مُنحَنى الكُرةِ، ولا يُسمعُ الدَّاعي، لَكِن في الآخِرةِ يَقولُ الله عزَّ وجَلَّ"وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ"الانشقاق: 3.يَعني: تُمَدُّ مَدًّا واحِدًا ليس فيها جِبالٌ ولا انحِناءٌ ولا مَساكِنُ؛ ولِهذا يُسمِعُهمُ الدَّاعي؛ لأنَّه لا يوجَدُ شَيءٌ يَرُدُّ الصَّوتَ، ويَنفُذُهمُ البَصَرُ: يُرى أقصاهم كما يُرى أدناهم، فيُحشَرُ الخَلائِقُ كُلُّهم على هذه الأرضِ المَسطوحةِ، لا جِبالَ ولا أنهارَ ولا شِعابَ ولا غَيرَها. لقاء الباب المفتوح: رقم اللقاء: 234.
صِفةُ حَشرِ الخَلْقِ:
هناك صِفاتٌ عامَّةٌ يُحشَرُ عليها جَميعُ البَشَرِ، وهيَ حَشرُهم حُفاةً عُراةً غُرْلًا.
" إنَّكُمْ مُلَاقُو اللهِ مُشَاةً حُفَاةً، عُرَاةً غُرْلًا." الراوي : عبدالله بن عباس -صحيح مسلم .
"إنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفاةً عُراةً غُرْلًا ، ثُمَّ قَرَأَ"كما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عليْنا إنَّا كُنَّا فاعِلِينَ"الأنبياء: 104، وأَوَّلُ مَن يُكْسَى يَومَ القِيامَةِ إبْراهِيمُ....."الراوي : عبدالله بن عباس - صحيح البخاري .
والمَقصودُ أنَّهم يُحشَرونَ كما خُلِقوا لا شَيءَ مَعَهم ولا يُفقَدُ منهم شَيءٌ حَتَّى الغُرلةُ تَكونُ مَعَهم.شرح صحيح مسلم.فمن بُتِرَ منه أي عضو في الدنيا يعود كما كان في هذا اليوم العصيب.
فكَما أنَّ الإنسانَ يَخرُجُ من بَطنِ أمِّه هَكَذا عاريًا غَيرَ مُنتَعِلٍ، غَيرَ مَختونٍ، ليس معه مالٌ، فكَذلك يَخرُجُ من بَطنِ الأرضِ يَومَ القيامةِ على هذه الصِّفةِ.
ذكَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ أوَّلَ مَن يُكْسى مِن الأنبياءِ يَومَ القيامةِ إبراهيمُ الخَليلُ عليه السَّلامُ، ولا يَلزَمُ مِن تَخصيصِ نَبيِّ اللهِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ بأنَّه أوَّلُ مَن يُكْسَى، أفْضلِيَّتُه على نَبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فاللهُ عزَّ وجلَّ قَد يَخُصُّ أحدًا مِن الأنبياءِ أو غيرِهم بشَيءٍ يَتمَيَّزُ به عَن غيرِه، ولا يُوجِبُ ذلكَ الفضْلَ المُطلَقَ.
وهناك صِفاتٌ خاصَّةٌ يَأتي بها بَعضُ الخَلائِقِ، وهيَ هَيئاتٌ مُختَلِفةٌ بَعضُها حَسَنٌ، وبَعضُها قَبيحٌ، بحَسَبِ ما قَدَّموه من خَيرٍ وشَرٍّ.
يَبعثُ اللهُ كلَّ إنسانٍ على ما ماتَ عليه مِن اعتقادٍ وعملٍ فيُجازِيه عليه.
"يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ علَى ما ماتَ عليه."الراوي : جابر بن عبدالله - صحيح مسلم .
فعلى الإنسانِ أنْ يَجتَهِدَ في فِعْلِ الأعْمالِ الصالِحَةِ؛ لأجْلِ أنْ يَبعَثَه اللهُ عزَّ وجلَّ على عَمَلٍ صالِحٍ، وعليه أنْ يَتَمسَّكَ بالإسلامِ وحدُودِهِ في حَياتِه؛ لِيَموتَ على ذلكَ الحال .
يَبعثُ اللهُ كلَّ إنسانٍ على ما ماتَ عليه مِن اعتقادٍ وعملٍ فيُجازِيه عليه.ومن ذلك:
موت الحاج:
"أنَّ رَجُلًا كانَ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وهو مُحْرِمٌ، فَمَاتَ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اغْسِلُوهُ بمَاءٍ وسِدْرٍ، وكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، ولَا تَمَسُّوهُ بطِيبٍ، ولَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فإنَّه يُبْعَثُ يَومَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا."الراوي : عبدالله بن عباس - صحيح البخاري .
أَمَر النبيُّ صَلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يَغسِلوه بِماءٍ وسِدْرٍ، وهو ورقُ شجرِ النَّبْقِ، له رائحةٌ طيِّبةٌ، ولكنْ لا يُستخدَمُ كطِيبٍ، وأن يُكَفِّنوه في ثَوبَينِ، ولا يُحَنِّطوه بوضعِ الطِّيبِ الَّذي يُخلطُ ويوضَعُ للمَيتِ؛ لأنَّه قد مات متلبِّسًا بالحجِّ، والحاجُّ لا يَتطيَّبُ، ولا يُخَمِّروا رَأْسَه، فلا يُغَطُّوه؛ لِأَنَّه مُحرِمٌ، وعلَّل ذلك بأنَّه يُبعَثُ يَومَ القيامةِ يُلَبِّي، وهي الصورةُ التي مات عليها. وفي الحَديثِ: أنَّ المُحرِمَ إذا مات فإنَّه يَبقى في حَقِّه حُكمُ الإحْرامِ، فلا يُحَنَّطُ، ولا يُغَطَّى رَأْسُه، ولا يُكَفَّنُ في ثَلاثةِ أثْوابٍ كغَيرِه. وفيه: الكَفَنُ في ثَوبَيْنِ لِلمُحْرِمِ. وفيه: مَشروعيَّةُ تَكْفينِ المُحرِمِ في ثيابِ إحْرامِه.الدرر السنية.
الشهيد: قال النبي صلى الله عليه وسلم :"كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ في سَبيلِ اللَّهِ، يَكونُ يَومَ القِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا، إذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، والعَرْفُ عَرْفُ المِسْكِ." الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري
يُبيِّنُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ كلَّ جُرحٍ يُجرَحُه المسلمُ في القتالِ في سَبيلِ اللهِ، يكونُ يومَ القِيامةِ على حالتِه الَّتي جُرحِ به في الدُّنيا عندَما طُعِنَ، يَسيلُ ويَتفجَّرُ منها الدَّمُ، ولكنَّ هذا الدَّمَ وإنْ كان لوْنُه لوْنَ الدَّمِ إلَّا أنَّ عَرْفَه -يعني: رائحتَه- تكونُ طَيِّبةً مِثلَ رائحةِ المِسْكِ. وقيل: الحِكمةُ في كَونِ الدَّمِ يَأتي يومَ القِيامةِ على هَيئتِه أنَّه يَشهَدُ لِصاحِبِه بفَضْلِه، وعلى قاتِلِه بفِعلِه، وفائدةُ رائحتِه الطَّيِّبةِ أنْ تَنتشِرَ في أهلِ الموقفِ؛ إظهارًا لفَضيلتِه أيضًا، ومِن ثَمَّ لم يُشرَعْ غَسْلُ شَهيدِ المَعركةِ.
حَشرُ المُتكَبِّرينَ يَوم القيامةِ:
"يُحشَرُ المتَكَبِّرونَ يومَ القيامةِ أمثالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجالِ يغشاهمُ الذُّلُّ من كلِّ مَكانٍ، يُساقونَ إلى سجنٍ في جَهَنَّمَ يسمَّى بولُسَ تعلوهُم نارُ الأَنْيارِ يُسقونَ من عُصارةِ أَهْلِ النَّارِ طينةَ الخبالِ"خلاصة حكم المحدث : حسن-الراوي : عبدالله بن عمرو - المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الترمذي .
توَعَّد اللهُ تعالى المتكبِّرين الَّذين يتَكبَّرون على عِبادةِ اللهِ تعالى، وعلى خلْقِ اللهِ بأشَدِّ أنواعِ العذابِ يومَ القيامةِ. والكِبرُ: إنكارُ الحقِّ وتَحقيرُ النَّاسِ.
"يومَ القيامةِ"، أي: يَحشُرُهم يَومَ القيامةِ في أرضِ المَحشَرِ، وهُم "أمثالُ"، أي: مِثلُ وفي حَجْمِ، "الذَّرِّ"، أي: النَّملِ الصَّغيرِ،وقيل: الذَّرَّةُ يُرادُ بها ما يُرى مِن هباءٍ وغُبارٍ في شُعاعِ الشَّمسِ الدَّاخِلِ في النَّافذةِ، في "صُورِ الرِّجالِ"، أي: على صُورِ الرِّجالِ في هيئَتِهم، ولكنَّ حَجْمَهم حَجمُ النَّملِ في الصِّغَرِ والحقارةِ، "يَغْشاهم"، أي: يأتيهم ويَنالُهم، "الذُّلُّ"، أي: المهانةُ، "مِن كلِّ مكانٍ" ومِن كلِّ جانبٍ بأنْ يطَأَهم الخلائقُ ويَدوسوا عليهم بأرجُلِهم؛ وذلك الجَزاءُ مِن جِنسِ عَملِهم؛ فإنَّهم لَمَّا تَكبَّروا وأرادوا العِزَّةَ والعُلوَّ بغيرِ الحقِّ، أذلَّهم اللهُ تعالى وصَغَّرَ وحَقَّرَ شأنَهم؛ فعُومِلُوا بنقيض قَصدِهم جَزاءً وفاقًا. ، يُساقونَ إلى سجنٍ في جَهَنَّمَ يسمَّى بولُسَ: ويُسحَبون ويُجَرُّون، أي: تَسوقُهم الملائكةُ بأمرِ ربِّها إلى "سِجْنٍ"، وهو المكانُ المُظلِمُ الضَّيِّقُ المُعَدُّ للحبسِ "في جَهنَّمَ"، أعَدَّه اللهُ تعالى للمُتكبِّرين، "يُسمَّى" هذا السِّجنُ باسمِ "بَولَسَ"- بفتحِ الباءِ وقيل: بضَمِّها، وسكونِ الواو وفتحِ اللَّامِ- قيل: هو مِن الإبلاسِ، بمعنى: اليأسِ، ولعلَّ هذا السِّجنَ إنَّما سُمِّي به؛ لأنَّ الدَّاخِلَ فيه يائسٌ مِن الخَلاصِ عمَّا قريبٍ، "تَعْلوهُم"، أي: تأتي مِن فوقِهم، وتَغْشاهم وتُحيطُ بهم "نارُ الأنيارِ"، جمعُ نارٍ، وأُضيفَ إليها لفظُ نارٍ؛ للمُبالَغةِ في الإحراقِ وشِدَّةِ الحرِّ، وقيل: إنَّها أصلُ نيرانِ العالَمِ، "يُسقَون" بصيغةِ المجهولِ، أي: تَسْقيهم الملائكةُ مِن خزَنةِ جَهنَّمَ بأمرِ ربِّها، "مِن عُصارةِ أهلِ النَّارِ"، وهو ما يَسيلُ مِن دَمٍ وقيحٍ وصديدٍ مِن أهلِ النَّارِ، ونَتنِهم، وهذه العُصارةُ تُسمَّى "طِينةَ الخَبالِ"، أي: الفسادَ الَّذي يَفسُدُ به البدَنُ.
وفي الحديثِ: ذَمُّ الكِبْرِ والمتكبِّرين، وبيانُ سُوءِ عاقِبَتِهم.
وفيه: تَعدُّدُ أنواعِ العَذابِ في النَّارِ، أعاذَنا اللهُ منها.الدرر السنية.
حَشْرُ السَّائِلينَ غَيرِ المُحتاجينَ:
"ما يَزالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حتَّى يَأْتِيَ يَومَ القِيامَةِ وليسَ في وجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ."الراوي : عبدالله بن عمر-صحيح مسلم.
المالُ مِن فِتَنِ الحياةِ الدُّنيا التي يَنبغي لِلمُؤمِنِ أنْ يَصُونَ نفْسَه عن الحِرصِ عليه، ويَحترِزَ مِن أنْ يَتطلَّعَ إلى ما في أيْدي الناسِ، ويَجترِئَ على سُؤالِهم بغَيرِ حاجةٍ، فيَبَوءَ بخِزْيِ الدُّنيا والآخرةِ. وفي الحديثُ بَيَّنَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ الإنسانَ الذي يَسأَلُ الناسَ عن غَيرِ فَقْرٍ وَفاقةٍ، وإنَّما يَسأَلُ تَكثُّرًا، ويُذِلُّ نفْسَه، ويَمتهِنُ كَرامتَه الَّتي أوجَبَ اللهُ عليه صِيانتَها -يَغضَبُ اللهُ عليه، فيُذِلُّه ويُهِينُه يومَ القيامةِ كما أذَلَّ نفْسَه في الدُّنيا، ويَفضَحُه على رُؤوسِ الأشهادِ، فيَسلَخُ له وَجْهَه كلَّه، حتَّى يَأتيَ أمامَ النَّاسِ وليس في وَجْهِه قِطعةُ لحمٍ؛ جَزاءً وِفاقًا لِما فَعَله في الدُّنيا مِن إراقةِ ماءِ وَجْهِه.الدرر السنية.
حَشْرُ أصحابِ الغُلولِ:
قال اللهُ تعالى: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ "آل عمران: 161 .
يَعني لا تَغُلُّوا من الغَنيمةِ شَيئًا؛ فإنَّ من غَلَّ منها شَيئًا يَكونُ يَومُ القيامةِ حامِلًا لذلك الشَّيءِ؛ ليَكونَ أفضَحَ له.
قال القُرطُبيُّ: قَولُه تعالى: وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أي: يَأتي به حامِلًا له على ظَهرِه ورَقبَتِه، مُعَذَّبًا بحَملِه وثِقلِه، ومَرعوبًا بصَوتِه، ومُوبَّخًا بإظهارِ خيانَتِه على رُءوسِ الأشهادِ.
"أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اسْتَعْمَلَ عامِلًا، فَجاءَهُ العامِلُ حِينَ فَرَغَ مِن عَمَلِهِ، فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، هذا لَكُمْ، وهذا أُهْدِيَ لِي. فقالَ له: أفَلا قَعَدْتَ في بَيْتِ أبِيكَ وأُمِّكَ، فَنَظَرْتَ أيُهْدَى لكَ أمْ لا؟! ثُمَّ قامَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلاةِ، فَتَشَهَّدَ وأَثْنَى علَى اللَّهِ بما هو أهْلُهُ، ثُمَّ قالَ: أمَّا بَعْدُ؛ فَما بالُ العامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ، فَيَأْتِينا فيَقولُ: هذا مِن عَمَلِكُمْ، وهذا أُهْدِيَ لِي؟! أفَلا قَعَدَ في بَيْتِ أبِيهِ وأُمِّهِ فَنَظَرَ: هلْ يُهْدَى له أمْ لا؟! فَوالَّذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لا يَغُلُّ أحَدُكُمْ مِنْها شيئًا إلَّا جاءَ به يَومَ القِيامَةِ يَحْمِلُهُ علَى عُنُقِهِ؛ إنْ كانَ بَعِيرًا جاءَ به له رُغاءٌ ، وإنْ كانَتْ بَقَرَةً جاءَ بها لها خُوارٌ، وإنْ كانَتْ شاةً جاءَ بها تَيْعَرُ، فقَدْ بَلَّغْتُ. "الراوي : أبو حميد الساعدي -صحيح البخاري .
الوِلَايَةُ والإِمَارَةُ مِن الأَمانةِ التي سَيُسأَل عنها الوَالِي والأَمِيرُ؛ فكلُّ مَن تَولَّى أمرًا للمُسلِمين فإنَّه مَسؤُول عنه أمامَ اللهِ تعالَى، ولا يَنبغي لِمَن تَولَّى أمرًا أنْ يَستغِلَّ هذا الأمرَ لِتَحقيقِ مَصلحةٍ خاصَّةٍ له لم يكُنْ لِيُحقِّقَها إلَّا بتَوَلِّيه هذا المنصبَ.
ولذلك لَمَّا استَعْمَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عاملًا لِيَجْمَعَ الزَّكاةَ.فجاء هذا الرَّجُلُ إلى المدينةِ بعدَ رُجوعِه مِن عمَلِه، وأَعْطَى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مالًا وقال له"هذا مالُكم"، وقال لِمَالٍ معه"وهذا أُهْدِيَ لي"، فقَالَ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُنكِرًا عليه: لوْ قَعَدْتَ في بيْتِ أَبِيك أو بيْتِ أُمِّك، لم يكُنْ لِيُهْدَى إليك شَيْءٌ، وإنَّما أُهدِيَ إليك لأجْلِ العملِ الذي تَقَلَّدْتَه.الدرر السنية.
ثم أقسم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم باللهِ الذي يملِكُ قَبْضَ رُوحِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنه لا يَأخُذُ أحدٌ شيْئًا مِن الصَّدَقَةِ بغَيْر حَقٍّ، إلَّا أتى يوْمَ القِيامةِ حاملًا ما أَخَذَ وسَرَق منها على عُنقِه؛ فإنْ كان ما أَخَذه بَعيرًا مِن الجِمالِ، فإنَّه يَأْتي به حاملًا إيَّاهُ على عُنقِه، ويكونُ له رُغَاءٌ، وهو صَوْتُ البَعِير، وإنْ كانتْ بَقَرةً جاءتْ لها خُوَارٌ، وهو صَوْتُ البَقَرِ، وإن كانت شَاةً جاء بها تَيْعَرُ، أي: تَصِيح، وَاليُعَارُ: صَوْتُ الغَنَمِ.الدرر السنية.

أم أبي التراب 05-19-2026 04:49 AM

الْحَوْض
وقت الحوض ومكانه:
الصحيح الراجح: أن حوض النبي صلى الله عليه وسلم يكون في عَرَصَات يوم القيامة قبل المرور على الصراط، فالذي يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا.
إن أهل السنة والجماعة يعتقدون بأن الحوض ثابت لإغاثة هذه الأمة من ظمأ الموقف وهوله كرامة منه تعالى لهم. والحوض لغة: مكان تجمع الماء في الأرض، وقيل: هو مجتمع الماء.
"إنَّ لِكلِّ نبيٍّ حَوضًا وإنَّهم يتباهونَ أيُّهم أَكثَرُ واردةً ، وإنِّي أرجو أن أَكونَ أَكثرَهم وارِدةً"الراوي : سمرة بن جندب - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي-الصفحة أو الرقم: 2443 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.
أي: كما أنَّ لي حوضًا سوف تَشْربونَ منه، فإنَّ لكُلِّ نبيٍّ مِنْ الأنبياءِ حوضًا تَشْرَبُ منه صَالحُ أُمَّتِهِ وتَرِدُ عليه. وحوض نبينا أعظم الحياض.
"أنا أكْثَرُ الأنْبِياءِ تَبَعًا يَومَ القِيامَةِ، وأنا أوَّلُ مَن يَقْرَعُ بابَ الجَنَّةِ."الراوي : أنس بن مالك -صحيح مسلم.
و من مَناقِبِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَومَ القيامةِ، أنه أكثرُ الأنبياءِ أتباعًا مُؤمنينَ به وبِرِسالتِه يومَ القيامةِ.

فإذا بُعث الناس وقاموا من قبورهم ذهبوا إلى أرض المحشر ، ثم يقومون في أرض المحشر قيامًا طويلًا ، تشتد معه حالُهم وظمؤُهُم ، ويخافون في ذلك خوفًا شديدًا ؛ لأجل طول المقام ، ويقينهم بالحساب ، وما سيُجري الله - عز وجل – عليهم .
فإذا طال المُقام رَفَعَ الله - عز وجل - لنبيه صلى الله عليه وسلم أولًا حوضه المورود ، فيكون حوضُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في عَرَصَات القيامة ، إذا اشتد قيامهم لرب العالمين ، في يوم كان مقداره خمسينَ ألف سَنة .فمن مات على سنّتِهِ ، غير مغَيِّرٍ ولا مُحْدِثٍ ولا مُبَدِّل : وَرَدَ عليه الحوض ، وسُقِيَ منه ، فيكونُ أول الأمان له أن يكون مَسْقِيًّا من حوض نبينا صلى الله عليه وسلم ،ثم بعدها يُرْفَعُ لكل نبي حوضه ، فيُسْقَى منه صالح أمته.
موقع الإسلام سؤال وجواب.

