ملتقى قطرات العلم النسائي
 
 

الـــمـــصـــحـــــف الـــجـــامـــع‏
مـــصـــحـــــف آيـــــات‏
موقع الدرر السنية للبحث عن تحقيق حديث ‏

العودة   ملتقى قطرات العلم النسائي > ::الملتقى العام:: > ملتقى المعتقد الصحيح

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 09-21-2025, 06:22 AM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
مدير
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 4,457
y مدخل لدراسة المعتقد الصحيح-الجزء الثالث اليوم الآخر

مدخل لدراسة المعتقد الصحيح-الجزء الثالث اليوم الآخر
الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّـه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ"
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا".
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا *يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّـه وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا"
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. ثم أَمَّا بَعْدُ:
نتدارس ركن من أركان الإيمان الستة وهو الإيمان باليوم الآخر ، من خلال كتاب الله عز وجل ؛ وسنة نبيهِ صلى الله عليه وسلم الصحيحة ، مستعينين بالمراجع الصحيحة لعلمائنا الأجلاء جَزاهُم المَوْلى عَظِيمَ الأَجْرِ والعَفوَ مَعْ غُفْرانِه والبِرِّ.
اعلَم هُدِيتَ أَنَّ أفضلَ المِنَنْ عِلمٌ يُزيلُ الشَّكَ عَنْكَ والدَّرنْ ،وَيكْشِفُ الحقَّ لذي القلوبِ وَيُوصِلُ العَبْدَ إلى المَطْلوبِ. نسأل الله السداد والتوفيق لما يحب ويرضى .

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 09-21-2025, 06:23 AM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
مدير
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 4,457
Haedphone



توطئة
ينقسم الوجود الذي خلقه الله -تعالى- إلى عالَمَينِ: عالَم الشهادة، وعالَم الغيب. وبينهما تنقسم الحياة إلى ثلاثة أقسام: الحياة الدنيا، وهي في عالم الشهادة الذي نعيش فيه، وحياتان: حياة البرزخ، والحياة الآخرة، وهما في عالم الغيب الذي لا نراه والذي أنبأنا به نبينا -صلى الله عليه وسلم- في كتاب الله عز وجل وفي حديثه -عليه الصلاة والسلام-.
حقيقة الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ:
ورد في حديث جبريل الطويل أركان الإيمان الستة :
"...... قالَ: فأخْبِرْنِي عَنِ الإيمانِ، قالَ: أنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ، ومَلائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، والْيَومِ الآخِرِ، وتُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، قالَ: صَدَقْتَ، قالَ: فأخْبِرْنِي عَنِ الإحْسانِ، قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإنَّه يَراكَ، ...."الراوي : عمر بن الخطاب- صحيح مسلم.
قال الشيخ السَّعديُّ رحمه الله : كُلُّ ما جاءَ في الكِتاب والسُّنَّةِ مِمَّا يَكونُ بَعدَ المَوتِ فإنَّه داخِلٌ في الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ؛ كأحوالِ القَبرِ والبَرزَخِ ونَعيمِه وعَذابِه، وأحوالِ يَومِ القيامةِ وما فيها مِنَ الحِساب والثَّوابِ والعِقابِ والصُّحُفِ والميزانِ والشَّفَاعةِ، وأحوالِ الجَنَّةِ والنَّارِ وصَفاتِهما وصَفاتِ أهلِهما، وما أعَدَّ اللَّهُ لِأهلِها إجمالًا وتَفصيلًا، كُلُّ ذلك مِنَ الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ. الموسوعة العقدية الكِتابُ السَّادِس: الإيمانُ باليَومِ الآخِرِالبابُ الأوَّلُ: مَعنَى الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ وحُكمُه وأدِلَّتُه ومَنزِلَتُه وثَمَراتُه الفَصلُ الأوَّلُ: مَعنَى الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ.الدرر السنية.
والإيمان بما في اليوم الآخر وعلاماته من الإيمان بالغيب الذي لا يدركه العقل، ولا سبيل لمعرفته؛ إلا بالنص عن طريق الوحي.
نؤمن باليوم الآخر، وأنه ركن من أركان الإيمان الستة، وسمي باليوم الآخر؛ لأنه آخر أيام الدنيا، فليس بعده يوم.
قال الشيخ العثيمين رحمه الله وغفر له : الإيمانُ باليَومِ الآخِرِ يَتَضَمَّنُ ثَلاثةَ أمورٍ:
الأوَّلُ: الإيمانُ بالبَعثِ: وهو إحياءُ المَوتَى حينَ يُنفَخُ في الصُّورِ النَّفخة الثَّانية، فيَقومُ النَّاسُ لِرَبِّ العالَمينَ، حفَاةً غَيرَ مُنتَعِلينَ، عُراةً غَيرَ مُستَتِرينَ، غَرْلًا غَيرَ مُختَتَنِينَ.
الثَّاني: الإيمانُ بالحِساب والجَزاءِ: يُحاسَبُ العَبدُ على عَمَلِه، ويُجازَى عليه.
الثَّالِثُ: الإيمانُ بالجَنَّةِ والنَّارِ، وأنَّهما المَآلُ الأبَديُّ لِلخَلقِ.
ويَلتَحِقُ بالإيمانِ باليَومِ الآخِرِ: الإيمانُ بكُلِّ ما يَكونُ بَعدَ المَوتِ؛ مِثلُ:
(أ) فتنةِ القَبرِ: وهيَ سُؤالُ المَيِّتِ بَعدَ دَفنِه عَن رَبِّه، ودينِه، ونَبيِّه...
(ب) عَذابِ القَبرِ ونَعيمِه: فيَكونُ العَذابُ لِلظَّالِمينَ مِنَ المُنافِقَينَ والكافِرَينِ... وأمَّا نَعيمُ القَبرِ فلِلمُؤمِنينَ الصَّادِقينَ . ا.هـ. .
القِيَامَةُ الصُّغْرَى:القيامة الصغرى هي الموت ، فكل من مات فقد قامت قيامته ، وحان حينه ،وانقطعت أعماله . ففي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة قالت : كانَ رِجَالٌ مِنَ الأعْرَابِ جُفَاةً، يَأْتُونَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَيَسْأَلُونَهُ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَكانَ يَنْظُرُ إلى أصْغَرِهِمْ فيَقولُ: إنْ يَعِشْ هذا لا يُدْرِكْهُ الهَرَمُ حتَّى تَقُومَ علَيْكُم سَاعَتُكُمْ، قالَ هِشَامٌ: يَعْنِي مَوْتَهُمْ."الراوي : عائشة أم المؤمنين -صحيح البخاري .
وفي هذا الحَديثِ تروي أُمُّ المُؤمِنينَ عائشةُ رضِيَ اللهُ عنها أنَّ رِجَالًا مِن الأعرابِ -وهم الذين يَسكُنون الصَّحراءَ- وهم جُفاةٌ غِلاظُ الطِّباعِ؛ لأنَّ سُكَّانَ البَوادي يَغلِبُ عليهم خُشونةُ العيْشِ وقِلَّةُ مخالَطةِ النَّاسِ، فتجفو أخلاقُهم وتُصبِحُ صَعبةً غالبًا، كانوا يَأتون النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيَسْألونه: مَتى تَقومُ السَّاعةُ؟ ويَقصِدون بذلك وقتَ انتِهاءِ الدُّنيا وقيامِ القيامةِ للحِسابِ، فكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يجيبُهم بما ينفَعُهم وبما تقبَلُه عُقولُهم، فكان يَنظُرُ إلى أصْغرِهم سِنًّا، فيقولُ "إنْ يَعِشْ هذا" الأحدثُ سِنًّا، " لا يُدْرِكْهُ الهَرَمُ حتَّى تَقُومَ علَيْكُم سَاعَتُكُمْ". قال هِشامُ بنُ عُروةَ -وهو أحدُ رُواةِ الحديث- يَعْنِي بقولِه: سَاعَتُكُمْ:مَوْتَهُمْ ؛ لأنَّ ساعةَ كلِّ إنسانٍ مَوتُه، فهي السَّاعةُ الصُّغرى، لا الكُبْرى التي هي بعْثُ النَّاسِ للمُحاسَبةِ؛ فلا يعلَمُها إلَّا اللهُ عزَّ وجَلَّ.الدرر السنية.
وتسمى القيامة الصغرى أيضًا بالمعاد الأول ، وخُوَيْصَّةَ أحَدِكُمْ، كما تسمى البرزخ.
* فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ ؛ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال" بادِرُوا بالأعْمالِ سِتًّا: الدَّجَّالَ، والدُّخانَ، ودابَّةَ الأرْضِ، وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وأَمْرَ العامَّةِ، وخُوَيْصَّةَ أحَدِكُمْ."صحيح مسلم.
*فلنبادر بالعمل قبل أن يأتي الموت الذي عُبِّر عنه في الحديث " بخُوَيْصَّةَ أحَدِكُمْ " ، أو يأتي يوم القيامة الذي عُبِّر عنه في الحديث بـ " أَمْرَ العامَّةِ "
فالمُؤمِنُ الحقُّ يَكونُ حالُه مع اللهِ سُبحانَه بينَ الخَوفِ والرَّجاءِ؛ فيَخافُ منَ اللهِ، ويَخافُ أن يَصدُرَ منه ما يُوجِبُ العِقابَ، وفي الوَقتِ نفسِه يَرجو رحمةَ اللهِ؛ فيَعمَلُ الطَّاعاتِ والصَّالِحاتِ، وكانَ الصَّحابةُ رَضيَ اللهُ عنهم خيرَ مِثالٍ لهذا الوَصفِ.وفي الحديثِ الآتي يَروي التَّابِعيُّ عبدُ الرَّحمنِ بنُ شِماسةَ المَهْريِّ أنَّهم دخلوا على عَمرِو بنِ العاصِ رَضيَ اللهُ عنه حينَ حَضَرَه الموتُ وهو في السَّكَراتِ ووصفَ حَالَهُ :
فعن ابنِ شِماسة المَهْريِّقال: حَضَرْنا عَمْرَو بنَ العاصِ، وهو في سِياقَةِ المَوْتِ، يَبكِي طَوِيلًا، وحَوَّلَ وجْهَهُ إلى الجِدارِ، فَجَعَلَ ابنُهُ يقولُ: يا أبَتاهُ، أما بَشَّرَكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بكَذا؟ أما بَشَّرَكَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بكَذا؟ قالَ: فأقْبَلَ بوَجْهِهِ، فقالَ: إنَّ أفْضَلَ ما نُعِدُّ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، إنِّي قدْ كُنْتُ علَى أطْباقٍ ثَلاثٍ؛ لقَدْ رَأَيْتُنِي وما أحَدٌ أشَدَّ بُغْضًا لِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنِّي، ولا أحَبَّ إلَيَّ أنْ أكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ منه فَقَتَلْتُهُ، فلوْ مُتُّ علَى تِلكَ الحالِ لَكُنْتُ من أهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الإسْلامَ في قَلْبِي أتَيْتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَقُلتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قالَ: ما لكَ يا عَمْرُو؟ قالَ: قُلتُ: أرَدْتُ أنْ أشْتَرِطَ، قالَ: تَشْتَرِطُ بماذا؟ قُلتُ: أنْ يُغْفَرَ لِي، قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ الإسْلامَ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ؟ وأنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَها؟ وأنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ؟ وما كانَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيَّ من رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا أجَلَّ في عَيْنِي منه، وما كُنْتُ أُطِيقُ أنْ أمْلأَ عَيْنَيَّ منه إجْلالًا له، ولو سُئِلْتُ أنْ أصِفَهُ ما أطَقْتُ؛ لأَنِّي لَمْ أكُنْ أمْلأُ عَيْنَيَّ منه، ولو مُتُّ علَى تِلكَ الحالِ لَرَجَوْتُ أنْ أكُونَ من أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ ولِينا أشْياءَ ما أدْرِي ما حالِي فيها، فإذا أنا مُتُّ فلا تَصْحَبْنِي نائِحَةٌ، ولا نارٌ، فإذا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرابَ شَنًّا، ثُمَّ أقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ ما تُنْحَرُ جَزُورٌ ويُقْسَمُ لَحْمُها، حتَّى أسْتَأْنِسَ بكُمْ، وأَنْظُرَ ماذا أُراجِعُ به رُسُلَ رَبِّي"صحيح مسلم.
في الحديث: أنَّ المُؤمنَ لا تُفارقُه خَشيةُ اللهِ، ولو عَمِلَ مِنَ الصَّالحاتِ ما عَمِلَ.
وفيه: إثباتُ سُؤالِ الملَكَينِ في القَبرِ.
وفيه: المُكثُ عندَ القَبرِ بعدَ الدَّفنِ وقتًا ليَأنَسَ المَيتُ، والدُّعاءُ له بالتَّثبيتِ.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 09-21-2025, 06:24 AM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
مدير
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 4,457
Haedphone

أحوال خروج الروح وما بعدها :

"الميِّتُ تحضرُهُ الملائِكَةُ، فإذا كانَ الرَّجلُ صالحًا، قالوا: اخرجي أيَّتُها النَّفسُ الطَّيِّبةُ، كانت في الجسدِ الطَّيِّبِ، اخرجي حميدةً، وأبشري برَوحٍ ورَيحانٍ، وربٍّ غيرِ غضبانَ، فلا يزالُ يقالُ لَها ذلِكَ حتَّى تخرُجَ، ثمَّ يُعرَجُ بِها إلى السَّماءِ، فيُفتَحُ لَها، فيقالُ: مَن هذا؟ فيقولونَ: فلانٌ، فيقالُ: مرحبًا بالنَّفسِ الطَّيِّبةِ، كانت في الجسدِ الطَّيِّبِ، ادخُلي حميدةً، وأبشِري برَوحٍ وريحانٍ، وربٍّ غيرِ غضبانَ، فلا يزالُ يقالُ لَها ذلِكَ حتَّى يُنتَهَى بِها إلى السَّماءِ الَّتي فيها اللَّهُ عزَّ وجلَّ، وإذا كانَ الرَّجلُ السُّوءُ، قالَ: اخرُجي أيَّتُها النَّفسُ الخبيثَةُ، كانَت في الجسدِ الخبيثِ ، اخرُجي ذميمةً، وأبشري بحَميمٍ، وغسَّاقٍ، وآخرَ من شَكْلِهِ أزواجٌ، فلا يزالُ يقالُ لَها ذلِكَ حتَّى تخرجَ، ثمَّ يعرجُ بِها إلى السَّماءِ، فلا يفتحُ لَها، فيقالُ: من هذا؟ فيقالُ: فلانٌ، فيقالُ: لا مرحبًا بالنَّفسِ الخبيثةِ، كانت في الجسدِ الخبيثِ ، ارجعي ذميمةً، فإنَّها لا تفتحُ لَكِ أبوابُ السَّماءِ، فيرسلُ بِها منَ السَّماءِ، ثمَّ تصيرُ إلى القَبرِ " الراوي : أبو هريرة - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح ابن ماجه.
بيَّن النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أحوالَ النَّاسِ عِندَ سكَراتِ الموتِ، وما يَراه كلُّ امرِئٍ بحسَبِ حالِه مِن الإيمانِ والكُفرِ.
"تَحضُرُه الملائكةُ" أي: مَلائكةُ الرَّحمةِ أو مَلائكةُ العذابِ، ولعلَّ الأظهَرَ اجتِماعُ الطَّائفتَينِ؛ لإبهامِ جِنسِ الميِّتِ، ثمَّ بعْدَ العلمِ بالصَّلاحِ والفُجورِ في آخِرِ الأمرِ، كلٌّ يَعمَلُ عليه .الدرر السنية.
حديث البراء بن عازب الطويل الجامع لأحوال الموتى عند قبض أرواحهم وفي قبورهم:
قال البراء بن عازب" خرجنا مع رسولِ اللهِ فذكر مثلَه إلى أن قال فرفع لرأسِه فقال: استعيذوا باللهِ من عذابِ القبرِ مرَّتَيْن أو ثلاثًا، ثمَّ قالإنَّ العبدَ المؤمنَ إذا كان في انقطاعٍ من الدُّنيا وإقبالٍ من الآخرةِ نزل إليه ملائكةٌ من السَّماءِ بيضُ الوجوهِ كأنَّ وجوهَهم الشَّمسُ معهم كفنٌ من أكفانِ الجنَّةِ وحَنوطٌ من حنوطِ الجنَّةِ حتَّى يجلِسوا منه مدَّ البصرِ ثمَّ يجيءُ ملَكُ الموتِ عليه السَّلامُ حتَّى يجلسَ عند رأسِه فيقولُ أيَّتها النَّفسُ الطَّيِّبةُ اخرُجي إلى مغفرةٍ من اللهِ ورضوانٍ قال فتخرُجُ فتسيلُ كما تسيلُ القطرةُ من في السِّقاءِ فيأخذُها فإذا أخذها لم يدَعوها في يدِه طرْفةَ عينٍ حتَّى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفنِ وفي ذلك الحنوطِ ويخرُجُ منها كأطيَبِ نفْحةِ مِسكٍ وُجِدت على وجهِ الأرضِ قال فيصعَدون بها فلا يمُرُّون يعني بها على ملأٍ من الملائكةِ إلَّا قالوا ما هذا الرُّوحُ الطَّيِّبُ فيقولون فلانُ بنُ فلانٍ بأحسنِ أسمائِه الَّتي كان يُسمُّونه بها في الدُّنيا حتَّى ينتهوا بها إلى السَّماءِ الدُّنيا فيستفتحون له فيُفتحُ لهم فيُشيِّعُه من كلِّ سماءٍ مُقرَّبوها إلى السَّماءِ الَّتي تليها حتَّى ينتهيَ بها إلى السَّماءِ السَّابعةِ فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ اكتبوا كتابَ عبدي في عِلِّيِّين أعيدوه إلى الأرضِ فإنِّي منها خلقتهم وفيها أُعيدهم ومنها أُخرجُهم تارةً أخرَى فتُعادُ روحُه في جسدِه فيأتيه ملَكان فيُجلسانه فيقولان من ربُّك فيقولُ ربِّي اللهُ فيقولان ما دينُك فيقولُ ديني الإسلامُ فيقولان ما هذا الرَّجلُ الَّذى بُعِث فيكم فيقولُ هو رسولُ اللهِ فيقولان له وما عمَلُك فيقولُ قرأتُ كتابَ اللهِ فآمنتُ به وصدَّقتُه فيُنادي منادٍ من السَّماءِ أن صدق عبدي فأفرِشوه من الجنَّةِ وألبِسوه من الجنَّةِ وافتَحوا له بابًا إلى الجنَّةِ قال فيأتيه من روحِها وطيبِها ويُفسَحُ له في قبرِه مدَّ بصرِه قال ويأتيه رجلٌ حسنُ الوجهِ حسنُ الثِّيابِ طيِّبُ الرِّيحِ فيقولُ أبشِرْ بالَّذي يسُرُّك هذا يومُك الَّذي كنتَ تُوعَدُ فيقولُ من أنت فوجهُك الوجهُ يجيءُ بالخيرِ فيقولُ أنا عملُك الصَّالحُ فيقولُ ربِّ أقِمِ السَّاعةَ حتَّى أرجِعَ إلى أهلي ومالي ،وإنَّ العبدَ الكافرَ إذا كان في انقطاعٍ من الدُّنيا وإقبالٍ من الآخرةِ نزل إليه من السَّماءِ ملائكةٌ سودُ الوجوهِ معهم المُسوحُ فيجلِسون منه مدَّ البصرِثمَّ يجيءُ ملَكُ الموتِ حتَّى يجلِسَ عند رأسِه فيقولُ أيَّتها النَّفسُ الخبيثةُ اخرُجي إلى سخطٍ من اللهِ وغضبٍ قال فتُفرَّقُ في جسدِه فينتزِعُها كما يُنتزَعُ السُّفُّودُ من الصُّوفِ المبلولِ فيأخذُها فإذا أخذها لم يدَعوها في يدِه طرفةَ عينٍ حتَّى يجعلوها في تلك المُسوحِ ويخرُجُ منها كأنتنِ جيفةٍ وُجِدت على وجهِ الأرضِ فيصعدون بها فلا يمُرُّون بها على ملأٍ من الملائكةِ إلَّا قالوا ما هذا الرُّوحُ الخبيثُ فيقولون فلانُ بنُ فلانٍ بأقبحِ أسمائِه الَّتي كان يُسمَّى بها في الدُّنيا حتَّى يُنتهَى به إلى السَّماءِ الدُّنيا فيُستفتَحُ له فلا يُفتَحُ له ثمَّ قرأ رسولُ اللهِ لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ اكتبوا كتابَه في سِجِّين في الأرضِ السُّفلَى فتُطرَحُ روحُه طرحًا ثمَّ قرأ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ فتُعادُ روحُه في جسدِه ويأتيه ملَكان فيُجلسانه فيقولان له من ربُّك فيقولُ هاه هاه لا أدري قال فيقولان له ما دينُك فيقولُ هاه هاه لا أدري فيقولان له ما الرَّجلُ الَّذي بُعِث فيكم فيقولُ هاه هاه لا أدري فيُنادي منادي من السَّماءِ أن كذب فأفرِشوه من النَّارِ وافتحوا له بابًا إلى النَّارِ فيأتيه من حَرِّها وسَمومِها ويُضيَّقُ عليه قبرُه حتَّى تختلِفَ أضلاعُه ويأتيه رجلٌ قبيحُ الوجهِ قبيحُ الثِّيابِ مُنتِنُ الرِّيحِ فيقولُ له أبشِرْ بالَّذي يسوءُك هذا يومُك الَّذي كنتَ توعدُ فيقولُ من أنت فوجهُك الوجهُ يجيءُ بالشَّرِّ فيقولُ أنا عملُك الخبيثُ فيقولُ ربِّ لا تُقِمِ السَّاعةَ" خلاصة حكم المحدث : صحيح -الراوي : البراء بن عازب - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترغيب.