صفة نهر الكوثر وصفة الحوض:
"لَمَّا عُرِجَ بالنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى السَّمَاءِ، قالَ: أتَيْتُ علَى نَهَرٍ، حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ مُجَوَّفًا، فَقُلتُ: ما هذا يا جِبْرِيلُ؟ قالَ: هذا الكَوْثَرُ " .الراوي : أنس بن مالك - صحيح البخاري.
الكَوثرُ نهَرٌ مِنْ أنهارِ الجنَّةِ، أعطاه اللهُ لنَبيِّه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ زيادةً في إكرامِهِ ولُطفِه به وبأُمَّتِه، وهو مُتَّصِلٌ بالحَوضِ.
وورد في حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" وَسُئِلَ عن شَرَابِهِ فَقالَ: أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ، يَغُتُّ فيه مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الجَنَّةِ، أَحَدُهُما مِن ذَهَبٍ، وَالآخَرُ مِن وَرِقٍ. " الحديث الراوي : ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم - صحيح مسلم.
الميزاب: قَنَاةٌ أَوْ أُنْبُوبٌ يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ مِنِ المواضع العالية.
"والميزابُ" ما يُركَّبُ في السَّقفِ ويُمَدُّ منهُ؛ ليَسيلَ منهُ الماءُ؛ "يَمُدَّانِه" أي: يَزيدانه ويُكثِرانِه "منَ الجنَّةِ"، أي: مِن أَنهارِها.
قال صلى الله عليه وسلم "حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، ماؤُهُ أبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، ورِيحُهُ أطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وكِيزانُهُ كَنُجُومِ السَّماءِ، مَن شَرِبَ مِنْها فلا يَظْمَأُ أبَدًا."الراوي : عبدالله بن عمرو - صحيح البخاري
- قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ما آنِيَةُ الحَوْضِ؟ قالَ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِن عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا، أَلَا في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ المُصْحِيَةِ، آنِيَةُ الجَنَّةِ مَن شَرِبَ منها لَمْ يَظْمَأْ آخِرَ ما عليه، يَشْخَبُ فيه مِيزَابَانِ مِنَ الجَنَّةِ، مَن شَرِبَ منه لَمْ يَظْمَأْ، عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ، ما بيْنَ عَمَّانَ إلى أَيْلَةَ ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ."الراوي : أبو ذر الغفاري - صحيح مسلم.
الحوْضُ مَجمَعُ ماءٍ عَظيمٌ يَرِدُهُ المؤمِنون في عَرَصاتِ القِيامةِ، وهو مِن فضْلِ اللهِ الَّذي أعطاهُ لنَبيِّه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ زِيادةً في إكرامِهِ ولُطفِه به وبأُمَّتِه، وسيَشرَبُ منه المؤمِنون الموحِّدون باللهِ عزَّ وجلَّ.
أَلَا في اللَّيْلَةِ المُظْلِمَةِ المُصْحِيَةِ : أي: اللَّيلةِ الَّتي لا يَظهَرُ فيها القَمَرُ، المُصْحِيَةِ :وهي الصَّافيةُ الَّتي ليسَ فيها سَحابٌ، وخَصَّ اللَّيلةَ المُظلِمةَ المُصْحيةَ لأنَّ النُّجومَ تُرى فيها أكثَرَ، وهذا تَأكيدٌ على كَثرتِها.
آخِرَ ما عليه : والمعنى أنَّه لا يُعاودُه ظَمأٌ بعْدَ شُربِه بها، وهذا الحوضُ يَشْخَبُ فيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الجَنَّةِ :أي: يَتدَفَّقُ ويَسيلُ فيهِ ويُغذِّيهِ مِيزابانِ منَ الجنَّةِ، والميزابُ: هو ما يَسيلُ منه الماءُ مِن مَوضِعٍ عالٍ.
ما بيْنَ عَمَّانَ إلى أَيْلَةَ : عَمَّانَ :وهيَ عاصِمةُ الأُردُنِّ اليومَ إِلى ، أَيْلَةَ: وهِي مَدينةٌ بطَرَفِ الشَّامِ، ويُقالُ لها اليومَ: العَقبةُ، في الأردنِّ على ساحلِ خَليجِ العَقَبةِ، وهذا مِن تَقريبِ سَعةِ الحَوضِ يوْمَ القيامةِ.
وهذا الحوضُ ماؤُه أشدُّ بَياضًا منَ اللَّبنِ، وأَحلى طَعمًا منَ العَسلِ، وقدْ ذَكَر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أوصافًا مُتعدِّدةً لحَوضِه؛ تَرغيبًا للأُمَّةِ في بَذلِ الأسبابِ الموجِبةِ لوُرودِه والشُّربِ منه.
والمؤمن الصِاد ق إذا سمع بمثل هذه الأحاديث اشتاقت نفسه ، وعلت همته ليعمل كلَّ ما يمكنه حتى لا تفوت هذه الشربة الهنيئة .
اللهم ارزقنا شربة لا نظمأ بعدها أبدًا بفضلك وجودك وعفوك.
"أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ أتَى المَقْبُرَةَ، فقالَ: السَّلامُ علَيْكُم دارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وإنَّا إنْ شاءَ اللَّهُ بكُمْ لاحِقُونَ، ودِدْتُ أنَّا قدْ رَأَيْنا إخْوانَنا قالوا: أوَلَسْنا إخْوانَكَ؟ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: أنتُمْ أصْحابِي وإخْوانُنا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ .فقالوا: كيفَ تَعْرِفُ مَن لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِن أُمَّتِكَ؟ يا رَسولَ اللهِ، فقالَ: أرَأَيْتَ لو أنَّ رَجُلًا له خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ ألا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ قالوا: بَلَى يا رَسولَ اللهِ، قالَ: فإنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الوُضُوءِ، وأنا فَرَطُهُمْ علَى الحَوْضِ ألا لَيُذادَنَّ رِجالٌ عن حَوْضِي كما يُذادُ البَعِيرُ الضَّالُّ أُنادِيهِمْ ألا هَلُمَّ فيُقالُ: إنَّهُمْ قدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فأقُولُ سُحْقًا سُحْقًا . وفي رواية: فَلَيُذادَنَّ رِجالٌ عن حَوْضِي."الراوي : أبو هريرة - صحيح مسلم.
ضَرَبَ لهُمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَثَلًا فقالَ: أرَأَيْتَ لو أنَّ رَجُلًا له خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ ألا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟: والغُرَّةُ: هيَ البياضُ في الوَجهِ، والتَّحجيلُ: هو البَياضُ في الأقدامِ، والخَيلُ البُهمُ الدُّهمُ: السَّوداءُ، والمقصودُ أنَّه إذا اختلَطَت هذه الخُيولُ تَميَّزَ بعضُها من بعضٍ بِبيَاضِ الغُرَّةِ والتَّحجيلِ، فكذَلكَ المُسلِمونَ يوم القيامةِ؛ "فإنَّهمْ يأتونَ غُرًّا مُحَجَّلينَ"، أي: بهم نُورٌ مُضيءٌ على جِباهِهم وأيديهم وأرجُلِهم من أثرِ الوُضوءِ، نُورًا ظاهرًا على أعضاءِ الوُضوءِ.
"وأَنا فرَطُهُمْ على الحَوْضِ"، أي: والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هو سابِقُهُم ومُتقدِّمُهم على الحَوضِ يومَ القيامةِ، وهو حوضُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الذي يَسقي منه الوارِدينَ عليه من أُمَّتِه.
ألا لَيُذادَنَّ رِجالٌ عن حَوْضِي كما يُذادُ البَعِيرُ الضَّالُّ أُنادِيهِمْ ألا هَلُمَّ : أخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ الملائكةَ سوفَ تُبعِدُ وتَطرُدُ عنِ الحوضِ أُناسًا وهُم مُقبِلونَ ومُتوجِّهونَ إليه، وهم من المسلِمينَ، كما يَمنَعُ ويَطرُدُ صاحبُ الإبلِ الجَمَلَ الذي ليس من إبلِه، وهو يُزاحِمُها في الطَّعامِ والشَّرابِ، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُنادي هؤلاء النَّاسَ ليأتُوا إلى الحَوضِ، قَبل أن يعرِفَ لماذا يُطرَدونَ؟ " إنَّهُمْ قدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ "، أي: غيَّروا الدِّينَ أو حرَّفوه وانحَرَفوا بعدَك عمَّا تَركتَهم عليه من الالتِزامِ بأمرِ اللهِ سُبحانَه وتَعالَى والانتهاءِ عمَّا نَهى عنه؛ فاللَّهُمَّ ارزُقنا الثَّباتَ على دِينِكَ وسُنَّةِ نبيِّكَ
فيَقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عندَ ذلك " سُحْقًا سُحْقًا" أي: بُعدًا بُعدًا، وكرَّرَه للتَّأكيدِ، وهُو دُعاءٌ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عليهم بالإبعادِ عن حَوضِه أو عنِ الرَّحمةِ.
يَتَلَخَّص في صفة الحوض من الأحاديث السابقة ما يلي:
سعته: مسيرة شهر، وهذا تحديد بالزمان، ومَن أراد التحديد بالمسافة فليتأمل المسافة بين البلدان السابقة.
لونه: أبيض من اللبن، وأبيض من الوَرِق؛ أي: الفضة.
طعمه:أحلى من العسل، ومَنْ يشرب منه لا يظمأ أبدًا.
رائحته: أطيب من ريح المسك.
آنيته: كنجوم السماء في العدد والنور واللمعان.
يصب فيه: مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الجَنَّةِ : أحدهما من ذهب، والآخر من فضة.
هل كل من يشرب من حوض النبي عليه الصلاة والسلام يدخل الجنة؟
أجاب الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك : إي والله، مَنْ شربَ مِن حوضِه لا يدخلُ النَّار،لأنه قال مَن شَرِبَ مِنْها فلا يَظْمَأُ أبَدًا. نعم .
اللهم اجعَلنا من الوارِدين على النبي - صلى الله عليه وسلم -، الشارِبين من حوضه برحمتِك يا أرحم الراحمين.
فالحوض بإذن الله ورحمته، ملتقى أهل الإيمان، و بداية فرح المؤمنين في الْآخرة؛ لأنه لا يشرب منهإلا الفائزون المفلحون . قبلدخولهم الجنان، وهو موعد لقاء مع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم،هناك يطفأ ظمأهم، ويَسكن خوفهم، وتَقر عيونهم، برؤية نبيهم وحبيبهم صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام، وسادة الأمَّه الأعلام..نسأل الله الكريم من فضله ورحمته ..
ثم يقوم الناس مُقامًا طويلاً ، ثم تكون الشفاعة العظمى:

أم أبي التراب 05-19-2026 04:50 AM

الشفاعة العظمى
الشفاعة شرعًا:هي التوسط للغير في جلب المنفعة أو دفع المضرة.
الشفاعة الحسنة : هي التي يتم التوصل بها إلى إيصال الحق لصاحبه دون أن يكون في ذلك ظلم لطرف آخر،بصيغة أخرى الشفاعة الحسنة هي الوساطة في إيصال الخير أو دفع الشر سواء كانت بطلب من المنتفع أم لا.
وأن يعلم أن هذا الشافع لا يعدو كونه سببًا أَذِنَ الله به، وأن النفع والضر بيد الله وحده.
"كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أوْ طُلِبَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، ويَقْضِي اللَّهُ علَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما شَاءَ".الراوي : أبو موسى الأشعري - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم: .1432.
"ويَقْضي اللهُ على لِسانِ نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما شاءَ" يعني: أنَّ ما قدَّره اللهُ وقَضاهُ واقعٌ؛ فإنْ قدَّر تحقيقَ الرَّغبةِ فإنَّها ستقَعُ، وإنْ قدَّر عدَمَ تحقيقِها فإنَّها لا تقَعُ، وكلُّ شَيءٍ بقضاءِ اللهِ وقدَرِه، والأجرُ للشَّفيعِ لا يَتوقَّفُ على تَحقُّقِ الغرَضِ مِن الشَّفاعةِ؛ فهو مأجورٌ لِمُجرَّدِ السَّعيِ.
وفي الحديثِ: التَّرغيبُ في الشَّفاعةِ والسَّعيِ في قَضاءِ حَوائجِ النَّاسِ.
وقوله صلى الله عليه وسلم" تُؤْجَرُوا"موافق لقوله -تبارك وتعالى" مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا"النساء:58"، فهو يؤجر سواء كان الأمر المطلوب قد تحقق تحصيله أو لم يتحقق، فأجره على الله، ويكون قد بذل الأسباب، وأعان أخاه المسلم، وحصل بذلك على الأجر.
الشفاعة في الآخرة :
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله : تنقسم الشفاعة إلى قسمين:
القسم الأول: الشفاعة العامة، ومعنى العموم أن الله سبحانه وتعالى يأذن لمن شاء من عباده الصالحين أن يشفعوا لمن أذن الله لهم بالشفاعة فيهم، وهذه الشفاعة ثابتة للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وهي أن يشفع في أهل النار من عصاة المؤمنين أن يخرجوا من النار.
القسم الثاني: الشفاعة الخاصة: التي تختص بالنبي صلى الله عليه وسلم وأعظمها الشفاعة العظمى التي تكون يوم القيامة، حين يلحق الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون، فيطلبون من يشفع لهم إلى الله عز وجل أن يريحهم من هذا الموقف العظيم فيذهبون إلى آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى وكلهم لا يشفع حتى تنتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيقوم ويشفع عند الله عز وجل أن يخلص عباده من هذا الموقف العظيم، فيجيب الله تعالى دعاءه، ويقبل شفاعته، وهذا من المقام المحمود الذي وعده الله تعالى به في قوله" وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا "سورة الإسراء/79.
ومن الشفاعة الخاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، فإن أهل الجنة إذا عبروا الصراط أوقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فتمحص قلوب بعضهم من بعض حتى يهذبوا وينقوا ثم يؤذن لهم في دخول الجنة فتفتح أبواب الجنة بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله.طريق الإسلام

"أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أُتِيَ بلَحْمٍ فَرُفِعَ إلَيْهِ الذِّرَاعُ، وكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَشَ منها نَهْشَةً، ثُمَّ قالَ: أنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ، وهلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذلكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ والكَرْبِ ما لا يُطِيقُونَ ولَا يَحْتَمِلُونَ، فيَقولُ النَّاسُ: ألَا تَرَوْنَ ما قدْ بَلَغَكُمْ، ألَا تَنْظُرُونَ مَن يَشْفَعُ لَكُمْ إلى رَبِّكُمْ؟ فيَقولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: علَيْكُم بآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ عليه السَّلَامُ فيَقولونَ له: أنْتَ أبو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بيَدِهِ، ونَفَخَ فِيكَ مِن رُوحِهِ، وأَمَرَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ، ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ، ألَا تَرَى إلى ما قدْ بَلَغَنَا؟ فيَقولُ آدَمُ: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنَّه قدْ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فيَقولونَ: يا نُوحُ، إنَّكَ أنْتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إلى أهْلِ الأرْضِ، وقدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ، ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ فيَقولُ: إنَّ رَبِّي عزَّ وجلَّ قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنَّه قدْ كَانَتْ لي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا علَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى إبْرَاهِيمَ، فَيَأْتُونَ إبْرَاهِيمَ فيَقولونَ: يا إبْرَاهِيمُ أنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وخَلِيلُهُ مِن أهْلِ الأرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ، فيَقولُ لهمْ : إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنِّي قدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ - فَذَكَرَهُنَّ أبو حَيَّانَ في الحَديثِ - نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى مُوسَى فَيَأْتُونَ، مُوسَى فيَقولونَ: يا مُوسَى أنْتَ رَسولُ اللَّهِ، فَضَّلَكَ اللَّهُ برِسَالَتِهِ وبِكَلَامِهِ علَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ، ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ فيَقولُ: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإنِّي قدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غيرِي، اذْهَبُوا إلى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فيَقولونَ: يا عِيسَى أنْتَ رَسولُ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقَاهَا إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ منه، وكَلَّمْتَ النَّاسَ في المَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ؟ فيَقولُ عِيسَى: إنَّ رَبِّي قدْ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، ولَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إلى غيرِي اذْهَبُوا إلى مُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فيَقولونَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ رَسولُ اللَّهِ وخَاتِمُ الأنْبِيَاءِ، وقدْ غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ ألَا تَرَى إلى ما نَحْنُ فِيهِ، فأنْطَلِقُ فَآتي تَحْتَ العَرْشِ ، فأقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عزَّ وجلَّ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِن مَحَامِدِهِ وحُسْنِ الثَّنَاءِ عليه شيئًا، لَمْ يَفْتَحْهُ علَى أحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ،فأرْفَعُ رَأْسِي، فأقُولُ: أُمَّتي يا رَبِّ، أُمَّتي يا رَبِّ، أُمَّتي يا رَبِّ، فيُقَالُ: يا مُحَمَّدُ أدْخِلْ مِن أُمَّتِكَ مَن لا حِسَابَ عليهم مِنَ البَابِ الأيْمَنِ مِن أبْوَابِ الجَنَّةِ، وهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيما سِوَى ذلكَ مِنَ الأبْوَابِ، ثُمَّ قالَ: والذي نَفْسِي بيَدِهِ، إنَّ ما بيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِن مَصَارِيعِ الجَنَّةِ، كما بيْنَ مَكَّةَ وحِمْيَرَ - أوْ كما بيْنَ مَكَّةَ وبُصْرَى -"الراوي : أبو هريرة -صحيح البخاري.

أم أبي التراب 05-19-2026 04:56 AM

مَجيءُ الرَّبِّ سُبحانَه وإتيانُه يَومَ القيامةِ ونُزولُ المَلائِكةِ
وإتيانُه سُبحانه يكونُ على صِفةٍ تَليقُ بذاتِه مِن غيرِ تَأويلٍ، أو تَعطيلٍ، أو تَشبيهٍ.
قال اللهُ تعالى"كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا"الفجر: 21، 22.
قال ابنُ كثيرٍ:إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا :أي: وُطِئَت ومُهِّدَت وسُوِّيتِ الأرضُ والجِبالُ، وقامَ الخَلائِقُ من قُبورِهم لرَبِّهم، وَجَاءَ رَبُّكَ يَعني: لفَصلِ القَضاءِ بينَ خَلقِه، وذلك بَعدَ ما يَستَشفِعونَ إليه بَسَيِّدِ ولَدِ آدَم على الإطلاقِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، بَعدَما يَسألونَ أُولي العَزمِ من الرُّسُلِ واحِدًا بَعدَ واحِدٍ، فكُلُّهم يَقولُ: لَستُ بصاحِبِ ذاكم، حَتَّى تَنتَهيَ النَّوبةُ إلى مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيَقولُ: "أنا لها، أنا لها" ا.هـ.
وذلك أنَّ اللهَ تعالى يَطوي السَّمَواتِ والأرضَ، وتُنثَرُ الكَواكِبُ، وتُكَوَّرُ الشَّمسُ والقَمَرُ، وتَنزِلُ المَلائِكةُ الكِرامُ، فتُحيطُ بالخَلائِقِ، ويَنزِلُ الباري تَبارك تعالى: فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ؛ ليَفصِلَ بينَ عِبادِه بالقَضاءِ العَدْلِ.
قال تعالى "هَل يَنظُرونَ إلَّا أن يَأتيَهُمُ اللهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ"البقرة:210. يَعني: يَومَ القيامةِ، لفَصلِ القَضاءِ بينَ الأوَّلينَ والآخِرينَ، فيَجزي كُلَّ عامِلٍ بعَمَلِه؛ إنْ خَيرًا فخيرٌ، وإنْ شَرًّا فشَرٌّ؛ ولِهذا قال بنفس الآية " وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ" .
قال السَّعديُّ: يُخبِرُ تعالى عن عَظمةِ يَومِ القيامةِ وما فيه من الشِّدَّةِ والكُروبِ، ومُزعِجاتِ القُلوبِ، فقال: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالغَمَامِ وذلك الغَمامُ الذي يَنزِلُ اللهُ فيه، يَنزِلُ من فوقِ السَّمَواتِ فتَنفَطِرُ له السَّماواتُ وتَشَقَّقُ وتَنزِلُ مَلائِكةُ كُلِّ سَماءٍ، فيَقِفونَ صَفًّا صَفًّا، إمَّا صَفًّا واحِدًا مُحيطًا بالخَلائِقِ، وإمَّا كُلُّ سَماءٍ يُكونونَ صَفًّا، ثُمَّ السَّماءُ التي تَليها صَفًّا، وهَكَذا.
القَصدُ أنَّ المَلائِكةَ -على كثرَتِهم وقوَّتِهم- يَنزِلونَ مُحيطينَ بالخَلقِ مَذعِنينَ لأمرِ رَبِّهم، لا يَتَكَلَّمُ منهم أحَدٌ إلَّا بإذْنٍ من الله، فما ظَنُّك بالآدَميِّ الضَّعيفِ خُصوصًا الذي بارَز مالِكَه بالعَظائِمِ، وأقدَمَ على مَساخِطِه ثُمَّ قَدِمَ عليه بذُنوبٍ وخَطايا لَم يَتُبْ منها؟! فيَحكمُ فيه المَلِكُ الحَقُّ بالحُكمِ الذي لا يَجورُ ولا يَظلِمُ مِثقالَ ذَرَّةٍ؛ ولِهذا قال "الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا" الفرقان: 26.وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا لصُعوبَتِه الشَّديدةِ، وتَعَسُّرِ أمورِه عليه، بخِلافِ المُؤمِنِ فإنَّه يَسيرٌ عليه خَفيفُ الحِملِ.
"وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ" الزمر:69. قال الشيخ السَّعديُّ :عُلِمَ من هذا أنَّ الأنوارَ المَوجودةَ تَذهَبُ يَومَ القيامةِ وتَضمَحِلُّ، وهو كذلك؛ فإنَّ اللهَ أخبَرَ أنَّ الشَّمسَ تُكَوَّرُ، والقَمَرَ يُخسَفُ، والنُّجومَ تَندَثِرُ، ويَكونُ النَّاسُ في ظُلمةٍ، فتُشرِقُ عِندَ ذلك الأرضُ بنورِ رَبِّها، عِندَما يَتَجَلَّى ويَنزِلُ للفَصلِ بينَهم، وذلك اليَومُ يَجعَلُ اللهُ للخَلقِ قوَّةً، ويُنشِئُهم نَشأةً يَقْوَونَ على ألَّا يَحرِقَهم نُورُه، ويَتَمَكَّنونَ أيضًا من رُؤيَتِه، وإلَّا فنُورُه تعالى عَظيمٌ، لَو كشَفَه لأحرَقَت سُبُحاتُ وَجْهِه ما انتَهى إليه بصَرُه .
قال جرير بن عبدالله "كُنَّا عِنْدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَنَظَرَ إلى القَمَرِ لَيْلَةً - يَعْنِي البَدْرَ - فَقَالَ: إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كما تَرَوْنَ هذا القَمَرَ، لا تُضَامُّونَ في رُؤْيَتِهِ،....."الراوي : جرير بن عبدالله -صحيح البخاري.
"ستُرَونَ رَبَّكم يَومَ القيامةِ كما تَرَوْنَ هذا القَمَرَ " رُؤيةً مُحقَّقةٌ لا شَكَّ فيها، وهذا مِن تَشبيهِ الرُّؤيةِ بالرُّؤيةِ، وليس تَشبيهًا للمرئيِّ بالمرئيِّ؛ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ ليس كمِثلِه شيءٌ سُبحانَه.وقوله"لا تَضامُّونَ" رُوِيَ بفَتحِ التاءِ والميمِ المُشدَّدةِ، ومَعناه: لا يَنضَمُّ بَعضُكم إلى بَعضٍ في وَقتِ النَّظَرِ، كما تَفعَلونَ في وَقتِ النَّظَرِ لإشكالِه وخَفائِه كما تَفعَلون عندَ النَّظَرِ إلى الهلالِ ونحْوِه، ويُروَى"تُضامُونَ " بضَمِّ التَّاءِ وتَخفيفِ المِيمِ، أيْ: لا يُصيبُكم ظُلمٌ في رُؤيَتِه ولا تَعَبٌ، فلا يَراه بَعضُكم دُونَ بَعضٍ، بل كُلُّكم تَشتَرِكونَ في الرُّؤيةِ، "تُضامُّونَ" بضَمِّ التاءِ وتَشديدِ الميمِ، أي: لا تَتزاحمون ولا تَختلِفون.
إذا جاء الله تعالى يوم القيامة من الذي يراه؟
يراه أهل المحشر ، ثم يحجب عن الكفار، فيشعرون بأشد الحسرة والندم أن حجبوا عن الرب، وأما المؤمنون فإن وجوههم يومئذٍ وجوه ناضرة إلى ربها ناظرة، وقال الله" لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ "سورة يونس 26.
-للذين أحسنوا، لهم ‏"‏ الْحُسْنَى ‏"‏ وهي الجنة الكاملة في حسنها و ‏"وَزِيَادَةٌ "وهي النظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، والفوز برضاه والبهجة بقربه، فبهذا حصل لهم أعلى ما يتمناه المتمنون-
"كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ"المطففين:15.
قال الحُسَينُ بنُ الفضلِ : كما حَجَبَهُم في الدنيا عنْ توحيدِهِ حَجَبَهُمْ في الآخرِةِ عن رؤيتِهِ .
وسُئِلَ مالكٌ عن هذه الآيةِ فقالَ : لمَّا حَجَبَ اللهُ أعداءَهُ فلَمْ يروه تجلَى لأوليائِهِ حتَى رَأَوَهُ .تفسير السعدي للآية.
هل أهل المحشر مؤمنهم وكافرهم يروا الله عز وجل ؟
اختلف العلماء في رؤية المنافقين لله تعالى يوم القيامة ، بل اختلفوا في رؤية الكفار – عمومًا – لله تعالى يوم القيامة .
وسبب هذا الاختلاف أنه لم يرد نص قاطع ، أو ظاهر ظهورًا قويًّا ، يدل على الإثبات أو النفي ، فاجتهد العلماء في فهم النصوص الواردة في ذلك ، ولهذا فليست هذه المسألة من مسائل الاعتقاد التي يجب على كل مسلم أن يعتقدها ، كما أنها ليست من المسائل التي يبدع فيها المخالف ، بل لا حرج على من أثبتها أو نفاها أو توقف فيها، حسب ما ظهر له من الأدلة الشرعية .
اختلف في رؤية أهل المحشر لله على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يراه إلا المؤمنون. قالَ الله تَعَالَى"وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ " القيامة: 22، 23.
الثاني: يراه أهل الموقف مؤمنهم وكافرهم ثم يحتجب عن الكفار ولا يرونه بعد ذلك. قالَ الله تَعَالَى" كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ " المطففين: 15.
الثالث: يراه مع المؤمنين المنافقون دون بقية الكفار؛ وكذلك الخلاف في تكليمه لأهل الموقف. اهـ.شرح الطحاوية للحوالي.إسلام ويب.
فقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله اختلاف العلماء في رؤية الكفار لله تعالى يوم القيامة ، فقال :
"فَأَمَّا " مَسْأَلَةُ رُؤْيَةِ الْكُفَّارِ " : فَأَوَّلُ مَا انْتَشَرَ الْكَلَامُ فِيهَا وَتَنَازَعَ النَّاسُ فِيهَا - فِيمَا بَلَغَنَا - بَعْدَ ثَلَاثمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ الْهِجْرَةِ ، وَأَمْسَكَ عَنْ الْكَلَامِ فِي هَذَا قَوْمٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَتَكَلَّمَ فِيهَا آخَرُونَ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ....
أَحَدُهَا: أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ بِحَالِ ، لَا الْمُظْهِرُ لِلْكُفْرِ وَلَا الْمُسِرُّ لَهُ ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ عُمُومُ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَرَاهُ مَنْ أَظْهَرَ التَّوْحِيدَ مِنْ مُؤْمِنِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَمُنَافِقِيهَا وَغَبَرَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَذَلِكَ فِي عَرْصَةِ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ يَحْتَجِبُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ ، فَلَا يَرَوْنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ . وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ بْنِ خُزَيْمَة مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى نَحْوَهُ فِي حَدِيثِ إتْيَانِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَهُمْ فِي الْمَوْقِفِ الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْكُفَّارَ يَرَوْنَهُ رُؤْيَةَ تَعْرِيفٍ وَتَعْذِيبٍ - كَاللِّصِّ إذَا رَأَى السُّلْطَانَ - ثُمَّ يَحْتَجِبُ عَنْهُمْ لِيَعْظُمَ عَذَابُهُمْ ، وَيَشْتَدَّ عِقَابُهُمْ . وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ سَالِمٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَقَوْل غَيْرِهِمْ؛ وَهُمْ فِي الْأُصُولِ مُنْتَسِبُونَ إلَى الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَإِلَى سَهْلٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْتَسْتَرِي" .
انتهى من "مجموع الفتاوى" (6/486-488) .
عن أَبي هُرَيْرَةَ : " أَنَّ نَاسًا قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللهِ ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ؟ " ، قَالُوا : لَا ، يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ"هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ ؟ " ، قَالُوا : لَا ، يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ" فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ ؛ يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَقُولُ : مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ ... وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ ، فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ ، فَيَقُولُ : أَنَا رَبُّكُمْ . فَيَقُولُونَ : نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا ، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ ، فَيَقُولُ : أَنَا رَبُّكُمْ . فَيَقُولُونَ : أَنْتَ رَبُّنَا ، فَيَتَّبِعُونَهُ ، وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ " رواه البخاري (7437) ، ورواه مسلم (182) واللفظ له .
وعن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ، قَالَ : " قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَة ِ؟ ، قَالَ" هَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ إِذَا كَانَتْ صَحْوًا ؟" ، قُلْنَا : لاَ ، قَالَ "فَإِنَّكُمْ لاَ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئِذٍ ، إِلَّا كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا ، ثُمَّ قَالَ :يُنَادِي مُنَادٍ : لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ... حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : مَا يَحْبِسُكُمْ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ ؟ فَيَقُولُونَ : فَارَقْنَاهُمْ ، وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ اليَوْمَ ، وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي: لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ، وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا ، قَالَ :فَيَأْتِيهِمُ الجَبَّارُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ، فَيَقُولُ : أَنَا رَبُّكُمْ ،- وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين زيادة: فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم-فَيَقُولُونَ : أَنْتَ رَبُّنَا ، فَلاَ يُكَلِّمُهُ إِلَّا الأَنْبِيَاءُ ، فَيَقُولُ : هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ ؟ فَيَقُولُونَ : السَّاقُ ، فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ رِيَاءً وَسُمْعَةً ، فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدَ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا ، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ ..." رواه البخاري (7439) ، ومسلم (183) ..
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في "لقاء الباب المفتوح" : "الناس يوم القيامة على ثلاثة أقسام: كفار خُلَّص، ومؤمنون خُلَّص ، ومنافقون .
أما الكفار الخلص فإنهم لا يرون الله أبدًا ، لقول الله تعالى "كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
" المطففين/15.
وأما المؤمنون الخُلَّص فيرون الله عز وجل يوم القيامة وفي الجنة؛ لقول الله تعالى"وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ"
القيامة/22-23 .
وأما المنافقون فإنهم يرون الله في عرصات القيامة ولا يرونه بعد ذلك، وهذا أشد حسرةً عليهم.. أن يستمتعوا بالنظر إلى الله عز وجل، ثم بعد ذلك يحجبون عنه.
فهذه أقسام الناس يوم القيامة بالنسبة للنظر إلى الرب عز وجل، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يرون ربهم في عرصات القيامة وبعد دخول الجنة" انتهى .

والأهم في هذه المسألة :
- إثبات أن المؤمنين سيرون الله تعالى في موقف الحساب ، وفي الجنة ، وأن هذه الرؤية الحاصلة لهم في الجنة : هي أعظم نعيمهم .
-
أن أحدًا لن يرى الله تعالى في الدنيا ، ولم يختلف العلماء في حصول ذلك لأحد إلا النبي صلى الله عليه وسلم ، مع أن الصحيح في ذلك أنه لم ير ربه
.الإسلام سؤال وجواب


أم أبي التراب 05-19-2026 05:09 AM

العرض والحساب وتطاير الصحف
قال الله جل وعلا "يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ" الحاقة:١٨، وقوله تعالى"وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا" الكهف:٤٨ ، فالناس يُعرضون على الله جل وعلا، بل الخلق كلهم يعرضون ويحشرون إلى رب العالمين، فيقضي الله جل وعلا فيهم بما يشاء.
قال صلى الله عليه وسلم "أَما إنَّكُمْ سَتُعْرَضُونَ علَى رَبِّكُمْ، فَتَرَوْنَهُ كما تَرَوْنَ هذا القَمَرَ".الراوي : جرير بن عبدالله -صحيح مسلم.
قال صلى الله عليه وسلم "ما مِنكُم مِن أحَدٍ إلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، ليسَ بيْنَهُ وبيْنَهُ تُرْجُمانٌ، ولا حِجابٌ يَحْجُبُهُ ."الراوي : عدي بن حاتم الطائي - صحيح البخاري.
ما هو الفرق بين العرض والحساب؟
الفرق بين العرض والحساب، أن الحساب جزء من العرض، والعرض أشمل من الحساب، فالعرض يشمل الوقوف والحساب، أما الحساب فهو بعد الوقوف. كتاب شرح لمعة الاعتقاد - ناصر العقل.
المقصود من تطاير الصحف:
الصحف هي : الكتبُ التي كَتَبَتْ فيها الملائكةُ ما فعلَهُ البشرُ في الحياةِ الدنيا. التطاير: يُقصد به توزيع هذه الصحف على الناس.

الأصل أن يحاسب الناس كلهم في موقف القيامة ، إلا صنفا من الناس ، يتفضل الله عليهم ، فيدخلهم الجنة من غير سبق حساب ، ولا عذاب وهم :
قال صلى الله عليه وسلم "يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتي سَبْعُونَ ألْفًا بغيرِ حِسابٍ، هُمُ الَّذِينَ لا يَسْتَرْقُونَ، ولا يَتَطَيَّرُونَ، وعلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ." الراوي : عبدالله بن عباس -صحيح البخاري.
العَرضُ يَومَ القيامةِ على ثَلاثةِ أنواعٍ:
النَّوعُ الأوَّلُ: عَرضٌ عامٌّ : وَهُوَ عَرْضُ الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ, بَادِيَةٌ لَهُ صَفَحَاتُهُمْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ، هَذَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ وَمَنْ لَا يُحَاسَبُ. فهو لجَميعِ الخَلائِقِ بَرِّهم وفاجِرِهم أمامَ اللهِ تعالى.الحكمي مقتبس بتصرف يسير من معارج القبول للحكمي.
ومن أدَلَّتِه قَولُ اللهِ تعالى " وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ"الكهف: 48.
قال ابنُ جَريرٍ: قَولُه" وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا "الكهف:48.يَقولُ عَزَّ ذِكرُه: وعُرِضَ الخَلقُ على رَبِّكَ يا مُحَمَّدُ صَفًّا .
" لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ " الكهف:48. يَقولُ عَزَّ ذِكْرُه: يُقالُ لهم إذ عُرِضوا على اللهِ: لَقد جِئْتُمونا أيُّها النَّاسُ أحياءً كهيئَتِكم حينَ خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ.ا.هــ.
وقال الشَّوكانيُّ " وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا " الكهف:48. انتِصابُ صَفًّا على الحالِ، أي: مَصفوفينَ كُلُّ أمَّةٍ وزُمرةٍ صَفًّا، وقيلَ: عُرِضوا صَفًّا واحِدًا، كما في قَولِه: ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا أي: جَميعًا، وقيلَ: قيامًا. وفي الآيةِ تَشبيهُ حالِهم بحالِ الجَيشِ الذي يُعرَضُ على السُّلطانِ.
النَّوعُ الثَّاني: عَرضٌ خاصٌّ بالمُؤمِنينَ وهو الحِسابُ اليَسيرُ.
" نَحْنُ الآخِرُونَ مِن أهْلِ الدُّنْيا، والأوَّلُونَ يَومَ القِيامَةِ، المَقْضِيُّ لهمْ قَبْلَ الخَلائِقِ."الراوي : حذيفة بن اليمان- صحيح مسلم.
فإنَّ هَذه الأُمَّةَ وإنْ تَأخَّرَ وُجودُها في الدُّنيا عَنِ الأُممِ السَّابقةِ، فهيَ سابِقةٌ لَهمْ في الآخِرةِ بأنَّهُم أوَّلُ مَن يُحشَرُ، ويُحاسبُ، وأَوَّلُ مَن يُقضَى لهم قَبْلَ النَّاس لِيَدخُلوا الجنَّةَ. وفي الحَديثِ: إكرامُ اللهِ تَعالى لِهَذهِ الأُمَّةِ وتَفضيلُها على غيرِها مِن الأُمَمِ الَّتي سبَقَتْها.الدرر السنية.
حساب عَرْض ، وهذا يخص المؤمن ، يُسأل عن عمله وعلمه ونعمة الله التي منّ بها عليه ، فيجيب بما يشرح صدره ويثبت حجته.وإذا عُرِضَتْ عليه ذنوبُهُ أقرَّ بها فيسترها اللهُ عليه ويتجاوزُ عنه .
فهذا لا يناقش الحساب ولا يدقق عليه ولا يحقق معه ، ويأخذ كتابه بيمينه ، وينقلب إلى أهله في الجنة مسرورًا ؛ لأنه نجا من العذاب وفاز بالثواب .

عن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال"مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ"، قالت: قُلتُ: أليسَ يَقولُ الله تعالى: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا "الانشقاق: 8. قال"ذلكِ العَرضُ" .
قال البَغَويُّ: قَولُه"مَن نوقِشَ الحِسابَ يَهْلِك " فالمُناقَشةُ: الِاستِقصاءُ في الحِسابِ حَتَّى لا يُترَكَ منه شَيءٌ، يُقالُ: انتَقَشتُ منه جَميعَ حَقِّي، ومنه نَقشُ الشَّوكةِ من الرِّجْلِ، وهو استِخراجُها منهـا . ا.هــ.
وقال القسطَلانيُّ "قالت" عائِشةُ "قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ أليسَ يَقولُ الله تعالى: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا"الانشقاق: 8.أي: سَهلًا هيِّنًا بأن يُجازِيَ على الحَسَناتِ ويَتَجاوَزَ عن السَّيِّئاتِ "قال" صلَّى اللهُ عليه وسلَّم "ذلكِ" بكِسرِ الكافِ وتُفتَحُ، أي: الحِسابُ المَذكورُ في الآيةِ "العَرضُ" أي: عَرضُ أعمالِ المُؤمِنِ عليه حَتَّى يَعرِفَ مِنَّةَ اللهِ عليه في سَترِها عليه في الدُّنيا وفي عَفْوه عنها في الآخِرةِ . . ا.هــ.
وعن صَفوانَ بنِ محرزٍ المازِنيِّ قال: بينَما أنا أمشي مَعَ ابنِ عُمرَ رَضِيَ الله عنهما آخِذٌ بيَدِه، إذ عَرضَ رَجُلٌ فقال: كيفَ سَمِعتَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النَّجوى؟ فقال: سَمِعتُ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ"إنَّ اللهَ يُدْني المُؤمِنَ فيَضَعُ عليه كَنَفَه، ويَستُرُه فيَقولُ: أتَعرِفُ ذَنْبَ كذا؟ أتَعرِفُ ذَنْبَ كذا؟ فيَقولُ: نَعَم أيْ رَبِّ. حَتَّى إذا قَرَّرَه بذُنوبِه ورَأى في نَفسِه أنَّه هَلَك قال: سَتَرتُها عليك في الدُّنيا، وأنا أغفِرُها لَك اليَومَ، فيُعطى كِتابَ حَسَناتِه، وأمَّا الكافِرُ والمُنافِقونَ، فيَقولُ الأشهادُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ "هود: 18. الراوي : عبدالله بن عمر - صحيح البخاري.
قال المهلَّبُ: في هذا الحَديثِ عَظيمُ تَفَضُّلِ اللهِ على عِبادِه المُؤمِنينَ وسَتْرِه لذُنوبِهم يَومَ القيامةِ، وأنَّه يَغفِرُ ذُنوبَ من شاءَ منهم بخِلافِ قَولِ من أنفَذَ الوَعيدَ على أهلِ الإيمانِ؛ لأنَّه لَم يَستَثنِ في هذا الحَديثِ عليه السَّلامُ مِمَّن يَضَعُ عليه كنَفَه وسِتْرَه أحَدًا إلَّا الكُفَّارَ والمُنافِقينَ، فإنَّهم الذينَ يُنادى عليهم على رُؤوسِ الأشهادِ باللَّعنةِ لهم . ا.هــ. .
وقال الكَرْمانيُّ: قَولُه"النَّجوى" أي: الذي يَقَعُ بينَ اللهِ وبينَ عَبدِه المُؤمِنِ يَومَ القيامةِ، وهو فضلٌ من الله يَومَ القيامةِ حَيثُ يَذكُرُ المَعاصيَ للعَبدِ سِرًّا.
وقال العَينيُّ"إنَّما أطلَقَ النَّجوى لمُخاطَبةِ الكُفَّارِ على رُؤوسِ الأشهادِ" .
وقال ابنُ المُلقِّنِ: هذا الحَديثُ يُبَيِّنُ أنَّ قَولَه تعالى" ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ "التكاثر: 8، أنَّ السُّؤالَ عن النَّعيمِ الحَلالِ إنَّما هو سُؤالُ تَقريرٍ وتَوقيفٍ له على نِعَمِه التي أنعَمَ بها عليه، ألا تَرى أنَّه تعالى يوقِفُه على ذُنوبِه التي عَصاه فيها ثُمَّ يَغفِرُها له، وإذا كان ذلك فسُؤالُه تعالى عِبادَه عن النَّعيمِ الحَلالِ أَولى أن يَكونَ سُؤالَ تَقريرٍ، لا سُؤالَ حِسابٍ وانتِقامٍ. ا.هــ. .
قال ابن القيم رحمه الله :قال قتادة " إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمه وحقه .
والنعيم المسئول عنه نوعان : نوع أخذ من حله وصرف في حقه فيسأل عن شكره ونوع يأخذ بغير حله وصرف في غير حقه فيسأل عن مستخرجه ومصرفه " انتهىمن "إغاثة اللهفان" 1 /84 .
وقال أيضًا :
" كلُّ أحدٍ يُسألُ عن نعيمِهِ الذي كان فيه في الدنيا هل ناله من حلاله ووجهه أم لا ؟ فإذا تخلص من هذا السؤال سُئل سؤالا آخر هل شكر الله تعالى عليه فاستعان به على طاعته أم لا ؟ فالأول سؤال عن سبب استخراجه والثاني عن محل صرفه " انتهى من "عدة الصابرين" ص 157.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
" اختلف العلماء رحمهم الله في قوله" ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ "
التكاثر: 8، هل المراد الكافر، أو المراد المؤمن والكافر؟ والصواب: أن المراد به المؤمن والكافر، كل يسأل عن النعيم، لكن الكافر يسأل سؤال توبيخ وتقريع ، والمؤمن يسأل سؤال تذكير... سؤال المؤمن سؤال تذكير بنعمة الله عز وجل عليه ، حتى يفرح ويعلم أن الذي أنعم عليه في الدنيا ، تكرم عليهم بنعمته في الآخرة، أما الكافر فإنه سؤال توبيخ وتنبيه "انتهى ، باختصار من "لقاء الباب المفتوح" (98 /9)
عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه قَالَ :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ" .صححه الألباني في " صحيح الترمذي " .