التعديل الأخير تم بواسطة أم أبي التراب ; 09-21-2025 الساعة 06:25 AM
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 09-21-2025, 06:26 AM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
مدير
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 4,457
Haedphone

الفرق بين سكرات الموت وخروج الروح:
إنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ قد تشتد على بعض الصالحين ، وهذا لا يدل على نقص منزلة المسلم عند الله. وتَحْكي أمُّ المؤمِنينَ رَضيَ اللهُ عنها عن شدَّةِ ما كان يُعانيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن سَكَراتِ المَوتِ؛ فتَذكُرُ أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان بيْنَ يَدَيْه رَكْوةٌ فيها ماءٌ، أي: قِرْبةٌ مِن جِلدٍ مَمْلوءةٌ ماءً، فجعَلَ يُدخِلُ يَدَه، فيَأخُذُ ماءً منها، ثمَّ يُمرِّرُها على وَجهِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ تَخْفيفًا لحَرارةِ الحُمَّى ووَجَعِه الَّذي به، ويقولُ"لا إلهَ إلَّا اللهُ، إنَّ للمَوتِ سَكَراتٍ"، أي: شَدائِدَ وأهْوالًا وآلامًا عَظيمةً.
وما يصيب المؤمن من سكرات الموت وشدته فإنه من جملة المصائب التي يجعلها الله تعالى رفعة لدرجاته أو تكفيرًا لسيئاته.
أما عند نزع الروح وقت الاحتضار فقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة أن روح المؤمن تخرج بسهولة بالغة وهي مطمئنة بخلاف روح الكافر التي تتفرق في الجسد فتنزع بشدة بلا رفق ولا هوادة.
"إنَّ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيَّ: أنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تُوُفِّيَ في بَيْتِي، وفي يَومِي، وبيْنَ سَحْرِي ونَحْرِي، وأنَّ اللَّهَ جَمَع بيْنَ رِيقِي ورِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ؛ دَخَلَ عَلَيَّ عبدُ الرَّحْمَنِ وبِيَدِهِ السِّوَاكُ، وأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ، وعَرَفْتُ أنَّه يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فأشَارَ برَأْسِهِ: أنْ نَعَمْ، فَتَنَاوَلْتُهُ، فَاشْتَدَّ عليه، وقُلتُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ؟ فأشَارَ برَأْسِهِ: أنْ نَعَمْ، فَلَيَّنْتُهُ، فأمَرَّهُ، وبيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ -أوْ عُلْبَةٌ؛ يَشُكُّ عُمَرُ- فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ في المَاءِ فَيَمْسَحُ بهِما وجْهَهُ، يقولُ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، إنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ، ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ، فَجَعَلَ يقولُ: في الرَّفِيقِ الأعْلَى، حتَّى قُبِضَ ومَالَتْ يَدُهُ."الراوي : عائشة أم المؤمنين - صحيح البخاري.
إنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ: أي: شَدائِدَ وأهْوالًا وآلامًا عَظيمةً،وفي الحَديثِ: أنَّ شِدَّةَ المَوتِ لا تَدُلُّ على نَقصٍ في المَرتَبةِ، بَل هيَ لِلمُؤمِنِ إمَّا زيادةٌ في حَسَناتِه، وإمَّا تَكفيرٌ لِسَيِّئاتِه.
الحياة البرزخية في القبر:
مراحل الحياة البرزخية: إن الله تعالى جعل الآخرة وما كان متصلًا بها من موت، وقبر، وبعث، من أمور الغيب، وحَجَبَها عن إدراك المكلَّف؛ ليتميز المؤمن الصادق بالغيب من غيره.
تبدأ هذه الحياة بالدفن ،ثم ضمة القبر ، ثم سماع خَفْقَ نِعالِ مشيعيه إذا انْصَرَفُوا ، ثم سؤال الملكين ، ثم رؤية مقعديه في الجنة والنار ويُبَشَّر بأحدهما ،ثم نعيم القبر للمؤمن حتى قيام الساعة ؛ وعذاب القبر للكافر حتى قيام الساعة.
والبرزخ هو الحاجز بين الشيئين بحيث يمنع من اختلاطهما، يقول -سبحانه"وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا" الفرقان:53،أيجعل بينهما حاجزًا.
ويقول -سبحانه"مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ"الرحمن:19-20.
الحياة البرزخية :هي حياة أهل القبور، وسُميّت بالحياة البرزخيّة نسبة للبرزخ: وهو الحاجز أو الطّريق الذي يفصل بين زمانين أو مكانين ، وتكون بعد دفن الميّت إلى وقت البعث والنُّشور، وهذه الحياة يمرُّ بها جميع البشر، لِقولهِ تعالى" وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ" المؤمنون، آية: 100.
وهي عالم روحاني لا يقاس ما فيه على عالم الدنيا المادي، فلا تحكمه قوانين المكان والزمان والمادة؛ بل هو عالم آخر له أحواله وأسراره التي نجهلها أو نجهل معظمها.
فالقبْرُ هو أوَّلُ منازِلِ الآخِرةِ، والعذابُ والنَّعيمُ فيه حقٌّ، وهو إمَّا رَوضةٌ مِن رِياضِ الجنَّةِ، أو حُفرةٌ مِن حُفَرِ النَّارِ، أعاذَنا اللهُ منها.
ضمَّةُ القَبْرِ:، وتكون هذه الضمّة بعد وضع الميّت في قبره، فضمَّةُ القبرِ أوَّلُ ما يلاقيه الميتُ في عالم البرزخ ولا ينجو منها أحدٌ من البشر، سواءً كان مؤمنًا أو غير مؤمنٍ. فمن كان مُطيعًا لربّه؛ ضمّته برأفةٍ ورِفْق، ومن كان عاصيًّا؛ ضمّتهُ بعنفٍ وسخط.
قال الرملي " وضمة القبر للميت قبل سؤال الملكين"، وقال أيضًا " وحصول هذه الحالة للمسلم في أول نزوله إلى قبره ثم يعود إلى الإفساح له فيه.ا.هـ.
وقال ابن عثيمين " الأحاديث الصحيحة تدل على أن الرجل إذا سأله الملكان وأجاب بالصواب فُسِحَ له في قبره، فإن صح الحديث فالمعنى أنه أول ما دخل ضمه القبر ثم فسح له"
وقد جاءت بإثبات ضمة القبر نصوصٌ صريحةٌ صحيحةٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، منها :
"لو نجا أحدٌ من ضمَّةِ القبرِ ، لنجا سعدُ بنُ معاذٍ ، ولقدْ ضُمَّ ضمةً ، ثُمَّ رُوخِيَ عنه"خلاصة حكم المحدث : صحيح .الراوي : عبدالله بن عمر وعائشة - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الجامع.
أي لكان سعد أولى الناس أن ينجو منها ، لو كان أحد ناجيًا لفضْلِهِ عند ربِهِ وقُربه منه.
"هذا الَّذي تحرَّك له العرشُ ، وفُتحَتْ له أبوابُ السَّماءِ ، وشهِده سبعونَ ألفًا من الملائكةِ ، لقد ضُمَّ ضمَّه ، ثمَّ فُرِّجَ عنهُ" الراوي : عبدالله بن عمر- المحدث :الألباني - صحيح النسائي.
وفُتحَتْ له أبوابُ السَّماءِ: أي: فرَحًا بقُدومِ سَعدٍ وصُعودِ رُوحِه.
وشهِده سبعونَ ألفًا من الملائكةِ: أي: في تَشييعِ جِنازتِه.
والمعنى أن الله سبحانه وتعالى قدَّرَ ضمةَ القبرِ على كل ميتٍ، ولو كان أحدٌ ناجيًا منها لفضْلِهِ عند ربِهِ وقُربه منه لَكَانَ سعدُ بن معاذ رضي الله عنه من الناجينَ مِنْ ذلكَ. وقال النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم هذا القول عندَ موتِ سعد رضي الله عنه لمكانته في الإسلام، ولبلائه في سبيل الله ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل أيضًا قالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وجِنازةُ سَعْدِ بنِ مُعاذٍ بيْنَ أيْدِيهِم: اهْتَزَّ لَها عَرْشُ الرَّحْمَنِ." الراوي : جابر بن عبدالله - صحيح مسلم .
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّه لَمَّا حَضَرَت جِنازةُ سَعْدٍ بيْنَ يَدَيْ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابِه رِضوانُ اللهِ عليهم، أي: وُضِعَتْ أَمامَهُمْ لأجْلِ الصَّلاةِ عليها أو دَفْنِها عندَ المقابِرِ، وكان سَعدٌ رَضيَ اللهُ عنه سيِّدَ الأوْسِ، وقدْ رُمِيَ يوْمَ الخَنْدقِ بسَهمٍ، فعاشَ بعْدَ ذلك شَهرًا ثمَّ انتَقَضَ جُرحُه فمات منه، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ "اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحمنِ" أي: اهتَزَّ لجِنازتِه؛ وذلكَ استِبْشارًا وفَرَحًا بقُدومِ رُوح سَعْدٍ، وإشعارًا بِفضلِه، وهو اهتزازٌ مَعلومُ الحُدوثِ، ولكنَّه مَجهولُ الكيفيَّةِ.
والعَرْشُ: هو عرْشُ الرَّحمنِ الَّذي استوَى عليه جلَّ جَلالُه، وهو أعْلَى المَخلوقاتِ وأكبرُها وأعظمُها، وصَفَه اللهِ بأنَّه عظيمٌ وبأنَّه كريمٌ؛ فوصفَه بالحُسنِ مِن جِهةِ الكَمِّيَّةِ، وبالحُسنِ مِن جِهةِ الكَيفيَّةِ.
وفي الحديثِ: شَرَفُ سَعدِ بنِ مُعاذٍ رَضيَ اللهُ عنه وفَضْلُه، وتَبشيرٌ بأنَّه رَضيَ اللهُ عنه من أهلِ الجنَّةِ.الدرر السنية.
اختلف أهل العلم في حال المؤمن ، عندما تصيبه ضمة القبر، على قولين:
القول الأول :
تصيب ضمةُ القبرِ كلَّ مؤمنٍ وتشتدُّ عليه ، غير أن المؤمن الصالح سرعان ما يُفرج عنه ويفسح له في قبره ، فلا يطول العذاب عليه ، أما الفاسق فتشتد عليه الضمة ويطول عليه ضيق بحسب ذنبه ومعصيته .
قال أبو القاسم السعدي رحمه الله :
" لا ينجو من ضغطة القبر صالح ولا طالح غير أن الفرق بين المسلم والكافر فيها دوام الضغط للكافر وحصول هذه الحالة للمؤمن في أول نزوله إلى قبره ثم يعود إلى الانفساح له " انتهى.
وقال الحكيم الترمذي رحمه الله :
" سبب هذا الضغط أنه ما من أحد إلا وقد ألم بذنب ما فتدركه هذه الضغطة جزاء لها ثم تدركه الرحمة " انتهى.نقلًا عن حاشية السيوطي على " سنن النسائي " (3/292)، ونقله الرملي في " فتاواه " .4/210
القول الثاني :
تصيب ضمة القبر المؤمنين الصالحين ولكنها ضمة رفق وحنان ، ليس فيها أذى ولا ألم ، أما المسلمون العاصون فتشتد عليهم سخطًا بحسب كثرة ذنوبهم وسوء أعمالهم.
عن محمد التيمي رحمه الله قال:كان يقال : إن ضمة القبر إنما أصلها أنها أُمُّهُم ، ومنها خُلقوا ، فغابوا عنها الغيبة الطويلة ، فلما رد إليها أولادها ضمتهم ضم الوالدة الشفيقة التي غاب عنها ولدها ثم قدِمَ عليها ، فمن كان لله مطيعًا ضمته برفق ورأفة ، ومن كان لله عاصيًا ضمته بعنف سخطًا منها عليه.ذكره السيوطي في حاشيته على " سنن النسائي " (3/292) من رواية ابن أبي الدنيا، وذكره في " بشرى الكئيب بلقاء الحبيب " (ص/5) تحت باب : " ذكر تخفيف ضمة القبر على المؤمن ".
وقد روي في هذا المعنى حديث مرفوع ضعيف عن عائشة رضي الله عنها.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
" هذا الحديث – يعني حديث " لقد ضم القبر سعدًا ضمة.." - مشهور عند العلماء ، وعلى تقدير صحته : فإن ضمة الأرض للمؤمن ضمة رحمة وشفقة ، كالأم تضم ولدها إلى صدرها ، أما ضمتها للكافر فهي ضمة عذاب والعياذ بالله ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الإنسان إذا دفن أتاه ملكان يسألانه عن ثلاثة أصول : من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ فالمؤمن يقول : ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبيي محمد ، أسأل الله أن يجعل جوابي وجوابكم هذا ، أما المنافق أو المرتد - أعاذنا الله وإياكم من هذا – فيقول : هاه هاه لا أدري ، سمعت الناس يقولون قولًا فقلته ، فيضيق عليه القبر حتى تختلف أضلاعه والعياذ بالله ، يدخل بعضه في بعض من شدة الضم ، ففرق بين ضم الأرض للكافر أو المرتد وضمها للمؤمن ." انتهى باختصار. لقاءات الباب المفتوح " لقاء رقم/161، سؤال رقم/17 .
..... .. والله أعلم .الإسلام سؤال وجواب.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 09-21-2025, 06:28 AM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
مدير
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 4,457
Haedphone