النَّوعُ الثَّالِثُ:عَرضٌ خاصٌّ بالكُفَّارِ والمُنافِقينَ، وهو المُناقَشةُ، وهو عَرضُ فضيحةٍ على رُؤوسِ الأشهادِ، لا سَتْرَ فيه ولا مَغفِرةَ.
وقد دلَّ على هذا قولُ اللهِ تعالى" وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ"هود: 18.
قال السَّمعانيُّ: مَعناه: لا أحَدَ أظلَمُ مِمَّنِ افتَرى على اللهِ كذِبًا، ثُمَّ قال"أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ "العَرضُ: هو إظهارُ الشَّيءِ ليُرى ويُوقَفَ على حالِه، ومنه قَولُهم: عَرضَ السُّلطانُ الجُندَ. وقَولُه" وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ "اختَلَفَ القَولُ في الأشهادِ، رُوِيَ عن ابنِ عَباسٍ أنَّه قال: همُ الأنبياءُ والمُرَسَلونُ. وقال مَجاهدٌ: همُ المَلائِكةُ. وقال بَعضُهم: الخَلائِقُ كُلُّهم .ا.هـ.
وقال ابنُ كثيرٍ: يُبَيِّنُ تعالى حالَ المُفتَرينَ عليه وفَضيحَتَهم في الدَّارِ الآخِرةِ على رُءوسِ الخَلائِقِ من المَلائِكةِ، والرُّسُلِ، والأنبياءِ، وسائِرِ البَشَرِ والجانِّ.ا.هـ. .
وقال السَّعديُّ: يُخبِرُ تعالى أنَّه لا أحَدَ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ويَدخُلُ في هذا كُلُّ من كذَبَ على اللهِ بنِسبةِ الشَّريكِ له، أو وصفِه بما لا يَليقُ بجَلالِه، أوِ الإخبارِ عنه بما لَم يَقُلْ، أوِ ادِّعاءِ النُّبوَّةِ، أو غَيرِ ذلك من الكَذبِ على الله؛ فهؤلاء أعظَمُ النَّاسِ ظُلمًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ ليُجازيَهم بظُلمِهم، فعِندَما يَحكمُ عليهم بالعِقابِ الشَّديدِ يَقُولُ الأَشْهَادُ أي: الذينَ شَهِدوا عليهم بافتِرائِهم وكَذِبِهم: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ أي: لَعنةٌ لا تَنقَطِعُ؛ لأنَّ ظُلمَهم صارَ وصفًا لهم مُلازِمًا، لا يَقبَلُ التَّخفيفَ .ا.هـ. . الموسوعة العقدية . الدرر السنية.
قال أبو القاسِمِ الأصبَهانيُّ: قال بَعضُ العُلَماءِ: يُحاسِبُ اللهُ عِبادَه في القيامةِ ويُناقِشُهم. يُحاسِبُ بالعَرضِ من قَضى له بالمَغفِرةِ، ويُناقِشُ بالحِسابِ من قَضى عليه بالعَذابِ.ا.هـ.
تطاير الصحف والحساب
"وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا""الكهف: 49.
" وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا" الإسراء :13.
فالناس بعد صدورهم من الحوض ومَجيء الرَّبِّ سُبحانَه وإتيانِه، ونُزولُ المَلائِكةِ وبعد العرض والحساب الأول يوقفون ليأخذوا صحفهم، ويروا ما عملوا في دار الابتلاء.
الصحف هي : الكتبُ التي كَتَبَتْ فيها الملائكةُ ما فعلَهُ البشرُ في الحياةِ الدنيا. التطاير: يُقصد به توزيع هذه الصحف على الناس.
قال اللهُ تعالى" وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ "الانفطار: 10 -11.
قال ابنُ جَريرٍ قَولُه" وإنَّ عليكم لحافِظينَ" يَقولُ: وإنَّ عليكم رُقباءَ حافِظينَ يَحفَظونَ أعمالَكم، ويُحصونَها عليكم. كِرامًا كاتِبينَ يَقولُ: كِرامًا على الله كاتِبينَ، يَكتُبونَ أعمالَكم... وقَولُه: يَعلَمونَ ما تَفعَلونَ يَقولُ: يَعلَمُ هؤلاء الحافِظونَ ما تَفعَلونَ من خَيرٍ أو شَرٍّ، يُحصونَ ذلك عليكم.وقال السَّمعانيُّ قَولُه" كاتِبينَ" همُ المَلائِكةُ يَقعُدونَ عن يَمينِ الإنسانِ ويَسارِه، فيَكتُبونَ ما عليه وله .ا.هـ .
قال اللهُ سُبحانَه" إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ اليمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ "
ق: 17-18.

"وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا" الإسراء:13." اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا"
الإسراء:14.
وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ: أي: ما عمل من خير وشر يجعله الله ملازمًا له لا يتعداه إلى غيره، فلا يحاسب بعمل غيره ولا يحاسب غيره بعمله.
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا: أي: نَجمَعُ له عَمَلَه كُلَّه في كِتابٍ يراه مفتوحًا ، مَنْشُورًا أي: مَفتوحًا يَقرَؤُه هو وغَيرُه، قد سُجِّلت فيه ما عمله من الخير والشر حاضرًا صغيره وكبيره ، يُعطاه يَومَ القيامةِ؛ إمَّا بيَمينِه إن كان سَعيدًا، أو بشِمالِه إن كان شَقيًّا.
اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا:أي: يُقالُ له اقرَأْ كِتابَك مُحاسِبًا نَفْسِك ،فكُلُّ أحَدٍ يَقرَأ كِتابَه من كاتِبٍ وأمِّيٍّ. قال قتادةُ: سَيَقرَأُ يَومَئِذٍ من لَم يَكُن قارِئًا في الدُّنيا.ا.هـ.
قال اللهُ سُبحانَه" فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَه "الحاقة: 19 – 29.
والكِتابُ: هو صَحيفةُ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ.
قال القُرطُبيُّ: فإذا وُقِفَ النَّاسُ على أعمالِهم من الصُّحُفِ التي يُؤتَونَها بَعدَ البَعثِ حُوسِبوا بها، قال اللهُ تعالى" فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا "الانشقاق: 7، 8، فدَلَّ على أنَّ المُحاسَبةَ تَكونُ عِندَ إتيانِ الكُتُبِ؛ لأنَّ النَّاسَ إذا بُعثوا لا يَكونُون ذاكِرينَ لأعمالِهم. قال اللهُ تعالى" يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ "المجادلة: 6.
كيف نجمع بين قوله تعالى" وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ " وقوله" وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ "؟
قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله: "الجمع بينهما أن يقال: يأخذه بشماله لكن تخلع الشمال إلى الخلف من وراء ظهره، والجزاء من جنس العمل، فكما أن هذا الرجل جعل كتاب الله وراء ظهره، أعطي كتابه يوم القيامة من وراء ظهره، جزاءً وفاقًا.مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين:2 /42.
هل من يأخذ كتابه بيمينه هل يدخل النار ؟
دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الناس يوم القيامة فريقان : فريق يأخذ كتابه بيمينه ، وهم أهل الإيمان ، وفريق يأخذ كتابه بشماله ، وهم أهل الكفران .
والدليل على أن أهل الشمال هم الكفار قوله تعالى في سياق الآيات "وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَه "الحاقة: 19 – 29.
وهذا كالصريح في أن الأخذ بالشمال مقصور على الكفار .
وأما عصاة الموحدين ، ممن يدخل النار ثم يخرج منها ، فقد اختُلف فيهم :
فمن أهل العلم من قال : إنهم يأخذون كتبهم بأيمانهم . ومنهم من قال : يأخذونها بشمائلهم .
قال السفاريني رحمه الله " يعطى الكافر كتابه بشماله من وراء ظهره ، ويعطى المؤمن العاصي كتابه بشماله من أمامه . ويعطى المؤمن الطائع كتابه بيمينه من أمامه . ا.هـ.
وقد جزم الماوردي: بأن المشهور أن الفاسق الذي مات على فسقه دون توبة يأخذ كتابه بيمينه ، ثم حكى قولا بالوقوف -أي التوقف في المسألة- قال : ولا قائل بأنه يأخذه بشماله.
وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: بالنسبة للعاصي المؤمن هل يأخذ كتابه بيمينه أو بالشمال ؟
فأجاب " يأخذه بيمينه " انتهى من الأسئلة الملحقة بشرح السفارينية :ص 500 .
والذي يظهر - والله أعلم - أنه لا يأخذ كتابه بشماله إلا الكافر ، كما هو ظاهر الآيات المتقدمة .
والذي ينبغي للمسلم أن يجتهد في تحصيل الطاعات ، وفعل الخيرات ، ليكون من أهل اليمين ، جعلنا الله تعالى منهم .الإسلام سؤال وجواب.
فكل مسلم مات على التوحيد يتناول كتابه بيمينه ، وهذا هو سرّ فرحه ، ولكن ذلك لا يمنع أن يعذب الله بعض عصاة الموحدين في النار بذنوبهم ، وإن تناولوا كتبهم بأيمانهم
سُئِلَ الشيخُ صالح آل الشيخ - حفظه الله - :
هل العاصي يُعْطَى كتابه بيمينه أم بشماله ؟
فأجاب : " العاصي يُعْطَى كتابه بيمينه ، أما الذي يُعْطَى كتابه يوم القيامة بشماله فهو الكافر ، يُعْطَى كتابه بشماله وراء ظهره ، أما المؤمن فيُعْطَى كتابه باليمين سواءٌ أكَانَ من السابقين ، أم من المقتصدين ، أم ممن ظلم نفسه ، ثم يأتي بعد ذلك الحساب والوزن ، ثم تأتي الْمُجَازاة " انتهى من " شرح الطحاوية " (ص 686) بترقيم الشاملة.
وسُئِلَ الشيخُ صالح الفوزان - حفظه الله - :
هل المسلم العاصي يأخذ كتابه بشماله أم بيمينه ؟ فأجاب :
" المسلم العاصي يأخذ كتابه بيمينه ، لكن ولو أخذ كتابه بيمينه قد يعذب بسيئاته ، لكن لا يخلد في النار كما يخلد الكافر " ا.هـ.الإسلام سؤال وجواب.
هل تمحى الذنوب التي تاب منها العبد أم يجدها مكتوبة في صحيفته يوم القيامة؟
قال العلامة السفاريني- رحمه الله- في شرحه على معتقده: والصحيح كتبهم الصغائر المغفورة، وإن غفرت باجتناب الكبائر،قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -: لا تمحى الذنوب من صحائف الأعمال بتوبة، ولا غيرها، بل لا بد أن يوقف عليها صاحبها ويقرأها يوم القيامة. واستدل بقوله - تعالى "وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا"الكهف: 49، وبقوله - تعالى "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ*وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ "الزلزلة : 8،7 .
وقد ذكر بعض المفسرين أن هذا القول هو الصحيح عند المحققين، وقد روي هذا القول عن الحسن البصري، وبلال بن سعد الدمشقي، قال الحسن في العبد يذنب ثم يتوب ويستغفر: يغفر له ولكن لا يمحاه من كتابه دون أن يقفه عليه، ثم يسأله عنه، ثم بكى الحسن بكاء شديدًا، وقال: لو لم نبك إلا للحياء من ذلك المقام لكان ينبغي لنا أن نبكي. وقال بلال بن سعد: إن الله يغفر الذنوب ولكن لا يمحاها من الصحيفة، حتى يوقفه عليها يوم القيامة، وإن تاب.انتهى.إسلام ويب.
قال القُرطُبيُّ: فإذا وُقِفَ النَّاسُ على أعمالِهم من الصُّحُفِ التي يُؤتَونَها بَعدَ البَعثِ حُوسِبوا بها، قال اللهُ تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا "الانشقاق: 7، 8، فدَلَّ على أنَّ المُحاسَبةَ تَكونُ عِندَ إتيانِ الكُتُبِ؛ لأنَّ النَّاسَ إذا بُعثوا لا يَكونُون ذاكِرينَ لأعمالِهم. قال اللهُ تعالى"يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ "المجادلة: 6.
"وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ" ق: 21.
أي وجاءت كل نفس معها مَلَكان، أحدهما يسوقها إلى المحشر، والآخر يشهد عليها بما عملت في الدنيا من خير وشر.

أم أبي التراب 05-19-2026 05:11 AM

الحساب الثاني و إقامةُ الشُّهودِ
قال القُرطُبيُّ: يَومُ الحِسابِ، ومَعناه: أنَّ الباري سُبحانَه يُعَدِّدُ على الخَلقِ أعمالَهم من إحسانٍ وإساءةٍ، يُعَدِّدُ عليهم نِعَمَه، ثُمَّ يُقابِلُ البَعضَ بالبَعضِ، فما يَشِفُّ منها على الآخَرِ حُكِمَ للمَشفوفِ بحُكمِه الذي عَينه، للخَيرِ بالخَيرِ، ولِلشَّرِّ بالشَّرِّ.ا.هـ.
الحساب ويكون بإتمام الحجة على الناس من خلال قراءتهم لما في كتب أعمالهم الخاصة بهم. لقطع المعذرة.والإشهاد على جرمهم.
مَن كمالِ عَدلِ الله تعالى أنَّه يُطلِعُ عِبادَه على سِجِلَّاتِ أعمالِهم فلا يَكونُ لأحَدٍ منهم عُذرٌ.قال اللهُ تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا "آل عمران:30 .
قال اللهُ تعالى" إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ "غافر: 51.
الأشهاد" تعني جمع "شاهد" وتشمل في القرآن الكريم الملائكة، الأنبياء، والمؤمنين، ويوم القيامة حيث يقوم الجميع للشهادة على أعمال الأمم. الملائكة والأنبياء: يشهدون على تبليغ الرسل للناس وعلى الكافرين بتكذيبهم، وعلى المؤمنين بإيمانهم.
"يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ"المجادلة: 18.
حتى تشهد الجوارح والأعضاء بما عملت، فلا نكير ولا عتاب" وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"فصلت: 19 - 20.
فمِنَ الشُّهودِ يَومَ القيامةِ المَلائِكةُ عليهمُ السَّلامُ قال اللهُ تعالى" وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ"ق: 20، 21.
ومنَ الشُّهودِ يَومَ القيامةِ الرُّسُلُ عليهمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فيَشهَدُ كُلُّ رَسولٍ على أمَّتِه بالبَلاغِ كما يَشهَدُ على تَكذيبِهم له.قال اللهُ سُبحانَه" فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا"النساء: 41.
والمراد بالشَّهيدِ من كُلِّ أمَّةٍ نَبيَّها، وشَهيدُ هذه الأمَّةِ: نَبيُّنا صلى الله عليه وسلم.
ومنَ الشُّهودِ يَومَ القيامةِ أمَّةُ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .قال اللهُ تعالى" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا "البقرة: 143.
قال السَّمعانيُّ"لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ" وذلك يَومُ القيامةِ، حينَ يَسألُ الأممَ عن إبلاغِ الرُّسُلِ، فيُنكِرونَ تَبليغَهمُ الرِّسالةَ. فيَسألُ الرُّسُلَ فيَقولونَ: بَلَّغْنا، فيُقالُ لهم: ومَن يَشهَدُ لَكم؟ فيَأتون بهذه الأمَّةِ فيَشهَدونَ لهم بالبَلاغِ. فتَقولُ الأممُ: إنَّهم أتَوا بَعْدَنا فكَيفَ يَشهَدونَ بذلك؟ فيَسألُ هذه الأمَّةَ. فيَقولونَ: أرسَلْتَ إلينا رَسولًا، وأنزَلْتَ علينا كِتابًا، وأخبَرْتَنا فيه ببَلاغِ الرُّسُلِ، وأنتَ صادِقٌ فيما أخبَرْتَ، فبِذلك نَشهَدُ لهم بالبَلاغِ. وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا على أعمالِكم. وقيلَ: مَعناه مُزكِّيًا مُصدِّقًا على شَهادَتِكم .ا.هـ.
ومنَ الشُّهودِ يَومَ القيامةِ: أعضاءُ الإنسانِ وجَوارِحُه . قال اللهُ تعالى" وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ "فصلت: 21 - 23.
قال ابنُ جَريرٍ: قَولُه" حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ يَقولُ: حَتَّى إذا ما جاؤوا النَّارَ شَهِدَ عليهم سَمعُهم بما كانوا يُصْغُونَ به في الدُّنيا إليه، ويَستَمِعونَ له، وأبصارُهم بما كانوا يُبصِرونَ به ويَنظُرونَ إليه في الدُّنيا وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .فصلت: 20.
ومنَ الشُّهودِ يَومَ القيامةِ: الأرضُ:
قال تعالى" إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا "الزلزلة: 1-5.
قال السَّعديُّ: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ الأرضُ أَخْبَارَهَا أي: تَشهَدُ على العامِلينَ بما عَمِلوا على ظَهرِها من خَيرٍ وشَرٍّ، فإنَّ الأرضَ من جُملةِ الشُّهودِ الذينَ يَشهَدونَ على العِبادِ بأعمالِهم، ذلك بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا أي: وأمرَها أن تُخبِرَ بما عُمِلَ عليها، فلا تَعصي لأمْرِه.ا.هـ.
اقتِصاصُ المَظالِمِ بينَ الخَلقِ
هذا القصاص الأول ويكون في عَرَصاتِ يَومَ القيامةِ، فالقصاص نوعان: قصاص عام :وهو الذي يكون بين جميع الخلائق قبل عبور الصراط، وقصاص خاص :وهو للمؤمنين فقط، بعد عبورهم الصراط، وقبل دخول الجنة. لأجلِ أن يَذهَبَ الغِلُّ والحِقدُ والبَغضاءُ التي في قُلوبِ النَّاسِ، فيَكون هذا بمَنزِلةِ التَّنقيةِ والتَّطهيرِ؛ وذلك لأنَّ ما في القُلوبِ لا يَزولُ بمُجَرَّدِ القِصاصِ.
يقتص الحكم العدل في يوم القيامة للمظلوم من ظالمه، حتى لا يبقى لأحد عند أحد مظلمة، حتى الحيوان يقتص لبعضه من بعض، فإذا انططحت شاتان إحداهما جلحاء لا قرون لها، والأخرى ذات قرون، فإنه يقتص لتلك من هذه، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " "لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إلى أهْلِها يَومَ القِيامَةِ، حتَّى يُقادَ لِلشّاةِ الجَلْحاءِ، مِنَ الشَّاةِ القَرْناءِ."الراوي : أبو هريرة - صحيح مسلم .
مِن شَنائعِ الأمورِ الَّتي يَغفُلُ عنها كَثيرٌ مِن النَّاسِ أنَّهم ربَّما يُحسِنون العباداتِ، إلَّا أنَّهم يَقترِفون معها الذُّنوبَ، والَّتي منها ما يَتعلَّقُ بحُقوقِ العبادِ، وسَوفَ يُحاسَبُ كلُّ إنسانٍ يومَ القيامةِ على ما عَمِل مِن خَيرٍ أو شَرٍّ.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ الحقوقَ ستُؤدَّى إلى أهلِها يومَ القيامةِ
والحقوقُ: جمعُ حقٍّ، وهو ما يَحِقُّ على الإنسانِ أنْ يُؤدِّيَه، وهو يَعُمُّ حُقوقَ الأبدانِ، والأموالِ، والأعراضِ، وصَغيرَ ذلك وكَبيرَه.
اقتِصاصُ المَظالِمِ بينَ الخَلقِ يقول الله عز وجل " وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ "الأنبياء/47.
وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ : عني بذلك نفسه الكريمة، فكفى به حاسبا، أي: عالما بأعمال العباد، حافظا لها، مثبتا لها في الكتاب، عالما بمقاديرها ومقادير ثوابها وعقابها واستحقاقها، موصلا للعمال جزاءها.
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"مَن كانت له مَظلَمةٌ لأحَدٍ من عِرْضِه أو شَيءٍ فليَتَحَلَّلْه منه اليَومَ، قَبلَ أن لا يَكونَ دينارٌ ولا دِرهَمٌ، إن كان له عَمَلٌ صالِحٌ أُخِذَ منه بقَدرِ مَظلَمَتِه، وإن لَم تَكُنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ من سَيِّئاتِ صاحِبِه فحُمِلَ عليه ".صحيح البخاري.
قال الخَطَّابيُّ: مَعنى أخذِ الحَسَناتِ والسَّيئاتِ، أن يَجعَلَ ثَوابَ الحَسَناتِ لصاحِبِ المَظلَمةِ، ويَجعَلَ عُقوبةَ السَّيِّئاتِ على الظَّالِمِ بَدَلَ حَقِّه.
ولِعِظَمِ أمرِ الدِّماءِ فإنَّها تَكونُ أوَّلَ شَيءٍ يُقضى فيه بينَ العِبادِ
"أوَّلُ ما يُحاسَبُ بِهِ العبدُ الصلاةُ ، وأوَّلُ ما يُقْضَى بينَ الناسِ في الدماءِ"الراوي : عبدالله بن مسعود -المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الجامع -الصفحة أو الرقم 2572 -خلاصة حكم المحدث : صحيح.
قال ابنُ حَجَرٍ: في الحَديثِ عِظَمُ أمرِ الدَّمِ، فإنَّ البداءةَ إنَّما تَكونُ بالأهَمِّ، والذَّنبُ يَعظُمُ بحَسَبِ عِظَمِ المَفسَدةِ وتَفويتِ المَصلَحةِ، وإعدامُ البِنيةِ الإنسانيَّةِ غايةٌ في ذلك .ا.هـ.
أوَّلُ ما يُحاسَبُ بِهِ العبدُ الصلاةُ: أي: أوَّلُ ما يُحاسَبُ عليه العبدُ يومَ القيامةِ مِن عمَلِه الصَّلاةُ المَفروضةُ"، وهذا مُتعلِّقٌ بالعِباداتِ وحُقوقِ اللهِ تعالى،
عن أبي هُريرةَ رَفَعَه:
"أولُ ما يحاسبُ بهِ العبدُ يومَ القيامةِ الصَّلاةُ ، فإنْ صَلَحَتْ ، صَلَحَ سائِرُ عَمَلِه ، و إنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سائِرُ عَمَلِه " خلاصة حكم المحدث : صحيح لغيره - الراوي : أنس بن مالك - المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الترغيب .
فالصَّلاةُ كالميزانِ لبَقِيَّةِ الأعْمالِ؛ فيَنْبَغي للمُؤمِنِ أنْ يَحْرِصَ على إتْقانِها، وإكْمالِها، وحِفْظِها حتى لا يَتطَرَّقَ إليْها نَقْصٌ؛ لأنَّ هذا مِن أسْبابِ تَوْفيقِ اللهِ له في جَميعِ أعْمالِه بَعدَ ذلك، ومَن حافَظَ عليْها حَفِظَ دِينَه، ومَن ضَيَّعَها فهو لِمَا سِواها أَضْيَعُ.
أولُ ما يُحَاسَبُ به العبدُ صلاتُه، فإن كان أَكْمَلَها وإلا، قال الله عز وجل : انظروا لعبدي مِن تَطَوُّعٍ، فإن وُجِدَ له تطوعٌ، قال : أَكْمِلوا به الفريضةَ.
خلاصة حكم المحدث : صحيح-الراوي : أبو هريرة - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح النسائي.
وأوَّلُ ما يُقْضَى بينَ الناسِ في الدماءِ: أي: أوَّلُ ما يُقْضَى بيْنَ النَّاسِ في ظُلمِهم بَعضِهم بَعضًا يومَ القِيامةِ يكونُ في الدِّماءِ؛ كالقَتْلِ والجُرُوحِ.
والحذر من تجاوز الحدود :
"أنَّ رجلاً مِنْ أصْحابِ رسولهِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جلسَ بينَ يديْهِ، فقال: يا رسولَ الله! إنَّ لي مَمْلوكين يكذِّبونَني وَيخونونني وَيعْصونَني، وأضْرِبُهم وأشْتُمهمْ، فكيفَ أنا منهم؟ فقالَ له رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" يُحسَبُ ما خانُوك وعَصَوكَ وكذَّبُوك وعِقابُك إيَّاهُم ، فإنْ كان عِقابُك إيَّاهُم دُونَ ذُنُوبِهمْ ؛ كان فَضْلًا لكَ ( عليهِم ) وإنْ كان عِقابُك إيَّاهم بقدرِ ذُنوبِهمْ ؛ كان كَفَافًا ولا لكَ ولا عليكَ ، وإنْ كان عِقابُك إيَّاهُم فَوقَ ذُنُوبِهِمُ اقْتُصَّ لهمْ مِنكَ الفَضلُ الذِي بَقِيَ قِبَلَكَ " فجَعلَ الرجلُ يبْكِي بين يَدَيْ رسولِ اللهِ ويَهتِفُ فقال رسولُ اللهِ مالَكَ ؟ ما تَقرأُ كتابَ اللهِ "ونَضَعُ الموازِين القِسطَ ليومِ القيامةِ فلا تظلمُ نفسٌ شيئًا وإن كان مثقالَ حبةٍ من خردلِ أتينا بها وكفى بنا حاسِبين" ؟ فقال الرجلُ يا رسولَ الله ! ما أجِدُ شيئًا خيرًا من فِراقِ هؤلاءِ – يعني عَبِيدَهُ ( إنِّي ) أُشْهِدُكَ أنَّهم كلَّهم أحْرَارٌ "الراوي : عائشة أم المؤمنين - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترغيب -الصفحة أو الرقم: 3606 -خلاصة حكم المحدث : صحيح.