سماع الميت لِقَرعِ نِعالِ مشيعِيه:
قالصلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ "إنَّ المَيِّتَ إذا وُضِعَ في قَبْرِهِ، إنَّه لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِهِمْ إذا انْصَرَفُوا. وفي رواية : إنَّ العَبْدَ إذا وُضِعَ في قَبْرِهِ وتَوَلَّى عنْه أصْحابُهُ."الراوي : أنس بن مالك - صحيح مسلم.
شرح الحديث: في هذا الحديثِ يُخبُر صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بما يَتعرَّضُ له الإنسانُ عندَ موتِه ووضْعِه في قَبرِه؛ مِن أنَّه يَسمعُ قَرْعَ نِعالِ مَن أتى لِدفنِه، فيَسمَعُ صَوتَ أرجُلِهم وهم مُنصرِفون.
سؤال الملكين – فتنة القبر- :
فإذا انصَرفوا جاءَه مَلَكانِ فيُقْعِدانِه فيَسألانِه: ما كنتَ تقولُ في هذا الرَّجُلِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ فإذا كان مؤمنًا يقولُ: أَشهدُ أنَّه عبدُ اللهِ ورسولُه، فيُقالُ له: انظُرْ إلى مَقعدِكَ مِنَ النَّارِ، الَّذي كان مُعَدًّا لك في جهنَّمَ لو لم تكُنْ مؤمنًا، أبدَلَك اللهُ به مَقعدًا في الجنَّةِ، فَيَرى كِلا المَقعدَينِ. فإنْ كان المَيتُ كافرًا أو مُنافقًا فإنَّه لا يتمكَّنُ مِن الإجابةِ عن سُؤالِ الملَكَينِ، فيَقولُ: لا أدري! كنتُ أقولُ ما يقولُ النَّاسُ! فيُقالُ له: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، وهو دُعاءٌ عليه، ومعناه: لا كنتَ دَاريًا ولا تاليًا؛ فلا تُوفَّقُ في هذا الموقِفِ، ولا تَنتفعُ بما كنتَ تسمعُ أو تقرأُ، ثُمَّ يُضرَبُ بِمِطْرَقةٍ مِن حَديدٍ ضرْبةً بيْنَ أُذُنَيْه، فَيصيحُ صَيْحةً يَسمعُه مَن يكونُ قريبًا منه مِن الخلائقِ إلَّا الثَّقَلَينِ، وهُما الإنسُ والجنُّ؛ فإنَّ السَّمعَ مَحجوبٌ عنهما؛ وذلك رحمةً بهم، وإبقاءً على حياتِهم؛ لأنَّهم لو سَمِعوها لصَعِقوا، وسُمُّوا الثَّقلَينِ لثقلِهم على الأرضِ، فاللَّهمَّ قِنَا فِتنةَ القبرِ وعذابَه بِمَنِّك وفضْلِك يا أرحمَ الرَّاحِمِينَ. وفي الحديثِ: إثباتُ سؤالِ الملَكينِ للمَيتِ في القبرِ. وفيه: إثباتُ عذابِ القبرِ.
قالصلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ "العَبْدُ إذَا وُضِعَ في قَبْرِهِ، وتُوُلِّيَ وذَهَبَ أصْحَابُهُ حتَّى إنَّه لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أتَاهُ مَلَكَانِ، فأقْعَدَاهُ، فَيَقُولَانِ له: ما كُنْتَ تَقُولُ في هذا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ فيَقولُ: أشْهَدُ أنَّه عبدُ اللَّهِ ورَسولُهُ، فيُقَالُ: انْظُرْ إلى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أبْدَلَكَ اللَّهُ به مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، قَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فَيَرَاهُما جَمِيعًا، وأَمَّا الكَافِرُ - أوِ المُنَافِقُ - فيَقولُ: لا أدْرِي، كُنْتُ أقُولُ ما يقولُ النَّاسُ، فيُقَالُ: لا دَرَيْتَ ولَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بمِطْرَقَةٍ مِن حَدِيدٍ ضَرْبَةً بيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَن يَلِيهِ إلَّا الثَّقَلَيْنِ."الراوي : أنس بن مالك - صحيح البخاري.
ويكون السؤال بإعادة الرّوح إلى الجسد بكيفية لا نعلمها ولا تقاس على عالم الدنيا المادي ، فتكون غير الإعادة المألوفة التي تكون في الدُّنيا، ثم سؤال الملَكين ،قال تعالى"يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ"،سورة إبراهيم، آية: 27.
وهذا السؤال يكون لجميع البشر، وليس خاصًّا بِأُمّةٍ من الأُمم، وهذين الملَكين هُما مُنكر ونكير، ويسألان الميّت ثلاثةٌ أسئلة؛ عن ربّه، ودينه، ونبيّه، وجاء في بعض الرّوايات أنَّ المرابط والشّهيد لا يُفتنا في قبرهما.
"كلُّ الميِّتِ يُختَمُ على عملِهِ إلَّا المرابطَ، فإنَّهُ يَنمو لَهُ عملُهُ إلى يومِ القيامةِ، ويؤمَّنُ من فتَّانِ القبرِ" الراوي : فضالة بن عبيد - المحدث : الألباني المصدر : صحيح أبي داود- خلاصة حكم المحدث : صحيح.
"كلُّ الميِّتِ يُخْتَمُ على عمَلِه" أي: كل الأمواتِ تُطْوى صَحيفتُهم فلا يُكْتبُ لهم عملٌ بعد موتِهم, "إلَّا المُرابِط" أي: المدافِع عن حُدودِ المسلمين وثُغورِهم، فإنَّ ثوابَ عمَلِه يَزدادُ "ويَنْمو"، أي: يتَضاعفُ، "إلى يومِ القيامةِ"، أي: حتَّى بعدَ موتِه، "ويُؤمَّنُ مِنْ فتَّانِ القَبْرِ"، أي: مُنْكرٍ ونكيرٍ يؤمَّنُ فِتنةَ سؤالِهما؛ قيل: يَحتِمَلُ أن يَكونَ المرادُ أنَّ الملَكَين لا يَجيئانِ إليه ولا يَختبِرانه، بل يَكْفي موتُه مُرابِطًا في سبيلِ اللهِ شاهِدًا على صِحَّةِ إيمانِه، ويُحتمَلُ أنَّهما يَجيئانِ إليه، لكن لا يَضُرَّانِه، ولا يَحصُلُ بسببِ مَجيئِهما فتنةٌ.الدرر السنية.
" يا رسولَ اللَّهِ ! ما بالُ المؤمنينَ يُفتَنونَ في قبورِهِم إلَّا الشَّهيدَ ؟ ! قالَ : كفَى ببارقةِ السُّيوفِ علَى رأسِهِ فتنةً"الراوي : رجل من الصحابة - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح النسائي - خلاصة حكم المحدث : صحيح .
شرح الحديث : للشَّهادةِ في سَبيلِ اللهِ تعالى مَنزِلةٌ عظيمةٌ، ومرتبةٌ جليلةٌ، وأجرُها عظيمٌ، وثوابُها كبيرٌ، ومِن فَضائلِ الشَّهيدِ ما جاء في هذا الحديثِ، حيثُ قال رجلٌ مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم "يا رسولَ اللهِ، ما بالُ المؤمِنين يُفتَنون في قُبورِهم؟!"، أي: بامتِحانهم بسُؤالِ الملَكَينِ مُنكَرٍ ونَكيرٍ، "إلَّا الشَّهيدَ؟!"، أي: ما سبَبُ استثناءِ الشَّهيدِ عن باقي المؤمِنين مِن ذلك السُّؤالِ؟ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم "كفَى ببارِقَةِ السُّيوفِ على رأسِه فتنةً"! أي: يَكْفي في صِدْقِ إيمانِهم ثَباتُهم عِندَ لَمَعانِ السُّيوفِ فوقَ رُؤوسِهم؛ فنَجاحُهم في ذلك الاختبارِ يُغْنيهم عن اختِبارِ القبرِ؛ فالسُّؤالُ في القَبرِ إنَّما جُعِل لامتحانِ المؤمنِ الصَّادقِ في إيمانِه مِن المنافِقِ، وثَباتُه تحتَ بارِقةِ السُّيوفِ أدَلُّ دليلٍ على صدقِه في إيمانِه، وإلَّا لَفَرَّ مِن الكفَّارِ.الدرر السنية.
عذابُ القَبرِ ونَعيمُه:
عذاب القبر ثبت بالتّواتر المعنويّ عن النبيّ -عليه الصّلاةُ والسّلام- أنّ القبر قد يكون حُفرةً من النّار، وجاءت الكثير من الأدلّة التي تُثبت وُقوع عذاب القبر على من يستحقّه، كقولهِ -تعالى"النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ" غافر: 46. ويكون ذلك قبل يوم القيامة؛ أي في القبر، ويقع العذاب على الكافر حتّى وإن لم يُدفن.
"إذا قُبِرَ الميِّتُ - أو قالَ أحدُكم - أتاهُ ملَكانِ أسودانِ أزرَقانِ يقالُ لأحدِهما المنْكَرُ والآخرِ النَّكيرُ فيقولانِ ما كنتَ تقولُ في هذا الرَّجلِ فيقولُ ما كانَ يقولُ هوَ عبدُ اللَّهِ ورسولُهُ أشْهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، فيقولانِ قد كنَّا نعلمُ أنَّكَ تقولُ هذا ثمَّ يفسحُ لَهُ في قبرِهِ سبعونَ ذراعًا في سبعينَ ثمَّ ينوَّرُ لَهُ فيهِ ثمَّ يقالُ لَهُ نم فيقولُ أرجعُ إلى أَهلي فأخبرُهم فيقولانِ نم كنومةِ العروسِ الَّذي لا يوقظُهُ إلَّا أحبُّ أَهلِهِ إليْهِ حتَّى يبعثَهُ اللَّهُ من مَضجعِهِ ذلِكَ. وإن كانَ منافقًا قالَ سمعتُ النَّاسَ يقولونَ فقلتُ مثلَهُ لا أدري فيقولانِ قد كنَّا نعلمُ أنَّكَ تقولُ ذلِكَ فيقالُ للأرضِ التئِمي عليْهِ فتَلتَئمُ عليْهِ فتختلفُ أضلاعُهُ فلا يزالُ فيها معذَّبًا حتَّى يبعثَهُ اللَّهُ من مَضجعِهِ ذلِكَ"خلاصة حكم المحدث : حسن - الراوي : أبو هريرة - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الترمذي.
شرح الحديث:عذابُ القَبرِ ونَعيمُه قد ثبَت بالكِتابِ وبالسُّنَّةِ، وأجمعَتْ على ثُبوتِه الأمَّةُ؛ فهو مَنقولٌ إلينا بالتَّواترِ؛ فعلى المُسلِم أن يؤمِنَ به، وأن يستعيذَ باللهِ تعالى مِن فتنةِ القبرِ وعذابِه.
وفي هذا الحديثِ يقولُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ "إذا قُبِرَ الميِّتُ" بصيغةِ المفعولِ، أي: أُدخِلَ الميِّتُ قبرَه ودُفِنَ فيه، "أو قال" رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم"أحَدُكم"، والشَّكُّ مِن الرَّاوي، "أتاهُ"، أي: الميِّتَ، "مَلَكانِ" وهما اللَّذانِ سيَمتحِنانِ العبدَ في قبرِه، وصِفتُهما أنَّهما "أسوَدانِ"، أي: لونُهما أسوَدُ، "أزرقانِ"، أي: عيناه زَرْقاوانِ، وإنَّما يبعثُهُما اللهُ على هذه الصِّفةِ؛ لِمَا في السَّوادِ وزُرقةِ العينِ مِن الهولِ والوَحشةِ، ويكونُ خوفُهُما على الكُفَّارِ أشدَّ؛ ليتحيَّروا في الجوابِ، وأمَّا المُؤمنون فلهم في ذلك ابتلاءٌ، فيُثبِّتُهم اللهُ، فلا يخافون، ويأمَنونَ، جزاءً لخوفِهم منه في الدُّنيا، "يُقَالُ" في التَّسميةِ، "لأحدِهِمَا"، أي: أحَدِ الملَكينِ: المُنكَرُ، "والآخَرِ"، أي: ويُقالُ لِلملَكِ الآخَرِ: النَّكيرُ، "فيقولانِ" عند امتحانِهما للميِّتِ: "ما كنتَ تقولُ" وتُقِرُّ وتَعتقِدُ، "في هذا الرَّجلِ"، يَعني النَّبيَّ محمَّدًا صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم؟ "فيقولُ" الميِّتُ المؤمِنُ "ما كان يَقولُ"، أي: ما كان يَقولُ ويعتقِدُ ويُقِرُّ به قبلَ الموتِ "هو عبدُ اللهِ"، أي: النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم مِن عبادِ اللهِ تعالى وخَلْقِه، وهو أشرفُ خَلْقِ اللهِ تعالى وأَكرمُهم عليه سُبحانَه، "ورَسُولُه" أرسَله اللهُ تعالى للنَّاسِ كافَّةً بشيرًا ونذيرًا، وختَم به النَّبيِّين.ثمَّ يقولُ الميِّتُ تأكيدًا لقولِه "أشهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ"، أي: أعلَمُ وأعتقِدُ أنَّه لا مَعبودَ بحقٍّ إلَّا اللهُ، "وأنَّ"، أي: وأشهَدُ أنَّ "محمَّدًا عبدُه ورسولُه" وأفضلُ خَلْقِه، "فيقولانِ"، أي: الملَكانِ: "قد كنَّا نعلَمُ" بإخبارٍ مِن اللهِ تعالى لنا، أو بمُشاهَدةِ أثَرِ ذلك عليك، "أنَّك تقولُ هذا"، أي: ما أقرَرْتَ به مِن الوَحْدانيَّةِ وإثباتِ الرِّسالةِ والعُبوديَّةِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، ثمَّ "يُفسَحُ" بصيغةِ المفعولِ، أي: يُوسِّعُ اللهُ له، أو يأمُرُ الملائكةَ بأن تُوسِّعَ، "لَهُ"، أي: لذلك الميِّتِ المُقرِّ بالوَحْدانيَّةِ والرِّسالةِ، "في قبرِه"، ومِقدارُ هذه التَّوسِعةِ "سَبْعون ذِراعًا" طولًا، "في سَبعين" ذِراعًا عَرْضًا، "ثمَّ" بعد ذلك، "يُنوَّرُ" بصِيغةِ المفعولِ، أي: يُنوِّرُ اللهُ تعالى، أو يأمُرُ مَلائِكتَه بأن تُنوِّرَ "لَهُ"، أي: لهذا الميِّتِ، "فِيهِ"، أي: في قبرِه الَّذي وُسِّعَ عليه بأن يُجعَلَ فيه النُّورُ، ويكونَ كالقَمرِ ليلةَ البَدْرِ، "ثمَّ" بعد ذلك، "يُقال له"، أي: تقولُ الملائكةُ لهذا الميِّتِ "نَمْ" وهو أَمْرٌ مِن النَّومِ، "فيقولُ" هذا الميِّتُ المُقرُّ بالوَحْدانيَّةِ والرِّسالةِ "أُريدُ أنْ أَرجِعَ إلى أهلي فأُخبِرُهم" بحالي فيَفْرَحوا لي، وقيل: هذا للاستفهامِ، أي: هل أرجِعُ إلى أهلي...إلخ؟ "فيقولانِ"، أي: الملَكانِ له: "نَمْ كنَومةِ"، أي: مِثلَ نَوْمةِ "العَرُوسِ"، ويُطلَقُ على الذَّكَرِ والأُنثى في أوَّلِ اجتماعِهما معًا، "الَّذي لا يوقِظُه" مِن لذَّتِه وطِيبِ نَوْمِه وعَيْشِه وفرَحِه، "إلَّا أحَبُّ أهلِه إِليهِ"، وذلك غَداةَ ليلةِ زِفافِه، فيَظَلُّ هذا العبدُ على هذه الحالةِ، "حتَّى يبعَثَه اللهُ" تعالى يومَ القيامةِ، "مِن مَضْجَعِه ذَلِكَ" ويُخرِجَه مِن قبرِه.
ثمَّ قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم "وإنْ كان" هذا الميِّتُ الَّذي دُفِن "مُنافقًا"، يُظهِرُ الإيمانَ ويُبطِنُ الكفرَ، "قال" بعد سؤالِ الملَكينِ له "سمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ" قولًا، وهو أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، "فقُلْتُ مِثلَه"، أي: مِثلَ هذا القولِ دُونَ أنْ أُقِرَّ به وأعترِفَ، "لا أَدْرِي" هل هو نبيٌّ حقًّا أم لا، "فيقولانِ"، أي: يقولُ له الملَكانِ "قد كنَّا نعلَمُ" بإخبارٍ مِن اللهِ تعالى لنا، أو بمشاهدةِ أثَرِ ذلك فيك، "أنَّك تقولُ ذلك" القولَ، وأنت مُنافِقٌ لا تَدْري ما هو، "فيُقال"، أي: يقولُ اللهُ تعالى أو يأمُرُ الملائكةَ أن تقولَ، "للأرضِ: التَئِمي عليه"، أي: انضَمِّي واجتَمِعي وانزَوِي عليه، "فتلتَئِمُ" الأرضُ "عليه، فتَختلِفُ" مِن شِدَّةِ الضَّغطةِ عليه والالتئامِ "أضلاعُه"، وهي عِظامُ الجَنْبِ، فتَزولُ عن هَيئتِها الَّتي كانتْ عليها، "فلا يزالُ" هذا الميِّتُ المنافقُ "فيها"، أي: في تلك الحالةِ، أو في الأرضِ، "مُعذَّبًا" بجَميعِ أنواعِ عَذابِ القبرِ، "حتَّى يبعَثَه اللهُ" تعالى يومَ القيامةِ، "مِن مَضْجَعِه ذلك" ويُخرِجَه مِن قبرِه.
وفي الحديثِ: بيانُ أنَّ مَن صَدَق في إيمانِه في الدُّنيا؛ فإنَّ الله تعالى يُثبِّتُه عندَ فِتنةِ القبرِ.
وفيه: عِلمُ الملائكةِ ببَعضِ ما قَدَّرهُ اللهُ تعالى وكَتَبه على عبدِه.الدرر السنية.
ولقد أُرِيَ النبي -صلى الله عليه وسلم- عذاب البرزخ والمعذبين فيه؛ فقد أخرج البخاري:
يَحكي سَمُرةُ بنُ جُنْدُبٍ رَضيَ اللهُ عنه "كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا صَلَّى صَلَاةً أقْبَلَ عَلَيْنَا بوَجْهِهِ فَقالَ: مَن رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ قالَ: فإنْ رَأَى أحَدٌ قَصَّهَا، فيَقولُ: ما شَاءَ اللَّهُ فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقالَ: هلْ رَأَى أحَدٌ مِنكُم رُؤْيَا؟ قُلْنَا: لَا، قالَ: لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أتَيَانِي فأخَذَا بيَدِي، فأخْرَجَانِي إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، ورَجُلٌ قَائِمٌ، بيَدِهِ كَلُّوبٌ مِن حَدِيدٍ قالَ بَعْضُ أصْحَابِنَا عن مُوسَى: إنَّه يُدْخِلُ ذلكَ الكَلُّوبَ في شِدْقِهِ حتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذلكَ، ويَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هذا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ، قُلتُ: ما هذا؟ قالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حتَّى أتَيْنَا علَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ علَى قَفَاهُ ورَجُلٌ قَائِمٌ علَى رَأْسِهِ بفِهْرٍ - أوْ صَخْرَةٍ - فَيَشْدَخُ به رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فلا يَرْجِعُ إلى هذا حتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ وعَادَ رَأْسُهُ كما هُوَ، فَعَادَ إلَيْهِ، فَضَرَبَهُ، قُلتُ: مَن هذا؟ قالَا: انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا إلى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ ، أعْلَاهُ ضَيِّقٌ وأَسْفَلُهُ واسِعٌ يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا، فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حتَّى كَادَ أنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وفيهَا رِجَالٌ ونِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلتُ: مَن هذا؟ قالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حتَّى أتَيْنَا علَى نَهَرٍ مِن دَمٍ فيه رَجُلٌ قَائِمٌ علَى وسَطِ النَّهَرِ - قالَ يَزِيدُ، ووَهْبُ بنُ جَرِيرٍ: عن جَرِيرِ بنِ حَازِمٍ - وعلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ بيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فأقْبَلَ الرَّجُلُ الذي في النَّهَرِ، فَإِذَا أرَادَ أنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بحَجَرٍ في فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّما جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى في فيه بحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كما كَانَ، فَقُلتُ: ما هذا؟ قالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حتَّى انْتَهَيْنَا إلى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وفي أصْلِهَا شيخٌ وصِبْيَانٌ، وإذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدَا بي في الشَّجَرَةِ، وأَدْخَلَانِي دَارًا لَمْ أرَ قَطُّ أحْسَنَ منها، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وشَبَابٌ، ونِسَاءٌ، وصِبْيَانٌ، ثُمَّ أخْرَجَانِي منها فَصَعِدَا بي الشَّجَرَةَ، فأدْخَلَانِي دَارًا هي أحْسَنُ وأَفْضَلُ فِيهَا شُيُوخٌ، وشَبَابٌ، قُلتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ، فأخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ، قالَا: نَعَمْ، أمَّا الذي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ، فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بالكَذْبَةِ، فَتُحْمَلُ عنْه حتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فيُصْنَعُ به إلى يَومِ القِيَامَةِ، والذي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ، فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ القُرْآنَ، فَنَامَ عنْه باللَّيْلِ ولَمْ يَعْمَلْ فيه بالنَّهَارِ، يُفْعَلُ به إلى يَومِ القِيَامَةِ، والذي رَأَيْتَهُ في الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ، والذي رَأَيْتَهُ في النَّهَرِ آكِلُوا الرِّبَا ، والشَّيْخُ في أصْلِ الشَّجَرَةِ إبْرَاهِيمُ عليه السَّلَامُ، والصِّبْيَانُ، حَوْلَهُ، فأوْلَادُ النَّاسِ والذي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، والدَّارُ الأُولَى الَّتي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ المُؤْمِنِينَ، وأَمَّا هذِه الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وأَنَا جِبْرِيلُ، وهذا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ، قالَا: ذَاكَ مَنْزِلُكَ، قُلتُ: دَعَانِي أدْخُلْ مَنْزِلِي، قالَا: إنَّه بَقِيَ لكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ أتَيْتَ مَنْزِلَكَ."الراوي : سمرة بن جندب - صحيح البخاري.
فهذا الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم هو ما يكون في البرزخ من عذاب لأهل العذاب، ومن نعيم لأهل النعيم.شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان - أحمد حطيبة.
لقد قدر الله على نبيه أن يرى هذه الرؤيا، ويقصها على أصحابه ليحذر الناس من الذنوب التي توجب عذاب القبر على مرتكبها ليحذر العبد؛ فإن عُمر الإنسان في قبره أطول من عمره في حياته بآلاف السنين؛ فليحذر أن يؤْثِرَ العاجلةَ الفانيةَ على الباقيةِ.
"وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ *فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ". الحجرات 7 ،8.
اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان.اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 11-24-2025, 03:17 AM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
مدير
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 4,457
y