أم أبي التراب 05-19-2026 05:12 AM

الميزان
إذا تمت محاسبة العباد على أعمالهم ، أُعطى كل عبد كتابه المشتمل على أعماله كلها.
فأما المؤمن فيعطاه بيمينه تكرمة له ، وهو الناجي المسرور يوم القيامة قال الله تعالى " فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ* فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا*وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا "
القيامة /7-9 .
أما الكافر والمنافق وأهل الضلال فيعطون كتبهم بشمالهم من وراء ظهورهم قال الله تعالى " وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ* فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا *وَيَصْلَى سَعِيرًا"
القيامة/10-12 . نسأل الله العافية لنا ولكم.
ثم يوضع الميزان لوزن أعمال العباد، قال القرطبي " فإذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال ، لأن الوزن للجزاء ، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة ، فإن المحاسبة لتقدير الأعمال ، والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها " اهـ .
قال ابنُ القيم في "طريق الهجرتين": "قال حذيفة وعبد الله بن مسعود وغيرهما من الصحابة: ........ وهذه الموازنة تكون بعد القصاص واستيفاءِ المظلومين حقوقهم من حسناته، فإذا بقي شيء منها وزن هو وسيئاته".ا.هـ.


الْمِيزَانُ لُغَةً: مَا ‌تُقَدَّرُ ‌بِهِ ‌الْأَشْيَاءُ، خِفَّةً وَثِقَلًا.
وَشَرْعًا: هُوَ مِيزَانٌ حَقِيقِيٌّ، لَهُ كِفَّتَانِ يَضَعُهُ اللَّهُ -تَعَالَى- يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ لِوَزْنِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ، وَهُوَ مِيزَانٌ دَقِيقٌ، لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَلَا يَقْدِرُ قَدْرَ هَذَا الْمِيزَانِ إِلَّا اللَّهُ -سُبْحَانَهُ.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يُؤْمِنُونَ بِالْمِيزَانِ، وَأَنَّهُ حَقٌّ، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَأَقْوَالُ السَّلَفِ: قَالَ -تَعَالَى"وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ"الْأَنْبِيَاءِ: 47؛ وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: "وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ"الْأَعْرَافِ: 8، 9.
الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمانِ، والْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ المِيزانَ، وسُبْحانَ اللهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ -أَوْ تَمْلأُ- ما بيْنَ السَّمَواتِ والأرْضِ، والصَّلاةُ نُورٌ، والصَّدَقَةُ بُرْهانٌ، والصَّبْرُ ضِياءٌ ، والْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ، أوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُها، أوْ مُوبِقُها "الراوي : أبو مالك الأشعري- صحيح مسلم.
والحمدُ للهِ تَملَأُ الميزانَ:، أي: إنَّها تُوزنُ وتَملأُ الميزانَ بالأجرِ والثَّوابِ، فتُرَجَّحُ كِفَّتُها، وذلك يومَ القيامةِ يومَ تُوزَنُ أعمالُ العبادِ، ويُجازي عليها اللهُ عزَّ وجلَّ، والميزانُ الذي تُوزَنُ به الأعمالُ يَومَ القيامةِ ميزانٌ حَقيقيٌّ لا يُشبِه مَوازينَ الخَلقِ، وهو من أُمورِ الغَيبِ التي يَجِبُ الإيمانُ بها.الدرر السنية.
ما مِن شيءٍ يوضَعُ في الميزانِ أثقلُ من حُسنِ الخلقِ، وإنَّ صاحبَ حُسنِ الخلقِ ليبلُغُ بِهِ درجةَ صاحبِ الصَّومِ والصَّلاةِ"خلاصة حكم المحدث : صحيح -الراوي : أبو الدرداء - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي.

والعملُ الصالحُ لا يكون صالحًا على الحقيقة إلا بالتوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا بالطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة أفسدها، كما أن الحدث إذا دخل في الطهارة أفسدها، وإذا دخل في الصلاة أبطلها، كما قال -تعالى"لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك"الزمر:65.
وهذا مِمَّا يدل على أن الشركَ لا تنفعُ معه الحسنات مهما كثرت؛ ولذلك قالت عائشة -رضي اللهُ عنها : قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ابنُ جُدْعانَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُطْعِمُ المِسْكِينَ، فَهلْ ذاكَ نافِعُهُ؟ قالَ - سلى الله عليه وسلم " لا يَنْفَعُهُ، إنَّه لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتي يَومَ الدِّينِ".صحيح مسلم.
والمراد بالخطيئة: الشرك؛ لأنه مات كافرًا. ويُلْحَقُ بالشركِ كُلُّ ناقِضٍ مِن نواقضِ الإسلام.ملتقى الخطباء/أحمد بن محمد العتيق.
والحديثُ في حُكمِ انتفاعِ الكافِرِ بأعمالِه الصَّالِحةِ في الآخِرةِ، وأمَّا في الدُّنيا فقد رَوَى مُسلِمٌ في صحيحِه عن أنسِ بنِ مالِكٍ رَضيَ اللهُ عنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ " إنَّ اللهَ لا يَظلِمُ مؤمِنًا حسنةً، يُعطى بها في الدُّنيا ويُجزى بها في الآخرة، وأمَّا الكافرُ فيُطعَمُ بحَسَناتِ ما عَمِلَ بها للهِ في الدُّنيا، حتَّى إذا أفْضَى إلى الآخِرةِ، لم تَكُنْ له حسنةٌ يُجْزى بها".الدرر السنية.


وفي هذا الحديثِ يُبيِّنُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَظيمَ عَدلِ اللهِ سُبحانَه وأنَّه لا يَظلِمُ النَّاسَ شيئًا، وأنَّ اللهَ لا يَظلِمُ مُؤمنًا حَسنةً، والظُّلمُ يُطلَقُ بمعنى النَّقصِ، وحَقيقةُ الظُّلمِ مُستحيلةٌ مِن اللهِ تعالَى؛ فإنَّه سُبحانه لا يَنقُصُ ثَوابَ حَسنةٍ عَمِلَها المؤمنُ، فإنَّه يُعطَى بِها في الدُّنيا، بأنْ يُوَسِّعَ عليه رِزقَه ويُرَغِّدَ عَيْشَه في الدُّنيا على طاعتِه، مَع ما يُدَّخَرُ له في الآخِرَةِ؛ فَهُو أَحوَجُ ما يَكونُ لِثوابِ تِلك الحَسنةِ، ولا مانعَ مِن جَزائِه بها في الدُّنيا والآخرةِ، وقد يَحفَظُ الجزاءَ كلَّه له للآخرةِ.
ومع المؤمنِ استَعمَلَ لَفظَ الإعطاءِ لِنِعمِ الدُّنيا، ولَفظَ الجزاءِ لِنَعمِ الآخرةِ، وهذا يُشيرُ إلى أنَّ ما يُعطى المؤمنُ مِن النِّعمِ في الدُّنيا ليْس جَزاءً لِحَسناتِه، وإنَّما هو فضْلٌ مِن اللهِ وإحسانٌ إليه، وأنَّ جَزاءَه الأَوفى سيَجِدُه في الآخرةِ.
وأمَّا الكافِرُ وقدْ ماتَ على كُفرِه، فيُطعَمُ بِحَسناتِ ما عَمِلَ بِها للهِ في الدُّنيا، أي: بِما فَعَلَه مُتقرِّبًا بِه إلى اللهِ تَعالى مِمَّا لا تَفتَقِرُ صِحَّتُه إلى النِّيَّةِ، كصِلةِ الأَرحامِ والصَّدقةِ والضِّيافَةِ، فإنَّه لا يُقبَلُ منه؛ لأنَّه لا يَتوَفَّرُ لَدَيْه شَرْطُ قَبولِ العَمَلِ، وهُو الإيمانُ باللهِ، ولكنَّ اللهَ لا يَظلِمُه عَمَلَه، فيُكافِئَه عليه في الدُّنيا، فيُطْعِمَه به مِن غِنًى أو صِحَّةٍ أو أولادٍ أو نحْوِ ذلكَ، حتَّى إذا أَفْضى إلى الآخِرَةِ لم يَكُنْ له حَسنةٌ يُجْزَى بِها؛ لأنَّ حَسناتِه الدُّنيويَّةَ مهْما عَظِمَت فعُقوبةُ الكُفرِ أعظَمُ، فلا جنَّةٌ ولا نَعيمٌ.
وأمَّا إذا فَعَل الكافرُ الحَسناتِ الَّتي لا تَفتقِرُ إلى النِّيَّةِ -كصِلةِ الرَّحمِ والصَّدقةِ وأمثالِها- ثمَّ أسْلَمَ؛ فإنَّه يُثابُ عليها في الآخرةِ؛ لِما في البُخاريِّ: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال"إذا أسلَمَ العبدُ فحَسُنَ إسلامُه، يُكفِّرُ اللهُ عنه كلَّ سيِّئةٍ كان زَلَفَها".


قالَ: ما لكَ يا عَمْرُو؟ قالَ: قُلتُ: أرَدْتُ أنْ أشْتَرِطَ، قالَ: تَشْتَرِطُ بماذا؟ قُلتُ: أنْ يُغْفَرَ لِي، قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ الإسْلامَ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ؟...الحديث. الراوي : عمرو بن العاص - صحيح مسلم .


"إِذَا أحْسَنَ أحَدُكُمْ إسْلَامَهُ: فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ له بعَشْرِ أمْثَالِهَا إلى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، وكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ له بمِثْلِهَا".الراوي : أبو هريرة- صحيح البخاري.

عن حكيم بن حزام أنَّهُ قالَ لِرَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: أيْ رَسولَ اللهِ، أرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أتَحَنَّثُ بها في الجاهِلِيَّةِ، مِن صَدَقَةٍ، أوْ عَتاقَةٍ، أوْ صِلَةِ رَحِمٍ، أفيها أجْرٌ؟ فقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: أسْلَمْتَ علَى ما أسْلَفْتَ مِن خَيْرٍ."الراوي : حكيم بن حزام- صحيح مسلم .

قالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أنُؤاخَذُ بما عَمِلْنا في الجاهِلِيَّةِ؟ قالَ: مَن أحْسَنَ في الإسْلامِ لَمْ يُؤاخَذْ بما عَمِلَ في الجاهِلِيَّةِ، ومَن أساءَ في الإسْلامِ أُخِذَ بالأوَّلِ والآخِرِ".الراوي : عبدالله بن مسعود -صحيح البخاري.

وقال النووي -رحمه الله-:
المراد بالإحسان هنا: الدخول في الإسلام بالظاهر والباطن جميعًا، وأن يكون مسلمًا حقيقيًّا، فهذا يغفر له ما سلف في الكفر بنص القرآن العزيز، والحديث الصحيح"الإسْلامَ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ"، وبإجماع المسلمين.
والمراد بالإساءة: عدم الدخول في الإسلام بقلبه، بل يكون منقادًًا في الظاهر مظهرًا للشهادتين غير معتقد للإسلام بقلبه، فهذا منافق باقٍ على كفره بإجماع المسلمين، فيؤاخذ بما عمل في الجاهلية قبل إظهار صورة الإسلام وبما عمل بعد إظهارها؛ لأنه مستمر على كفره، وهذا معروف في استعمال الشرع، يقولون: حسُن إسلام فلان: إذا دخل فيه حقيقة بإخلاص، وساء إسلامه أو لم يحسن إسلامه: إذا لم يكن كذلك -والله أعلم-.ا.هـ.


وقد دلت النصوص الشرعية على أن الميزان ميزان حقيقي له كِفَّتان ، توزن به أعمال العباد . وهو ميزان عظيم لا يقدر قدره إلا الله تعالى .
قال صلى الله عليه وسلم" إنَّ اللَّهَ سيُخَلِّصُ رجلًا من أمَّتي على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ فينشُرُ علَيهِ تسعةً وتسعينَ سجلًّا ، كلُّ سجلٍّ مثلُ مدِّ البصرِ ثمَّ يقولُ : أتنكرُ من هذا شيئًا ؟ أظلمَكَ كتبتي الحافِظونَ ؟يقولُ : لا يا ربِّ ، فيقولُ : أفلَكَ عذرٌ ؟ فيقولُ : لا يا ربِّ ، فيقولُ : بلَى ، إنَّ لَكَ عِندَنا حسنةً ، وإنَّهُ لا ظُلمَ عليكَ اليومَ ، فيخرجُ بطاقةً فيها أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ ، فيقولُ : احضُر وزنَكَ فيقولُ يا ربِّ ، ما هذِهِ البطاقةُ ما هذِهِ السِّجلَّاتِ ؟ فقالَ : فإنَّكَ لا تُظلَمُ ، قالَ :فتوضَعُ السِّجلَّاتُ في كفَّةٍ ، والبطاقةُ في كفَّةٍ فطاشتِ السِّجلَّاتُ وثقُلتِ البطاقةُ ، ولا يثقلُ معَ اسمِ اللَّهِ شيءٌ "
الراوي : عبد الله بن عمرو - المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الترمذي-الصفحة أو الرقم: 2639 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.
قال الخازِنُ: إن قُلتَ: أليسَ اللهُ عزَّ وجَلَّ يَعلَمُ مَقاديرَ أعمالِ العِبادِ؟ فما الحِكمةُ في وزنِها؟ قُلتُ: فيه حِكَمٌ، منها: إظهارُ العَدْلِ، وأنَّ الله عزَّ وجَلَّ لا يَظلِمُ عِبادَه. ومنها: امتِحانُ الخَلقِ بالإيمانِ بذلك في الدُّنيا، وإقامةُ الحُجَّةِ عليهم في العُقبى. ومنها: تَعريفُ العِبادِ ما لهم من خَيرٍ وشَرٍّ وحَسنةٍ وسيِّئةٍ. ومنها: إظهارُ عَلامةِ السَّعادةِ والشَّقاوةِ...تفسير الخازن:2/ 182.ا.هـ.
إن الوزنَ والميزانَ من المواطنِ الرهيبةِ يومَ القيامةِ، يَنْسى فيهِ العبدُ نفْسَهُ وأهلَهُ وأحبابه، ويَنشغلُ بالشيء الذي أمامه.

أم أبي التراب 05-19-2026 05:13 AM

أقسام الناس عند وزن الأعمال:

ينقسم الناس عند الميزان إلى:
القسم الأول: مَنْ رجحت حسناته على سيئاته:وهذا مِن السعداء المُفْلِحين، قال الله تعالى"فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"المؤمنون:102.فيكونون في الجنة.

القسم الثاني: مَنْ رجحت سيئاته على حسناته:
وهذا وإن كان مسلمًا دخل النار، وهو تحت مشيئة الله عز وجل، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه، ثم يخرجه من النار ويدخله الجنة، وإن دخل النار، لا يخلد فيها، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة.

عقيدة أهل السنة والجماعة أن من مات على الإسلام لا يخلد في النار مهما كانت ذنوبه، وقد يدخل النار على قدر تلك الذنوب وقد يغفرها الله له إذا شاء، قال سبحانه" إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا"النساء:48.
قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَلِمَةً وقُلتُ أُخْرَى: مَن مَاتَ يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا أُدْخِلَ النَّارَ وقُلتُ أُخْرَى: مَن مَاتَ لا يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا أُدْخِلَ الجَنَّةَ".الراوي : عبدالله بن مسعود- صحيح البخاري.

" مَن مَاتَ يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا دَخَلَ النَّارَ. وقُلتُ أنَا: مَن مَاتَ لا يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ."الراوي : عبدالله بن مسعود- صحيح البخاري.
حَقيقةُ الشِّركِ المُوجِبِ لدُخولِ النارِ: اتِّخاذُ النِّدِّ مع اللهِ؛ سَواءٌ كان هذا النِّدُّ في الرُّبوبيَّةِ أو الأُلوهيَّةِ. ولَمَّا كان الشركُ باللهِ ضِدَّ الإيمانِ بِه؛ قال ابنُ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه: مَن ماتَ لا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دخَلَ الجنَّةَ، يعني: مَن ماتَ وهو مُؤمنٌ باللهِ مُوحِّدٌ له؛ فهذه خَصْلةُ الإيمانِ التي تُوجِبُ له الجَنَّةَ فيَدخُلُها؛ لأنَّ المُوحِّدِينَ لا بُدَّ لهم مِن دُخولِ الجنَّةَ آخِرَ الأمرِ؛ فمَنْ كانتْ عليه ذُنوبٌ فإمَّا أنْ يَعفوَ اللهُ عنه دونَ حِسابٍ، أو يُحاسِبَه على ما قدَّم ثمَّ يُدخِلَه الجَنَّةَ.الدرر السنية.

وقسمٌ ثالثٌ تتساوى حسناتهم وسيئاتهم، فلا تزيد كفة الحسنات ولو بحسنةٍ واحدةٍ، ولا تزيد كفة السيئات ولو بسيئةٍ واحدةٍ، هؤلاء هم أهل الأعراف؛ يكونون في مكانٍ عالٍ مرتفعٍ يرون النار ويرون الجنة، يبقون فيه ما شاء الله، وفي النهاية يدخلون الجنة برحمة أرحم الراحمين. وهذا من تمام عدل الله : أنهم لا يتساوون مع أهل الجنة الذين ثقلت كفة حسناتهم في دخول الجنة، بل يتأخرون عنهم كما ذكر الله تعالى شأنهم في سورة الأعراف:
"وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ "
46 "وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" 47 "وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ "48" أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ "49.

ومصير أهل الأعراف دخول الجنة. وقد اختلفت عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف، وكلها قريبة من بعض وترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، نص عليه حذيفة وابن عباس وابن مسعود وغير واحد من السلف والخلف رحمهم الله.. قال الطبري: "عن حذيفة أنه سُئِل عن أصحاب الأعراف فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلّفت بهم حسناتهم عن النار، قال فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله فيهم"ا.هـ..
وقال ابن القيم: "قيل: هو السور الذي يُضْرب بينهم له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب: باطنه الذي يلي المؤمنين فيه الرحمة، وظاهره الذي يلي الكفار من جهته العذاب. والأعراف جمع عرف وهو المكان المرتفع، وهو سور عال بين الجنة والنار..
"ا.هـ..

ولا يَهْلِكُ علَى اللهِ إلَّا هالِكٌ:

عَنْ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فِيما يَرْوِي عن رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالَى، قالَ: إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذلكَ، فمَن هَمَّ بحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، وإنْ هَمَّ بها فَعَمِلَها، كَتَبَها اللَّهُ عزَّ وجلَّ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ إلى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ، وإنْ هَمَّ بسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، وإنْ هَمَّ بها فَعَمِلَها، كَتَبَها اللَّهُ سَيِّئَةً واحِدَةً. وفي رواية: وزادَ: ومَحاها اللَّهُ ولا يَهْلِكُ علَى اللهِ إلَّا هالِكٌ."الراوي : عبدالله بن عباس - صحيح مسلم
هل توزن أعمال الكفار أم لا توزن؟
الجواب: اختلف العلماء فيها، فمن العلماء من قال: إنها لا توزن أصلاً، ولا حاجة لوزنها، قالوا: لأن الكفار ليس لهم أعمال توزن، والله يقول"وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ"الفرقان:٢٣، خاصة من الأعمال الصالحة "فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا"الفرقان:٢٣، لا يستفيدون منها شيئًا، فما دامت هباء منثورًا، فلا يستفيد الكافر منها شيئًا، فما الذي يوزن، كله سيئات فهو يقحم في النار مباشرة.
ومن العلماء من قال: إنها توزن وإن لم يكن له شيء من الحسنات إلا أن سيئات الكفار تختلف ويختلف الناس فيها، فمن الناس من سيئاته أعظم وأكبر من غيره، فهذا يجعل له عقوبة أشد، ومن الكفار من تكون عقوبته أقل كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في عم النبي صلى الله عليه وسلم أبي طالب، حيث أنه عمل أعمالاً فخفف عنه العقوبة يوم القيامة،
"أنَّهُ سَمِعَ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أبو طَالِبٍ، فَقالَ: لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتي يَومَ القِيَامَةِ، فيُجْعَلُ في ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي منه أُمُّ دِمَاغِهِ."الراوي : أبو سعيد الخدري - صحيح البخاري.
فدل على أن وجود الوزن أن هؤلاء وهؤلاء يوزنون ولكن شتان بين ميزان أهل الإيمان وميزان الكفار. كتاب شرح لامية ابن تيمية.عمر العيد.
فعليك أنْ تَزِنَ أفعالَكَ وأقوالَكَ بميزانِ الشرعِ رَجَاءَ أن يثقُلَ ميزانُكَ يومَ القيامةِ.
فنسألُ اللهَ أن يُثَقِّلَ موازِيننا، وأن يَجْعَلَنا من المقبولين الفائزين، وأن يُعِيذَنا مِنْ شرورِ أنفُسِنا وسيئاتِ أعمالنا.
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين، ولا تُشمت بنا أعداء ولا حاسدين.

أم أبي التراب 05-19-2026 05:14 AM

انقسامُ الناسِ بحَسَبِ عَقائدِهم خلْفَ مَعبوداتِهم ،
ثم الظُّلمَة ثم يُضربُ الصِّراطُ
قولان لأهل العلم فيمن يمر على الصراط :
القول الأول: أن جميع الخلق يمرون على الصراط. لقوله تعالى "وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا"مريم : 71.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: وهذا خطاب لسائر الخلائق، بَرهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، أنه ما منهم من أحد، إلا سيرد النار، حكمًا حتمه الله على نفسه، وأوعد به عباده، فلا بد من نفوذه، ولا محيد عن وقوعه.واختُلِفَ في معنى الورود،فقيل: ورودها، حضورها للخلائق كلهم، حتى يحصل الانزعاج من كل أحد، ثم بعد، ينجي الله المتقين.
وقيل: ورودها، دخولها، فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا.
وقيل: الورود، هو المرور على الصراط، الذي هو على متن جهنم، فيمر الناس على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، وكالريح، وكأجاويد الخيل، وكأجاويد الركاب، ومنهم من يسعى، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يخطف فيلقى في النار، كل بحسب تقواه.تفسير السعدي.

ومن العلماء من قال: الكفار والمشركون يدخلون جهنم جماعات قبل نصب الصراط.
قال ابنُ رَجَبٍ: اعلَمْ أنَّ النَّاسَ مُنقَسِمونَ إلى مُؤمِنٍ يَعبُدُ اللهَ وحدَه ولا شَريكَ به شَيئًا، ومُشرِكٌ يَعبُدُ مَعَ اللهِ غَيرِه، فأمَّا المُشرِكونَ فإنَّهم لا يَمرُّونَ على الصِّراطِ إنَّما يَقَعونَ في النَّارِ قَبلَ وضعِ الصِّراطِ .ا.هـ.التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار.ص: 235.
فكُلُّ فرقةٍ من الكُفَّارِ والمُشرِكينَ تَتبَعُ ما كانت تَعبُدُ في الدُّنيا، فتَرِدُ النَّارَ مَعَ مَعبودِها.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"إِذَا جَمَعَ اللهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَقِيلَ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ"متفق عليه-صحيح مسلم - 1735.
قال تعالى "وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا"النساء: 115. أي نكله في الآخرة إلى ما اتكل عليه في الدنيا وانتصر به من الأوثان وغيرها. أي ومن يخالف طريق الحق نوله ما تولى وندخله في الآخرة جهنم ليشوَى فيها كما تُشوَى الشاة، وساءت جهنم مكانًا لمن صار إليها، وحل فيها.
فكُلُّ فرقةٍ من الكُفَّارِ والمُشرِكينَ تَتبَعُ ما كانت تَعبُدُ في الدُّنيا، فتَرِدُ النَّارَ مَعَ مَعبودِها، ولا يَبقى بَعدَ ذلك إلَّا من كان يَعبُدُ اللهَ وحدَه في الظَّاهرِ سَواءٌ كان صادِقًا أو مُنافِقًا من هذه الأمَّةِ وغَيرِها، ثُمَّ يَتَمَيَّزُ المُنافِقونَ عن المُؤمِنينَ بامتِناعِهم عن السُّجودِ، وكَذلك يَمتازونَ عنهم بالنُّورِ الذي يُقسَمُ للمُؤمِنينَ . القيامة الكبرى؛ لعمر الأشقر :ص: 275. ويُنظر: التخويف من النار لابن رجب:ص: 236-239.الدرر السنية/الموسوعة العقدية.
أنَّهُ سَمِعَ جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ، يُسْأَلُ عَنِ الوُرُودِ، فقالَ: نَجِيءُ نَحْنُ يَومَ القِيامَةِ عن كَذا وكَذا، انْظُرْ أيْ ذلكَ فَوْقَ النَّاسِ؟ قالَ: فَتُدْعَى الأُمَمُ بأَوْثانِها، وما كانَتْ تَعْبُدُ، الأوَّلُ فالأوَّلُ، ثُمَّ يَأْتِينا رَبُّنا بَعْدَ ذلكَ، فيَقولُ: مَن تَنْظُرُونَ؟ فيَقولونَ: نَنْظُرُ رَبَّنا، فيَقولُ: أنا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: حتَّى نَنْظُرَ إلَيْكَ، فَيَتَجَلَّى لهمْ يَضْحَكُ، قالَ: فَيَنْطَلِقُ بهِمْ ويَتَّبِعُونَهُ، ويُعْطَى كُلُّ إنْسانٍ منهمْ مُنافِقًا، أوْ مُؤْمِنًا نُورًا، ثُمَّ يَتَّبِعُونَهُ وعلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلالِيبُ وحَسَكٌ، تَأْخُذُ مَن شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُ المُنافِقِينَ، ثُمَّ يَنْجُو المُؤْمِنُونَ، فَتَنْجُو أوَّلُ زُمْرَةٍ وُجُوهُهُمْ كالْقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ سَبْعُونَ ألْفًا لا يُحاسَبُونَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَضْوَأِ نَجْمٍ في السَّماءِ، ....."أخرجه مسلم (191) مطولًا..
أخبَرَ جابرٌ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ النَّاسَ عندما يَكونون في المَحشَرِ، يُنادى على كلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُممِ مع أوثانِهم التي كانوا يَعبدونها، فيأتون تِباعًا؛ الأوَّلُ ثُمَّ الذي يليه، والوثنُ هو الصَّنمُ، سواءٌ كانَ من خشبٍ، أو حجرٍ، أو غيرِه، وذلك من الخِزيِ والمَهانةِ؛ إذ يَعلَمونَ حينَها أنَّها آلهةٌ باطِلةٌ لا تُغني عنهم شيئًا، وتَشتدُّ الحَسرةُ على الخاسِرينَ.
ثُمَّ يُخبِرُ جابرٌ رَضيَ اللهُ عنه عن حالِ المؤمِنينَ، فيَقولُ"ثُمَّ يَأتينا ربُّنا بعْدَ ذلك" إتيانًا يَليقُ بجلالِه؛ لأنَّ المؤمِنينَ باللهِ لم يتَّبعوا إلهًا غيرَ اللهِ، فيَنتظرونَ أن يأتيَهمُ اللهُ ربُّهم ليَتَّبعوه، ولكنَّهم لم يرَوه من قبلُ، فكيفَ يَعرِفونَه؟ ولذلك يَسألُهمُ اللهُ يومَ القيامةِ: مَن تَنتظِرونَ؟ فيُجيبونَ: نَنتظِرُ ربَّنا، فيُخبِرُهم أنَّه ربُّهم، فيَطلُبون النَّظرَ إلى وَجهِه الكريمِ حتَّى يَعرِفوه، كما وُصِفَ لهُم في القرآنِ والسُّنَّةِ الصَّحيحةِ، فيَتجلَّى لهُمُ الحقُّ سُبحانَه -والتَّجلِّي هو الظُّهورُ وإزالةُ المانعِ منَ الرُّؤيةِ- وهو يضحَكُ ضَحِكًا يَليقُ بِذَاتِه، فيُعرِّفُهم نفسَه، فيَنطلِقُ بهِم ويتَّبِعونه، ويُعطي كلَّ إنسانٍ منهم -مُنافقٍ أو مُؤمِنٍ- نورًا، أمَّا المؤمِنُ فإنَّه يُعطى على مُقتضى إيمانِه وتَوحيدِه لله عزَّ وجلَّ، وأمَّا المُنافِقُ فإنَّه يُعطى نُورًا؛ إظهارًا لمُخادَعتِه المؤمِنينَ في الدُّنيا بإظهارِ إيمانِه.
ثُمَّ يتَّبِعونه عزَّ وجلَّ نَحوَ الصِّراطِ -وهو جِسرُ جَهنَّمَ- وعليه كَلاليبُ، جَمعُ كَلُّوبٍ، وهو الخُطَّافُ الذي يَخطَفُ النَّاسَ، "وحَسَكٌ" وهو نَباتٌ له ثَمرةٌ خَشِنةٌ تَتعلَّقُ بأصوافِ الغنَمِ وأوبارِ الإبلِ، وَرَقُه كوَرَقِ الرِّجلةِ أو أدقَّ، وعندَ وَرقِه شَوكٌ. ثُمَّ يُطفَأُ نُورُ المُنافِقينَ في هذا المَوقِفِ العَصيبِ جزاءً لنِفاقِهم، ثُمَّ يَنجو المُؤمِنون، ولا يَستطيعُ المُنافقون العُبورَ على الصِّراطِ والنَّجاةَ مِنَ الخَطاطيفِ الَّتي تُلقيهِم في النَّارِ.الدرر السنية.
قال صلى الله عليه وسلم "...... يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا،فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ في غيرِ الصُّورَةِ الَّتي يَعْرِفُونَ ، فيَقولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: نَعُوذُ باللَّهِ مِنْكَ، هذا مَكَانُنَا حتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا أتَانَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ في الصُّورَةِ الَّتي يَعْرِفُونَ، فيَقولُ: أنَا رَبُّكُمْ، فيَقولونَ: أنْتَ رَبُّنَا فَيَتْبَعُونَهُ، ويُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فأكُونُ أوَّلَ مَن يُجِيزُ، ودُعَاءُ الرُّسُلِ يَومَئذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ...."الحديث. متفق عليه.
قال صلى الله عليه وسلم"يُجمَعُ الناسُ يومَ القيامةِ في صَعيدٍ واحدٍ، ثمَّ يَطَّلِعُ عليهم ربُّ العالمينَ، ثمَّ يقالُ: ألَا تَتَّبِعُ كلُّ أُمَّةٍ ما كانوا يَعبُدون،فيَتمَثَّلُ لصاحِبِ الصليبِ صَليبُه، ولصاحِبِ الصُّوَرِ صُوَرُه، ولصاحِبِ النَّارِ نارُه، فيتَّبِعون ما كانوا يَعبُدون، ويَبقَى المسلمونَ، فيطَّلِعُ عليهم ربُّ العالمين، فيقولُ:ألَا تتَّبِعون الناسَ؟فيقولون: نَعوذُ باللهِ منكَ، نَعوذُ باللهِ منكَ، اللهُ ربُّنا، وهذا مكانُنا حتى نَرى ربَّنا،وهو يَأمُرُهم ويُثبِّتُهم، ثمَّ يَتَوارى، ثمَّ يَطَّلِعُ، فيقول: ألَا تتَّبِعون الناسَ؟فيقولون: نعوذُ باللهِ منكَ، نعوذُ باللهِ منكَ، اللهُ ربُّنا، وهذا مكانُنا حتى نَرى ربَّنا،وهو يَأمُرُهم ويُثَبِّتُهم، قالوا: وهل نراه يا رسولَ اللهِ؟ قال: وهل تُضارُّون في رؤيةِ القمرِ ليلةَ البدرِ؟ قالوا: لا، قال: فإنَّكم لا تُضارُّون في رؤيَتِه تلك الساعةَ، ثم يَتوارى، ثمَّ يَطَّلِعُ فيُعَرِّفُهم نفْسَه، فيقولُ: أنا ربُّكم، أنا ربُّكم، اتَّبِعوني، فيقومُ المسلمون، ويوضَعُ الصراطُ ،........." الراوي : أبو هريرة - المحدث : شعيب الأرناؤوط - المصدر : تخريج المسند لشعيب - الصفحة أو الرقم: 8817 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.
ولصاحِبِ الصُّوَرِ صُوَرُه :والمقصودُ بالصُّوَرِ والتَّصاويرِ كُلُّ مَعبودٍ كانَ على هَيئَةٍ مُصوَّرةٍ مِثلُ الأصنامِ وغيرِها.
"فيَتَّبِعون ما كانوا يَعْبُدون"، أي: يَنقسِمُ الناسُ أقسامًا بحَسَبِ عَقائدِهم خلْفَ مَعبوداتِهم التي كانتْ لهم في الدُّنيا، "ويَبْقى المُسلِمون" لا يَتَّبِعون أحدًا مِن تلك المَعبوداتِ الباطلةِ، وهم يَنتَظِرون ربَّهم اللهَ الحقَّ الذي يَعرِفُونه بعَلاماتٍ وأماراتٍ علَّمها لنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ،
"فيَطَّلِعُ عليهم ربُّ العالَمينَ، فيقولُ: ألَا تتَّبِعون الناسَ؟" أي: تَذْهَبون معهم خلْفَ واحدٍ مِن هذه المَعبوداتِ؟
"فيَقولونَ: نَعوذُ باللهِ منك، نَعوذُ باللهِ منك"، أي: نَلْتَجِئُ بالدُّعاءِ إلى اللهِ أنْ يَحْمِيَنا مِن هذا القولِ."وهو يأْمُرُهم ويُثَبِّتُهم"، قِيل: إنَّما اسْتَعاذوا منه أوَّلًا؛ لأنَّهم اعْتَقَدوا أنَّ ذلك الكلامَ اسْتِدراجٌ؛ لأنَّ اللهَ لا يَأمُرُ بالفَحشاءِ، ومِن الفَحْشاءِ اتِّباعُ الباطلِ وأهْلِه.الدرر السنية.
قال الإمام محمد بن نصر المروزي رحمه الله:
"وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ مُيِّزُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِالسُّجُودِ، قَالَ اللَّهُ" يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ "القلم: 43.
وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا نَظَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ، خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا، وَدُعِيَ الْمُنَافِقُونَ إِلَى السُّجُودِ ، فَأَرَادُوهُ ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا، حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ ، عُقُوبَةً لِتَرْكِهِمُ السُّجُودَ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، قَالَ اللَّهُ" وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ" القلم: 43؛ يَعْنِي فِي الدُّنْيَا، "وَهُمْ سَالِمُونَ "القلم: 43.- أي سالمون - مِمَّا حَدَثَ فِي ظُهُورِهِمْ، مِمَّا حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السُّجُودِ" انتهى من "تعظيم قدر الصلاة" :1/ 296..الإسلام سؤال وجواب.
عظم شأن الصلاة في الآخرة:
فقد ورد في الحديث الطويل "إذَا أرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَن أرَادَ مِن أهْلِ النَّارِ، أمَرَ اللَّهُ المَلَائِكَةَ: أنْ يُخْرِجُوا مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فيُخْرِجُونَهُمْ ويَعْرِفُونَهُمْ بآثَارِ السُّجُودِ، وحَرَّمَ اللَّهُ علَى النَّارِ أنْ تَأْكُلَ أثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إلَّا أثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، قَدِ امْتَحَشُوا فيُصَبُّ عليهم مَاءُ الحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ...." الراوي : أبو هريرة وأبو سعيد الخدري -صحيح البخاري.
"إنَّ حَوْضِي لأَبْعَدُ مِن أيْلَةَ مِن عَدَنٍ والذي نَفْسِي بيَدِهِ، إنِّي لأَذُودُ عنْه الرِّجالَ كما يَذُودُ الرَّجُلُ الإبِلَ الغَرِيبَةَ عن حَوْضِهِ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، وتَعْرِفُنا؟ قالَ: نَعَمْ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن آثارِ الوُضُوءِ ليسَتْ لأَحَدٍ غيرِكُمْ."الراوي : حذيفة بن اليمان - صحيح مسلم.