اليَومُ الآخِرُ:
إذا أذن الله بانصرام هذه الدنيا؛ وانتهاء أجلها؛ وأفول شمسها؛ أمر إسرافيل -عليه السلام- أن ينفخ في الصور النفخة الأولى نفخة الصعق؛ والصورُ قرن عظيم كهيئة البوق -الله أعلم بكيفيته- وقد التقمه إسرافيل منذ زمن بعيد؛ وأصغى بأُذُنِه منتظرًا الأمر بالنفخ؛ وهذا دليل على قرب الساعة؛ وأنها كلمح البصر أو هو أقرب.
واليَومِ الآخِرِ : هُوَ يَوْمُ القِيَامَةِ وَأوَّلُهُ مِنْ خُرُوجِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِم إلى اسْتِقْرَارِ أهْلِ الجنَّةِ فِي الجَنَّةِ وأهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ، وَفي ذلِكَ اليومِ تدْنُو الشَّمْسُ مِنْ رُؤُوسِ العِبَادِ وَتَحْصُلُ فِيهِ أحْوَالٌ صَعْبَةٌ يَنْجُوَ مِنْها المؤْمِنُونَ الأتْقِيَاءُ، ويُجْمَعُ النَّاسُ للحِسَابِ فَتُعْرَضُ عَلَيْهِمْ أعْمالُهُمْ سَوَاءٌ كَانَتْ خَيْرًا أم شَرًّا، وتُوزَنُ أعْمَالُهُم بِميزانٍ فَتُوضَعُ الحَسَنَاتُ في كَفَّةٍ والسَّيّئاتُ في الكفّةِ الأخْرى.
أسماء اليَومِ الآخِرِ:
ليوم القيامة أسماء كثيرة ذكرها أهلُ العلمِ، أخذوها من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم،فليس ليومِ القيامةِ عددٌ محصورٌ ومحدّدٌ مِنَ الأسماءِ؛ وهذا راجع إلى أن أهل العلم يأخذون ويشتقون أسماء هذا اليوم العظيم من أحداثِهِ وأحوالِهِ وأوصافهِ، وهذه الأحداث والأوصاف والأحوال قد ذكر منها القرآن الكريم والسنة الثابتة عددًا كبيرًا، فيصح للإنسان أن يخبر عن يوم القيامة بأي اسم يشير إلى حدث أو حال أو وصف سيكون فيه. ومن ذلك:
1-يوم القيامة: قال الله تعالى" لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا "النساء:87. قال البغوي "وسُميت القيامة قيامة لأن الناس يقومون من قبورهم".
2-اليوم الآخر: قال تعالى"وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ"البقرة:177. قال ابن حجر في "فتح الباري" "وأما اليوم الآخر فقيل له ذلك لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة".
3-يوم الآزفة: قال تعالى"وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ"
غافر:18. قال السعدي" أي: يوم القيامة التي قد أزِفت وقرُبَت".
4 -يوم البعث: قال تعالى"وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ"الروم:56.قال الطبري"يقول: فهذا يوم يبعث الناس من قبورهم".
5-يوم التغابن: قال الله تعالى"يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ"التغابن:9. قال السعدي "أي: يظهر فيه التغابن والتفاوت بين الخلائق".
6-يوم التلاق: قال تعالى"رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ"غافر:16:15. قال ابن عباس "يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض". وقال قتادة وأبو العالية "يلتقي فيه الخَلق والخالق"، وقال البغوي"وقيل: الظالم والمظلوم"، وقيل "يلقى كل إنسان جزاء عمله"، وقال القرطبي: "وكله صحيح".
7
- يوم التناد: قال عز وجل"وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ"غافر:32. قال ابن كثير "يعني: يوم القيامة". وقال القرطبي "سُمي بذلك: لمناداة الناس بعضهم بعضًا، فينادي أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم، وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار.. وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة.. وينادي المنادي أيضًا بالشقوة والسعادة: ألا إن فلان بن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها.. وتنادي الملائكة أصحاب الجنة.. وينادَى حين يُذبح الموت"يا أهل الجنة، خلود لا موت، ويا أهل النار، خلود لا موت"رواه البخاري، وينادى كل قوم بإمامهم، إلى غير ذلك من النداء".
8-يوم الجمع: قال الله تعالى"وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ"الشورى:7. قال القرطبي: وسُمي يوم الجمع لأنه "يوم يجمع الله الأولين والآخرين، والإنس والجن، وأهل السماء وأهل الأرض، وقيل: هو يوم يجمع الله بين كل عبد وعمله، وقيل: لأنه يجمع فيه بين الظالم والمظلوم، قيل: لأنه يجمع فيه بين كل نبي وأمته، وقيل: لأنه يجمع فيه بين ثواب أهل الطاعات وعقاب أهل المعاصي".
9
-يوم الحساب: قال الله عز وجل"وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ"غافر:27. قال القرطبي "وسمي يوم الحساب: لأن الباري سبحانه يعدد على الخلق أعمالهم، من إحسان وإساءة، يعدد عليهم نعمه ثم يقابل البعض بالبعض".
10-الحاقة: قال الله تعالى"الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ"الحاقة:3:1. قال ابن حجر "سُميت الحاقة لأنها أحقت لقوم الجنة، ولقوم النار، وقيل: لأنها تحاقق الكفار الذين خالفوا الأنبياء، أي: تخاصمهم، وقيل: لأنها حق لا شك فيه".

11- يوم الحسرة: قال تعالى"وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ"مريم:39. قال السعدي "وأحق ما يُنْذَر به ويُخَوّف به العباد، يوم الحسرة حين يقضى الأمر، فيُجمع الأولون والآخرون في موقف واحد، ويسألون عن أعمالهم.. وأي: حسرة أعظم من فوات رضا الله وجنته، واستحقاق سخطه والنار، على وجه لا يتمكن من الرجوع، ليستأنف العمل".
12-يوم الخروج: قال الله تعالى"يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ"ق:24. قال الطبري "وسمي يوم الخروج: لخروج الناس فيه من قبورهم للبعث".
13-يوم الخلود: قال تعالى"ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ"ق:34. قال الشوكاني في "فتح القدير" سماه يوم الخلود لأنه لا انتهاء له، بل هو دائم أبدًا.
14-يوم الدين: قال الله تعالى"مَلِكِيَوْمِ الدِّينِ"الفاتحة:4. قال ابن عباس رضي الله عنه "يوم الدين: يوم الحساب للخلائق وهو يوم القيامة، يدينهم بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، إلا من عفا عنه".
15-الساعة: قال تعالى"إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى"طه:15. قال الطبري "يقول تعالى: إن الساعة التي يبعث الله فيها الخلائق من قبورهم لموقف القيامة جائية". وقال السعدي"إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ"أي: لا بد من وقوعها.. فعلمها قد أخفاه عن الخلائق كلهم، فلا يعلمها مَلك مقرب، ولا نبي مرسل".
16-الصاخة: قال الله عز وجل"فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ"عبس:37:33. قال أبو السعود " والصاخة هي: صيحة القيامة لأنها تصخ الآذان أي تصمها".
17- الطامة : قال الله عز وجل"فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُالْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى"النازعات:35:34.قال القرطبي "معناها الغالبة، من قولك: طم الشيء إذا علا وغلب، ولما كانت تغلب كل شيء كان لها هذا الاسم حقيقة دون كل شيء". وقال السعدي: "أي: إذا جاءت القيامة الكبرى، والشدة العظمى، التي يهون عندها كل شدة".
18-الغاشية: قال الله تعالى"هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ"الغاشية:1.قال السعدي "يذكر تعالى أحوال يوم القيامة وما فيها من الأهوال الطامة، وأنها تغشى الخلائق بشدائدها، فيجازون بأعمالهم، ويتميزون إلى فريقين: فريقًا في الجنة، وفريقًا في السعير".
19-يوم الفصل: قال عز وجل"إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا" النبأ:17. قال الطبري: "وسمي يوم الفصل: لأنه يوم عظَّمَهُ اللهُ، يفصلُ اللهُ فيه بين الأولينَ والآخرينَ بأعمالِهم".
20-القارعة: قال الله عز وجل"الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ"القارعة:3:1. قال القرطبي "سُميت بذلك لأنها تقرع القلوب بأهوالها".
21-الواقعة: قال الله تعالى"إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ"الواقعة:2:1. قال الطبري "عن ابن عباس في قوله"إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ"الواقعة والطامة والصاخة، ونحو هذا من أسماء القيامة، عظَّمه الله، وحذره عباده. وقوله"لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ"يقول تعالى: ليس لوقعة الواقعة تكذيب".
22-يوم الوعيد: قال عز وجل"وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ"ق:20. قال الشوكاني "سمي يوم الوعيد لأن الله أوعد به الكفار، قال مقاتل: يعني بالوعيد العذاب في الآخرة، وخصص الوعيد مع كون اليوم هو يوم الوعد والوعيد جميعاً لتهويله".
23-يوم الفزع الأكبر: قال الله تعالى"لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ"الأنبياء:103. قال السعدي"لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ:أي: لا يقلقهم إذا فزع الناس أكبر فزع، وذلك يوم القيامة".
24-يوم قيام الأشهاد، قال الله تعالى "إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ"غافر:51. قال ابن كثير "أي: يوم القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجل".
25-يوم الآزفة: قال الله تعالى"وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ"غافر:18. قال السعدي"وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ:أي: يوم القيامة التي قد أزِفت وقرُبت، وآن الوصول إلى أهوالها وقلاقلها وزلازلها".إسلام ويب.


التعديل الأخير تم بواسطة أم أبي التراب ; 11-24-2025 الساعة 03:18 AM
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 11-27-2025, 03:12 AM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
مدير
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 4,457
Haedphone

ثمرات الإيمان باليوم الآخر
قال ابنُ عُثَيمين: لِلإيمانِ باليَومِ الآخِرِ ثَمَراتٌ جَليلةٌ؛ مِنها:
الأولَى: الرَّغبةُ في فِعلِ الطَّاعةِ والحِرصُ عليها رِجاءً لِثَوابِ ذلك اليَومِ.
الثَّانيةُ: الرَّهبةُ من فِعلِ المَعصيةِ والرِّضا بها خَوفًا من عِقابِ ذلك اليَومِ.
الثَّالِثةُ: تَسليةُ المُؤمِنِ عَمَّا يَفوتُه مِنَ الدُّنيا بما يَرجوه من نَعيمِ الآخِرةِ وثَوابِها. كتاب شرح ثلاثة الأصول للعثيمين.
ذِكر اليومِ الآخرِ يمسحُ على قلوبِ المستضعفينَ والمضطهدينَ والمظلومينَ مسحة يقين، تسكن معه القلوب؛ لأنهم يتطلعون لِمَا أعدَّه الله للصابرين، من نعيم يُنسَى معه كل ضُرٍّ وبلاءٍ، وسوء وعناء، ويهوِّن عليهم ويعزِّيهم، وما أعدَّه الله للظالمين من بؤس يُنْسَى معه كل هناء.
قيام الساعة على شرار القوم:
قال صلى الله عليه وسلم "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ علَى أَحَدٍ يقولُ: اللَّهُ، اللَّهُ."الراوي : أنس بن مالك - صحيح مسلم. أي: تَقومُ على خَلقٍ لا يَذكُرُون اسمَ اللهِ، وهذا كِنايةٌ عن أنَّها تَقومُ على قَومٍ لا يَعبُدون اللهَ سُبحانَه، فتَقومُ على شِرارِ الخَلقِ.
وذلك أنَّ اللهَ سُبحانَه يَقبِضُ أرواحَ المؤمِنين، كما في صَحيحِ مُسلِمٍ :قال صلى الله عليه وسلم "....لا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِن أُمَّتي يُقَاتِلُونَ علَى أَمْرِ اللهِ ، قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ، لا يَضُرُّهُمْ مَن خَالَفَهُمْ، حتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ علَى ذلكَ. فَقالَ عبدُ اللهِ: أَجَلْ ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا كَرِيحِ المِسْكِ مَسُّهَا مَسُّ الحَرِيرِ، فلا تَتْرُكُ نَفْسًا في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنَ الإيمَانِ إلَّا قَبَضَتْهُ، ثُمَّ يَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ عليهم تَقُومُ السَّاعَةُ. "الراوي : عقبة بن عامر - صحيح مسلم.
حتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ علَى ذلكَ :أي أنَّهم لا يَزالُون على الحقِّ حتَّى تَقبِضَهم هذه الرِّيحُ اللَّينةُ قُربَ القيامةِ وعندَ تَظاهُرِ أشراطِها، فأطلَقَ في هذا الحديثِ بَقاءَهم إلى قيامِ السَّاعةِ على أشراطِها ودُنوِّها المُتناهي في القُربِ.
أحداث يوم القيامة بالترتيب:
اختلف أهل العلم في ترتيب أحوال يوم القيامة.فإنَّ ما يحصل يوم القيامة، وما يكون مِمَّا ورد في الكتاب والسُّنَّة، أشياء كثيرة: قيام الناس، والحوض، والميزان، والصُّحُف، والحساب، والعرض، وتطاير الصُّحُف، وأخذ الكتاب، الصراط، والظلمة، وهذه أشياء متنوعة.....
فكيف يكون ترتيبها؟ أحداث يوم القيامة ذكرت في نصوص متفرقة .ولا يوجد نصٌّ صريح في ترتيبها، ولذا وقع الخلاف في ترتيب بعض الأحداث.فعلى المسلم الموحد أن يؤمن بجميع أحداث ذلك اليوم المذكورة في الكتاب والسنة الصحيحة ، مع التماس العذر والتطاوع دون إنكار في ترتيب هذه الأحدث.
ينفخ في الصور نفختان :
أولًا نفخة الصعق: يَمُوتُ بِسَبَبِهَا جَمِيعُ الْمَوْجُودِينَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ; إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقِيلَ: هُمْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَجِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ، وَمَلَكُ الْمَوْتِ. وَقِيلَ: هُمُ الشُّهَدَاءُ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
قال صلى الله عليه وسلم "صاحبُ الصورِ واضعٌ الصورَ على فِيهِ، منذُ خُلِقَ، ينتظِرُ متى يؤمَرُ أنْ ينفُخَ فيه، فينفُخَ".خلاصة حكم المحدث : صحيح- الراوي : البراء بن عازب وأبو سعيد الخدري - المحدث : الألباني -صحيح الجامع.
قال صلى الله عليه وسلم "كيفَ أنعَمُ وقدِ التقَمَ صاحبُ القرنِ القرنَ وحنَى جبهتَهُ وأصغى سمعَهُ ينتَظِرُ أن يؤمَرَ أن ينفخَ فينفخ .قالَ المسلمونَ: فَكَيفَ نقولُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: قولوا حَسبُنا اللَّهُ ونعمَ الوَكيلُ توَكَّلنا على اللَّهِ ربِّنا .وربَّما قالَ سفيانُ: على اللَّهِ توَكَّلنا "الراوي : أبو سعيد الخدري -المحدث :الألباني - صحيح الترمذي.
تستمر الحياة حتى إذا شاءَ الله أن تقوم الساعة ،يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِن قِبَلِ الشَّأْمِ، فلا يَبْقَى علَى وَجْهِ الأرْضِ أَحَدٌ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ أَوْ إيمَانٍ إلَّا قَبَضَتْهُ، ثم أمرَ إسرافيلَ عليه السلامُ بالنفخ في الصور ،فينفخ نفخة عظيمة تفزع جميع الخلائق فيصعقون منها ويهلكون ، وتنتهي الدنيا بأكملها .. كل ما تراه سيفنى .. لن تبقى القوى البشرية ، ولا قدراتهم التكنلوجية ، ولا وكالاتهم الفضائية ، ولا مراكبهم وأقمارهم الصناعية .
ثم يمكثون على ذلك مدة ، الله أعلم بمقدارها ، فتتحلل أجسادهم في هذه المدة ولا يبقى منها إلا عجب الذنب ، وهو العظم المستدير الذي في أصل الظهر ، ثم يرسل الله سحابًا فتمطر مطرًا فإذا أصاب الماء هذا العظم نبت منه الجسم كما ينبت النبات ويتركب الخلق من هذا العظم ، ثم ينفخ في الصور نفخة البعث فتعود الأرواح إلى الأجساد ، فيخرجون من القبور سراعًا إلى أرض المحشر.

" يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِن قِبَلِ الشَّأْمِ، فلا يَبْقَى علَى وَجْهِ الأرْضِ أَحَدٌ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ أَوْ إيمَانٍ إلَّا قَبَضَتْهُ، حتَّى لو أنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ في كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عليه حتَّى تَقْبِضَهُ، قالَ: سَمِعْتُهَا مِن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ. قالَ: فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ في خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ؛ لا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لهمُ الشَّيْطَانُ، فيَقولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فيَقولونَ: فَما تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بعِبَادَةِ الأوْثَانِ، وَهُمْ في ذلكَ دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ في الصُّورِ، فلا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا، قالَ: وَأَوَّلُ مَن يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إبِلِهِ، قالَ: فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ النَّاسُ..." الراوي : عبدالله بن عمرو -صحيح مسلم.
قال تعالى "وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ". الزمر : 68.
" فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ"وهُم خُبثاؤهم ورَذائلُهم، فإنَّهم يَبْقَون على حالٍ يُشبِهُ " في خِفَّةِ الطَّيْرِ "أي: اضطرابَها ونُفورَها وسُرعتَها، " وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ"أي: في عقولِ السِّباعِ النَّاقصةِ، ومعنى ذلك أنَّهم يَكونون في سُرعتِهم إلى الشُّرورِ وقَضاءِ الشَّهواتِ والفسادِ كسُرعةِ طَيَرانِ الطَّيرِ، ويكونونَ في حالةِ كَونِهم في المعاداةِ وظُلمِ بعضِهم بعضًا في أخلاقِ السِّباعِ العاديةِ بعضِها على بَعض، " وَهُمْ في ذلكَ"أي: والحالُ أنَّهم فيما ذُكِر مِن الأوصافِ الرَّديئةِ والعباداتِ الوَثَنِيَّةِ دَارٌّ "أي: نازلٌ عليهم " رِزْقُهُمْ" بكَثرةٍ كدُرورِ الضَّرعِ اللَّبَنَ غيْرَ المنقطِعِ والسَّماءِ بالمطَرِ الغزيرِ، " حَسَنٌ عَيْشُهُمْ"فهم في سَعةٍ في مَعاشِهم مِن مَطْعَمٍ ومَشرَبٍ ومَلبَسٍ وعافيةٍ.
ثُمَّ يُنْفَخُ في الصُّورِ:والصُّورُ: قَرنٌ أو بوقٌ يُنفَخُ فيه، والنَّافخُ هو ملَكٌ مِن الملائكةِ، واسمُه إسرافيلُ عليه السَّلامُ، "فلا يَسْمَعُه أحدٌ إلَّا أَصْغَى لِيتًا ورَفَع لِيتًا"، والمرادُ: أنَّ كلَّ مَن يَسمَعُ نَفخةَ الصُّورِ، فإنَّه يُصْغي جانبًا مِن عُنقِه للسُّقوطِ على الأرضِ، ويَرفَعُ الجانبَ الآخَرَ لاستماعِ النَّفخةِ، وهو كنايةٌ عن سُقوطِ رَأسِه على أحدِ الشِّقَّينِ بسَببِ الصَّعقةِ الَّتي تَأخُذُه عندَ ذلك، فلا تُمهِلُه، "وأوَّلُ مَن يَسمَعُه رَجلٌ يَلُوطُ"، أي: يُطيِّنُ ويُصلِحُ "حَوْضَ إبِلِه" بالطِّينِ حتَّى لا يَتسرَّبَ الماءُ، ويُنظِّفُه مِن الغُثاءِ لِيَسقِيَ الإبلَ الماءَ، "فيَصعَقُ"، أي: يَموتُ هو أوَّلًا "ويَصْعَقُ النَّاسُ" كلُّهم معه.
وهي نفخة هائلة مدمرة، يسمعها المرء فلا يستطيع أن يوصي بشيء، ولا يقدر على العودة إلى أهله وخلانه "مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ-فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ"يس: ٤٩-٥٠.
تقوم الساعة يوم الجمعة:
"خيرُ يومٍ طلَعت فيهِ الشَّمسُ يومُ الجمُعةِ فيهِ خُلِقَ آدمُ وفيهِ أُهْبِطَ وفيهِ تيبَ عليهِ وفيهِ ماتَ، وفيهِ تقومُ السَّاعةُ، وما من دابَّةٍ إلَّا وَهيَ مُسيخةٌ يومَ الجمُعةِ مِن حينَ تُصبحُ حتَّى تطلعَ الشَّمسُ شفقًا منَ السَّاعةِ إلَّا الجنَّ والإنسَ ،وفيهِ ساعةٌ لا يصادفُها عبدٌ مسلمٌ وَهوَ يصلِّي يسألُ اللَّهَ حاجةً إلَّا أعطاهُ إيَّاها..."الراوي : أبو هريرة وعبد الله بن سلام - المحدث :الألباني - صحيح أبي داود.
"إلَّا وهي مُسِيخَةٌ يومَ الجمعةِ"، أي: مُصغِيَة ومُستَمِعة "مِن حِين تُصبِحُ حتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ شفقًا مِن السَّاعةِ"، أي: خوفًا مِن السَّاعةِ؛ وذلك لِمَا جَبَلها اللهُ عليه، هذا الحديث يُدلنا على أنَّ الساعة تقوم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس"إلَّا الجِنَّ والإنسَ"، أي: فإنَّهم لا يَترقَّبون ولا يَخافون قيامَ السَّاعةِ في هذا اليومِ؛ لعِظَمِ غفلتِهم.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 05-19-2026, 04:44 AM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
مدير
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 4,457
Haedphone

ثم تمر أربعون:
قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم " ما بيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ، قالَ: أرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قالَ: أبَيْتُ ، قالَ: أرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قالَ: أبَيْتُ ، قالَ: أرْبَعُونَ سَنَةً؟ قالَ: أبَيْتُ ، قالَ: ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيَنْبُتُونَ كما يَنْبُتُ البَقْلُ ، ليسَ مِنَ الإنْسانِ شَيءٌ إلَّا يَبْلَى، إلَّا عَظْمًا واحِدًا، وهو عَجْبُ الذَّنَبِ ، ومِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَومَ القِيامَةِ."الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري.
وفي هذا الحديثِ يُبيِّن النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُدَّةَ ما بيْن النَّفختَين، فيقولُ"ما بَينَ النَّفختَين أربعونَ"، ولَم يُبيِّن هل هي سَنةٌ، أو يومٌ، أو شَهْرٌ.
فسُئِل أبو هُرَيرةَ: هلْ هي أَربعونَ يومًا؟ فقال: أَبَيتُ -أي: امتنَعْتُ عن القولِ بتَعيينِ ذلك-، فقالوا: أربعونَ شَهرًا؟ فقال: أَبيتُ. فقالوا: أربعون سَنةً؟ فقال: أَبيتُ، وقد أبَى إخبارَهم بذلك.
فتتحلل أجسادهم في هذه المدة كما تحللت أجساد من مات قبلهم ؛ ولا يبقى منها إلا عَجْبُ الذَّنَبِ ، ومِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَومَ القِيامَةِ ، وهو العظم المستدير الذي في أصل الظهر.
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ:
اختلف العلماء هل هذا الموقف بعد النفخة الأولى - التي هي نفخة الصعق -، أم بعد النفخة الثانية - التي هي نفخة البعث-.المهم أن نعتقد الحدث نفسه بقطع النظر عن ترتيبه بين أهوال القيامة.
قال ابن الجوزي رحمه الله :
" قوله تعالى" لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ " اتفقوا على أن هذا يقوله الله عزّ وجلّ بعد فَناء الخلائق.
واختلفوا في وقت قوله عزّ وجلّ له على قولين :
أحدهما: أنه يقوله عند فَناء الخلائق إِذا لم يبق مجيب. فيَرُدّ هو على نفسه فيقول: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ، قاله الأكثرون.
والثاني: أنه يقوله يوم القيامة.
وفيمن يُجيبه حينئذ قولان: أحدهما: أنه يُجيب نفسه ، وقد سكت الخلائق لقوله تعالى . قاله عطاء.
والثاني: أن الخلائق كلَّهم يُجيبونه فيقولون: للهِ الواحدِ القهارِ ، قاله ابن جريج
".انتهى من "زاد المسير" 7/212.

" وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" سورة الزمر: 67.
"يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ"غافر: 16.
هذا مقام إظهار كبريائه وعظمته سبحانه ، وأن من كان ينازعه الملك في الدنيا ، بقوله ودعاواه وأكاذيبه ، لا يملك في ذلك اليوم العسير شيئًا من أمره ، ولو بمجرد القول والدعوى باللسان ، ولا يقوى أن يتقدم بين يدي رب العالمين بقول ، ولا فعل .
وَذِكْرُ الصِّفَتَيْنِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنَ الصِّفَاتِ الْعُلَى لِأَنَّ لِمَعْنَيَيْهِمَا مَزِيدَ مُنَاسَبَةٍ بِقَوْلِهِ" لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ " ، حَيْثُ شُوهِدَتْ دَلَائِلُ الْوَحْدَانِيَّةِ لله ، وقهره جَمِيع الطغاة والجبارين " .انتهى من "التحرير والتنوير
"يَقْبِضُ اللَّهُ الأرْضَ يَومَ القِيامَةِ، ويَطْوِي السَّماءَ بيَمِينِهِ ، ثُمَّ يقولُ: أنا المَلِكُ أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ."الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري.

النفخة الثانية نفخة البعث:
بعدَ النفخةِ الأولى - نفخة الصعقِ وقبض أرواح - من بقي حيًا إلا من شاء الله ؛وقبلَ النفخةِ الثانيةِ - نفخة النشورِ-؛ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيَنْبُتُونَ كما يَنْبُتُ البَقْلُ ، ليسَ مِنَ الإنْسانِ شَيءٌ إلَّا يَبْلَى، إلَّا عَظْمًا واحِدًا، وهو عَجْبُ الذَّنَبِ ، ومِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَومَ القِيامَةِ.فتكون أجساد بلا روح ،
قال النبي صلى الله عليه وسلم : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ "رواه أبو داود 1047، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود.
قال النبي صلى الله عليه وسلم ".... إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ، قد حرَّمَ علَى الأرضِ أن تأكلَ أجسادَ الأنبياءِ"خلاصة حكم المحدث : صحيح- الراوي : أوس بن أبي أوس وقيل أوس بن أوس والد عمرو - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح النسائي.
"إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ حرَّم على الأرضِ"، أي: منَعَها أن تُبلِيَ "أجسادَ الأنبياءِ"، أي: وهُم في قُبورِهم.
ثُمَّ يُنْفَخُ في الصور أُخْرَى،فَتُرَدُّ الأَروَاحُ إلى الأَجسَادِ ، فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ.
وإنبات الأجساد – مِنْ عَجْبِ الذَّنَبِ - من التراب بعد إنزال الله ذلك الماء الذي ينبتها يماثل إنبات النبات من الأرض إذا نزل عليها الماء من السماء في الدنيا، ولذا فإن الله قد أكثر في كتابه من ضرب المثل للبعث والنشور بإحياء الأرض بالنبات نزول الغيب، قال تعالى"وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ"الأعراف: ٥٧ .وقال في موضع آخر"وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ"فاطر: ٩.
ولاحظ في كلا الموضعين قوله"كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى"، "كَذَلِكَ النُّشُورُ"، فإنهما يدلان على المماثلة والمشابهة بين إعادة الأجسام بإنباتها من التراب بعد إنزال الماء قُبيل النفخ في الصورِ، وبين إنبات النبات بعد نزول الماء من السماء. ونحن نعلم أن النبات يتكون من بذور صغيرة، تكون في الأرض ساكنة.
قال ابن كثير رحمه الله :
" نَفْخَةُ الصَّعْقِ ، هِيَ الَّتِي يموت بها الأحياء من أهل السموات وَالْأَرْضِ ، إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ يَقْبِضُ الله أَرْوَاحَ الْبَاقِينَ ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُ مَنْ يَمُوتُ مَلَكَ الْمَوْتِ ، وَيَنْفَرِدُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الَّذِي كَانَ أَوَّلًا وَهُوَ الْبَاقِي آخِرًا بِالدَّيْمُومَةِ وَالْبَقَاءِ ، ثُمَّ يُحْيِي أَوَّلَ مَنْ يُحْيِي إِسْرَافِيلَ ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ يُنْفَخَ فِي الصُّورِ أُخْرَى. ا.هـ.
وقيل إن إسرافيل عليه السلام ممن استثناهم الله تعالى من الموت ، قال الله تعالى " وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ"الزمر/ 68 . انظر " تفسير ابن جرير " 21/330.
فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ : لا يلزم من لفظ الآية أن أول من يصعق من في السموات ثم من في الأرض ، فمن المعلوم أن الترتيب في الذِّكْرِ، لا يلزم منه الترتيب في الوجود، وأن حرف العطف الوارد في الآية "الواو" لا يقتضي ترتيبًا بين المتعاطفات، ولا تراخيًا؛ بل هي لمطلق العطف.الإسلام سؤال وجواب.
قال تعالى"وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ"الزمر/ 68 .
اختلف أهل العلم في النفخ في الصور ، هل هو نفختان ، أم ثلاث ؟ والراجح أنهما نفختان ، كما تدل عليه الآية السابقة
قال الشيخ ابن باز رحمه الله :
" الصُّور قرن عظيم ، ينفخ فيه إسرافيل النفخة الأولى للموت والفزع ، والنفخة الثانية للبعث والنشور . هاتان النفختان جاء بهما القرآن الكريم . إحداهما يقال لها : نفخة الصعق ، ويقال لها : نفخة الفزع ، وبها يموت الناس ، والثانية نفخة البعث ، وقال جماعة من العلماء : إنها ثلاث : نفخة الفزع ، وقد يفزع الناس فقط ، ثم تأتي بعدها نفخة الموت ، ثم نفخة البعث والنشور . والمحفوظ نفختان فقط ، كما دل عليهما كتاب الله العظيم " انتهى من " فتاوى نور على الدرب " 4/ 327 .
وقد ثَبَتَ في صَحيحِ مُسلِمٍ من حَديثِ عَبدِ الله بن عَمْرٍو أنَّهما نَفخَتانِ، ولَفظُه :
".....ثُمَّ يُنْفَخُ في الصُّورِ، فلا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا، قالَ: وَأَوَّلُ مَن يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إبِلِهِ، قالَ: فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ النَّاسُ ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ -أَوْ قالَ: يُنْزِلُ اللَّهُ- مَطَرًا كَأنَّهُ الطَّلُّ -أَوِ الظِّلُّ؛ نُعْمَانُ الشَّاكُّ- فَتَنْبُتُ منه أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فيه أُخْرَى، فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ، ثُمَّ يُقَالُ: يا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمَّ إلى رَبِّكُمْ، وَقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْؤُولونَ،.... " الراوي : عبدالله بن عمرو -صحيح مسلم.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 05-19-2026, 04:45 AM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
مدير
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 4,457
Haedphone