أم أبي التراب 05-19-2026 05:15 AM

الصراط
إنَّ من أُمور الغيبِ التي تقعُ في ذلك اليومِ ويجبُ الإيمانُ بها: الصراط.
فالصِّراطُ هو جسرٌ يُمَدُّ على ظهرِ جهنَّمَ، وهو طريقُ أهلِ المحشرِ لدخولِ الجنةِ- يَجتازُه المُسلِمون، ويكونُ هناك تَفاضُلٌ في المرورِ عليه يومَ القيامةِ؛ فالمؤمِنون يَنْجُون مِن السُّقوطِ في جَهنَّمَ، ومِن النَّاسِ مَن يُطرَحُ ويسقُطُ في النَّارِ، فإذا عُوقبوا على ذُنوبِهم أُخرِجوا منها إلى الجنَّةِ، ما لم يَكونوا كافِرينَ، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أوَّلُ مَن يَجتازُ الصِّراطَ بأمَّتِه، وكلامُ الأنبياءِ يومَئذٍ: اللَّهمَّ سلِّمْ سلِّمْ.
عن أبي هريرة وحذيفة بن اليمان :قالا : قال صلى الله عليه وسلم "وتُرْسَلُ الأمانَةُ والرَّحِمُ، فَتَقُومانِ جَنَبَتَيِ الصِّراطِ يَمِينًا وشِمالًا، فَيَمُرُّ أوَّلُكُمْ كالْبَرْقِ قالَ: قُلتُ: بأَبِي أنْتَ وأُمِّي أيُّ شيءٍ كَمَرِّ البَرْقِ؟ قالَ: ألَمْ تَرَوْا إلى البَرْقِ كيفَ يَمُرُّ ويَرْجِعُ في طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وشَدِّ الرِّجالِ، تَجْرِي بهِمْ أعْمالُهُمْ ونَبِيُّكُمْ قائِمٌ علَى الصِّراطِ يقولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حتَّى تَعْجِزَ أعْمالُ العِبادِ، حتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فلا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إلَّا زَحْفًا، قالَ: وفي حافَتَيِ الصِّراطِ كَلالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بأَخْذِ مَنِ اُمِرَتْ به، فَمَخْدُوشٌ ناجٍ، ومَكْدُوسٌ في النَّارِ. صحيح مسلم.
وقد دلَّت الأدلةُ من الكتابِ والسُّنةِ على إثباته.
وصف الصِّراطُ: جِسرٌ مَمْدودٌ على مَتْنِ جَهَنَّمَ أدقُّ مِن الشَّعرِ وأحدُّ مِن السَّيفِ، وفي جَهنَّمَ كَلاليبُ -جمْعُ كَلُّوبٍ، وهو حَديدةٌ مُعوَجَّةُ الرَّأْسِ ذاتُ شُعَبٍ يُعَلَّق بهَا اللَّحْمُ- مِثْلُ شَوْكِ السَّعدانِ، وهو نَبتٌ له شَوْكٌ مِن جَيِّدِ مَراعي الإبلِ، يُضرَبُ به المثَلُ، فتَخطَفُ النَّاسَ بسُرعةٍ، بسَببِ أعمالِهم السَّيِّئةِ، أو على حسَبِ أعمالِهم؛ فمنهم مَن يُوبَقُ، أي: يُهلَكُ، ومنهم مَن يُخَرْدَلُ، أي: يُقطَّعُ صِغارًا كالخَرْدَلِ، والمعنى: أنَّه تُقطِّعُه كَلاليبُ الصِّراطِ حتَّى يَهوِيَ إلى النَّارِ، ثمَّ يُنجِّي اللهُ تعالى منها مَن كان يَعبُدُ اللهَ وحْدَه، وهم المؤمنون الخُلَّصُ؛ إذ الكافرُ لا يَنْجو منها أبدًا وَيبقى خَالِدًا فِيهَا.
الألوكة:حال المؤمنين والمنافقين على الصراط. الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح. مستلة من: "فقه الانتقال من دار الفرار إلى دار القرار".
قال صلى الله عليه وسلم " يُضْرَبُ الصِّرَاطُ بيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فأكُونُ أوَّلَ مَن يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بأُمَّتِهِ، ولَا يَتَكَلَّمُ يَومَئذٍ أحَدٌ إلَّا الرُّسُلُ، وكَلَامُ الرُّسُلِ يَومَئذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وفي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قالوا: نَعَمْ، قالَ: فإنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غيرَ أنَّه لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إلَّا اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَن يُوبَقُ بعَمَلِهِ، ومِنْهُمْ مَن يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو، حتَّى إذَا أرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَن أرَادَ مِن أهْلِ النَّارِ، أمَرَ اللَّهُ المَلَائِكَةَ: أنْ يُخْرِجُوا مَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فيُخْرِجُونَهُمْ ويَعْرِفُونَهُمْ بآثَارِ السُّجُودِ، وحَرَّمَ اللَّهُ علَى النَّارِ أنْ تَأْكُلَ أثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إلَّا أثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، قَدِ امْتَحَشُوا فيُصَبُّ عليهم مَاءُ الحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ مِنَ القَضَاءِ بيْنَ العِبَادِ ويَبْقَى رَجُلٌ بيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ وهو آخِرُ أهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ مُقْبِلٌ بوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ، فيَقولُ: يا رَبِّ اصْرِفْ وجْهِي عَنِ النَّارِ، قدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فيَقولُ: هلْ عَسَيْتَ إنْ فُعِلَ ذلكَ بكَ أنْ تَسْأَلَ غيرَ ذلكَ؟ فيَقولُ: لا وعِزَّتِكَ، فيُعْطِي اللَّهَ ما يَشَاءُ مِن عَهْدٍ ومِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أقْبَلَ به علَى الجَنَّةِ، رَأَى بَهْجَتَهَا سَكَتَ ما شَاءَ اللَّهُ أنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قالَ: يا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الجَنَّةِ، فيَقولُ اللَّهُ له: أليسَ قدْ أعْطَيْتَ العُهُودَ والمِيثَاقَ، أنْ لا تَسْأَلَ غيرَ الذي كُنْتَ سَأَلْتَ؟ فيَقولُ: يا رَبِّ لا أكُونُ أشْقَى خَلْقِكَ، فيَقولُ: فَما عَسَيْتَ إنْ أُعْطِيتَ ذلكَ أنْ لا تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فيَقولُ: لا وعِزَّتِكَ، لا أسْأَلُ غيرَ ذلكَ، فيُعْطِي رَبَّهُ ما شَاءَ مِن عَهْدٍ ومِيثَاقٍ، فيُقَدِّمُهُ إلى بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا، فَرَأَى زَهْرَتَهَا، وما فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ والسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ ما شَاءَ اللَّهُ أنْ يَسْكُتَ، فيَقولُ: يا رَبِّ أدْخِلْنِي الجَنَّةَ، فيَقولُ اللَّهُ: ويْحَكَ يا ابْنَ آدَمَ، ما أغْدَرَكَ، أليسَ قدْ أعْطَيْتَ العُهُودَ والمِيثَاقَ، أنْ لا تَسْأَلَ غيرَ الذي أُعْطِيتَ؟ فيَقولُ: يا رَبِّ لا تَجْعَلْنِي أشْقَى خَلْقِكَ، فَيَضْحَكُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ منه، ثُمَّ يَأْذَنُ له في دُخُولِ الجَنَّةِ، فيَقولُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى حتَّى إذَا انْقَطَعَ أُمْنِيَّتُهُ، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: مِن كَذَا وكَذَا، أقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ، حتَّى إذَا انْتَهَتْ به الأمَانِيُّ، قالَ اللَّهُ تَعَالَى: لكَ ذلكَ ومِثْلُهُ معهُ" قالَ أبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ لأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا: إنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: قالَ اللَّهُ: لكَ ذلكَ وعَشَرَةُ أمْثَالِهِ، قالَ أبو هُرَيْرَةَ: لَمْ أحْفَظْ مِن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلَّا قَوْلَهُ: لكَ ذلكَ ومِثْلُهُ معهُ قالَ أبو سَعِيدٍ: إنِّي سَمِعْتُهُ يقولُ: ذلكَ لكَ وعَشَرَةُ أمْثَالِهِ."الراوي : أبو هريرة وأبو سعيد الخدري - صحيح البخاري.
الظُّلْمَةُ قَبْل الصِّرَاطِ ومَنْ يُعْطَى النُّورُ ليمْشِي به على الصِّرَاطِ: فبعدما يُلقى الكفار بأنواعهم، وأصنافهم في دار قرارهم النار، وبئس القرار، يبقى على عرصات يوم القيامة المؤمنون وفيهم أهل الذنوب والمعاصي، وفيهم أهل النفاق، ينتظرون مآلهم، ودار قرارهم، وينصب الجسر -الصراط- فوق جهنم، وحينئذ تُلقى عليهم الظُّلمة، وهذه الظُّلمة تكون قبل الصراط.
ويدل على ذلك هذا الحديث: سأل يهودي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيْنَ يَكونُ النَّاسُ يَومَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غيرَ الأرْضِ والسَّمَوَاتُ؟ فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: هُمْ في الظُّلْمَةِ دُونَ الجِسْرِ قالَ: فمَن أوَّلُ النَّاسِ إجَازَةً؟ قالَ: فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ ..." الحديث . الراوي : ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم -صحيح مسلم .
إذن: هناك ظلمة تكون قبل الصراط، وهذه الظلمة إنما تأتي على المؤمنين والمنافقين، بعدما يتساقط الكفار في نار جهنم مع معبوداتهم، وينتظر المؤمنون وفيهم المنافقون الله جلّ وعلا، فيأتي الله جلّ وعلا بغير الصورة التي يعرفون، ثم يأتيهم بالصورة التي يعرفون، فيسألهم بأي علامة تعرفون ربكم؟ فيقولون بالساق: فيكشف الله تعالى عن ساقه فيسجد له كل مؤمن، ويبقى المنافقون الذين كانوا يصلون رياء وسمعة، لا يستطيعون السجود، كلما أراد أحدهم السجود عاد ظهره طبقًا واحدًا" يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ "القلم:42.
ومن هنا تبدأ نهاية المنافقين، ويعطي الله تعالى كل مؤمن ومنافق نورًا، وتغشاه ظلمة، ويبدأ السير في الصراط لكن هناك يطفئ نور المنافق فيتيه، فيطلب من المؤمن نورًا؛ لأن مع المؤمن نورًا لا ينطفئ؛ بل دعاء المؤمنين حين يرون انطفاء نور المنافقين: ربنا أتمم لنا نورنا، فالمؤمن قد استنار بهذا الدين في الدنيا، وعمل بطاعة الله تعالى.
بخلاف ذلك المنافق الذي وإن أظهر الدين في الدنيا، فإنما هو مزيف يخفي ما لا يبدي، فجُوزِي من جنس عمله، فأُعطي نورًا مضطربًا، كما كان يحمل دينًا مضطربًا، ولم يتمسك بالإيمان على الحقيقة وإنما ظاهرًا، فيطلب المنافقون من المؤمنين أن ينتظروهم، ويعطوهم نورًا، ويقولون للمؤمنين: كنَّا في الدنيا معكم، وعلى منهجكم، فيردون: بأنكم كنتم على غواية، وفتنة، ونفاق، وضلال، واغترار بالدنيا، فحينئذ لو قدَّم المنافقون أي شيء فداء لذلك الموقف؛ لن يقبل منهم.
ثم يقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا، فإذا رجعوا خُدِعوا – كما كانوا يخدعون المؤمنين في الدنيا، يجازون بجنس أعمالهم، فإذا رجعوا ضُرِب بين المؤمنين، والمنافقين بسور له باب، هذا الباب باطنه فيه الرحمة؛ وهي الجهة التي للمؤمنين، حيث مآلهم الرحمة، والجنة، وظاهره من قبله العذاب؛ وهي جهة المنافقين، حيث مآلهم إلى العذاب، والنار - نسأل الله السلامة والعافية -.
فدَلَّ ذلك على أن العبور على الصراط يكون في ظلام إلا من أعطاه الله تعالى نورًا يمشي به.
وأهل النفاق يُطفأ نورهم قبل بدء المرور على الصراط ويحال بينهم وبين المؤمنين بسور، كما قال تعالى" يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * "الحديد:13، 14.
هذا حال المنافقين على الصراط، أمَّا المؤمنون فإنهم يدعون الله تعالى أن يتمم لهم النور، قال تعالى" يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّـهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "التحريم:3.
ويبشرون بالجنات فيا لها من سعادة عظيمة، ولحظة تطير النفس لها شوقًا: " يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ "الحديد:12.
قال الحسنِ البصري، أنه كان إذا قرَأ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ. قال "يُلْقَى على كلِّ مؤمنٍ ومُنافقٍ نورٌ يَمْشون به، حتى إذا ‌انتَهَوا ‌إلى ‌الصراطِ، طُفِيء نورُ المنافقين، ومضَى المؤمنون بنورِهم، فيُنادُونهم: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ إلى قوله: وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ"الحديد: 13، 14.قال الحسنُ: فتلك خَدِيعَةُ اللَّهِ إياهم". "تفسير الطبري" 7/ 612.
قال صلى الله عليه وسلم "يُجْمَعُ الناسُ يومَ القيامةِ ......إلى، أن قال : فيُعْطَوْنَ نُورَهم على قَدْرِ أعمالِهم، وقال : فمنهم مَن يُعْطَى نُورَه مِثْلَ الجبلِ بينَ يَدَيْهِ، ومنهم مَن يُعْطَى نُورَه فوقَ ذلك، ومنهم مَن يُعْطَى نُورَه مِثْلَ النخلةِ بيمينِهِ، ومنهم مَن يُعْطَى دون ذلك بيمينِه، حتى يكونَ آخِرُ مَن يُعْطَى نُورَه على إبهامِ قَدِمِه، يُضِيءُ مَرَّةً ويُطْفِئُ مَرَّةً، وإذا أضاء قَدَّمَ قَدَمَه، وإذا طَفِئَ قام، قال فيَمُرُّ ويَمُرُّونَ على الصراطِ، والصراطُ كحَدِّ السَّيْفِ، دَحْضٌ، مَزَلَّةٌ، فيُقالُ لهم، امْضُوا على قَدْرِ نورِكم، فمنهم مَن يَمُرُّ كانْقِضاضِ الكوكبِ، ومنهم مَن يَمُرُّ كالرِّيحِ، ومنهم مَن يَمُرُّ كالطَّرْفِ، ومنهم مَن يَمُرُّ كشَدِّ الرَّحْلِ ، يَرْمُلُ رَمَلًا، فيَمُرُّونَ على قَدْرِ أعمالِهِم، حتى يَمُرَّ الذي نورُه على إبهامِ قَدَمِه، تَخِرُّ يَدٌ، وتَعْلَقُ يَدٌ، وتَخِرُّ رِجْلٌ، وتَعْلَقُ رِجْلٌ، وتُصِيبُ جوانبَه النارُ فيَخْلُصُونَ، فإذا خَلَصُوا قالوا : الحمدُ للهِ الذي نَجَّانا منكِ بعدَ أن أَرَانَاكِ، لقد أعطانا اللهُ ما لم يُعْطَ أَحَدٌ"خلاصة حكم المحدث : صحيح - الراوي : عبدالله بن مسعود - المحدث : الألباني - المصدر : شرح الطحاوية.
"فيُعْطَون نُورَهم على قدْرِ أعمالِهم" التي كانوا يَعمَلونها في الدُّنيا؛ حتى يَستطِيعوا المُرورَ على الصِّراطِ، "فمِنهم مَن يُعْطى نُورَه مِثلَ الجبَلِ بيْن يدَيْه"، أي: في سَعتِه وارتفاعِه، فيكونُ هذا النُّورُ أمامَهم مُضيئًا لهم على الصِّراطِ، "ومِنهم مَن يُعْطى نُورَه فوقَ ذلك"، أي: يكونُ نُورُه أكبَرَ مِن الجَبلِ، "ومِنهم مَن يُعْطى نُورَه مِثلَ النَّخلةِ بيَمينِه"، أي: عَمودًا مِن النُّورِ مِثلَ النَّخلةِ في يَدِه اليُمنى، "ومِنهم مَن يُعطَى دونَ ذلك بيَمينِه، حتى يكونَ آخِرُ ذلك مَن يُعْطى نُورَه على إبهامِ قدَمِه؛ يُضِيءُ مرَّةً، ويُطفِئُ مرَّةً، فإذا أضاء قدَّمَه، وإذا طفِئَ قام"، أي: ليس نورًا ثابتًا في الإضاءةِ، فإذا أضاء هذا النُّورُ الذي هو على إبهامِه مَشى على الصِّراطِ، وإذا طُفِئَ وقَفَ، ولم يمُرَّ حتى يُضِيءَ مرَّةً أُخرى، فيَمُرَّ على الصِّراطِ، وهذا النُّورُ إنما هو على قدْرِ ما كانوا عليه في الدُّنيا مِن الأعمالِ الصالحةِ والخيرِ، "قال: فيَمُرُّ ويَمُرُّون على الصِّراطِ"، أي: يَجتازُ الصِّراطَ مَن كان نُورُه على قدْرِ إبهامِه ومَن كانوا أكثَرَ منه نُورًا. وصِفةُ هذا الصِّراطِ أنَّه "كحَدِّ السَّيفِ" في رِقَّتِه وحِدَّتِه، "دَحْضٌ مَزَلَّةٌ" والدَّحضُ والمَزلَّةُ بمعنًى واحدٍ،
وهو الموضعُ الذي تَزِلُّ فيه الأقدامُ ولا تَستقِرُّ، ثم يُقال لمَن يَمُرُّ مِن فوقِه "امْضُوا على قدْرِ نُورِكم"، أي: انْجُوا ومُرُّوا عليه على قدْرِ هذا النُّورِ الذي أخَذْتُموه. فمِن الناسِ مَن يمُرُّ عليه "كانقِضاضِ الكوكبِ"، أي: كسُقوطِه، وفي هذا إشارةٌ إلى سُرعتِه، "ومِنهم مَن يمُرُّ كالرِّيحِ"، أي: كسُرعةِ الرِّيحِ، "ومِنهم مَن يمُرُّ كالطَّرْفِ،"، أي: كسُرعةِ طَرْفِ العَينِ، "ومِنهم مَن يمُرُّ كشَدِّ الرَّحْلِ، ويَرمُلُ رمَلًا"، أي: يَسيرُ في خُطواتٍ مُتقارِبةٍ، "فيمُرُّون على قدْرِ أعمالِهم، حتى يمُرَّ الذي نُورُه على إبهامِ قَدَمِه: تَخِرُّ يَدٌ، وتَعلَقُ يَدٌ، وتَخِرُّ رِجلٌ، وتَعلَقُ رِجلٌ"، أي: فيمُرُّ مِن على الصِّراطِ، فيَسيرُ على قدْرِ هذا النُّورِ؛ فتَضرِبُه النارُ مرَّةً، ويَسِيرُ مرَّةً، وتَسقُطُ إحدى يَدَيْه ويُمسِكُ بالأُخرى، "وتُصِيبُ جَوانِبَه النارُ"، أي: تَلسَعُ النارُ جانِبَيْه، "فيَخلُصُوا، فإذا خَلَصوا قالوا: الحمْدُ للهِ الذي نجَّانا منكِ بعدَ الذي أراناكِ، لقد أعْطَانا اللهُ ما لم يُعطِ أحدًا"، أي: فإذا تَحقَّقوا أنَّهم قد نَجَوا منها يَحمَدون اللهَ عزَّ وجلَّ على هذه النِّعمةِ العظيمةِ، ويَتصوَّرون أنَّ أحدًا مِن الناسِ لم يفُزْ بمِثلِها؛ وهذا مِن شِدَّةِ الأهوالِ التي وُصِفَت، وشِدَّةِ الخوفِ مِن السُّقوطِ والخُلودِ في النارِ. الدرر السنية.
قال القرطبي رحمه الله "تفكر الآن فيما يحل من الفزع بالفؤاد، إذا رأيت الصراط ودقته، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته، ثم قرع سمعك شهيق النار وتغَيُّظها، وقد كلفت أن تمشي على الصراط مع ضعف حالك، واضطراب قلبك وتزلزل قدمك، وثقل ظهرك بالأوزار، المانعة لك من المشي على بساط الأرض فضلًا عن حدة الصراط؛ فكيف بك إذا وضعت عليه إحدى رجليك، فأحسست بحدته، واضطررت إلى أن ترفع قدمك الثانية، والخلائق بين يديك يزلون ويعثرون، وتتناولهم زبانية النار بالخطاطيف والكلاليب، وأنت تنظر إليهم كيف ينكسون، فتسفل إلى جهة النار رؤوسهم، وتعلو أرجلهم، فياله من منظر ما أفظعه! ومرتق ما أصعبه! ومجاز ما أضيقه!"؛ التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة.ا.هـ.
http://iswy.co/e2g6li

أم أبي التراب 05-19-2026 05:22 AM

الشفاعة : أنواع الشفاعة في الآخرة
فأما الشفاعة التي تكون في الآخرة فهي نوعان:
الشفاعة الخاصة
وهي التي تكون للرسول صلى الله عليه وسلم خاصة لا يشاركه فيها غيره من الخلق وهي أقسام:
قال ابنُ رَجَبٍ: وأمَّا الشَّفاعةُ الَّتي اختَصَّ بها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن بينِ الأنبياءِ، فليسَت هي الشَّفاعةَ في خُرُوجِ العُصاةِ مِنَ النَّارِ؛ فإنَّ هذه الشَّفاعةَ يُشارِكُ فيها الأنبياءُ والمُؤمِنونَ أيضًا، كَما تَواتَرتَ بذَلِكَ النُّصُوصُ، وإنَّما الشَّفاعةُ الَّتي يَختَصُّ بها مَن دُونَ الأنبياءِ أربَعةُ أنواعٍ:
أحَدُها: شَفاعتُه لِلخَلقِ في فصلِ القَضاءِ بينَهم.
والثَّاني: شَفاعتُه لِأهلِ الجَنةِ في دُخُولِ الجَنةِ.
والثَّالِثُ: شَفاعتُه في أهلِ الكَبائِرِ مِن أهلِ النَّارِ، فقَد قيلَ: إنَّ هذه يَختَصُّ هو بها.
والرَّابعُ: كَثرةُ مَن يَشفَعُ لَه مِن أمَّتِه؛ فإنَّه وفَّرَ شَفاعتَه وادَّخَرَها إلى يَومِ القيامةِ.ا.هـ.فتح الباري:2/ 22.
الشفاعةُ في تخفيفِ العذابِ عَمَّنْ يستحقه كشفاعتِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَّ في عمِّهِ أبي طالبٍ أنْ يخففَ عنْهُ عذابَهُ.
أحَدُها: شَفاعتُه لِلخَلقِ في فصلِ القَضاءِ بينَهم.وهي الشفاعة العظمى :
وهي من المقام المحمود الذي وعده الله إياه، في قوله تعالى" وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا
"سورة الإسراء/79.
وحقيقة هذه الشفاعة هي أن يشفع لجميع الخلق حين يؤخر الله الحساب فيطول بهم الانتظار في أرض المحشر يوم القيامة فيبلغ بهم من الغم والكرب ما لا يطيقون، فيقولون: من يشفع لنا إلى ربنا حتى يفصل بين العباد،وسبق أن فصلنا ما ورد فيها.
والثَّاني: شَفاعتُه لِأهلِ الجَنةِ في دُخُولِ الجَنةِ.بعد عبور الصراط-يجري نحو ما جرى من تدافع وتراجع الأنبياء عن الشفاعة في ذلك، فيشفع أيضًا لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وفي كل ذلك إظهار لشرفه صلى الله عليه وسلم، وإعلاء لقدره، وإظهار لكرمه على ربه.
" أنا أوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ في الجَنَّةِ وأنا أكْثَرُ الأنْبِياءِ تَبَعًا."الراوي : أنس بن مالك - صحيح مسلم

"آتي بابَ الجَنَّةِ يَومَ القِيامَةِ فأسْتفْتِحُ، فيَقولُ الخازِنُ: مَن أنْتَ؟ فأقُولُ: مُحَمَّدٌ، فيَقولُ: بكَ أُمِرْتُ لا أفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ.الراوي : أنس بن مالك - صحيح مسلم .
والثَّالِثُ: شَفاعتُه في أهلِ الكَبائِرِ مِن أهلِ النَّارِ." شفاعتي لأهلِ الكبائرِ مِن أمتي. "الراوي : أنس بن مالك - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح أبي داود- الصفحة أو الرقم: 4739 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.
والرَّابعُ: كَثرةُ مَن يَشفَعُ لَه مِن أمَّتِه؛ فإنَّه وفَّرَ شَفاعتَه وادَّخَرَها إلى يَومِ القيامةِ.
يَروي التَّابعيُّ مَعبدُ بنُ هِلالٍ العَنزيُّ أنَّه اجتَمَعَ مع جَماعةٍ من أهلِ البَصرةِ -وهي مدينةٌ بالعراقِ-، فذَهَبوا إلى أنسٍ في قَصرِه، والمُرادُ به بَيتُه الذي يَبعُدُ عنِ البَصرةِ نحوَ 6 كيلومتراتٍ تَقريبًا، وكانَ من عادةِ التَّابِعينَ أنَّهم يَتردَّدون على أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ ليَتعلَّموا منهمُ العِلمَ وسُنَّةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقد أخَذوا معهم ثابِتًا البُنانيَّ، وكانَ من أخصِّ تلاميذِ أنسٍ رَضيَ اللهُ عنه وأقرِبِهم له، وطلَبوا منه أن يَسألَه عن حَديثِ الشَّفاعةِ:
"أهْلُ الجنَّةِ عِشرونَ ومائةُ صفٍّ ثمانونَ منها من هذهِ الأمَّةِ وأربَعونَ من سائرِ الأممِ "الراوي : بريدة بن الحصيب الأسلمي - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي -الصفحة أو الرقم: 2546 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.
أي: ثَمانون صفًّا مِن أمَّةِ الإسلامِ، "وأربعون مِن سائِرِ الأُمَمِ"، أي: أربعون صفًّا مِن باقي الأمَمِ، فيَزِيدُ بذلك عدَدُ أمَّةِ الإسلامِ عن النِّصفِ فيَصِلُ إلى الثُّلثينِ مِن جملَةِ الصُّفوفِ الَّتي تدخُلُ الجنَّةَ؛ كرامَةً مِن اللهِ سبحانه وتعالى لهذه الأمَّةِ. الدرر السنية.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ .فَكَبَّرْنَا.فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ .فَكَبَّرْنَا.فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ .فَكَبَّرْنَا" رواه البخاري :3348. ومسلم :222.
شفاعةُ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعمِّهِ أبي طالبٍ:
سَأَل العَبَّاسُ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ رضِي اللهُ عنه رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال له"يَا رَسولَ اللَّهِ، هلْ نَفَعْتَ أبَا طَالِبٍ بشيءٍ، فإنَّه كانَ يَحُوطُكَ ويَغْضَبُ لَكَ؟ قالَ: نَعَمْ، هو في ضَحْضَاحٍ مِن نَارٍ، لَوْلَا أنَا لَكانَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ."
الراوي : العباس بن عبدالمطلب - المحدث : البخاري - المصدر : صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم: 6208 - خلاصة حكم المحدث : صحيح .
"
هو في ضَحْضَاحٍ مِن نارٍ"، الضحضاح من الماء ما يبلغ الكعب، ويقال أيضًا لما قرب من الماء، وهو ضد الغمرة، والمعنى: أنه خفف عنه العذاب...
"لَوْلَا أنَا لَكانَ في الدَّرَكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ"أي: في الطَّبَقِ الذي في قَعْرِ جَهَنَّمَ، والنارُ سَبْعُ دَرَكاتٍ، سُمِّيتْ بذلك لأنَّها مُتَدارِكة مُتَتابِعة بعضُها فوقَ بعضٍ.
فأعمام الرسول عليه الصلاة والسلام عشرة، أدرك الإسلام منهم أربعة ؛ فبقي اثنان على الكفر وأسلم اثنان :
ـ فالكافران هما :أبو لهب: وقد أساء إلى النبى صلى الله عليه وسلم إساءة عظيمة ، وأنزل الله فيه وفي امرأته سورة كاملة في ذمهما ووعيدهما - سورة المسد.
والآخر:أبو طالب:وقد أحسن إلى الرسول إحسانًا مشهورًا،وكان من حكمة الله عز وجل أن بقي على كفره؛ لأنه لولا كفره؛ ما حصل هذا الدفاع عن الرسول عليه الصلاة ، بل كان يؤذي كما يؤذَى الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن بجاهه العظيم عند قريش وبقائه على دينهم صاروا يعظمونه وصار للنبي عليه الصلاة والسلام جانب من الحماية بذلك.
ولكنه مات كافرًا:
فعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ "أنَّ أبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، دَخَلَ عليه النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعِنْدَهُ أبو جَهْلٍ، فَقَالَ"أيْ عَمِّ، قُلْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لكَ بهَا عِنْدَ اللَّهِ" فَقَالَ أبو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بنُ أبِي أُمَيَّةَ: يا أبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عن مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ، حتَّى قَالَ آخِرَ شيءٍ كَلَّمَهُمْ بهِ: علَى مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، ما لَمْ أُنْهَ عنْه ،فَنَزَلَتْ"ما كانَ للنبيِّ والذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولو كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لهمْ أنَّهُمْ أصْحَابُ الجَحِيمِ"
التوبة: 113.ونَزَلَتْ"إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ" القصص:56"صحيح البخاري.واللذان أسلما هما العباس وحمزة ، وهو أفضل من العباس ، حتى لقبه الرسول عليه الصلاة والسلام أسد الله ، وقُتِلَ شهيدًا في أُحد رضي الله عنه وأرضاه ، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم سيد الشهداء.
*
قال صلَّى الله عليه وسلَّم "سيدُ الشهداءِ عندَ اللهِ يومَ القيامَةِ حمزةُ بنُ عبدِ المطلِبِ
" صحيح الجامع للشيخ الألباني رحمه الله.
الشفاعة العامة:
ومعنى العموم أن الله سبحانه وتعالى يأذن لمن شاء من عبادِه الصالحينَ أن يشفعوا لمن أذن الله لهم بالشفاعة فيهم.
أما شفاعة غير النبي صلى الله عليه وسلم فقد وردت الأحاديث الصحيحة أن الملائكة والأنبياء والمؤمنين يشفعون، قالَ تعالى"وَكَم مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى" النجم :26.. كما جاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وهو حديث طويل وفيه "فيَقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: شَفَعَتِ المَلائِكَةُ، وشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وشَفَعَ المُؤْمِنُونَ، ولَمْ يَبْقَ إلَّا أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ..." إلى آخر الحديث. صحيح مسلم.، وهو يدل على أن الأنبياء وعلى أن الملائكة والمؤمنين يشفعون يوم القيامة.كما أنه ورد في الصحيح إثبات شفاعة الشهداء، وفي ذلك حديث المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" للشَّهيدِ عِندَ اللَّهِ ستُّ خصالٍ : يُغفَرُ لَه في أوَّلِ دَفعةٍ ويَرى مقعدَه منَ الجنَّةِ ويُجارُ مِن عذابِ القبرِ ويأمنُ منَ الفَزعِ الأكبرِ ويُوضعُ علَى رأسِه تاجُ الوقارِ الياقوتةُ مِنها خيرٌ منَ الدُّنيا وما فِيها ويزوَّجُ اثنتَينِ وسبعينَ زَوجةً منَ الحورِ العينِ ، ويُشفَّعُ في سبعينَ مِن أقاربِه "الراوي : المقدام بن معدي كرب -المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم 1663 خلاصة حكم المحدث : صحيح
وورد كذلك شفاعة الصيام والقرآن، فقد ثبت من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"الصيامُ والقرآنُ يَشْفَعانِ للعبدِ، يقولُ الصيامُ : أَيْ رَبِّ ! إني مَنَعْتُهُ الطعامَ والشهواتِ بالنهارِ، فشَفِّعْنِي فيه، ويقولُ القرآنُ : مَنَعْتُهُ النومَ بالليلِ، فشَفِّعْنِي فيه ؛ فيَشْفَعَانِ "خلاصة حكم المحدث : حسن -الراوي : عبدالله بن عمرو -المحدث : الألباني -المصدر : هداية الرواة .
شفاعة الصالحين: الصَّالِحونُ من المُؤمِنينَ يَشفَعونَ في إخراجِ المُؤمِنينَ الذينَ دَخَلوا النَّارَ تَطهيرًا لهم.
جاء في صحيح مسلم :269: من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا: والذي نَفْسِي بيَدِهِ، ما مِنكُم مِن أحَدٍ بأَشَدَّ مُناشَدَةً لِلَّهِ في اسْتِقْصاءِ الحَقِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَومَ القِيامَةِ لإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ في النَّارِ، يقولونَ: رَبَّنا كانُوا يَصُومُونَ معنا ويُصَلُّونَ ويَحُجُّونَ، فيُقالُ لهمْ: أخْرِجُوا مَن عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ علَى النَّارِ، فيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدِ أخَذَتِ النَّارُ إلى نِصْفِ ساقَيْهِ، وإلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا ما بَقِيَ فيها أحَدٌ مِمَّنْ أمَرْتَنا به، فيَقولُ: ارْجِعُوا فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ دِينارٍ مِن خَيْرٍ فأخْرِجُوهُ، فيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا لَمْ نَذَرْ فيها أحَدًا مِمَّنْ أمَرْتَنا، ثُمَّ يقولُ: ارْجِعُوا فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ نِصْفِ دِينارٍ مِن خَيْرٍ فأخْرِجُوهُ، فيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا لَمْ نَذَرْ فيها مِمَّنْ أمَرْتَنا أحَدًا، ثُمَّ يقولُ: ارْجِعُوا فمَن وجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ فأخْرِجُوهُ، فيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يقولونَ: رَبَّنا لَمْ نَذَرْ فيها خَيْرًا." الراوي : أبو سعيد الخدري-صحيح مسلم.
أسباب نيل الشفاعة
"مَن قالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هذِه الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، والصَّلَاةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ والفَضِيلَةَ، وابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الذي وعَدْتَهُ، حَلَّتْ له شَفَاعَتي يَومَ القِيَامَةِ."الراوي : جابر بن عبدالله - صحيح البخاري.
التوحيد:
إن الشفاعة في الآخرة لا تكون إلا لمن مات على التوحيد، ولم يُشرِكْ بالله شيئًا؛ قال تعالى" مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ "التوبة: 113، وقال تعالى" مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ* فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ "المدثر: 42 - 48، وقال تعالى" مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ "غافر: 18.
"لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وإنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتي شَفاعَةً لِأُمَّتي يَومَ القِيامَةِ، فَهي نائِلَةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ مَن ماتَ مِن أُمَّتي لا يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا. "الراوي : أبو هريرة -صحيح مسلم.
"قِيلَ يا رَسولَ اللَّهِ مَن أسْعَدُ النَّاسِ بشَفَاعَتِكَ يَومَ القِيَامَةِ؟ قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لقَدْ ظَنَنْتُ يا أبَا هُرَيْرَةَ أنْ لا يَسْأَلُنِي عن هذا الحَديثِ أحَدٌ أوَّلُ مِنْكَ لِما رَأَيْتُ مِن حِرْصِكَ علَى الحَديثِ أسْعَدُ النَّاسِ بشَفَاعَتي يَومَ القِيَامَةِ، مَن قالَ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِن قَلْبِهِ، أوْ نَفْسِهِ".الراوي :أبو هريرة -صحيح البخاري
"اقْرَؤُوا القُرْآنَ فإنَّه يَأْتي يَومَ القِيامَةِ شَفِيعًا لأَصْحابِهِ، اقْرَؤُوا الزَّهْراوَيْنِ البَقَرَةَ، وسُورَةَ آلِ عِمْرانَ، فإنَّهُما تَأْتِيانِ يَومَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ، أوْ كَأنَّهُما غَيايَتانِ، أوْ كَأنَّهُما فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوافَّ، تُحاجَّانِ عن أصْحابِهِما، اقْرَؤُوا سُورَةَ البَقَرَةِ، فإنَّ أخْذَها بَرَكَةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا تَسْتَطِيعُها البَطَلَةُ. الراوي : أبو أمامة الباهلي - صحيح مسلم.

"الصيامُ والقرآنُ يشفعانِ للعبدِ يومَ القيامَةِ ، يقولُ الصيامُ : أي ربِّ إِنَّي منعْتُهُ الطعامَ والشهواتِ بالنهارِ فشفِّعْنِي فيه ، يقولُ القرآنُ ربِّ منعتُهُ النومَ بالليلِ فشفعني فيه ، فيَشْفَعانِ "الراوي : عبدالله بن عمرو - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الجامع -الصفحة أو الرقم: 3882 - خلاصة حكم المحدث : صحيح.
"مَن قالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هذِه الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، والصَّلَاةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ والفَضِيلَةَ، وابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الذي وعَدْتَهُ، حَلَّتْ له شَفَاعَتي يَومَ القِيَامَةِ."الراوي : جابر بن عبدالله-صحيح البخاري .
"إنِّي أُحَرِّمُ ما بيْنَ لابَتَيِ المَدِينَةِ أنْ يُقْطَعَ عِضاهُها، أوْ يُقْتَلَ صَيْدُها، وقالَ: المَدِينَةُ خَيْرٌ لهمْ لو كانُوا يَعْلَمُونَ، لا يَدَعُها أحَدٌ رَغْبَةً عَنْها إلَّا أبْدَلَ اللَّهُ فيها مَن هو خَيْرٌ منه، ولا يَثْبُتُ أحَدٌ علَى لَأْوائِها وجَهْدِها إلَّا كُنْتُ له شَفِيعًا، أوْ شَهِيدًا يَومَ القِيامَةِ.الراوي : سعد بن أبي وقاص = صحيح مسلم.
"من استطاع أن يموتَ بالمدينةِ فليمت بها فإني أشفعُ لمن يموتُ بها"الراوي : عبدالله بن عمر - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي.
"ما مِن مَيِّتٍ تُصَلِّي عليه أُمَّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً، كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ له؛ إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ."الراوي : عائشة أم المؤمنين - صحيح مسلم.
"سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يقولُ: ما مِن رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ علَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لا يُشْرِكُونَ باللَّهِ شيئًا؛ إلَّا شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ.الراوي : عبدالله بن عباس -صحيح مسلم .
القنطرة
عن أبي سعيد الخدري، عَنْ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: إذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بقَنْطَرَةٍ بيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بيْنَهُمْ في الدُّنْيَا، حتَّى إذَا نُقُّوا وهُذِّبُوا أُذِنَ لهمْ بدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ بمَسْكَنِهِ في الجَنَّةِ أدَلُّ بمَنْزِلِهِ كانَ في الدُّنْيَا."الراوي : أبو سعيد الخدري -صحيح البخاري.
فإن أهل الجنة إذا عَبَرُوا الصراط أوقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فتمحص قلوب بعضهم من بعض حتى يُهَذَّبُوا ويُنَقُّوا ثم يُؤذَن لهم في دخول الجنة فتفتح أبواب الجنة بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.الشيخ محمد بن صالح العثيمين
. فمن الشفاعة الخاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة.
قال الشيخ العثيمين في شرحه للعقيدة الواسطية:
وذلك أن أهل الجنة إذا عبروا الصراط؛ وقفوا على قنطرة، فيقتص لبعضهم من بعض وهذا القصاص غير القصاص الذي كان في عرصات القيامة، بل هو قصاص أخص، يطهر الله فيه القلوب، ويزيل ما فيها من أحقاد وضغائن؛ فإذا هُذِّبُوا ونُقوا ؛ أُذِنَ لهم في دخول الجنة.
ولكنهم إذا أتوا إلى الجنة؛ لا يجدونها مفتوحة كما يجد ذلك أهل النار؛ فلا تفتح الأبواب ، حتى يشفع النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة أن يدخلوها، فيدخل كل إنسان من باب العمل الذي يكون أكثر اجتهادًا فيه من غيره، وإلا ؛ فإن المسلم قد يدعى من كل الأبواب.
وهو صريح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ؛ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"يجمعُ اللهُ الناسَ يومَ القيامَةِ ، فيقومُ المؤمنونَ حينَ تُزْلَفُ لهم الجنةُ ، فيأتونَ آدمَ ، فيقولونَ : يا أبانا ! استفتِحْ لنا الجنةَ ، فيقولُ : وهلْ أخرجَكُمْ مِنَ الجنةِ إلَّا خطيئةُ أبيكم آدمَ ، لستُ بصاحبِ ذلِكَ ، اذهبوا إلى ابني إبراهيمَ خليلِ اللهِ...." الحديث.
وفيه"فيأتونَ محمدًا ، فيقومُ فيؤذَنُ له..
" الحديث.صحيح الجامع..
*عن عبادة بن الصامت قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"مَن قالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسولُهُ، وأنَّ عِيسَى عبدُ اللهِ، وابنُ أمَتِهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ منه، وأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وأنَّ النَّارَ حَقٌّ، أدْخَلَهُ اللَّهُ مِن أيِّ أبْوابِ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةِشاءَ." صحيح مسلم.
عن أبي سعيد الخدري عَنْ رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: إذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بقَنْطَرَةٍ بيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بيْنَهُمْ في الدُّنْيَا، حتَّى إذَا نُقُّوا وهُذِّبُوا أُذِنَ لهمْ بدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ بمَسْكَنِهِ في الجَنَّةِ أدَلُّ بمَنْزِلِهِ كانَ في الدُّنْيَا."
الراوي : أبو سعيد الخدري - صحيح البخاري .
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل،
ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب.


الساعة الآن 06:22 AM بتوقيت مسقط

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir

a.d - i.s.s.w