الزلزلة :
"إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا" الزلزلة:1.
اختلف العلماء في وقت الزلزلة المذكورة في قوله تعالى"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ" الحج:1.هل الزلزلة قبل نفخة البعث أم بعدها؟
قال صاحب أضواء البيان: اختلف العلماء في وقت هذه الزلزلة المذكورة هنا، هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عَرَصَات القيامِةِ - قال ابن حجر في الفتح :181/6 :العَرْصَة: هي البقعة الواسعة بغير بناء من دار و غيرها. "ومنه: عرصات يوم القيامة، وهي المكان الواسع الذي يقف فيه الناس للحساب. - ، أو هي عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من القبور؟
فقالت جماعة من أهل العلم: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر هذه الدنيا، وأول أحوال الساعة، وممن قال بهذا القول، علقمة والشعبي وإبراهيم وعبيد بن عبيد، وهذا القول من حيث المعنى له وجه من النظر، لكنه لم يثبت ما يؤيده من النقل؛ بل الثابت من النقل يؤيد خلافه وهو القول الآخر.
القول الآخر القائلين بأن الزلزلة المذكورة كائنة يوم القيامة بعد البعث من القبور، فهي ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من تصريحه بذلك، وبذلك تعلم أن هذا القول هو الصواب كما لا يخفى.
قال تعالى " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)الحج.
قال البخاري رحمه الله في صحيحه في التفسير في باب قوله : وترى الناس سكارى : قال :حدثنا عمر بن حفص ، قال حدثنا أبي ، قال: حدثنا الأعمش ، قال: حدثنا أبو صالح ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " يقول الله عز وجل يوم القيامة : يا آدم . فيقول : لبيك ربنا وسعديك . فينادى بصوت : إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار . قال : يا رب ، وما بعث النار ؟ قال : من كل ألف - أراه قال - تسعمائة وتسعة وتسعين ، فحينئذ تضع الحامل حملها ، ويشيب الوليد ، وترى الناس سكارى ، وما هم بسكارى ، ولكن عذاب الله شديد . فشق ذلك على الناس ، حتى تغيرت وجوههم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ، ومنكم واحد ، وأنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض ، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود ، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة . فكبرنا ، ثم قال : ثلث أهل الجنة . فكبرنا ، ثم قال : شطر أهل الجنة . فكبرنا " .انتهى من صحيح البخاري.
وفيه تصريح النبي صلى الله عليه وسلم بأن الوقت الذي تضع فيه الحامل حملها ، وترى الناس سكارى ، وما هم بسكارى : هو يوم القيامة لا آخر الدنيا .
مَنْ أول مَنْ يُبْعَث :
أولُ مَنْ يُبْعَث رسولنا صلى الله عليه وسلم ، وهو أول من تنشق عنه الأرض ، كما جاء في الصحيحين .
قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ" أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر، وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه يومَ القيامةِ ولا فخر وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فخر ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فخرَ"خلاصة حكم المحدث : صحيح- الراوي : أبو سعيد الخدري- المحدث : الألباني- المصدر : صحيح ابن ماجه.
"عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ ، فَقَالَ المُسْلِمُ : وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى العَالَمِينَ ، فِي قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ : وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى العَالَمِينَ ، فَرَفَعَ المُسْلِمُ عِنْدَ ذَلِكَ يَدَهُ فَلَطَمَ اليَهُودِيَّ ، فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ المُسْلِمِ ، فَقَالَ: لاَ تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ العَرْشِ ، فَلاَ أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي ، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ"صحيح البخاري كتاب أحاديث الأنبياء.
ثم بعد إفاقة النبي صلى الله عليه وسلم يخرج الناس جميعًا من قبورهم حفاة ؛عراة ؛غُرْلًا أي: غير مختونين.
"يُحْشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، النِّساءُ والرِّجالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ! قالَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: يا عائِشَةُ، الأمْرُ أشَدُّ مِن أنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ."الراوي : عائشة أم المؤمنين -صحيح مسلم.
شرح الحديث : يومُ القيامةِ يَومٌ عَظيمٌ وشَديدٌ، يقومُ فيه النَّاسُ بيْنَ يَدَي ربِّ العالَمِين للحسابِ، وفيه مِن الأهوالِ ما يُذهِلُ العقولَ والألبابَ، ويَظهَرُ النَّاسُ فيه كالسُكارى مِن شِدَّةِ الخوفِ. وفي هذا الحديثِ يَصِفُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعضَ ما في هذا اليومِ، حيث يقولُ"يُحْشَرُ النَّاسُ يومَ القيامةِ"، فيُجْمَعون بعْدَ البَعثِ مِن الموتِ، ويَقُومون للحسابِ، وهم حُفاة الأقدامِ بلا أحذيةٍ ولا نِعالٍ، وعُراةُ الأجسادِ بلا ثِيابٍ ولا سُتُورٍ، غُرْلًا غيرَ مَخْتونِين، قد ذهَب عنهم كلُّ ما كَانوا فيهِ في الدُّنيا وعَادُوا كما خَلَقَهم اللهُ؛ كما في قولِه تعالَى"كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ"الأنبياء: 104، فلمَّا سَمِعَت عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها ذلكَ قالتْ مُتسائلةً مُتعجِّبةً"يا رسولَ اللهِ، النِّساءُ والرِّجالُ جميعًا يَنظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ؟!"، وهذا اسْتِفهامٌ واسْتِغرابٌ من أنْ يُجْمَعَ النُّاسُ عُراةً وعَوْراتهم ظَاهِرة أمام بعضِهم رجالًا ونساءً؛ فهل يَنظُرون إلى بعضِهم البَعضِ؟! فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"يا عائشةُ، الأمرُ أَشَدُّ مِن أنْ يَنظُرَ بعضُهم إلى بعضٍ"، أيْ: إنَّ شأنَ المُوقِفِ والحَشْرِ بَعْدَ البَعْثِ مِن الموتِ فيه مِن الأهوالِ ما يَأخُذُ اهْتِمامَ النَّاسِ وأَبْصارَهم عن النَّظرِ إلى العَوْراتِ، ومِنْها ما قال اللهُ تعالى"يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ"الحج: 2.
انتقال الناس إلى أرض المحشر:
الْحَشْرُ هو إخراج الجماعة عن مقرهم .الْحَشْرُ في الشرع عند الإطلاق إخراج الموتى من قبورهم ، وسوقهم إلى الموقف للحساب والجزاء . والنشر إحياء الميت بعد موته . ومنه قوله تعالى " ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ" عبس: 22. أي أحياه.والْحَشْر يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ النَّشْرِ لِاتِّصَالِهِ بِهِ.
"يُحْشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيامَةِ علَى أرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ، كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ. قالَ سَهْلٌ أوْ غَيْرُهُ: ليسَ فيها مَعْلَمٌ لأحَدٍ. "الراوي : سهل بن سعد الساعدي -صحيح البخاري.
عَفْراءَ : أي: ليْس بَياضُها بالنَّاصعِ، أو تَضرِبُ إلى الحُمرةِ قليلًا، كَقُرْصَةِ خُبْزٍ نَقِيٍّ سالمٍ دَقيقُه مِن الغشِّ والنُّخالةِ.
ليسَ فيها مَعْلَمٌ لأحَدٍ : ليْس في الأرضِ المذكورةِ شيءٌ مِنَ العلاماتِ التي يُهتدَى بها ويُستدَلُّ بها على الطَّريقِ، وفي هذا تعريضٌ بأنَّ أرضَ الدُّنيا ذهبت وانقطعت العَلاقةُ منها.
وَوَقَعَ خِلافٌ في أرضِ المَحْشَرِ فهَل هيَ أرضٌ أخرى غَيرُ أرضِ الدُّنيا أو هيَ ذاتُها مَعَ تَبديلِ صِفاتِها إلى صِفاتٍ أخرى؟
قال اللهُ تعالى" يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ "إبراهيم: 48.
وقال السَّعديُّ "يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيرَ الأَرْضِ والسَّمَوَاتُ" وهذا التَّبديلُ تَبديلُ صِفاتٍ، لا تَبديلُ ذاتٍ؛ فإنَّ الأرضَ يَومَ القيامةِ تُسوَّى وتُمَدُّ كمدِّ الأديمِ ويُلقى ما على ظَهرِها من جَبَلٍ ومَعلَمٍ، فتَصيرُ قاعًا صَفْصفًا – أي مستويًا لا يرى فيه أيها الناظر عِوَجًا، هذا من تمام استوائها ، لا تَرى فيها عِوَجًا ولا أَمْتًا.أَمْتًا :الروابي والنشوز.
".......يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ والكَرْبِ ما لا يُطِيقُونَ ولَا يَحْتَمِلُونَ...."الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري.
وفي رواية أخرى:
"...يَجْمَعُ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، فيُبْصِرُهُمُ النَّاظِرُ ويُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وتَدْنُو منهمُ الشَّمْسُ ...." الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري.
قال القُرطُبيُّ: المَعنى أنَّهم يُجمَعونَ في مَكانٍ واحِدٍ بحَيثُ لا يَخفى منهم أحَدٌ لَو دَعاهم داعٍ لسَمعوه، ولَو نَظَرَ إليهم ناظِرٌ لأدرَكَهم.
وقال ابنُ عُثَيمين: إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتعالى يَجمَعُ الأوَّلينَ والآخِرينَ في صَعيدٍ واحِدٍ مُتَساوٍ، يُسمِعُهمُ الدَّاعي ويَنفُذُهمُ البَصَرُ، نَحنُ في الدُّنيا لَسنا على أرضٍ مُتَساويةٍ، بَل على أرضٍ تُشبِه الكُرةَ؛ ولِذلك لا يَنفُذُ البَصَرُ إلى ما وراءَ المُنحَنى؛ مُنحَنى الكُرةِ، ولا يُسمعُ الدَّاعي، لَكِن في الآخِرةِ يَقولُ الله عزَّ وجَلَّ"وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ"الانشقاق: 3.يَعني: تُمَدُّ مَدًّا واحِدًا ليس فيها جِبالٌ ولا انحِناءٌ ولا مَساكِنُ؛ ولِهذا يُسمِعُهمُ الدَّاعي؛ لأنَّه لا يوجَدُ شَيءٌ يَرُدُّ الصَّوتَ، ويَنفُذُهمُ البَصَرُ: يُرى أقصاهم كما يُرى أدناهم، فيُحشَرُ الخَلائِقُ كُلُّهم على هذه الأرضِ المَسطوحةِ، لا جِبالَ ولا أنهارَ ولا شِعابَ ولا غَيرَها. لقاء الباب المفتوح: رقم اللقاء: 234.
صِفةُ حَشرِ الخَلْقِ:
هناك صِفاتٌ عامَّةٌ يُحشَرُ عليها جَميعُ البَشَرِ، وهيَ حَشرُهم حُفاةً عُراةً غُرْلًا.
" إنَّكُمْ مُلَاقُو اللهِ مُشَاةً حُفَاةً، عُرَاةً غُرْلًا." الراوي : عبدالله بن عباس -صحيح مسلم .
"إنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفاةً عُراةً غُرْلًا ، ثُمَّ قَرَأَ"كما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عليْنا إنَّا كُنَّا فاعِلِينَ"الأنبياء: 104، وأَوَّلُ مَن يُكْسَى يَومَ القِيامَةِ إبْراهِيمُ....."الراوي : عبدالله بن عباس - صحيح البخاري .
والمَقصودُ أنَّهم يُحشَرونَ كما خُلِقوا لا شَيءَ مَعَهم ولا يُفقَدُ منهم شَيءٌ حَتَّى الغُرلةُ تَكونُ مَعَهم.شرح صحيح مسلم.فمن بُتِرَ منه أي عضو في الدنيا يعود كما كان في هذا اليوم العصيب.
فكَما أنَّ الإنسانَ يَخرُجُ من بَطنِ أمِّه هَكَذا عاريًا غَيرَ مُنتَعِلٍ، غَيرَ مَختونٍ، ليس معه مالٌ، فكَذلك يَخرُجُ من بَطنِ الأرضِ يَومَ القيامةِ على هذه الصِّفةِ.
ذكَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ أوَّلَ مَن يُكْسى مِن الأنبياءِ يَومَ القيامةِ إبراهيمُ الخَليلُ عليه السَّلامُ، ولا يَلزَمُ مِن تَخصيصِ نَبيِّ اللهِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ بأنَّه أوَّلُ مَن يُكْسَى، أفْضلِيَّتُه على نَبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فاللهُ عزَّ وجلَّ قَد يَخُصُّ أحدًا مِن الأنبياءِ أو غيرِهم بشَيءٍ يَتمَيَّزُ به عَن غيرِه، ولا يُوجِبُ ذلكَ الفضْلَ المُطلَقَ.
وهناك صِفاتٌ خاصَّةٌ يَأتي بها بَعضُ الخَلائِقِ، وهيَ هَيئاتٌ مُختَلِفةٌ بَعضُها حَسَنٌ، وبَعضُها قَبيحٌ، بحَسَبِ ما قَدَّموه من خَيرٍ وشَرٍّ.
يَبعثُ اللهُ كلَّ إنسانٍ على ما ماتَ عليه مِن اعتقادٍ وعملٍ فيُجازِيه عليه.
"يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ علَى ما ماتَ عليه."الراوي : جابر بن عبدالله - صحيح مسلم .
فعلى الإنسانِ أنْ يَجتَهِدَ في فِعْلِ الأعْمالِ الصالِحَةِ؛ لأجْلِ أنْ يَبعَثَه اللهُ عزَّ وجلَّ على عَمَلٍ صالِحٍ، وعليه أنْ يَتَمسَّكَ بالإسلامِ وحدُودِهِ في حَياتِه؛ لِيَموتَ على ذلكَ الحال .
يَبعثُ اللهُ كلَّ إنسانٍ على ما ماتَ عليه مِن اعتقادٍ وعملٍ فيُجازِيه عليه.ومن ذلك:
موت الحاج:
"أنَّ رَجُلًا كانَ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وهو مُحْرِمٌ، فَمَاتَ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اغْسِلُوهُ بمَاءٍ وسِدْرٍ، وكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، ولَا تَمَسُّوهُ بطِيبٍ، ولَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فإنَّه يُبْعَثُ يَومَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا."الراوي : عبدالله بن عباس - صحيح البخاري .
أَمَر النبيُّ صَلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يَغسِلوه بِماءٍ وسِدْرٍ، وهو ورقُ شجرِ النَّبْقِ، له رائحةٌ طيِّبةٌ، ولكنْ لا يُستخدَمُ كطِيبٍ، وأن يُكَفِّنوه في ثَوبَينِ، ولا يُحَنِّطوه بوضعِ الطِّيبِ الَّذي يُخلطُ ويوضَعُ للمَيتِ؛ لأنَّه قد مات متلبِّسًا بالحجِّ، والحاجُّ لا يَتطيَّبُ، ولا يُخَمِّروا رَأْسَه، فلا يُغَطُّوه؛ لِأَنَّه مُحرِمٌ، وعلَّل ذلك بأنَّه يُبعَثُ يَومَ القيامةِ يُلَبِّي، وهي الصورةُ التي مات عليها. وفي الحَديثِ: أنَّ المُحرِمَ إذا مات فإنَّه يَبقى في حَقِّه حُكمُ الإحْرامِ، فلا يُحَنَّطُ، ولا يُغَطَّى رَأْسُه، ولا يُكَفَّنُ في ثَلاثةِ أثْوابٍ كغَيرِه. وفيه: الكَفَنُ في ثَوبَيْنِ لِلمُحْرِمِ. وفيه: مَشروعيَّةُ تَكْفينِ المُحرِمِ في ثيابِ إحْرامِه.الدرر السنية.
الشهيد: قال النبي صلى الله عليه وسلم :"كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ في سَبيلِ اللَّهِ، يَكونُ يَومَ القِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا، إذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، والعَرْفُ عَرْفُ المِسْكِ." الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري
يُبيِّنُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ كلَّ جُرحٍ يُجرَحُه المسلمُ في القتالِ في سَبيلِ اللهِ، يكونُ يومَ القِيامةِ على حالتِه الَّتي جُرحِ به في الدُّنيا عندَما طُعِنَ، يَسيلُ ويَتفجَّرُ منها الدَّمُ، ولكنَّ هذا الدَّمَ وإنْ كان لوْنُه لوْنَ الدَّمِ إلَّا أنَّ عَرْفَه -يعني: رائحتَه- تكونُ طَيِّبةً مِثلَ رائحةِ المِسْكِ. وقيل: الحِكمةُ في كَونِ الدَّمِ يَأتي يومَ القِيامةِ على هَيئتِه أنَّه يَشهَدُ لِصاحِبِه بفَضْلِه، وعلى قاتِلِه بفِعلِه، وفائدةُ رائحتِه الطَّيِّبةِ أنْ تَنتشِرَ في أهلِ الموقفِ؛ إظهارًا لفَضيلتِه أيضًا، ومِن ثَمَّ لم يُشرَعْ غَسْلُ شَهيدِ المَعركةِ.
حَشرُ المُتكَبِّرينَ يَوم القيامةِ:
"يُحشَرُ المتَكَبِّرونَ يومَ القيامةِ أمثالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجالِ يغشاهمُ الذُّلُّ من كلِّ مَكانٍ، يُساقونَ إلى سجنٍ في جَهَنَّمَ يسمَّى بولُسَ تعلوهُم نارُ الأَنْيارِ يُسقونَ من عُصارةِ أَهْلِ النَّارِ طينةَ الخبالِ"خلاصة حكم المحدث : حسن-الراوي : عبدالله بن عمرو - المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الترمذي .
توَعَّد اللهُ تعالى المتكبِّرين الَّذين يتَكبَّرون على عِبادةِ اللهِ تعالى، وعلى خلْقِ اللهِ بأشَدِّ أنواعِ العذابِ يومَ القيامةِ. والكِبرُ: إنكارُ الحقِّ وتَحقيرُ النَّاسِ.
"يومَ القيامةِ"، أي: يَحشُرُهم يَومَ القيامةِ في أرضِ المَحشَرِ، وهُم "أمثالُ"، أي: مِثلُ وفي حَجْمِ، "الذَّرِّ"، أي: النَّملِ الصَّغيرِ،وقيل: الذَّرَّةُ يُرادُ بها ما يُرى مِن هباءٍ وغُبارٍ في شُعاعِ الشَّمسِ الدَّاخِلِ في النَّافذةِ، في "صُورِ الرِّجالِ"، أي: على صُورِ الرِّجالِ في هيئَتِهم، ولكنَّ حَجْمَهم حَجمُ النَّملِ في الصِّغَرِ والحقارةِ، "يَغْشاهم"، أي: يأتيهم ويَنالُهم، "الذُّلُّ"، أي: المهانةُ، "مِن كلِّ مكانٍ" ومِن كلِّ جانبٍ بأنْ يطَأَهم الخلائقُ ويَدوسوا عليهم بأرجُلِهم؛ وذلك الجَزاءُ مِن جِنسِ عَملِهم؛ فإنَّهم لَمَّا تَكبَّروا وأرادوا العِزَّةَ والعُلوَّ بغيرِ الحقِّ، أذلَّهم اللهُ تعالى وصَغَّرَ وحَقَّرَ شأنَهم؛ فعُومِلُوا بنقيض قَصدِهم جَزاءً وفاقًا. ، يُساقونَ إلى سجنٍ في جَهَنَّمَ يسمَّى بولُسَ: ويُسحَبون ويُجَرُّون، أي: تَسوقُهم الملائكةُ بأمرِ ربِّها إلى "سِجْنٍ"، وهو المكانُ المُظلِمُ الضَّيِّقُ المُعَدُّ للحبسِ "في جَهنَّمَ"، أعَدَّه اللهُ تعالى للمُتكبِّرين، "يُسمَّى" هذا السِّجنُ باسمِ "بَولَسَ"- بفتحِ الباءِ وقيل: بضَمِّها، وسكونِ الواو وفتحِ اللَّامِ- قيل: هو مِن الإبلاسِ، بمعنى: اليأسِ، ولعلَّ هذا السِّجنَ إنَّما سُمِّي به؛ لأنَّ الدَّاخِلَ فيه يائسٌ مِن الخَلاصِ عمَّا قريبٍ، "تَعْلوهُم"، أي: تأتي مِن فوقِهم، وتَغْشاهم وتُحيطُ بهم "نارُ الأنيارِ"، جمعُ نارٍ، وأُضيفَ إليها لفظُ نارٍ؛ للمُبالَغةِ في الإحراقِ وشِدَّةِ الحرِّ، وقيل: إنَّها أصلُ نيرانِ العالَمِ، "يُسقَون" بصيغةِ المجهولِ، أي: تَسْقيهم الملائكةُ مِن خزَنةِ جَهنَّمَ بأمرِ ربِّها، "مِن عُصارةِ أهلِ النَّارِ"، وهو ما يَسيلُ مِن دَمٍ وقيحٍ وصديدٍ مِن أهلِ النَّارِ، ونَتنِهم، وهذه العُصارةُ تُسمَّى "طِينةَ الخَبالِ"، أي: الفسادَ الَّذي يَفسُدُ به البدَنُ.
وفي الحديثِ: ذَمُّ الكِبْرِ والمتكبِّرين، وبيانُ سُوءِ عاقِبَتِهم.
وفيه: تَعدُّدُ أنواعِ العَذابِ في النَّارِ، أعاذَنا اللهُ منها.الدرر السنية.
حَشْرُ السَّائِلينَ غَيرِ المُحتاجينَ:
"ما يَزالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حتَّى يَأْتِيَ يَومَ القِيامَةِ وليسَ في وجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ."الراوي : عبدالله بن عمر-صحيح مسلم.
المالُ مِن فِتَنِ الحياةِ الدُّنيا التي يَنبغي لِلمُؤمِنِ أنْ يَصُونَ نفْسَه عن الحِرصِ عليه، ويَحترِزَ مِن أنْ يَتطلَّعَ إلى ما في أيْدي الناسِ، ويَجترِئَ على سُؤالِهم بغَيرِ حاجةٍ، فيَبَوءَ بخِزْيِ الدُّنيا والآخرةِ. وفي الحديثُ بَيَّنَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ الإنسانَ الذي يَسأَلُ الناسَ عن غَيرِ فَقْرٍ وَفاقةٍ، وإنَّما يَسأَلُ تَكثُّرًا، ويُذِلُّ نفْسَه، ويَمتهِنُ كَرامتَه الَّتي أوجَبَ اللهُ عليه صِيانتَها -يَغضَبُ اللهُ عليه، فيُذِلُّه ويُهِينُه يومَ القيامةِ كما أذَلَّ نفْسَه في الدُّنيا، ويَفضَحُه على رُؤوسِ الأشهادِ، فيَسلَخُ له وَجْهَه كلَّه، حتَّى يَأتيَ أمامَ النَّاسِ وليس في وَجْهِه قِطعةُ لحمٍ؛ جَزاءً وِفاقًا لِما فَعَله في الدُّنيا مِن إراقةِ ماءِ وَجْهِه.الدرر السنية.
حَشْرُ أصحابِ الغُلولِ:
قال اللهُ تعالى: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ "آل عمران: 161 .
يَعني لا تَغُلُّوا من الغَنيمةِ شَيئًا؛ فإنَّ من غَلَّ منها شَيئًا يَكونُ يَومُ القيامةِ حامِلًا لذلك الشَّيءِ؛ ليَكونَ أفضَحَ له.
قال القُرطُبيُّ: قَولُه تعالى: وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أي: يَأتي به حامِلًا له على ظَهرِه ورَقبَتِه، مُعَذَّبًا بحَملِه وثِقلِه، ومَرعوبًا بصَوتِه، ومُوبَّخًا بإظهارِ خيانَتِه على رُءوسِ الأشهادِ.
"أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اسْتَعْمَلَ عامِلًا، فَجاءَهُ العامِلُ حِينَ فَرَغَ مِن عَمَلِهِ، فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، هذا لَكُمْ، وهذا أُهْدِيَ لِي. فقالَ له: أفَلا قَعَدْتَ في بَيْتِ أبِيكَ وأُمِّكَ، فَنَظَرْتَ أيُهْدَى لكَ أمْ لا؟! ثُمَّ قامَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلاةِ، فَتَشَهَّدَ وأَثْنَى علَى اللَّهِ بما هو أهْلُهُ، ثُمَّ قالَ: أمَّا بَعْدُ؛ فَما بالُ العامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ، فَيَأْتِينا فيَقولُ: هذا مِن عَمَلِكُمْ، وهذا أُهْدِيَ لِي؟! أفَلا قَعَدَ في بَيْتِ أبِيهِ وأُمِّهِ فَنَظَرَ: هلْ يُهْدَى له أمْ لا؟! فَوالَّذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لا يَغُلُّ أحَدُكُمْ مِنْها شيئًا إلَّا جاءَ به يَومَ القِيامَةِ يَحْمِلُهُ علَى عُنُقِهِ؛ إنْ كانَ بَعِيرًا جاءَ به له رُغاءٌ ، وإنْ كانَتْ بَقَرَةً جاءَ بها لها خُوارٌ، وإنْ كانَتْ شاةً جاءَ بها تَيْعَرُ، فقَدْ بَلَّغْتُ. "الراوي : أبو حميد الساعدي -صحيح البخاري .
الوِلَايَةُ والإِمَارَةُ مِن الأَمانةِ التي سَيُسأَل عنها الوَالِي والأَمِيرُ؛ فكلُّ مَن تَولَّى أمرًا للمُسلِمين فإنَّه مَسؤُول عنه أمامَ اللهِ تعالَى، ولا يَنبغي لِمَن تَولَّى أمرًا أنْ يَستغِلَّ هذا الأمرَ لِتَحقيقِ مَصلحةٍ خاصَّةٍ له لم يكُنْ لِيُحقِّقَها إلَّا بتَوَلِّيه هذا المنصبَ.
ولذلك لَمَّا استَعْمَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عاملًا لِيَجْمَعَ الزَّكاةَ.فجاء هذا الرَّجُلُ إلى المدينةِ بعدَ رُجوعِه مِن عمَلِه، وأَعْطَى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مالًا وقال له"هذا مالُكم"، وقال لِمَالٍ معه"وهذا أُهْدِيَ لي"، فقَالَ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُنكِرًا عليه: لوْ قَعَدْتَ في بيْتِ أَبِيك أو بيْتِ أُمِّك، لم يكُنْ لِيُهْدَى إليك شَيْءٌ، وإنَّما أُهدِيَ إليك لأجْلِ العملِ الذي تَقَلَّدْتَه.الدرر السنية.
ثم أقسم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم باللهِ الذي يملِكُ قَبْضَ رُوحِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنه لا يَأخُذُ أحدٌ شيْئًا مِن الصَّدَقَةِ بغَيْر حَقٍّ، إلَّا أتى يوْمَ القِيامةِ حاملًا ما أَخَذَ وسَرَق منها على عُنقِه؛ فإنْ كان ما أَخَذه بَعيرًا مِن الجِمالِ، فإنَّه يَأْتي به حاملًا إيَّاهُ على عُنقِه، ويكونُ له رُغَاءٌ، وهو صَوْتُ البَعِير، وإنْ كانتْ بَقَرةً جاءتْ لها خُوَارٌ، وهو صَوْتُ البَقَرِ، وإن كانت شَاةً جاء بها تَيْعَرُ، أي: تَصِيح، وَاليُعَارُ: صَوْتُ الغَنَمِ.الدرر السنية.
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 05-19-2026, 04:48 AM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
مدير
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 4,457
Haedphone

الزلزلة :
"إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا" الزلزلة:1.
اختلف العلماء في وقت الزلزلة المذكورة في قوله تعالى"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ"الحج:1.هل الزلزلة قبل نفخة البعث أم بعدها؟
قال صاحب أضواء البيان: اختلف العلماء في وقت هذه الزلزلة المذكورة هنا، هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عَرَصَات القيامِةِ - قال ابن حجر في الفتح :181/6 :العَرْصَة: هي البقعة الواسعة بغير بناء من دار و غيرها. "ومنه: عرصات يوم القيامة، وهي المكان الواسع الذي يقف فيه الناس للحساب. - ، أو هي عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من القبور؟
فقالت جماعة من أهل العلم: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر هذه الدنيا، وأول أحوال الساعة، وممن قال بهذا القول، علقمة والشعبي وإبراهيم وعبيد بن عبيد، وهذا القول من حيث المعنى له وجه من النظر، لكنه لم يثبت ما يؤيده من النقل؛ بل الثابت من النقل يؤيد خلافه وهو القول الآخر.
القول الآخر القائلين بأن الزلزلة المذكورة كائنة يوم القيامة بعد البعث من القبور، فهي ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من تصريحه بذلك، وبذلك تعلم أن هذا القول هو الصواب كما لا يخفى.
قال تعالى " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)الحج.
قال البخاري رحمه الله في صحيحه في التفسير في باب قوله : وترى الناس سكارى : قال :حدثنا عمر بن حفص ، قال حدثنا أبي ، قال: حدثنا الأعمش ، قال: حدثنا أبو صالح ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " يقول الله عز وجل يوم القيامة : يا آدم . فيقول : لبيك ربنا وسعديك . فينادى بصوت : إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار . قال : يا رب ، وما بعث النار ؟ قال : من كل ألف - أراه قال - تسعمائة وتسعة وتسعين ، فحينئذ تضع الحامل حملها ، ويشيب الوليد ، وترى الناس سكارى ، وما هم بسكارى ، ولكن عذاب الله شديد . فشق ذلك على الناس ، حتى تغيرت وجوههم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ، ومنكم واحد ، وأنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض ، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود ، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة . فكبرنا ، ثم قال : ثلث أهل الجنة . فكبرنا ، ثم قال : شطر أهل الجنة . فكبرنا " .انتهى من صحيح البخاري.
وفيه تصريح النبي صلى الله عليه وسلم بأن الوقت الذي تضع فيه الحامل حملها ، وترى الناس سكارى ، وما هم بسكارى : هو يوم القيامة لا آخر الدنيا .
مَنْ أول مَنْ يُبْعَث :
أولُ مَنْ يُبْعَث رسولنا صلى الله عليه وسلم ، وهو أول من تنشق عنه الأرض ، كما جاء في الصحيحين .
قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ" أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر، وأنا أولُ من تنشقُّ الأرضُ عنه يومَ القيامةِ ولا فخر وأنا أولُ شافعٍ وأولُ مشفَّعٍ ولا فخر ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فخرَ"خلاصة حكم المحدث : صحيح- الراوي : أبو سعيد الخدري- المحدث : الألباني- المصدر : صحيح ابن ماجه.
"عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ ، فَقَالَ المُسْلِمُ : وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى العَالَمِينَ ، فِي قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ : وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى العَالَمِينَ ، فَرَفَعَ المُسْلِمُ عِنْدَ ذَلِكَ يَدَهُ فَلَطَمَ اليَهُودِيَّ ، فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ المُسْلِمِ ، فَقَالَ: لاَ تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ العَرْشِ ، فَلاَ أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي ، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ"صحيح البخاري كتاب أحاديث الأنبياء.
ثم بعد إفاقة النبي صلى الله عليه وسلم يخرج الناس جميعًا من قبورهم حفاة ؛عراة ؛غُرْلًا أي: غير مختونين.
"يُحْشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، النِّساءُ والرِّجالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ! قالَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: يا عائِشَةُ، الأمْرُ أشَدُّ مِن أنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ."الراوي : عائشة أم المؤمنين -صحيح مسلم.
شرح الحديث : يومُ القيامةِ يَومٌ عَظيمٌ وشَديدٌ، يقومُ فيه النَّاسُ بيْنَ يَدَي ربِّ العالَمِين للحسابِ، وفيه مِن الأهوالِ ما يُذهِلُ العقولَ والألبابَ، ويَظهَرُ النَّاسُ فيه كالسُكارى مِن شِدَّةِ الخوفِ. وفي هذا الحديثِ يَصِفُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعضَ ما في هذا اليومِ، حيث يقولُ"يُحْشَرُ النَّاسُ يومَ القيامةِ"، فيُجْمَعون بعْدَ البَعثِ مِن الموتِ، ويَقُومون للحسابِ، وهم حُفاة الأقدامِ بلا أحذيةٍ ولا نِعالٍ، وعُراةُ الأجسادِ بلا ثِيابٍ ولا سُتُورٍ، غُرْلًا غيرَ مَخْتونِين، قد ذهَب عنهم كلُّ ما كَانوا فيهِ في الدُّنيا وعَادُوا كما خَلَقَهم اللهُ؛ كما في قولِه تعالَى"كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ"الأنبياء: 104، فلمَّا سَمِعَت عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها ذلكَ قالتْ مُتسائلةً مُتعجِّبةً"يا رسولَ اللهِ، النِّساءُ والرِّجالُ جميعًا يَنظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ؟!"، وهذا اسْتِفهامٌ واسْتِغرابٌ من أنْ يُجْمَعَ النُّاسُ عُراةً وعَوْراتهم ظَاهِرة أمام بعضِهم رجالًا ونساءً؛ فهل يَنظُرون إلى بعضِهم البَعضِ؟! فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ"يا عائشةُ، الأمرُ أَشَدُّ مِن أنْ يَنظُرَ بعضُهم إلى بعضٍ"، أيْ: إنَّ شأنَ المُوقِفِ والحَشْرِ بَعْدَ البَعْثِ مِن الموتِ فيه مِن الأهوالِ ما يَأخُذُ اهْتِمامَ النَّاسِ وأَبْصارَهم عن النَّظرِ إلى العَوْراتِ، ومِنْها ما قال اللهُ تعالى"يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ"الحج: 2.
انتقال الناس إلى أرض المحشر:
الْحَشْرُ هو إخراج الجماعة عن مقرهم .الْحَشْرُ في الشرع عند الإطلاق إخراج الموتى من قبورهم ، وسوقهم إلى الموقف للحساب والجزاء . والنشر إحياء الميت بعد موته . ومنه قوله تعالى " ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ" عبس: 22. أي أحياه.والْحَشْر يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ النَّشْرِ لِاتِّصَالِهِ بِهِ.
"يُحْشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيامَةِ علَى أرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ، كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ. قالَ سَهْلٌ أوْ غَيْرُهُ: ليسَ فيها مَعْلَمٌ لأحَدٍ. "الراوي : سهل بن سعد الساعدي -صحيح البخاري.
عَفْراءَ : أي: ليْس بَياضُها بالنَّاصعِ، أو تَضرِبُ إلى الحُمرةِ قليلًا، كَقُرْصَةِ خُبْزٍ نَقِيٍّ سالمٍ دَقيقُه مِن الغشِّ والنُّخالةِ.
ليسَ فيها مَعْلَمٌ لأحَدٍ : ليْس في الأرضِ المذكورةِ شيءٌ مِنَ العلاماتِ التي يُهتدَى بها ويُستدَلُّ بها على الطَّريقِ، وفي هذا تعريضٌ بأنَّ أرضَ الدُّنيا ذهبت وانقطعت العَلاقةُ منها.
وَوَقَعَ خِلافٌ في أرضِ المَحْشَرِ فهَل هيَ أرضٌ أخرى غَيرُ أرضِ الدُّنيا أو هيَ ذاتُها مَعَ تَبديلِ صِفاتِها إلى صِفاتٍ أخرى؟
قال اللهُ تعالى" يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ "إبراهيم: 48.
وقال السَّعديُّ "يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيرَ الأَرْضِ والسَّمَوَاتُ" وهذا التَّبديلُ تَبديلُ صِفاتٍ، لا تَبديلُ ذاتٍ؛ فإنَّ الأرضَ يَومَ القيامةِ تُسوَّى وتُمَدُّ كمدِّ الأديمِ ويُلقى ما على ظَهرِها من جَبَلٍ ومَعلَمٍ، فتَصيرُ قاعًا صَفْصفًا – أي مستويًا لا يرى فيه أيها الناظر عِوَجًا، هذا من تمام استوائها ، لا تَرى فيها عِوَجًا ولا أَمْتًا.أَمْتًا :الروابي والنشوز.
".......يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ والكَرْبِ ما لا يُطِيقُونَ ولَا يَحْتَمِلُونَ...."الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري.
وفي رواية أخرى:
"...يَجْمَعُ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، فيُبْصِرُهُمُ النَّاظِرُ ويُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وتَدْنُو منهمُ الشَّمْسُ ...." الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري.
قال القُرطُبيُّ: المَعنى أنَّهم يُجمَعونَ في مَكانٍ واحِدٍ بحَيثُ لا يَخفى منهم أحَدٌ لَو دَعاهم داعٍ لسَمعوه، ولَو نَظَرَ إليهم ناظِرٌ لأدرَكَهم.
وقال ابنُ عُثَيمين: إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتعالى يَجمَعُ الأوَّلينَ والآخِرينَ في صَعيدٍ واحِدٍ مُتَساوٍ، يُسمِعُهمُ الدَّاعي ويَنفُذُهمُ البَصَرُ، نَحنُ في الدُّنيا لَسنا على أرضٍ مُتَساويةٍ، بَل على أرضٍ تُشبِه الكُرةَ؛ ولِذلك لا يَنفُذُ البَصَرُ إلى ما وراءَ المُنحَنى؛ مُنحَنى الكُرةِ، ولا يُسمعُ الدَّاعي، لَكِن في الآخِرةِ يَقولُ الله عزَّ وجَلَّ"وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ"الانشقاق: 3.يَعني: تُمَدُّ مَدًّا واحِدًا ليس فيها جِبالٌ ولا انحِناءٌ ولا مَساكِنُ؛ ولِهذا يُسمِعُهمُ الدَّاعي؛ لأنَّه لا يوجَدُ شَيءٌ يَرُدُّ الصَّوتَ، ويَنفُذُهمُ البَصَرُ: يُرى أقصاهم كما يُرى أدناهم، فيُحشَرُ الخَلائِقُ كُلُّهم على هذه الأرضِ المَسطوحةِ، لا جِبالَ ولا أنهارَ ولا شِعابَ ولا غَيرَها. لقاء الباب المفتوح: رقم اللقاء: 234.
صِفةُ حَشرِ الخَلْقِ:
هناك صِفاتٌ عامَّةٌ يُحشَرُ عليها جَميعُ البَشَرِ، وهيَ حَشرُهم حُفاةً عُراةً غُرْلًا.
" إنَّكُمْ مُلَاقُو اللهِ مُشَاةً حُفَاةً، عُرَاةً غُرْلًا." الراوي : عبدالله بن عباس -صحيح مسلم .
"إنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفاةً عُراةً غُرْلًا ، ثُمَّ قَرَأَ"كما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عليْنا إنَّا كُنَّا فاعِلِينَ"الأنبياء: 104، وأَوَّلُ مَن يُكْسَى يَومَ القِيامَةِ إبْراهِيمُ....."الراوي : عبدالله بن عباس - صحيح البخاري .
والمَقصودُ أنَّهم يُحشَرونَ كما خُلِقوا لا شَيءَ مَعَهم ولا يُفقَدُ منهم شَيءٌ حَتَّى الغُرلةُ تَكونُ مَعَهم.شرح صحيح مسلم.فمن بُتِرَ منه أي عضو في الدنيا يعود كما كان في هذا اليوم العصيب.
فكَما أنَّ الإنسانَ يَخرُجُ من بَطنِ أمِّه هَكَذا عاريًا غَيرَ مُنتَعِلٍ، غَيرَ مَختونٍ، ليس معه مالٌ، فكَذلك يَخرُجُ من بَطنِ الأرضِ يَومَ القيامةِ على هذه الصِّفةِ.
ذكَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ أوَّلَ مَن يُكْسى مِن الأنبياءِ يَومَ القيامةِ إبراهيمُ الخَليلُ عليه السَّلامُ، ولا يَلزَمُ مِن تَخصيصِ نَبيِّ اللهِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ بأنَّه أوَّلُ مَن يُكْسَى، أفْضلِيَّتُه على نَبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فاللهُ عزَّ وجلَّ قَد يَخُصُّ أحدًا مِن الأنبياءِ أو غيرِهم بشَيءٍ يَتمَيَّزُ به عَن غيرِه، ولا يُوجِبُ ذلكَ الفضْلَ المُطلَقَ.
وهناك صِفاتٌ خاصَّةٌ يَأتي بها بَعضُ الخَلائِقِ، وهيَ هَيئاتٌ مُختَلِفةٌ بَعضُها حَسَنٌ، وبَعضُها قَبيحٌ، بحَسَبِ ما قَدَّموه من خَيرٍ وشَرٍّ.
يَبعثُ اللهُ كلَّ إنسانٍ على ما ماتَ عليه مِن اعتقادٍ وعملٍ فيُجازِيه عليه.
"يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ علَى ما ماتَ عليه."الراوي : جابر بن عبدالله - صحيح مسلم .
فعلى الإنسانِ أنْ يَجتَهِدَ في فِعْلِ الأعْمالِ الصالِحَةِ؛ لأجْلِ أنْ يَبعَثَه اللهُ عزَّ وجلَّ على عَمَلٍ صالِحٍ، وعليه أنْ يَتَمسَّكَ بالإسلامِ وحدُودِهِ في حَياتِه؛ لِيَموتَ على ذلكَ الحال .
يَبعثُ اللهُ كلَّ إنسانٍ على ما ماتَ عليه مِن اعتقادٍ وعملٍ فيُجازِيه عليه.ومن ذلك:
موت الحاج:
"أنَّ رَجُلًا كانَ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وهو مُحْرِمٌ، فَمَاتَ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اغْسِلُوهُ بمَاءٍ وسِدْرٍ، وكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، ولَا تَمَسُّوهُ بطِيبٍ، ولَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فإنَّه يُبْعَثُ يَومَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا."الراوي : عبدالله بن عباس - صحيح البخاري .
أَمَر النبيُّ صَلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يَغسِلوه بِماءٍ وسِدْرٍ، وهو ورقُ شجرِ النَّبْقِ، له رائحةٌ طيِّبةٌ، ولكنْ لا يُستخدَمُ كطِيبٍ، وأن يُكَفِّنوه في ثَوبَينِ، ولا يُحَنِّطوه بوضعِ الطِّيبِ الَّذي يُخلطُ ويوضَعُ للمَيتِ؛ لأنَّه قد مات متلبِّسًا بالحجِّ، والحاجُّ لا يَتطيَّبُ، ولا يُخَمِّروا رَأْسَه، فلا يُغَطُّوه؛ لِأَنَّه مُحرِمٌ، وعلَّل ذلك بأنَّه يُبعَثُ يَومَ القيامةِ يُلَبِّي، وهي الصورةُ التي مات عليها. وفي الحَديثِ: أنَّ المُحرِمَ إذا مات فإنَّه يَبقى في حَقِّه حُكمُ الإحْرامِ، فلا يُحَنَّطُ، ولا يُغَطَّى رَأْسُه، ولا يُكَفَّنُ في ثَلاثةِ أثْوابٍ كغَيرِه. وفيه: الكَفَنُ في ثَوبَيْنِ لِلمُحْرِمِ. وفيه: مَشروعيَّةُ تَكْفينِ المُحرِمِ في ثيابِ إحْرامِه.الدرر السنية.
الشهيد: قال النبي صلى الله عليه وسلم :"كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ في سَبيلِ اللَّهِ، يَكونُ يَومَ القِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا، إذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، والعَرْفُ عَرْفُ المِسْكِ." الراوي : أبو هريرة - صحيح البخاري
يُبيِّنُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ كلَّ جُرحٍ يُجرَحُه المسلمُ في القتالِ في سَبيلِ اللهِ، يكونُ يومَ القِيامةِ على حالتِه الَّتي جُرحِ به في الدُّنيا عندَما طُعِنَ، يَسيلُ ويَتفجَّرُ منها الدَّمُ، ولكنَّ هذا الدَّمَ وإنْ كان لوْنُه لوْنَ الدَّمِ إلَّا أنَّ عَرْفَه -يعني: رائحتَه- تكونُ طَيِّبةً مِثلَ رائحةِ المِسْكِ. وقيل: الحِكمةُ في كَونِ الدَّمِ يَأتي يومَ القِيامةِ على هَيئتِه أنَّه يَشهَدُ لِصاحِبِه بفَضْلِه، وعلى قاتِلِه بفِعلِه، وفائدةُ رائحتِه الطَّيِّبةِ أنْ تَنتشِرَ في أهلِ الموقفِ؛ إظهارًا لفَضيلتِه أيضًا، ومِن ثَمَّ لم يُشرَعْ غَسْلُ شَهيدِ المَعركةِ.
حَشرُ المُتكَبِّرينَ يَوم القيامةِ:
"يُحشَرُ المتَكَبِّرونَ يومَ القيامةِ أمثالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجالِ يغشاهمُ الذُّلُّ من كلِّ مَكانٍ، يُساقونَ إلى سجنٍ في جَهَنَّمَ يسمَّى بولُسَ تعلوهُم نارُ الأَنْيارِ يُسقونَ من عُصارةِ أَهْلِ النَّارِ طينةَ الخبالِ"خلاصة حكم المحدث : حسن-الراوي : عبدالله بن عمرو - المحدث : الألباني -المصدر : صحيح الترمذي .
توَعَّد اللهُ تعالى المتكبِّرين الَّذين يتَكبَّرون على عِبادةِ اللهِ تعالى، وعلى خلْقِ اللهِ بأشَدِّ أنواعِ العذابِ يومَ القيامةِ. والكِبرُ: إنكارُ الحقِّ وتَحقيرُ النَّاسِ.
"يومَ القيامةِ"، أي: يَحشُرُهم يَومَ القيامةِ في أرضِ المَحشَرِ، وهُم "أمثالُ"، أي: مِثلُ وفي حَجْمِ، "الذَّرِّ"، أي: النَّملِ الصَّغيرِ،وقيل: الذَّرَّةُ يُرادُ بها ما يُرى مِن هباءٍ وغُبارٍ في شُعاعِ الشَّمسِ الدَّاخِلِ في النَّافذةِ، في "صُورِ الرِّجالِ"، أي: على صُورِ الرِّجالِ في هيئَتِهم، ولكنَّ حَجْمَهم حَجمُ النَّملِ في الصِّغَرِ والحقارةِ، "يَغْشاهم"، أي: يأتيهم ويَنالُهم، "الذُّلُّ"، أي: المهانةُ، "مِن كلِّ مكانٍ" ومِن كلِّ جانبٍ بأنْ يطَأَهم الخلائقُ ويَدوسوا عليهم بأرجُلِهم؛ وذلك الجَزاءُ مِن جِنسِ عَملِهم؛ فإنَّهم لَمَّا تَكبَّروا وأرادوا العِزَّةَ والعُلوَّ بغيرِ الحقِّ، أذلَّهم اللهُ تعالى وصَغَّرَ وحَقَّرَ شأنَهم؛ فعُومِلُوا بنقيض قَصدِهم جَزاءً وفاقًا. ، يُساقونَ إلى سجنٍ في جَهَنَّمَ يسمَّى بولُسَ: ويُسحَبون ويُجَرُّون، أي: تَسوقُهم الملائكةُ بأمرِ ربِّها إلى "سِجْنٍ"، وهو المكانُ المُظلِمُ الضَّيِّقُ المُعَدُّ للحبسِ "في جَهنَّمَ"، أعَدَّه اللهُ تعالى للمُتكبِّرين، "يُسمَّى" هذا السِّجنُ باسمِ "بَولَسَ"- بفتحِ الباءِ وقيل: بضَمِّها، وسكونِ الواو وفتحِ اللَّامِ- قيل: هو مِن الإبلاسِ، بمعنى: اليأسِ، ولعلَّ هذا السِّجنَ إنَّما سُمِّي به؛ لأنَّ الدَّاخِلَ فيه يائسٌ مِن الخَلاصِ عمَّا قريبٍ، "تَعْلوهُم"، أي: تأتي مِن فوقِهم، وتَغْشاهم وتُحيطُ بهم "نارُ الأنيارِ"، جمعُ نارٍ، وأُضيفَ إليها لفظُ نارٍ؛ للمُبالَغةِ في الإحراقِ وشِدَّةِ الحرِّ، وقيل: إنَّها أصلُ نيرانِ العالَمِ، "يُسقَون" بصيغةِ المجهولِ، أي: تَسْقيهم الملائكةُ مِن خزَنةِ جَهنَّمَ بأمرِ ربِّها، "مِن عُصارةِ أهلِ النَّارِ"، وهو ما يَسيلُ مِن دَمٍ وقيحٍ وصديدٍ مِن أهلِ النَّارِ، ونَتنِهم، وهذه العُصارةُ تُسمَّى "طِينةَ الخَبالِ"، أي: الفسادَ الَّذي يَفسُدُ به البدَنُ.
وفي الحديثِ: ذَمُّ الكِبْرِ والمتكبِّرين، وبيانُ سُوءِ عاقِبَتِهم.
وفيه: تَعدُّدُ أنواعِ العَذابِ في النَّارِ، أعاذَنا اللهُ منها.الدرر السنية.
حَشْرُ السَّائِلينَ غَيرِ المُحتاجينَ:
"ما يَزالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حتَّى يَأْتِيَ يَومَ القِيامَةِ وليسَ في وجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ."الراوي : عبدالله بن عمر-صحيح مسلم.
المالُ مِن فِتَنِ الحياةِ الدُّنيا التي يَنبغي لِلمُؤمِنِ أنْ يَصُونَ نفْسَه عن الحِرصِ عليه، ويَحترِزَ مِن أنْ يَتطلَّعَ إلى ما في أيْدي الناسِ، ويَجترِئَ على سُؤالِهم بغَيرِ حاجةٍ، فيَبَوءَ بخِزْيِ الدُّنيا والآخرةِ. وفي الحديثُ بَيَّنَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ الإنسانَ الذي يَسأَلُ الناسَ عن غَيرِ فَقْرٍ وَفاقةٍ، وإنَّما يَسأَلُ تَكثُّرًا، ويُذِلُّ نفْسَه، ويَمتهِنُ كَرامتَه الَّتي أوجَبَ اللهُ عليه صِيانتَها -يَغضَبُ اللهُ عليه، فيُذِلُّه ويُهِينُه يومَ القيامةِ كما أذَلَّ نفْسَه في الدُّنيا، ويَفضَحُه على رُؤوسِ الأشهادِ، فيَسلَخُ له وَجْهَه كلَّه، حتَّى يَأتيَ أمامَ النَّاسِ وليس في وَجْهِه قِطعةُ لحمٍ؛ جَزاءً وِفاقًا لِما فَعَله في الدُّنيا مِن إراقةِ ماءِ وَجْهِه.الدرر السنية.
حَشْرُ أصحابِ الغُلولِ:
قال اللهُ تعالى: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ "آل عمران: 161 .
يَعني لا تَغُلُّوا من الغَنيمةِ شَيئًا؛ فإنَّ من غَلَّ منها شَيئًا يَكونُ يَومُ القيامةِ حامِلًا لذلك الشَّيءِ؛ ليَكونَ أفضَحَ له.
قال القُرطُبيُّ: قَولُه تعالى: وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أي: يَأتي به حامِلًا له على ظَهرِه ورَقبَتِه، مُعَذَّبًا بحَملِه وثِقلِه، ومَرعوبًا بصَوتِه، ومُوبَّخًا بإظهارِ خيانَتِه على رُءوسِ الأشهادِ.
"أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اسْتَعْمَلَ عامِلًا، فَجاءَهُ العامِلُ حِينَ فَرَغَ مِن عَمَلِهِ، فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، هذا لَكُمْ، وهذا أُهْدِيَ لِي. فقالَ له: أفَلا قَعَدْتَ في بَيْتِ أبِيكَ وأُمِّكَ، فَنَظَرْتَ أيُهْدَى لكَ أمْ لا؟! ثُمَّ قامَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلاةِ، فَتَشَهَّدَ وأَثْنَى علَى اللَّهِ بما هو أهْلُهُ، ثُمَّ قالَ: أمَّا بَعْدُ؛ فَما بالُ العامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ، فَيَأْتِينا فيَقولُ: هذا مِن عَمَلِكُمْ، وهذا أُهْدِيَ لِي؟! أفَلا قَعَدَ في بَيْتِ أبِيهِ وأُمِّهِ فَنَظَرَ: هلْ يُهْدَى له أمْ لا؟! فَوالَّذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لا يَغُلُّ أحَدُكُمْ مِنْها شيئًا إلَّا جاءَ به يَومَ القِيامَةِ يَحْمِلُهُ علَى عُنُقِهِ؛ إنْ كانَ بَعِيرًا جاءَ به له رُغاءٌ ، وإنْ كانَتْ بَقَرَةً جاءَ بها لها خُوارٌ، وإنْ كانَتْ شاةً جاءَ بها تَيْعَرُ، فقَدْ بَلَّغْتُ. "الراوي : أبو حميد الساعدي -صحيح البخاري .
الوِلَايَةُ والإِمَارَةُ مِن الأَمانةِ التي سَيُسأَل عنها الوَالِي والأَمِيرُ؛ فكلُّ مَن تَولَّى أمرًا للمُسلِمين فإنَّه مَسؤُول عنه أمامَ اللهِ تعالَى، ولا يَنبغي لِمَن تَولَّى أمرًا أنْ يَستغِلَّ هذا الأمرَ لِتَحقيقِ مَصلحةٍ خاصَّةٍ له لم يكُنْ لِيُحقِّقَها إلَّا بتَوَلِّيه هذا المنصبَ.
ولذلك لَمَّا استَعْمَل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عاملًا لِيَجْمَعَ الزَّكاةَ.فجاء هذا الرَّجُلُ إلى المدينةِ بعدَ رُجوعِه مِن عمَلِه، وأَعْطَى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مالًا وقال له"هذا مالُكم"، وقال لِمَالٍ معه"وهذا أُهْدِيَ لي"، فقَالَ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُنكِرًا عليه: لوْ قَعَدْتَ في بيْتِ أَبِيك أو بيْتِ أُمِّك، لم يكُنْ لِيُهْدَى إليك شَيْءٌ، وإنَّما أُهدِيَ إليك لأجْلِ العملِ الذي تَقَلَّدْتَه.الدرر السنية.
ثم أقسم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم باللهِ الذي يملِكُ قَبْضَ رُوحِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنه لا يَأخُذُ أحدٌ شيْئًا مِن الصَّدَقَةِ بغَيْر حَقٍّ، إلَّا أتى يوْمَ القِيامةِ حاملًا ما أَخَذَ وسَرَق منها على عُنقِه؛ فإنْ كان ما أَخَذه بَعيرًا مِن الجِمالِ، فإنَّه يَأْتي به حاملًا إيَّاهُ على عُنقِه، ويكونُ له رُغَاءٌ، وهو صَوْتُ البَعِير، وإنْ كانتْ بَقَرةً جاءتْ لها خُوَارٌ، وهو صَوْتُ البَقَرِ، وإن كانت شَاةً جاء بها تَيْعَرُ، أي: تَصِيح، وَاليُعَارُ: صَوْتُ الغَنَمِ.الدرر السنية.
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



أوقات الصلاة لأكثر من 6 ملايين مدينة في أنحاء العالم
الدولة:

الساعة الآن 09:19 PM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir
Powered & Developed By Advanced Technology